الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعني أن التأويل ليس من عنده؛ بل هو يعرف مَنْ يستطيع تأويل الرُّؤى.
ونلحظ أن القرآن لم يحمل على لسان هذا الرجل: إلى من سوف يذهب؛ لأن ذلك معلوم بالنسبة له ولنا، نحن الذين نقرأ السورة.
وانتقل القرآن من طلب الإرسال إلى لقاء يوسف عليه السلام؛ فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان ساقي الملك: {يُوسُفُ أَيُّهَا
…
} .
وقوله: {أَيُّهَا الصديق} [يوسف:
46]
.
يدل على أنه قد جرَّبه في مسائل متعددة، وثبت صدقه.
و «صِدِّيق» لا يقتصر معناها على أنه صادق في كل أقواله؛ وصادق في كل أفعاله، وصادق في كل أحواله، ولكن معناها يتسع لِيدُلَّنا على أن الصدق ملازم له دائماً في القول وفي الفعل.
أما في الأقوال فصدقه واضح؛ لأنه يقول القضية الكلامية ولها واقع من الخارج يدلُّ عليها.
وأما صدق الأفعال فهو ألَاّ تُجرِّب عليه كلاماً، ثم يأتي فعله مخالفاً لهذا الكلام؛ وهذا هو مَنْ نطلق عليه «صِدِّيق» .
ونحن نعلم أن حركات الإنسان في الحياة تنقسم قسمين؛ إما قول وإما فعل؛ والقول أداته اللسان، والفعل أداته كل الجوارح.
إذن: فهناك قول، وهناك فعل؛ وكلاهما عمل؛ فالقول عمل؛ والرؤية بالعين عمل؛ والسمع بالأذن عمل، والمسُّ باليد عمل.
لكن القول اختصَّ باللسان، وأخذتْ بقية الجوارح الفعل؛ لأن الفعل هو الوسيلة الإعلامية بين متكلم وبين مخاطب، وأخذ شق الفعل.
وهكذا نعلم أن الفعل قسمان: إما قول؛ وإما فعل.
والصَّدِّيق هو الذي يصدُق في قوله، بأن تطابق النسبة الكلامية الواقع، وصادق في فعله بألَاّ يقول ما لا يفعل.
ولذلك قال الحق سبحانه: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] .
ونعلم أن ساقي الملك كانت له مع يوسف تجربتان:
التجربة الأولى: تجربة مُعَايشته في السجن هو وزميله الخباز، وقولهما له:{إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} [يوسف: 36] .
وكان قولهما هذا هو حيثية سؤالهم له أن يُؤوِّل لهما الرؤييين: {وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخر إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} [يوسف: 36] .
والتجربة الثانية: هي مجيء واقع حركة الحياة بعد ذلك مطابقاً لتأويله للرؤييين. ولذلك يقول له هنا:
أي: أفتِنَا في رُؤيا سبع بقرات سِمَان؛ يأكلهن سبعُ بقرات شديد الهُزَال، وسبع سُنْبلات خُضْر، وسبع أُخر يابسات، لَعلِّي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.
وقوله: {أَفْتِنَا} [يوسف: 46] .
يوضح أنه لا يسأل عن رؤيا تخصُّه؛ بل هي تخص رائياً لم يُحدده، وإنْ كنا قد عرفنا أنها رُؤيا الملك.
وقوله: {لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس} [يوسف: 46] .
هو تحرُّز واحتياط في قضية لا يجزم بها؛ وهو احتياط في واقع
قدر الله مع الإنسان، والسائل قد أخذ أسلوب الاحتياط؛ ليخرجه من أن يكون كاذباً، فهو يعلم أن أمر عودته ليس في يده؛ ولذلك يُعلمنا الله:
وساعة تقول: «إن شاء الله» تكون قد أخرجتَ نفسك من دائرة الكذب؛ وما دُمْتَ قد ذكرتَ الله فهو سبحانه قادر على أن يَهديك إلى الاختيار المناسب في كل أمر تواجه فيه الاختيار.
فكأن الله يُعلِّم عباده أن يحافظوا على أنفسهم، بأن يكونوا صادقين في أقوالهم وأفعالهم؛ لأنك مهما خططتَ فأنت تخطط بعقل موهوب لك من الله؛ وحين تُقدِم على أيِّ فعل؛ فأيُّ فعل مهما صَغُر يحتاج إلى عوامل متعددة وكثيرَة، لا تملك منها شيئاً؛ لذلك فعليك أنْ تردَّ كلَّ شيء إلى مَنْ يملكه.
