الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبرزَ في المدينة: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت:182).
وبرزَ في الكوفة: إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي (ت:128)، ومحمد بن السائب الكلبي (ت:146).
وبرزَ في بغداد: مُقاتل بن سليمان البَلْخي (ت:150).
وبرزَ في خُراسان: الربيع بن أنسٍ البكري، البصري ثم الخُراساني (ت:139)، والضحَّاك بن مُزاحم البلخي (ت:105)، ومُقاتل بن حيَّان البلخي (ت:150).
وفي الشام: عطاء بن أبي مُسلم بن مَيْسَرة الخراساني (ت:135).
والموضوعُ في المفسِّرين وتراجمِهم يطول، وهذه الإشارةُ لا تُغني، وإنما ذكرتُهم لتَعْرِفَ طبقاتهم ووفاتهم إذا مرَّ بكَ تفسيرٌ من تفاسيرهم، وليس هؤلاء كل المفسرين في هذه الطبقات، وإنما هم أمثلةٌ تيسَّرت لي أثناء هذه الكتابة، فقيَّدتُهم.
وأسألُ اللَّهَ تعالى أن يوفِّقني للكتابة في هذا الموضوع، إنه مجيبُ الدُّعاء.
المسألة الرابعة: تفسير السلف للمُفردات:
طبقاتُ السلفِ في التفسير ثلاث، وهي: طبقةُ الصحابةِ، وطبقةُ التابعينَ، وطبقة أتباعِ التابعين.
وهذه الطبقاتُ هي التي نُقِلَ عنها التفسير، وغالِبُ من كَتَبَ بعدَهم ينقُلُ أقوالَهم، حتى جاء ابن جريرٍ فظهرَ في منهجه التفسيري المفسرُ الناقدُ، أو المرجِّح، فأخذَ هذه الأقوالَ ووازَنَ بينها، وبيَّن الراجحَ منها على غيرِه بقواعدَ كان ينتهِجُها ويسيرُ عليها.
والمقصودُ أنَّ السلفَ في طبقاتهم الثلاث تكلَّموا في التفسير أو نقلُوه ممَّن تقدَّمهم، ويرِدُ عنهم ـ كثيراً ـ تفسيراتٌ لألفاظ القرآن، فما الموقفُ منها من حيثُ اللغة؟.
أمَّا الصحابةُ فلا خِلافَ في حُجِّيَّتِهِمْ في اللغة، وأنَّ الوارِدَ عنهم كالوارِدِ عن غيرِهِم من شعراءِ الجاهليةِ وغيرِهم من العرب، ويَلْحَقُ بهمُ التابعونَ الذين عاصَروا زَمَنَ الاحتِجاج، ولا يخرُجُ أحدُهم من الاحتجاج بقوله إلَاّ بعلَّةٍ ظاهِرة.
أما أتباعُ التابعين، فقد كانوا في أوَّلِ عصرِ تدوينِ اللغة، ولذا، فإن لم تحتجَّ بما ورد عنهم من تفسيراتٍ لُغوية في ثبوتِ معاني الألفاظ في اللغة، فالأقربُ أن يكونوا من نَقَلَةِ اللغة.
وإذا نظرتَ في تدوين معاني مفرداتِ اللغة وجدتَ أنه بدأ في النِّصف الثاني من القرنِ الثاني على يدِ جمعٍ من علماءِ اللغة، وكانت كتاباتهم أشبهَ بالرسائلِ الصغيرة تكونُ في الموضوعِ والموضوعَيْنِ، أو في أشياءٍ شتَّى. وكانت أولُ محاولةٍ لجمعِ ألفاظِ العربِ على يدِ الخليل بن أحمد (ت:175) في كتابه العَيْن، ثم تبِعَه غيره من علماء اللغة؛ كتلميذِه النَّضْرِ بن شُميل (ت:204) الذي ألَّف كتابَ الجيم، وأبي عمرو شمر بن حَمْدَوَيْه (ت:255) الذي ألَّف كتابَ الجيم، وأبي طالب المفضَّل بن سَلَمة (ت:290) الذي ألَّف كتابَهُ البارع في اللغة، وأبي بكر بن دُرَيْد (ت:321) الذي ألَّف كتابه الجَمْهَرة في اللغة، وغيرهم.
وهذه المؤلَّفات اللُّغوية وغيرها مما ألَّفه علماءُ اللغة فيها، صارت المرجِعَ لأيِّ دارسٍ يبحثُ عن معاني مفرَدات كلامِ العرب، فهل يعني أن هذه المؤلَّفات اللغوية شملَت كلَّ معاني مفرَدات ألفاظِ العرب؟
قال أبو عُبيدٍ القاسم بن سلام (ت:224): «
…
الجدف: لم أسمعه إلا في هذا الحديث، وما جاء إلَاّ وله أصلٌ، ولكن ذهبَ من كان يعرِفُه ويتكلَّمُ به، كما ذهب من كلامِهم شيءٌ كثير» (1).
وقال الأَزْهري (ت:370): «ورُوي عن إبراهيم أنَّ المسيحَ: الصدِّيق.
(1) تهذيب اللغة: 10: 671.
قال أبو بكر (1): واللغويونَ لا يعرفونَ هذا، قال: ولعلَّ هذا قد كان مستعمَلاً في بعض الأزمانِ فدَرَسَ فيما دَرَسَ من الكلام.
قال: وقال الكسائي: قد دَرَسَ من كلام العرب شيءٌ كثير» (2).
