الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورةُ البُروج
آياتها:22
سورة البروج
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)
سورةُ البُروج
1 -
قولُه تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} : يقسمُ ربُّنا بالسماءِ صاحبةِ النجومِ ومنازِلها (1).
(1) تدلُّ مادة برج في اللغة على البروزِ والظُّهور، ومنه سُمِّيَ القصرُ والقلعةُ بُرجاً؛ لظهورِهما وبروزهما فوقَ الأرض يراهما المشاهِد دون عناء، وبها سُمِّيت منازل الشمس والقمر بروجاً، ومنه تبرُّجُ المرأة، وهو إظهاره محاسنها. وقد وقع اختلافٌ بين السلف في معنى البروج هنا على أقوال:
الأول: قصورٌ في السماء، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وحكاه الضحاك من طريق عبيد المكتب، وقد أوردَ الطبريُّ في قوله تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} قولَ عطية العوفي من طريق إدريس، ويحيى بن رافع من طريق إسماعيل، وإبراهيم من طريق منصور، وأبي صالح من طريق إسماعيل. وهذا القول مبناه: تسميةُ القصورِ بالبروج، والله أعلم.
الثاني: النجوم، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وابن أبي نجيح من طريق سفيان الثوري، وقتادة من طريق سعيد، وذكر الطبري في آية الفرقان قول أبي صالح من طريق إسماعيل، وقتادة من طريق معمر، ونسبَهُ ابن كثير إلى ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي.
ويظهرُ أن من فسَّرها بالقصور، اعتمد المعنى الأشهر من اللفظ، ولذا قال ابن جرير الطبري في ترجيحِ معنى البروج في قوله تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان: 61]: «وأَوْلى القولين في ذلكَ بالصواب، قول من قال: هي قصورٌ في السماء؛ لأن ذلك في كلام العرب {وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]، وقول الأخطل:
كأنها برجُ روميٍّ يشيِّدُهُ
…
بانٍ بجصٍّ وآجُرِّ وأحجارِ
يعني بالبرج: القصر».
وتفسيرها بمطلق القَصْرِ يمكن أن يدخل فيه تفسيرها بمنازل الشمس والقمر؛ لأنهما =
2 -
قولُه تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} : ويقسمُ ربُّنا باليومِ الذي وعدَ به عبادَهُ للفصلِ بينهم، وهو يوم القيامة.
3 -
قولُه تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} : ويقسمُ ربُّنا بكلِّ راءٍ مشاهِدٍ ومَرئيٍ مُشاهَدٍ، وكلِّ شاهدٍ على أحدٍ ومشهودٍ عليه؛ كيوم الجُمعة شاهدٌ لمن حضره، وهو مشهودٌ بمن حضره، وكذا يوم عرفة، أو الرسولُ صلى الله عليه وسلم شاهدٌ على أمتِّه، وأمته مشهودٌ عليها، وكذا غيرها من الأقوال (1).
وجوابُ القَسَمِ محذوف، تقديره:«لتُبْعَثُنَّ» بدلالة قوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} ، وهو اليوم الذي يكذِّبُ به الكفَّار.
4 -
5 - قولُه تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ *النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} : أصحابُ الأخدود (2) هم الذين أمروا بحفر الشقوقِ الكبيرة في الأرض،
= كالقصر بالنسبة لغيرهما، أما من جعل هذه القصور لحرسِ السماء؛ كما ورد عن عطية العوفي وأبي صالح، فإنه يحتاج إلى ما يعضده من خبرِ الصادق؛ لأن مثل ذلك التحديد لا يمكن أن يُعرفَ إلا من جهة الخبر، والله أعلم.
وأمَّا تفسيرها بالنجوم، فإنَّ أصلَ المادةِ التي تدلُّ على الظهور تحتملُ دخولَ النجومِ فيها؛ لأنها ظاهرةٌ بارزةٌ للعيان، وهذا التفسير أقرب الأقوال؛ لأنَّه أظهر للناس بخلاف غيره، وقاعدةُ القَسَمِ: أن يكونَ المُقْسَمُ به مما يعلمه عامة الناس، أو يرونَ أثرَه، والله أعلم.
