الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وفي قوله: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء. عن جعفر بن محمد رضي الله عنه: كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء، وذكر من صلاح أبيهما أن الناس كانوا يضعون الودائع عنده فيردها إليهم سالمة. قالت العلماء: الأشبه أن اليتيمين كانا جاهلين بحال الكنز ووصيهما كان عالما به إلا أنه غائب وقد أشرف الجدار على السقوط ورَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مصدر منصوب بأراد لأنه في معنى رحمهما أو مفعول له وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي اجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله.
سؤال: لم قال في الأول: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وفي الثاني: فَأَرَدْنا وفي الثالث فَأَرادَ رَبُّكَ؟ الجواب: لأن الأول إفساد في الظاهر فأسنده إلى نفسه، وفي الثالث إنعام محض فأسنده إلى الله سبحانه، وفي الثاني إفساد من حيث القتل وإنعام من حيث التبديل فجمع بين الأمرين. ويمكن أن يقال: إن القتل كان منه ولكن إزهاق الروح كان من الله، ويحتمل أن يقال: الوحدة في الأول على الأصل، والجمع في الثاني تنبيه على أنه من العلماء المؤيدين بالعلوم الدينية، والإسناد إلى الله بالآخرة إشارة إلى أنه لا إرادة إلا إرادة الله وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ذلِكَ الذي ذكر من أسرار تلك الوقائع تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي يرجع المقصود من تلك الأفاعيل إلى ما قررنا، وأصل تسطع تستطيع كما في قوله: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ إلا أن التاء حذفت لأجل التخفيف. وهذا شاذ من جهة القياس ولكنه ليس بشاذ في الاستعمال.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» «1» .
التأويل:
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ فيه أن المسافر لا بد له في الطريق من الرفيق، وفيه أن من شرطهما أن يكون أحدهما أميرا والآخر مأمورا، وأن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده حتى يكون على بصيرة من صحبته، وأن لا يسأم من متاعب السفر حتى يظفر بمقصوده، وأن تكون نيته طلب شيخ يقتدي به فإن طلب الشيخ في الحقيقة هو طلب الحق. ومجمع البحرين هو مجمع ولاية الشيخ وولاية المريد وعنده عين الحياة الحقيقية، فإذا وقعت قطرة منها على حوت قلب المريد حيي واتخذ سبيله في بحر الولاية سربا.
(1) رواه الترمذي في كتاب تفسير سورة 18 باب: 1. البخاري في كتاب الأنبياء باب: 27، 28.
أحمد في مسنده (1/ 411، 436) .
فَلَمَّا جاوَزا فيه إشارة إلى أن المريد في أثناء السلوك لو تطرقت إليه الملالة أصاب قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن صحبة الشيخ ظانا أن مقصوده يحصل من غير وساطة الشيخ. هيهات فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد إلا إن أدركته العناية الأزلية ورد إليه صدق الإرادة فيقول: الرفيق التوفيق. آتِنا غَداءَنا وهو همة الشيخ وبركة صحبته لقد لقينا في سفرنا هذا الذي جاوزنا صحبة الشيخ نَصَباً فقال رفيقه أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ صخرة النفس وتسويلها فَإِنِّي نَسِيتُ حوت القلب قال ذلك ما كنا نبغي من حوت القلب الميت المملح بملح حب الدنيا وزينتها أن يتخذ سبيله في بحر ولاية شيخ كامل فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا حرا من رق غيرنا. وفي قوله: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً إشارة إلى أنه تعالى أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه وإنما يحصل بتصفية النفس وتجريد القلب عن العلائق الجسمانية. وقد ذهب موسى إلى تعلم العلم فكان من الواجب على الخضر أن يظهر له علما يمكن تعلمه، فبين علم الخضر وبين مقصد موسى تباين وتناف فلهذا قال الخضر: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وفي إظهار المسائل الثلاث إشارة إلى ما قلنا من أن العلم الظاهر يباين العلم اللدني وليس من التعليم والتعلم في شيء، وإذا تأمل العاقل السالك في قول موسى:
هَلْ أَتَّبِعُكَ إلخ في قول الخضر. فإن اتبعتني فلا تسألني إلخ. وجد أصول الشرائط التي شرطها الصوفية للمريد وللشيخ مودعة فيها، وفي تفصيلها طول وقد أشرنا في التفسير إلى طرف منها، ومن أراد الكل فعليه بمطالعة كتاب «آداب المريدين» للشيخ المحقق أبي النجيب السهروردي تغمده الله بغفرانه حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ هي سفينة الشريعة خَرَقَها بهدم الناموس في الظاهر مع صلاح الحال في الباطن وفيما بينه وبين علام الغيوب، ومثل هذا قد يفعله كثير من المحققين طردا للعوام وحذرا من التباهي والعجب أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها في أودية الضلال إذا اقتدوا بك حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً هو النفس الأمارة فَقَتَلَهُ بسكين الرياضة وسيف المجاهدة حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ هي الجسد وهم القوى الإنسانية من الحواس وغيرها اسْتَطْعَما أَهْلَها بطلب أفاعيلها التي تختص بها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما بإعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها فَوَجَدا فِيها جِداراً هو التعلق الحائل بين النفس الناطقة وبين عالم المجردات يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ بقطع العلاقة فَأَقامَهُ بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس كما قيل: نفسك مطيتك فارفق بها. لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ثوابا جزيلا أي لو شئت لصبرت على شدة الرياضة إلى إفاضة الأنوار ونيل الكشوف. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ هم العوام الذين يَعْمَلُونَ فِي بحر الدنيا وليس لهم في بر عالم الربوبية سير وسلوك حتى يصلوا إلى