الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القراآت:
لَفَتَحْنا بالتشديد: ابن عامر ويزيد أَوَأَمِنَ بسكون الواو: أو جعفر ونافع غير ورش، وابن عامر وابن كثير غير ابن فليح، وقرأ ورش بنقل حركتها إلى الساكن قبلها أولم نهد النون حيث كان: زيد عن يعقوب. الباقون: بالياء التحتانية رُسُلُهُمْ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.
الوقوف:
يَضَّرَّعُونَ هـ لا يَشْعُرُونَ هـ يَكْسِبُونَ هـ نائِمُونَ هـ لمن قرأ أَوَأَمِنَ بفتح الواو على أن الهمز للاستفهام، ومن سكن الواو فلا وقف لأن «أو» للعطف يَلْعَبُونَ هـ مَكْرَ اللَّهِ ج للفصل بين الإخبار والاستخبار مع أن الفاء للتعقيب.
الْخاسِرُونَ هـ بِذُنُوبِهِمْ ج للفصل بين الماضي والمستقبل والتقدير: نحن نطبع مع اتحاد القصة. لا يَسْمَعُونَ هـ مِنْ أَنْبائِها ج لعطف المختلفتين بِالْبَيِّناتِ ط لأن ضمير فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لأهل مكة وضمير. جاءهم للأمم الماضية مع أن الفاء توجب الاتصال مِنْ قَبْلُ ط الْكافِرِينَ هـ مِنْ عَهْدٍ ج لعطف الجملتين المختلفين لَفاسِقِينَ هـ.
التفسير:
إنه سبحانه لما عرّفنا أحوال هؤلاء الأنبياء وما جرى على أممهم ذكر ما يدل على أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم وليس مقصورا عليهم، وبيّن العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل. والقرية مجتمع القوم فتشمل المدينة أيضا وتقدير الكلام:
وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء. قال الزجاج: البأساء الشدة في الأموال والضراء الأمراض في الأبدان. وقيل بالعكس لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي يتضرعون فأدغم التاء في الضاد والمعنى: ليحطوا أردية التعزز والاستكبار ويتبعوا نبيهم. ثم بيّن أن
تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد فقال ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ وهي كل ما يسوء صاحبه الْحَسَنَةَ وهي ما يستحسنه الطبع والعقل أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من الفقر والضر والسعة والصحة حَتَّى عَفَوْا كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات والشحم والوبر ومنه
قوله صلى الله عليه وسلم: «وأعفوا اللحى» «1»
وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ كما هو دأب الأشرين يقولون هذه عادة الدهر في أهله يوم محنة ويوم منحة. والمراد أنهم لم ينتفعوا بتدبير الله تعالى فيهم من رجاء بعد شدّة وأمن بعد خوف وراحة بعد عناء فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً آمن ما كانوا عليه ليكون ذلك أعظم من الحسرة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بنزول العذاب. والحكمة في جميع هذه الحكايات اعتبار من سمعها ووعاها وتعريف أن العصيان سبب الحرمان عن الخيرات وسد لجميع أبواب السعادات ولهذا قال وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى أي جنسها أو القرى المذكورة في قوله وما أرسلنا في قرية آمَنُوا بما يجب به الإيمان في باب المبدأ والمعاد وَاتَّقَوْا كل ما نهى الله عنه لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي لأتيناهم بالخير من كل وجه أو أراد القطر والنبات.