(1)
ورد في تفسير هذه الآية اختلافٌ كثير، وإذا تأملته وجدتَه من اختلاف التنوع، وأنه من قبيلِ الاسم العام الذي يذكر المفسِّرون له أمثلةً تدلُّ عليه، قال ابن القيم:«ثم أقسَمَ سبحانه بالشاهدِ والمشهود مطلَقين غير معيَّنين، وأعمُّ المعاني فيه أنه المدرِك والمدرَك، والعالِم والمعلوم، والرائي والمَرئي، وهذا أَلْيَقُ المعاني به، ما عداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل، لا على وجه التخصيص» (التبيان في أقسام القرآن: 57).
(2)
وردَ خلافٌ بين السلف في تحديد أصحابِ الأخدودِ ومكانِهم، وقد وردَ في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أصحاب الأخدود الذين في اليمن، ولكن الرسولَ صلى الله عليه وسلم لم يُشِرْ في هذه القصة التي يذكرها للصحابة إلى هذه الآيات، ولذا يقال: إن كل ما ذكر من أصحابِ الأخاديد فإنه داخلٌ في حُكم هذه الآية، وبالأخصِّ القوم الذين ذكرَ الرسول صلى الله عليه وسلم قصَّتَهُم، وهذا يكونُ من التفسير بالسنَّة؛ لأن المفسِّرَ استفادَ من هذه القصة المطابِقة لخبر الآية ففسَّر بها، والله أعلم.
ومَلْئِها بالنار، وإلقاء المؤمنين بها، والمعنى: ليحصلِ القتلُ لهؤلاء الكافرين الذين عذَّبوا المؤمنين بإلقائهم في النار التي تُشعَل بالحطب وغيره مما توقَدُ به النار.
6 -
قولُه تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} ؛ أي: إذ هؤلاء الكفار قعودٌ حول النار، وهم متمكِّنون منها، يلقُون فيها من شاءوا من المؤمنين.
7 -
قولُه تعالى: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} ؛ أي: وهؤلاء الكفار يشهدونَ على أنفسِهم بما فعلوه بالمؤمنين، بعد أن حضروا تعذيبَهم.
8 -
9 - قولُه تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ؛ أي: ما أنكر هؤلاء الكفار على المؤمنين إلا إيمانَهم بالله القويِّ الذي لا يُقهر، والمحمودِ الذي يكثرُ منه فِعْلُ ما يَحْمَدُهُ عليه خلقُه. والذي له كلُّ ما في السموات والأرض مُلْكاً وحُكْماً، وهو مطَّلِعٌ على كلِّ شيءٍ لا تخفى عليه منهم خافية، وهو مطَّلِعٌ على ما فعلَه هؤلاء الكفار بأوليائه.
10 -
قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} ؛ أي: إنَّ الذين عذَّبوا المؤمنين بالنار (1) ـ من الكفَّار أو غيرِهم ممن اتَّصَفَ بعداءِ أولياءِ الله (2) ـ إذا لم يتوبوا إلى الله من
(1) وردَ التفسير بذلك عن ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة من طريق سعيد، والضحَّاك من طريق عبيد، وابن أبزَى من طريق جعفر.
(2)
يقول ابن القيم: «وهذا شأنُ أعداءِ الله دائماً يَنْقِمونَ على أولياء الله ما ينبغي أن يُحَبُّوا ويُكرَموا لأجله؛ كما قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59]، وكذلك اللوطية نقموا من عبادِ الله تنزيههم عن مثل فعلِهم، فقالوا:{أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82]، وكذلك أهلُ الإشراك ينقِمونَ من الموحِّدين تجريدهم التوحيد، وإخلاص الدعوةِ والعبوديةِ لله وحدَه، وكذلك أهلُ البدعِ ينقِمون من أهل السنة تجريدَ متابعتِها، وتركَ ما خالفها، وكذلك المعطِّلة ينقِمون من أهل الإثباتِ إثباتَهم لله صفات كماله ونعوت جلاله. =
فعلِهم فيصيروا بهذه التوبةِ من أوليائه (1)، فإن اللَّهَ سيعذِّبهم بنار جهنَّمَ التي تُطْبِقُ عليهم بظلُماتها، وبنارِ الحريقِ التي تحرقهم (2).
