الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوصل ينظرون بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل. إن وليّ الله بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير وَلِيِّيَ بثلاث ياءات: رويس والبرجمي. الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.
الوقوف:
مِنْ جِنَّةٍ ط مُبِينٌ هـ مِنْ شَيْءٍ لا لأن التقدير وفي أن عسى أَجَلُهُمْ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء يُؤْمِنُونَ هـ هادِيَ لَهُ ط لمن قرأ وَيَذَرُهُمْ، بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع فَلا هادِيَ لَهُ، يَعْمَهُونَ هـ مُرْساها ط عِنْدَ رَبِّي ج لاختلاف الجملتين إِلَّا هُوَ ط وَالْأَرْضِ ط بَغْتَةً ط عَنْها ط لا يَعْلَمُونَ هـ ما شاءَ اللَّهُ ط مِنَ الْخَيْرِ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفا على جواب «لو» . واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي يُؤْمِنُونَ هـ إِلَيْها ج لأجل الفاء فَمَرَّتْ بِهِ ج لذلك الشَّاكِرِينَ هـ فِيما آتاهُما ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه يُشْرِكُونَ هـ وَهُمْ يُخْلَقُونَ هـ والوصل أولى للعطف يَنْصُرُونَ هـ لا يَتَّبِعُوكُمْ ط صامتين هـ صادِقِينَ هـ يَمْشُونَ بِها ز لأن «أم» عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار والثانية والثالثة كذلك يَسْمَعُونَ بِها ط ينظرون هـ الْكِتابَ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة الصَّالِحِينَ هـ ويَنْصُرُونَ هـ لا يَسْمَعُوا ط لا يُبْصِرُونَ هـ.
التفسير:
إنه تعالى لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا وإذا علم أن الرؤية بالبصر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلبا لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته. وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة. كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين:
أحدهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله تعالى كان مخالفا لفعلهم.
وعن الحسن وقتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلا على الصفا يدعو فخذا فخذا من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه. فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.
فأمرهم الله تعالى بالتفكر والتدبر في أمره وذلك
أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجز الأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظبا على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين. ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعا على دلائل التوحيد قال أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في مدلولاتهما. والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: 164] ثم قال وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس غير محصورة. والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذرات هذا العالم فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته وَأَنْ عَسى هي مخففة من الثقيلة والأصل «وأنه عسى» على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضا والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أَنْ يَكُونَ الشأن قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ الموت أو القيامة. وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائما وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعيا في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم. أما قوله فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فمتعلق بقوله عَسى أَنْ يَكُونَ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا. ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ قد سبق تفسير مثله. ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ وأيضا لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملا للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض. ومن السائل؟ عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا فإنا نعلم متى هي. وعن قتادة:
إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة. قال في الكشاف:
الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق وأَيَّانَ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو أَيَّانَ مُرْساها [النازعات: 42] وأَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات: 12] ولا يقال أيان نمت. وكسر همزته لغة بني سليم. وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ «فعلان» منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من «أين» لأنه للزمان و «أين» للمكان ولقلة «فعال» في الأسماء وكثرة «فعلان» فيها. وقال الأندلسي:
أصله «أي أو أن» حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي «أيوان» فأدغم بعد القلب. وقيل: أصله «أي آن» بمعنى «أيّ حين» فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف والنون بأي. ورد بأن «آنا» لا يستعمل إلا بلام التعريف. والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسوّ الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق قُلْ إِنَّما عِلْمُها أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها عِنْدَ رَبِّي قد استأثر به لم يخبر به أحدا من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك لا يُجَلِّيها لا يظهرها لِوَقْتِها أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد إِلَّا هُوَ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل الأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم. أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلا على الأفهام لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً إلا فجأة على حين غفلة منكم. وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه» «1»
وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين
(1) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب 40. مسلم في كتاب الفتن حديث 116. أحمد في مسنده (2/ 166) ، (3/ 421) .
ذلك» «1» .
