المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{قِيلَ يانوح اهبط بِسَلَامٍ} - تفسير الشعراوي - جـ ١١

[الشعراوي]

الفصل: {قِيلَ يانوح اهبط بِسَلَامٍ}

وقوله الحق سبحانه:

{اهبط بِسَلَامٍ مِّنَّا} [يونس:‌

‌ 48]

.

يدل على أن نوحاً عليه السلام قد تلقَّى الأمر بالنزول من السفينة ليباشر مهمته الإيمانية في أرض فيها مقومات الحياة، مما حمل في تلك السفينة من كلٍّ زوجين اثنين، ومن معه من المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى، وأغرق مَنْ قالوا عليهم إنهم أراذل.

وقول الحق سبحانه:

{أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} [هود: 48] .

تضمَّن أهل نوح عليه السلام ومَنْ آمن به، وكذلك أمم الوحوش والطيور والحيوانات والدواب.

ص: 6486

أي: أنها إشارة إلى الأمة الأساسية، وهي أمة الإنسان وإلى الأمم الخادمة للإنسان، وهكذا توفرت مقومات الحياة للمؤمنين، ويتفرَّغ نوح وقومه إلى المهمة الإيمانية في الأرض.

وقول الحق سبحانه:

{اهبط بِسَلَامٍ مِّنَّا} [هود: 48] .

والمقصود بالسلام هو الأمن والاطمئنان، فلم يَعُدْ هناك من الكافرين ما ينغِّص على نوح عليه السلام أمره، ولن يجد من يكدِّر عليه بالقول:

{جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود: 32] .

ولن يجد مَنْ يتهمه بالافتراء.

ومَنْ بقي مع نوح هم كلهم من المؤمنين، وهم قد شهدوا أن نجاتهم من الغرق قد تمت بفضل المنهج الذي بلَّغهم به نوح عن الله تعالى.

وقول الحق سبحانه:

{وَبَركَاتٍ} [هود: 48] .

يعني أن الحق سبحانه يبارك في القليل ليجعله كثيراً.

ويقال: «إن هذا الشيء مبارك» كالطعام الذي يأتي به الإنسان ليكفي اثنين، ولكنه فوجىء بخمسة من الضيوف، فيكفي هذا الجميع.

إذن: فالشيء المبارك هو القليل الذي يؤدِّي ما يؤدِّيه الكثير، مع مظنَّة أنه لا يفي.

ص: 6487

وكان يجب أن تأتي هنا كلمة {وَبَركَاتٍ} لأن ما يحمله نوح عليه السلام من كلٍّ زوجين اثنين إنما يحتاج إلى بركات الحق سبحانه وتعالى ليتكاثر ويكفي.

وقول الحق سبحانه:

{وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48] .

هذا القول يناسب الطبيعة الإنسانية، فقد كان المؤمنون مع نوح عليه السلام هم الصفوة، وبمضيِّ الزمن طرأت الغفلة على بعضٍ منهم، ويأتي جيل من بعدهم فلا يجد الأسوة أو القدوة، ثم تحيط بالأجيال التالية مؤثرات تفصلهم تماماً عن المنهج.

وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم َ: «ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوَكْت، ثم ينام النومة فتُقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه مُنتبراً، وليس فيه شيء، ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدِّي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده {ما أظرفه} ما أعقله! وما في قلبه

ص: 6488

مثقال حبة من خَرْدلٍ من إيمان» .

وهكذا تطرأ الغفلة على أصحاب المنهج، ويقول صلى الله عليه وسلم َ:«تُعرض الفِتَن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيّما قلب أشْرِبَها نُكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْباداً كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشْرِبَ مِنْ هَواه» .

وأعوذ بالله تعالى من طروء فتنة الغفلة على القلوب.

والحق سبحانه يتحدث في هذه الآية عن الذين بقوا مع نوح عليه السلام وهم صفوة من المؤمنين، لكن منهم من ستطرأ عليه الغفلة، وسيمتِّعهم الله سبحانه وتعالى أيضاً بمتاع الدنيا، ولن يضنَّ عليهم، ولكن سَيَلحقُهم العذاب.

ص: 6489

فإذا ما جاء جيل على الغافلين فهو يخضع لمؤثِّرين اثنين:

المؤثر الأول: غفلته هو.

المؤثر الثاني: أسوة الغافلين من السابقين عليه.

ونحن نعلم أن مِنْ ذرية نوح عليه السلام «قوم عادٍ» الذين أرسل الحق سبحانه إليهم هوداً عليه السلام، وكذلك «قوم ثمود» الذين أرسل إليهم أخاهم صالحاً عليه السلام، وقوم لوطٍ، وهؤلاء جميعاً رَانَتِ الغفلة على قلوبهم.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب نُوحِيهَآ إِلَيْكَ}

ص: 6490

وكلمة «تلك» إشارة وخطاب، والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم َ، و «التاء» إشارة إلى السفينة وما تبعها من أنباء الغيب، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ معاصراً لها ولا يعلمها هو، ولا يعلمها أحد من قومه.

وأنت يا رسول الله لم يُعلَم عنك إنك جلستَ إلى معلِّم، ولم يذكر عنك أنك قرأت في كتاب؛ ولذلك يأتي في القرآن:

ص: 6490

{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر} [القصص: 44] .

وجاء:

{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] .

إذن: فما دمتَ يا محمد لم تقرأ ولم تتعلَّم عن معلِّم فمَن علَّمك؟

إنما عَلَّمك الله سبحانه.

وكأن الله سبحانه وتعالى علَّم رسوله صلى الله عليه وسلم َ قصة نوح عليه السلام وأراد بها إلقاء الأسوة وإلقاء العبرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ حتى يثق بأن كل رسول إنما يصنع حركته الإيمانية المنهجية بعين من الله، وأنه سبحانه لن يسلِّمه إلى خصومة ولا أعدائه.

ولذلك يأتي القول الكريم: {فاصبر} ؛ لأنك قد عرفت الآن نتيجة صبر نوح عليه السلام الذي استمر ألف سنة إلا خمسين، ويأتي بعدها قوله سبحانه:

ص: 6491

{إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] .

تأتي بعد ذلك قصة قوم عاد بعد قصة نوح، ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يُرسل رسولاً إلا إذا عَمَّ الفساد.

إذن: فقد حصلت الغفلة من بعد نوح، وانضمَّت لها أسوة الأبناء بالآباء فانطمس المنهج، وعزَّ على الموجودين أن يقيموه.

والله سبحانه وتعالى لا يبعث برسلٍ جُددٍ إلا إذا لم يوجد في الأمة من يرفع كلمة الله؛ لأننا نعلم أن المناعة الإيمانية في النفس الإنسانية قد تكون مناعة ذاتية، بمعنى أن الإنسان قد تُحدِّثه نفسه بالانحراف عن منهج الله، لكن النفس اللوَّامة تردعه وتردُّه إلى الإيمان.

أما إذا تصلَّبتْ ذاتُه، ولم توجد لديه نفس لوَّامة، فالمناعة الذاتية تختفي، ولكن قد يقوم المجتمع المحيط بِلَوْمِهِ.

ولكن إذا اختفت المناعة الذاتية، والمناعة من المجتمع فلا بد أن يبعث ربُّ العزة سبحانه برسولٍ جديدٍ، وبيِّنة جديدة، وبرهان جديد.

هكذا حدث من بعد نوح عليه السلام.

ولذلك يأتي قول الحق سبحانه: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}

ص: 6492