11 -
قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} ؛ أي: إنَّ الذين أقرُّوا بتوحيد الله من الذين عُذِّبوا بالنار وغيرهم من المؤمنين، وعملوا بطاعة الله: بفعل أوامره واجتنابِ نواهيه، لهم بساتين تجري على أرضها أنهارُ اللَّبَنِ والعَسَلِ والماء، وذلك النعيم هو الظَفَرُ الكبير الذي ينتظرهم في الآخرة.
12 -
قولُه تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} ؛ أي: إنَّ أخذَ ربِّك يا محمد وانتقامَه قويٌ، كما أخبرَ عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن الله لَيُمْلي للظالم، حتى إذا أخذَهُ لم يَفْلِتْهُ، ثمَّ قرأ:{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} .
13 -
14 - قولُه تعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ *وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} ؛ أي: إنَّ الله ذا البطشِ الشديدِ يُبدئُ العذابَ على الكافرين في الدنيا، ويعيدُه عليهم في الآخرة (3)، وإنه الذي يسترُ الذنبَ فلا يعاقِبُ به، ويحبُّ
= وكذلك الرافضةُ ينقِمونَ على أهل السنَّةِ محبَّتَهم للصحابةِ جميعِهم، وترضِّيهم عنهم، وولايتَهم إياهم، وتقديمَ من قدَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وتنزيلَهم منازِلهم التي أنزلهم الله ورسوله بها. وكذلك أهلُ الرأي المُحدَثِ ينقِمون على أهلِ الحديثِ وحزبِ الرسول أخذَهم بحديثه وتركَهم ما خالفه، وكلُّ هؤلاء لهم نصيبٌ وبهم شبهٌ من أصحابِ الأخدود، وبينهم وبينهم نَسَبٌ قريبٌ أو بعيد». (التبيان في أقسام القرآن: 59).
(1)
قال الحسن البصري: «انظروا إلى هذا الكرم والجود، يقتلون أولياءَهُ ويفتنونَهم، وهو يدعوهم إلى المغفرة
…
» انظر: (التبيان في أقسام القرآن: 59).
(2)
حَمَلَ بعض المفسِّرين؛ كالربيع بن أنس، هذه الآية على قصَّة أصحاب الأخدود، وقالوا بأن النار التي أوقدوها التَهَمَتْهُم بعد ما ألقَوْا فيها المؤمنين، وأنَّ هذا هو المراد بعذاب الحريق، والله أعلم بما كان، ولكن هذا لا يعني أن نارَ الحريقِ في الدنيا، فالنار دَرَكات، ويجوز أن تكونَ هاتان المذكورتان منها.
(3)
وردَ في هذا تأويلان عن السلف: =
أولياءَه ويحبونَه (1).
15 -
قولُه تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} ؛ أي: الله الكريمُ (2) الذي له صفاتُ الكمالِ هو صاحبُ العرشِ الذي وَسِعَ السموات والأرض (3).
= الأول: يُبدئ الخلقَ ويعيدُه، وهو قول الضحاك من طريق عبيد، وقول ابن زيد.
والثاني: يُبدىءُ العذابَ في الدنيا ويعيدُه يومَ القيامة، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، ورجَّحه ابن جرير، فقال: «وأَوْلى التأويلينِ في ذلكَ عندي بالصواب وأشبههما بظاهر ما دلَّ عليه التنزيل، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أنه يبدىءُ العذابَ لأهلِ الكفرِ به ويُعيد، كما قال جل ثناؤه:{فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} في الدنيا، فأبدأ لهم ذلك في الدنيا، وهو يُعيدُه لهم في الآخرة.
وإنما قلت: هذا أَوْلى التأويلين بالصواب؛ لأن الله أتبعَ ذلك قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} ، فكان للبيان عن معنى شِدَّةِ بطشِه الذي قد ذكره قبله، أشبه به بالبيان عما لم يَجْرِ له ذِكر، ومما يؤيِّدُ ما قلنا من ذلك وضوحاً وصحَّة، قوله:{وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} ، فبيَّنَ ذلك عن أن الذي قبلَهُ من ذكرِ خبره عن عذابه وشدَّة عقابه».
(1)
فسَّر ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة الودود بأنه الحبيب، وفسَّره ابن زيد بأنه الرحيم، والرحمة من لازم المحبة.