والمراد بفتح البركات عليهم تيسير أسباب النجاح كقولهم: فتحت على القارئ إذا يسرت القراءة عليه بالتلقين وَلكِنْ كَذَّبُوا الرسل فَأَخَذْناهُمْ بالجدب والمحل وهو ضد البركة والخير بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي بشؤم كسبهم وهو الكفر والمعاصي. ثم خوف المكلفين نزول العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار، لأنه الوقت الذي يغلب على المرء فيه التشاغل باللذات والمهمات فقال أَفَأَمِنَ قال في الكشاف: الهمزة للإنكار والفاء للعطف على قوله فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً والآية بينهما اعتراض والتقدير: أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى؟ فلهذا عطف الثانية بالواو. وأما قوله أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فتكرير لقوله أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى فلهذا رجع فعطف بالفاء. قلت: يجوز أن يقدّر المعطوف عليه بعد الهمزة والمعنى: أفعلوا ما فعلوا فأمن وأما من قرأ «أو» ساكنة فمعناه إما أحد الشيئين ويرجع المعنى إلى قولنا فأمنوا إحدى هذه العقوبات، وإما للإضراب كما تقول: أنا أخرج ثم تقول أو أقيم. على أن المراد هو الإضراب عن الخروج وإثبات للإقامة أي لا بل أقيم. ومعنى بَياتاً قد تقدم في أوّل السورة. وضُحًى نصب على الظرف قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى وهو حين تشرق
(1) رواه البخاري في كتاب اللباس باب 65. مسلم في كتاب الطهارة حديث 52. الترمذي في كتاب الأدب باب 18 النسائي في كتاب الطهارة باب 14. أحمد في مسنده (2/ 16، 52) .
الشمس مقصورة، وتذكر على أنه مفرد كصرد وتؤنث على أنها جمع ضحوة. ثم بعده الضحاء ممدودا مذكرا وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. في قوله وَهُمْ يَلْعَبُونَ يحتمل التشاغل بما لا يجدي عليهم من أمور الدنيا فهي لهو ولعب، ويحتمل خوضهم في كفرهم لأن ذلك كاللعب في أنه يضر ولا ينفع. ومكر الله كما تقدم في آل عمران عذاب بعد الاستدراج أو سمي جزاء المكر مكرا. عن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات يعني المذكور في الآية.
اللهم اجعلنا من الخائفين العاقلين لا من الآمنين الغافلين. ثم لما بيّن حال المهلكين مفصلا ومحلا ذكر أن الغرض من القصص حصول العبرة للباقين فقال أَوَلَمْ يَهْدِ من قرأ بالياء ففاعله أَنْ لَوْ نَشاءُ والمعنى: أو لم يهد الذين يخلفون أولئك المتقدمين فيرثون أرضهم وديارهم هذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي بعقابها كما أصبنا من قبلهم. ومن قرأ بالنون فقوله أَنْ لَوْ نَشاءُ منصوب والهداية بمعنى التبيين على القراءتين ولهذا عدّي فعلها باللام، والمفعول على القراءة الأولى محذوف والتقدير: أولم يكشف لهم الحال والشأن المذكور. وأما قوله وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فإما أن يكون منقطعا عما قبله بمعنى ونحن نطبع كما مر في الوقوف، وإما أن يكون متصلا بما قبله. قال الكشاف: وذلك هو يرثون أو ما دلّ عليه معنى أَوَلَمْ يَهْدِ كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع. ثم قال: ولا يجوز أن يكون معطوفا على أَصَبْناهُمْ وطبعنا لأن القوم كانوا مطبوعا على قلوبهم فيجري مجرى تحصيل الحاصل ولقائل أن يقول: لا يلزم من المذكور وهو كونهم مذنبين أن يكونوا مطبوعين، فاقتراف الذنوب غير الطبع لأن يذنب أوّلا أو يكفر ثم يستمر على ذلك فيصير مطبوعا على قلبه. وأيضا جاز أن يراد لو شئنا لزدنا في طبعهم أو لأدمناه والله سبحانه أعلم بمراده. ثم أخبر عن الأقوام المذكورين تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال تِلْكَ الْقُرى وهي مبتدأ وخبر. وقوله يقص حال والعامل معنى اسم الإشارة، أو خبر بعد خبر، أو الْقُرى صفة ل تِلْكَ ونَقُصُّ خبر.
وفائدة الإخبار على هذا التقدير ظاهرة. وأما على الأوّلين فترجع الفائدة إلى الحال أو الخبر الثاني كما ترجع إلى الصفة في قولك: هو الرجل الكريم. الحاصل أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وأيضا خصصنا تلك القرى بقصص بعض أنبائها لأنهم اغتروا بطول الأمهال مع كثرة النعم وكانوا أقرب الأمم إلى العرب فذكرنا أحوالهم تنبيها على الاحتراز عن مثل أعمالهم. ثم عزى رسوله بقوله وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا من قبل اللام لتأكيد النفي