الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من كل عدوّ يعرض من البشر. ومعنى الجار هاهنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار. فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع. وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة فقال إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ أي من نزول الملائكة ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفي الحديث: «ما رؤي إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رأى يوم بدر» «1» .
وأما قوله إِنِّي أَخافُ اللَّهَ فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر. قال قتادة: صدق في قوله إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ وكذب في قوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وقوله وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ يجوز أن يكون من بقية حكاية كلام إبليس، ويجوز أن يكون اعتراضا وظرفه إِذْ يَقُولُ أو لا ظرف له وإِذْ يَقُولُ ينتصب بذكر على أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف. والْمُنافِقُونَ قوم من الأوس والخزرج بالمدينة وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم من قريش أسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا. ثم إن قريشا لما خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن إسحق: ثم قتلوا جميعا مع المشركين يوم بدر. غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلاثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على دينهم. وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت. ثم قال جوابا لهم وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يكل أمره إليه ويثق بفضله فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير حَكِيمٌ يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه.
التأويل:
وَاعْلَمُوا يا أهل الجهاد الأكبر أَنَّما غَنِمْتُمْ عند رفع الحجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصا وللرسول متابعا وَلِذِي الْقُرْبى يعني الإخوان في
(1) رواه مالك في الموطأ في كتاب الحج حديث 245. [.....]
الله مواصلا وَالْيَتامى يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال وَالْمَساكِينِ الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم وَابْنِ السَّبِيلِ يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعيا جانب كل طائفة على حسب صدقهم وإرادتهم واستعدادهم. إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى الإيمان بالله عيانا وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا في سفر فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[النجم: 10] يَوْمَ الْفُرْقانِ الذي فيه الرحمن علم القرآن يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد صلى الله عليه وسلم مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود والبقاء بالمعبود إِذْ أَنْتُمْ أيها الصادقون في الطلب بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا نازلة وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة. وَلَوْ تَواعَدْتُمْ أيها الأرواح والنفوس والأجساد لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ لما بينكم من التباين والتضاد وَلكِنْ جمعكم الله بالقدرة والحكمة لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وهو إيصال كل شخص إلى رتبته التي استعد لها لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ عن حجة ثابتة عليه وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً [الفجر: 28] ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال فَادْخُلِي فِي عِبادِي [الفجر: 29] وأبدانهم في جنات النعيم كما قال وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر: 30] إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ لمن دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال عَلِيمٌ بمن يستحق الإذلال أو يستأهل الإجلال إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم في المعنى لَفَشِلْتُمْ على عادة طبع الإنسان وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ من الخوف البشري وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة معناكم ومددكم بالملائكة. وإِذا لَقِيتُمْ فِئَةً هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها فَاثْبُتُوا على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص والطلب وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا من ديار أوصافهم وتركوا الدنيا وداروا البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق أهل الملامة.
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله تعالى فئة