قال ابن القيم: «
…
الودود: المتودِّدُ إلى عبادِه بنِعَمِه، الذي يَوَدُّ من تابَ إليه وأقبلَ عليه. وهو الودود أيضاً؛ أي: المحبوب، قال البخاري في صحيحه:«الودود: الحبيب» .
والتحقيق أن اللفظَ يدلُّ على الأمرين، على كونه وادّاً لأوليائه، ومودوداً لهم، فأحدهما بالوضع، والآخر باللزوم. فهو الحبيب المحبُّ لأوليائه يحبُّهُم ويحبُّونَه، وقال شعيب:{إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 9]، وما ألطفَ اقترانَ اسم الودود بالرحيم وبالغفور؛ فإن الرجلَ قد يغفرُ لمن أساءَ إليه ولا يحبُّه، وكذلك قد يرحم من لا يُحِب، والربُّ تعالى يغفرُ لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبه مع ذلك؛ فإنه يحبُّ التوَّابين، وإذا تابَ إليه عبده أحبَّه، ولو كان منه ما كان». (التبيان في أقسام القرآن: 59 - 60).
(2)
فسَّر ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: المجيدَ بالكريمِ.
(3)
سبق تفسير العرش، وقد وردَ في المجيد قراءتان: الأولى برفع المجيد، وتكون من صفة الله سبحانه، والثانية بخفض المجيد، وتكون من صفة العرش؛ أي: العرش المجيد الذي صار شريفاً ورفيعاً بعلُوِّه على المخلوقاتِ، وكونه هو الذي اختصَّ باستواء الرحمنِ عليه من بين المخلوقات، والله أعلم.
16 -
قولُه تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} ؛ أي: من كمالِ هذا الربِّ المجيدِ أنه يفعلُ ما يشاء، متى شاء، وكيف شاء، لا يردُّه أحدٌ عن شيء ولا يَحُدُّه، فمتى شاء ضَحِكَ، ومتى شاء سَخِطَ، ومتى شاء أَحْيَا، ومتى شاء أَمَاتَ، وهكذا غيرها من أفعاله.
17 -
18 - قولُه تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ *فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} : هذا مثالٌ لأُمَمٍ وقع عليها بطشُ الله، والمعنى: قد أتاكَ فيما أنزِلَ عليكَ خبرُ الجموعِ الكافرةِ المتجنِّدة لحربِ أولياءِ الله، وهم فرعون وقومه الذين كذَّبوا موسى عليه السلام، وقومُ ثمودَ الذين كذَّبوا صالحاً عليه السلام، وهم قد كفروا برسُلِهم عن عِلْمٍ، فكان كُفرُهم كُفْرَ جُحود.
19 -
20 - قولُه تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ *وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} ؛ أي: لكن الذين كفروا من قومِك ينسبونَكَ إلى الكَذِبِ ولا يصدِّقونَكَ فيما تخبِرُ به من الوحي، والله المطَّلعُ عليهم متمكِّنٌ منهم، فهم لا يفلِتون منه، ولا يُعْجِزونَه، ولا مكان لهم يُؤويهم من عذابه.
21 -
22 - قولُه تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ *فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} ؛ أي: لكن هذا الوحي الذي يكذِّبون به كلامٌ متلوٌّ باللسانِ، وهو كلامٌ كريمٌ شريفٌ (1)؛ لأنه كلامُ ربِّ العالمين، وهو محفوظٌ مَصُونٌ في اللوح المحفوظ، محفوظٌ من كلِّ ما يُشينه وينقصه (2)، فلا تصِل إليه يدُ التخريب (3)، والله أعلم.
(1) ورد عن قتادة من طريق سعيد، وسعيد بن جبير من طريق جعفر:«مجيد: كريم» .
(2)
قال مجاهد من طريق منصور: «في لوح: أم الكتاب» ، وقال قتادة من طريق سعيد:«محفوظٌ عند الله» ، ووردَ عن أنس بن مالك أن اللوحَ المحفوظَ المذكور هنا محفوظٌ في جبهة إسرافيل، والله أعلم بصحَّة ذلك.
(3)
ورد في «محفوظ» قراءتان: الأولى بالرفع، وتكون صفة للقرآن، والثانية بالخفض، وتكون صفة للَّوح، ومؤدَّى القراءتين: أن القرآنَ محفوظٌ في اللوح المحفوظ، والله أعلم.