ثم كرر يَسْئَلُونَكَ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و «عن» بمعنى «الباء» أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة. والمعنى أنك لا تكون حفيا بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك. وعلى هذا القول جاز أن يكون عَنْها متعلقا ب يَسْئَلُونَكَ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله «بها» لطول الكلام أو لأنه معلوم. وقيل: عَنْها متعلق بمحذوف. وحفي «فعيل» من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم. وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف. وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق. ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبدا كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله تعالى. واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله تعالى. وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه. وظاهر الآية وإن كان عاما إلا أنها مخصوصة بصورة النزول. قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية. فالمراد بالخير في قوله وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.
(1) رواه أحمد في مسنده (2/ 369) .
وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذلك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.
وقال بعضهم: لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته. منها فأخبر صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: «انظروا أين ناقتي» . فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته. فقال صلى الله عليه وآله: «إن ناسا من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة» فوجدوها على ما قال فنزلت.
أما قوله وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير إِنْ أَنَا إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب. وقوله لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفا للعلم به كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] أو يتعلق بالوصفين جميعا إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين بها خصوا بالذكر كقوله هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفا من عقابه أولا ثم طمعا في ثوابه ثانيا يؤيده قوله يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة:
16] وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ [الكهف:
17] وتقدم الخير على السوء في قوله لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله طَوْعاً وَكَرْهاً [آل عمران: 83] والطوع نفع. وفي الفرقان تقدم قوله هذا عَذْبٌ فُراتٌ [الفرقان: 53] وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: 26] وقس على هذا. ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء. قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً ولدا سويا جَعَلا يعني آدم وحوّاء لَهُ شُرَكاءَ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها:
أنه تعالى قال فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس
لكان «أيشركون ما لا يخلق شيئا وهو يخلق» ؟. ومنها أن آدم عليه السلام كان عالما بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثا، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟ ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذورا إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوها: أحدها أن هذا مثل فكأنه تعالى يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملا على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى فَلَمَّا تَغَشَّاها أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً قالوا: يريد النطفة. والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة فَمَرَّتْ بِهِ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق. وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل. وقيل:
المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى فَلَمَّا أَثْقَلَتْ كان وقت ثقل حملها ولادتها دَعَوَا أي الزوج والزوجة اللَّهَ رَبَّهُما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً ولدا قد صلح بدنه أو ولد ذكرا لأن الذكورة من الصلاح والجودة لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لنعمائك فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً كما طلبا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ومن قرأ شركا فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضا. أو المراد أحدث لله إشراكا في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار. والضمير في يُشْرِكُونَ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله جَعَلا واردا بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟. ثم قال فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا
وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك. فغرضه من
قوله «إنه يقابلني بالشر»
النفي والتبعيد. أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله جَعَلا لَهُ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكا؟ وكذا فيما آتاهُما أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكرا وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ سلمنا أن الضمير في جَعَلا وفي آتاهُما لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزما أن يجعلا وقفا على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر. وعلى هذا فإنما قال تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقادا منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفا. فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله تعالى أعلم. ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ اعتبر اللفظ أوّلا فوحد والمعنى ثانيا، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء. واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادرا على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وهو المعونة على العدة وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه. والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم. ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ثم قوّى هذا الكلام بقوله سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: 6] وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم. ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها
عباد؟ وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.
وفيه أيضا نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأربابا؟. ثم بين عدم التفاضل بقوله فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها الآية. وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟ وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلا عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله تعالى لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلا على عدم إلهيته.
ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بآلهتهم كما قال قوم هود إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [هود: 54] فقال عز من قائل لنبيه قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ أمر من الكيد المكر فَلا تُنْظِرُونِ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعا. وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغير الله كائنا من كان. ثم لما أمره صلى الله عليه وسلم بالتبري حثه على التولي فقال إِنَّ وَلِيِّيَ أي ناصري عليكم اللَّهُ الآية. وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين. أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم. يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئا فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال تعالى فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته. أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير. ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الآية. قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا