المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وهنا في الموقف الذي نتناوله بالخواطر، نجد الملك وهو يستدعي - تفسير الشعراوي - جـ ١١

[الشعراوي]

الفصل: وهنا في الموقف الذي نتناوله بالخواطر، نجد الملك وهو يستدعي

وهنا في الموقف الذي نتناوله بالخواطر، نجد الملك وهو يستدعي النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن، ورَاودْنَ يوسف عن نفسه، وهو ما يذكره الحق سبحانه: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ

} .

ص: 6988

ونعلم أن المُرَاودة الأولى ليوسف كانت من امرأة العزيز؛ واستعصم يوسف، ثم دَعَتْ هي النسوة إلى مجلسها؛ وقطَّعْنَ أيديهن حين فُوجئْنَ بجمال يوسف عليه السلام، وصدرت منهن إشارات، ودعوات إثارة وانفعال.

قال عنها يوسف ما أورد الحق سبحانه: {وَإِلَاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين} [يوسف: 33] .

واستدعاهن الملك، وسألهن:{مَا خَطْبُكُنَّ} [يوسف:‌

‌ 51]

.

والخَطْب: هو الحَدَثْ الجَلَل، فهو حدث غير عادي يتكلم به الناس؛ فهو ليس حديثاً بينهم وبين أنفسهم؛ بل يتكلمون عنه بحديث

ص: 6988

يصل إلى درجة تهتز لها المدينة؛ لأن مثل هذا الحادث قد وقع.

ولذلك نجد إبراهيم عليه السلام، وقد قال لجماعة من الملائكة:{قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قالوا إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} [الذاريات: 31 - 32] .

أي: أن الملائكة طمأنتْ إبراهيم عليه السلام؛ فهي في مهمة لعقاب قوم مجرمين.

وموسى عليه السلام حين عاد إلى قومه، ووجد السامري قد صنع لهم عِجْلاً من الذهب الذي أخذوه من قوم فرعون نجده يقول للسامري:{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري} [طه: 95] .

وقَوْل الملك هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} [يوسف: 51] .

يدلُّ على أنه قد سمع الحكاية بتفاصيلها فاهتزَّ لها؛ واعتبرها خَطْباً؛ مما يوضح لنا أن القيم هي القيم في كل زمان أو مكان.

وبدأ النسوة الكلام، فقُلْنَ:

{حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء} [يوسف: 51] .

ولم يذكُرْنَ مسألة مُرَاودتهِنَّ له، وكان الأمر المهم هو إبراء ساحة يوسف عند المَلِك.

وقولهن: {حَاشَ للَّهِ

} [يوسف: 51] أي: نُنزِّه يوسف عن هذا، وتنزيهُنَا ليوسف أمْرٌ من الله.

ص: 6989

وهنا تدخلتْ امرأة العزيز:

{قَالَتِ امرأت العزيز الآن حَصْحَصَ الحق

} [يوسف: 51] .

أي: أنها أقرَّتْ بأنه لم يَعُدْ هناك مجال للستر، ووضح الحقُّ بعد خفاء، وظهرتْ حِصَّة الحق من حِصَّة الباطل، ولا بُدَّ من الاعتراف بما حدث:

{أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين} [يوسف: 51] .

وواصلت امرأة العزيز الاعتراف في الآية التالية: {ذلك لِيَعْلَمَ. .} .

ص: 6990

قالت ذلك حتى تُعلِنَ براءة يوسف عليه السلام، وأنها لم تنتهز فرصة غيابه في السجن وتنتقم منه؛ لأنه لم يستجِبْ لمُراودتها له، ولم تنسج له أثناء غيابه المؤامرات، والدسائس، والمكائد.

وهذا يدلُّنا على أن شِرَّةَ الإنسان قد تتوهج لغرض خاص، وحين يهدأ الغرض ويذهب، يعود الإنسان إلى توازنه الكمالي في نفسه، وقد يجعل من الزَّلة الأولى في خاطره وسيلة إلى الإحسان فيما ليس له فيه ضعف، كي تستر الحسنةُ السيئة، مصداقاً لقول الحق سبحانه:{إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] .

ولو أن إنساناً عمل سيئة وفضحه آخر عليها؛ فالفاضح لتلك

ص: 6990