وقد وردَ هذا المعنى عن غيرِ واحدٍ من اللُّغويينَ، فإذا كان ذلِكَ كذلِكَ، فاعلَمْ أنه قد وردَ عن السلفِ تفسيرٌ لبعض المفرَدات قد لا تجِدها في معاجم اللغة، فما الموقفُ منها؟
لأذكر لك مِثالاً يجري عليه التطبيق، وهو تفسيرُ قولِه تعالى:{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5]، فقد وردَ عن أُبي بن كعب تفسير حُشرت: اختلطت، وإذا رجعتَ إلى المعاجم (3) لا تجِد هذا المعنى، بل تجِد أنَّ الحشر: جمعٌ مع سَوْق، كما تجد حكايةَ تفسيرِ ابن عباس لهذه الآية، وهو أن الحشر: الموت، فما الموقفُ من تفسيرِ أُبيِّ بن كعب؟
الموقفُ الأول: أن تجعلَ هذا المعنى الذي ذكرهُ الصحابي أُبيُّ بن كعب معنًى لغوياً لهذه اللفظة، فيكون أحد معانيها التي لم يطَّلع عليها اللغويون، وكادت أن تَنْدَرِسَ مع ما انْدَرَسَ من كلام العرب، فلم ينقلوها، ويكون معنى الحشرِ في لغة العرب: الجمع، والموت، والخلط.
الموقفُ الثاني: أن تَرُدَّ هذا المعنى ولا تقبَلَهُ، وتقول: إنه غير معروفٍ من كلام العرب؛ لأنك لمَّا بحثتَ في كُتب اللغة لم تجد هذا المعنى، ولا وجدتَ شاهداً يدلُّ عليه من لُغتِها.
وإذا ذهبتَ هذا المذهب، فلاحِظْ أنَّكَ وقعتَ في عدمِ الاعتدادِ بقولِ الصحابي العربي الذي هو أدرَى بلُغتِه وبتفسيرِ كلامِ ربِّه منك، وأَنكَ حملتَهُ على ما نقلَهُ من جاءَ بعدَهُ ممن جَهِلَ هذا المعنى فلم ينقله، ولم تجعلْ
(1) هو ابن الأنباري.
(2)
تهذيب اللغة: 4: 347.
(3)
انظر مثلاً: مقاييس اللغة، ولسان العرب، وتاج العروس، مادة (حشر).
تفسيرَ الصحابي أصلاً تعتمده، وتجعله هو بذاته شاهداً عربياً كغيره من شواهدِ العربية عند اللغويين.
وأنتَ بهذا الفعلِ كأنَّكَ ممن يحمِلُ المتقدِّمين على مصطلحاتِ من جاء بعدَهم فتُلزمهم بها، وهذا العمل معروفٌ بطلانه وما فيه من الخطأ؛ أعني: كأنَّكَ تريده على ما علِمَه من جاء بعدَه دونَ ما علِمَه هو، وليس هذا المعنى الذي عرفتَه ـ وهو الجمع ـ مما قد خَفِيَ عليه، بل هو مشهورٌ معروفٌ في كلامه.
الموقفُ الثالث: أن تتوسَّطَ بين الموقِفَيْنِ السابقين، فتجتهدَ في توجيه المعنى الذي ذكرَهُ إلى المعنى المشهور، فتقول: إن أُبيَّ بن كعب فسَّرَ حُشِرَت باخْتَلَطَتْ من باب التفسير بلازمِ اللفظ، لا بمطابِقِه، ذلك أن كلَّ جمعٍ بين أشياءٍ يلزَمُ منه الاختلاط، فيكون عبَّر عن المعنى اللازِم دون البيانِ عن معنى الكلمة المباشِرِ في لغة العرب. وتكون بهذا قَبِلْتَ قولَهُ، وجعلتَهُ مُنْدَرِجاً تحتَ المعنى المشهورِ من اللفظ، والله أعلم.
وهذا الموقفُ الأخيرُ لا يتأتَّى في كلِّ مثالٍ واردٍ عن السلفِ في معاني المفرَدات التي لا تجِدها في كتب اللغة، فكن على علم بذلك.
ومما أختمُ به هذه المسألة: أن تُفَرِّقَ بين ترجيحِ قولٍ من أقوالهم، وبين الاعتراضِ عليه لغة، والأمرُ في هذا أنك لو رَجَّحْتَ معنى الجمعِ في تفسير الحشر، فإنَّ هذا لا يعني أنك تردُّ الدلالاتِ اللغوية الأخرى الواردةِ عن السلف، أما إذا أنكرتَ أن يكونَ الخَلْطُ من معاني الحشرِ في اللغة، فقد وقعتَ في ردِّ ما وردَ عنهم، فتأمَّل الفرقَ بين الأمرين، والله الموفِّق.
وأخيراً، هذا جُهدي، فما كان فيه من خطأ وزَلَلٍ فمنِّي وحدي، وما كان فيه من صوابٍ فبفضلِ الله ومِنَّتِه.
وفي ختامِ هذه المقدِّمة أسألُ اللَّهَ القبولَ، والثباتَ على دينه حتى
الممات، وأسألُه أن يُيسِّرَ لي خِدْمةَ كتابِه، إنه على كلِّ شيءٍ قدير، والحمدُ لله رب العالمين.
كتبه: مساعد بن سليمان الطيار
المملكة العربية السعودية/الرياض.
ص. ب: 43058/الرياض: 11561
ناسوخ (فاكس): 4923616