وهنا قال الساقي:
{لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس} [يوسف: 46] .
وبذلك يُعلِّمنا الحق سبحانه الاحتياط.
وأضاف الحق سبحانه على لسان الرجل:
{لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 46] .
وكأن الرجل قد عرف أنه حين يأخذ التأويل من يوسف عليه
السلام؛ ويعود به إلى الناس؛ فهو لا يعلم كيف يستقبلون هذا التأويل؟
أيستقبلونه بالقبول، أم بالمُحاجَّة فيه؟ أو يستقبلون التأويل بتصديق، ويعلمون قَدْرك ومنزلتك يا يوسف؛ فيُخلِّصوك مما أنت فيه من بلاء السجن.
وقوله تعالى: {لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس
…
.} [يوسف: 46] .
قد يدفع سائلاً أن يقول: مَنِ الذي كلَّف الساقي بالذَّهاب إلى يوسف؛ أهو الملك أم الحاشية؟
ونقول: لقد نسبها الساقي إلى الكل؛ للاحتياط الأدائي.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {قَالَ تَزْرَعُونَ
…
} .
وهذه بداية تأويل رُؤْيا الملك.
والدَّأْب معناه: المُواظبة؛ فكأن يوسف عليه السلام قد طلب أن يزرع أهل مصر بدأبٍ وبدون كسل.
ويتابع: {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَاّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47] .
أي: ما تحصدونه نتيجة الزرع بجِدٍّ واجتهاد؛ فلكم أنْ تأكلوا القليل منه، وتتركوا بقيته محفوظاً في سنَابله.
والحفظ في السنابل يُعلِّمنا قَدْر القرآن، وقدرة مَنْ أنزل القرآن سبحانه، وما آتاه الله جل علاه ليوسف عليه السلام من علم في كل نواحي الحياة، من اقتصاد ومقومات التخزين، وغير ذلك من عطاءات الله، فقد أثبت العلم الحديث أن القمح إذا خُزِّن في سنابله؛ فتلك حماية ووقاية له من السوس.
وبعض العلماء قال في تفسير هذه الآية؛ إن المقصود هو تخزين القمح في سنابله وعيدانه.
وأقول: إن المقصود هو تَرْك القمح في سنابله فقط؛ لأن العيدان هي طعام الحيوانات.
ونحن نعلم أن حبة القمح لها وعاءان؛ وعاء يحميها؛ وهو ينفصل عن القمحة أثناء عملية «الدَّرْس» ؛ ثم يطير أثناء عملية «التذرية» مُنفصِلاً عن حبوب القمح.
ولحبة القمح وعاء ملازم لها، وهو القشرة التي تنفصل عن الحبة حين نطحن القمح، ونسميها «الردة» وهي نوعان:«ردة خشنة» و «ردة ناعمة» .
ومن عادة البعض أن يَفصِلوا الدقيق النقي عن «الردة» ،
وهؤلاء يتجاهلون أو لا يعرفون الحقيقة العلمية التي أكدت أن تناول الخبز المصنوع من الدقيق الأبيض الخالي من «الردة» يصيب المعدة بالتلبُّك.
فهذه القشرة الملازمة لحبة القمح ليست لحماية الحبة فقط؛ بل تحتوي على قيمة غذائية كبيرة.
وكان أغنياء الريف في مصر يقومون بتنقية الدقيق المطحون من «الردة» ويسمُّونه «الدقيقة العلامة» ؛ الذي إنْ وضعت ملعقة منه في فمك؛ تشعر بالتلَبُّك؛ أما إذا وضعت ملعقة من الدقيق الطبيعي الممتزج بما تحتويه الحبة من «ردة» ؛ فلن تشعر بهذا التلبُّك.
ويمتنُّ الله على عباده بذلك في قوله الحق: {والحب ذُو العصف والريحان} [الرحمن: 12] .
وقد اهتدى علماء هذا العصر إلى القيمة الفاعلة في طَحْن القمح، مع الحفاظ على ما فيه من قشر القمح، وثبت لهم أن مَنْ يتناول الخبز المصنوع من الدقيق النقي للغاية؛ يعاني من ارتباك غذائي يُلجِئه إلى تناول خبز مصنوع من قِشْر القمح فقط، وهو ما يسمى «الخبز السِّن» ؛ ليعوض في غذائه ما فقده من قيمة غذائية.
وهنا يقول الحق سبحانه: