الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة عبس
آياتها:42
سورة عبس
بسم الله الرحمن الرحيم
عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)
سورةُ عَبَسَ
نَزَلَتْ سورةُ عَبَسَ بِشأنِ عبد الله بن أمِّ مكتوم، قالت عائشة: أتى إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فجعلَ يقول: أَرْشِدْني، وعندَه من عُظماء المشركين. قالت: فجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْرِضُ عنه، ويُقْبِلُ على الآخر، ويقول: أترى بما أقولُه بأساً؟ فيقول: لا، ففي هذا أُنزلت:{عَبَسَ وَتَوَلَّى} .
1 -
2 - قولُه تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى *أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} ؛ أي: قَطَّبَ وجهَه وكَلَحَ؛ لأجل أن جاءه الأعمى يسترشِدُ عن الدِّين، وأعرضَ وانشغلَ عنه بالغني الكافر رجاءَ أن يُسلم (1).
3 -
قولُه تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} ؛ أي: وما يُعْلِمُكَ، لعلَّ هذا الأعمى الذي عَبسْتَ في وجهه يتطهَّر من ذنوبه بموعظتِك، فيُسْلِم؟ (2).
4 -
قولُه تعالى: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} ؛ أي: فإن لم يقع منه تزكٍّ، حصلَ الاتِّعاظ بالموعظة، فتنفعَه ولو بعد حين؟ (3).
(1) جاء الخطابُ على صيغة الغيبة تلطّفاً في عِتاب النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء ذكر عبد الله بن أمِّ مكتومٍ بوصفه إشعاراً بعُذره في عدم معرفته بانشغال الرسول صلى الله عليه وسلم، وترقيقاً لقلب النبي صلى الله عليه وسلم لأجل علَّته، وهي العَمَى، حيث يحتاج من الرعاية ما لا يحتاجها غيره، والله أعلم.
(2)
عبَّر ابن زيد عن معنى «يزَّكى» فقال: يُسلم، وهذا فيه إشارة إلى أن ابن أم مكتوم لم يسلم بعد، وقد سبق بيان كليَّة تفسيريَّة لهذا اللفظِ عند ابن زيد، وهي أن التزكِّي في القرآن بمعنى الإسلام.
(3)
في ذكر التزكي وبعده التذكر، وهو حصول أثر التذكير احتمالان:
الأول: أن يكون الأمر من قَبيل التَّخْلِية والتَّحْلِية، فالتزكي: تطهير، وهذا جانب التخلية، وحصول التذكر في القلب تحلية. =
5 -
6 - قولُه تعالى: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى *فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} ؛ أمَّا من عدَّ نفسَه غنيًّا عنكَ، وعن الإيمانِ بكَ (1)، فأنت تتعرَّضُ له.
7 -
قولُه تعالى: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَاّ يَزَّكَّى} ؛ أيْ: أيُّ شيءٍ سيلحقُكَ إذا لم يُسلم هذا الكافر؟ (2).
8 -
10 - قولُه تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى *وَهُوَ يَخْشَى *فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} ؛ أي: أمَّا هذا الأعمى الذي أتى يحثُّ الخُطى إليك بنفسه، وقد وَقَرَ في قلبه الخوف من الله، فأنت تنشغل عنه بهذا الكافرِ المظنونِ إسلامُه.
11 -
قولُه تعالى: {كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} ؛ أي: ما الأمرُ كما فعلتَ يا محمد ـ (ص) ـ من أن تعبسَ في وجه من جاءك يسعى. إنَّ هذه الآيات موعظةٌ وتذكرةٌ لمن أرادَ أن يتذكَّر.
12 -
قولُه تعالى: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} ؛ أي: فمن أرادَ من عبادِ الله ـ صادقاً في إرادته ـ أن يتَّعِظَ بالقرآن وآياتِه حصلَ له الاتِّعاظ (3).
= الثاني: أن يكون التزكِّي: كمال حصول الموعظة في القلب، والتذكر: ما يحصل في القلب من يسيرها، ويكون المعنى: إن لم يقع منه كمالُ تَزَكٍّ، وقع منه يسيرٌ ينفعه في المستقبل، والله أعلم.
(1)
يذكر بعض المفسِّرين أن معنى استغنى: استغنى بماله، ولا يمنع أن يكون هذا الكافر غنياً بماله، غير أن المناسبَ لسبب النزول أن يكون استغنى عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
(2)
يذكر بعض المفسِّرين في «ما» احتمالاً آخرَ، وهو أن تكونَ نافية، ويكون المعنى: لا شيءَ عليكَ إذا لم يُسلم هذا الكافر، والأوَّلُ أنسبُ لسياق العتاب، والله أعلم.
وفي كلا الاحتمالين إشارة لمَهَمَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أنَّ عليه البلاغ، أما الهداية فمن الله، كما قال تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272]، وقال:{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَاّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54].
(3)
أعاد بعض المفسِّرين الضميرَ في «ذكره» إلى الله، والمعنى: فمن شاء من العباد ذكرَ الله. غير أن سياق الآيات يدل على الأوَّل؛ لأن الحديثَ عن القرآن قبل هذه الآية وبعدها، والله أعلم.
13 -
قولُه تعالى: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} ؛ أي: هذا القرآن مكتوبٌ في صُحُفِ الملائكة، وهي صُحُفٌ شريفةٌ رفيعةُ القدرِ (1).
14 -
قولُه تعالى: {مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} ؛ أي: هي في مكانٍ عالٍ وقَدْرٍ رفيعٍ؛ لأنها بأيدي الملائكة، ولذا فإنَّ الدَّنَسَ لا يقربها.
15 -
قولُه تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} ؛ أي: هذه الصحف التي كُتب بها القرآن بأيدي رُسل الله من الملائكة الذين يؤدُّون عنه وحيَه إلى عباده (2).
16 -
قولُه تعالى: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} ؛ أي: هؤلاء السَّفَرَةُ من الملائكة في مَرْتَبَةٍ شريفةٍ عند الله، حيث خصَّهم بِوَحْيِه (3)، وهم كثيرو الخير، كثيرو
(1) وقع خلافٌ في المراد بالصُّحُف، وهو مبني على الاختلاف في المراد بالسَّفَرة، على قولين:
الأول: أن السَّفَرة الملائكة، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وابن زيد، ونسبه ابن كثير إلى مجاهد والضحَّاك.
الثاني: أن السَّفَرة القُرَّاء، قاله قتادة من طريق سعيد، وذكر ابن كثير عن وهب بن منبِّه، قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
والقولُ الأول أرجح؛ لدلالة قوله صلى الله عليه وسلم: «الماهرُ بالقرآن مع السَّفَرَةِ الكرامِ البَررة
…
» فوصفَهم بما ورد في هذه الآيات، وحملُه عليه أولى، ثم إن وصفَ المؤمنين في القرآن جاء على صيغة «الأبرار» ، لا البرَرَة، مما يُشعر أن المعني بهذا الوصف الملائكة.
(2)
عبَّر ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وقتادة من طريق معمر، عن السَّفَرة بأنهم الكَتَبَة، كما عبَّر قتادة من طريق سعيد بأنهم القراء، وتأويل السَّفرة بالرسل يشمل هذه المعاني، قال الإمام الطبري: «وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يسفرون بين الله ورُسُلِه بالوحي
…
وإذا وُجِّهَ التأويلُ إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتبة، والذي قاله القائلون: هم القُرَّاء؛ لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتسفر بين الله وبين رُسُلِه».
(3)
الكريم: هو الشريف في جنسه، وقد وصف الله الملائكة بهذا الوصف في قوله تعالى:{كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار: 11].
الطاعة: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (1)[التحريم: 6].
17 -
قولُه تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} : هذا دعاءٌ على الإنسانِ الكافر (2) بالقتل (3)، لشدَّةِ كُفره بالله (4)، ومن لازم ذلك لعنُه وطردُه من رحمة الله.
18 -
قولُه تعالى: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} : استفهامٌ على سبيلِ التقريرِ، والمعنى: ما أصلُ خلقِ هذا الإنسان حتى يستغني عن الإيمان بربِّه ويكفُر؟.
19 -
قولُه تعالى: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} : بيَّن اللَّهُ في هذا أصلَ الإنسانِ، وأنَّ منشأَهُ من ماء قليلٍ هو أصلُ هذا التناسلِ البشري، وأنه قدَّره بعد ذلك أطواراً في الخلق، حتى صار جنيناً في بطن أمِّه.
20 -
قولُه تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} ؛ أي: ثُمَّ بعدَ هذه الأطوارِ التي عاشَها في بطنِ أمه، سهَّلَ اللَّهُ له الخروجَ من هذا البطن (5).
(1) قال ابن كثير: «ومن هنا ينبغي لحاملِ القرآنِ أن يكونَ في أفعالِه وأقوالِه على السَّدَادِ والرَّشاد» .
(2)
قال مجاهد من طريق الأعمش: «ما كان في القرآن (قُتل الإنسان) أو فُعل بالإنسان، فإنما عنى به الكافر» . وقال الطاهر بن عاشور (30:326): «الغالب في إطلاق لفظ الإنسان، في القرآن النازل بمكة؛ كقوله:{إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى} [العلق: 6]، {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} [القيامة: 3]
…
».
(3)
عبَّر المفسِّرون عن معنى «قُتِلَ» : لُعِنَ، وهو تفسير بالمعنى؛ لأن من دعا عليه الله بالقتل، فقد طرَدَه من رحمته، وهو معنى اللعن. (انظر: تفسير ابن عطية لقوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: 4])، ويَحْسُنُ الوقفُ في هذه الجملة على «الإنسان» ، والاستئناف بما بعدها، لبيان المعنى فيهما.
(4)
هذا التفسير على أن «ما» تَعَجُّبِيَّة، وقد جعلها بعض المفسِّرين استفهامية، ويكون تقديرُ الكلامِ: أيُّ شيء جعله يكفر؟، والتعجُّب ـ فيما يظهر ـ أبلغ في هذا المقام، وهو أنسب في بيان شدَّة كفر هذا الكافر، والله أعلم.
ويكون الخلاف من اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى، وسببه: الاشتراك اللغوي، والله أعلم.
(5)
السبيلُ في اللغة: الطريق، وقد اختلف السلف في المراد بهذا السبيلِ في الآية، على قولين: =
21 -
قولُه تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} ؛ أي: حكمَ اللَّهُ عليه بالموتِ بعد أن عاشَ في هذه الحياة، وأمرَ بدفنه في باطن الأرض (1).
22 -
قولُه تعالى: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} ؛ أي: بعد أن يموتَ هذا الإنسان، فإن الله سيبعثُه إذا أرادَ ذلك، وهو كائنٌ يوم يُنفخُ في الصُّور (2).
= الأول: السبيل: طريق خروجه من بطن أمه، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وأبي صالح من طريق إسماعيل، والسدي من طريق سفيان، وقتادة من طريق معمر وسعيد، وهذا القول يناسب السياق.
الثاني: السبيل: طريق الحق والباطل، بيَّناه وأعلمناه، وهو قول مجاهد من طريق منصور وابن أبي نجيح، وجعل الآية نظير قوله تعالى:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، وقول الحسن من طريق قتادة، وعبَّر عنه ابن زيد، بقوله:«والسبيل: سبيل الإسلام» ، وهذا القول محمول على نظير له في القرآن.
ورجَّح الطبري القول الأول بدلالة السياق، فقال:«وأوْلى التأويلين عندي بالصواب قول من قال: ثم الطريق، وهو خروجه من بطن أمه، يسَّره. وإنما قلنا ذلك أَوْلى التأويلين بالصواب؛ لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر قبلَها وبعدها عن صفتِه خلقَه، وتدبيرِه جسمَه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأوْلى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده» .
ويكون هذا الاختلافُ من قبيل اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى، وسببه التواطؤ في لفظ السبيل، والله أعلم.
(1)
يسمَّى المباشر للدفن قابر، والآمر به مُقبر؛ فتقول: أقبره الله، وقَبَرَه فُلان، كما قال الأعشى:
لو أُسْنِدَ ميتٌ إلى صَدْرِهَا
…
لَعَاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إلى قَابِر
أي: إلى دافن يدفنه في قبره.
(2)
يلاحظ في الآيات السابقة تكرُّر العطف بـ «الفاء» ، و «ثم» ، أما الأُولى: فللدلالة على تعاقُبِ الحَدَثَيْن، وسُرعة وجودِ الآخِر بعد الأول. وأما الثاني: فللدلالة على تراخٍ وبُعْدٍ بين الحدَثَين؛ فقوله تعالى: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} ، إشارة إلى أنَّ الأطوارَ المقدَّرة تعقُبُ حالَ النطفة، ثم قال:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} ، وهذا إشارة إلى طول الزمان الذي يقرُّ فيه الجنين في البطن بعد التقدير، ثم قال:{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} ، وهذا يدلُّ على تراخٍ بين خروجه من بطن أمه إلى موته، وهي فترة الحياة التي يعيشها، أما الفترة التي بين موتهِ ودفنِه فإنها يسيرة، ولذا جاء التعقيب بالفاء، ولمَّا كان الزمن بين الموت والبعث طويلاً، جاء التعقيب بحرف العطف «ثم» ، والله أعلم.
23 -
قولُه تعالى: {كَلَاّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} ؛ أي: ليس الأمرُ على ما يظنُّه من اشتدَّ كُفرهُ من أنه أدَّى حقَّ الله، بل إنه لم يؤدِّ أوامرَ الله التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم (1).
24 -
قولُه تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} ؛ أي: فَلْيَعْتَبر هذا الكافر (2) مُستعيناً بما وهبَه الله من النظر بعَيْنَيْهِ إلى الأحوال التي يمرُّ بها طعامه، حتى يصل إليه، فإنه لو اعتبرَ لتَرَكَ كُفره (3).
25 -
قولُه تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} : هذا البدءُ بذكر أحوالِ الطعام، والمعنى: فلينظُر إلى إلقائِنا المطرَ من السماء إلى الأرض بغزارة وقوة (4).
26 -
قولُه تعالى: {ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا} ؛ أي: لما أنزلنا هذا المطر على الأرضِ واستقرَّ بها مدَّةً، أنبتَ النباتَ، ففتقَ هذا النباتُ الأرضَ وخرجَ منها.
27 -
29 - قولُه تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا *وَعِنَبًا وَقَضْبًا *وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً} ؛ أي: فأنبتنا في هذه الأرض المتشقِّقة: الحبوبَ، وكُرومَ العِنَبِ، والعَلَف (5)، والزيتون، والنخيل، وكلها كانت معروفة لهم يستفيدونَ من شجرها وثمرها.
(1) قال مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: «لا يقضي أحدٌ أبداً ما افتُرض عليه» . وهو بهذا يجعل الضمير في «يقض» عامًّا للكافر والمؤمن، ويكون المؤمن على قوله هذا داخلاً في معنى هذه الآية، وهذا القول صحيح في التفسير؛ لأن الآية ـ وإن كانت نازلة في الكافر ـ تَصْدُقُ على المؤمن قياساً، والله أعلم.
(2)
الخطابُ هنا للكافر، وهو وإن كان نازلاً فيه أولاً، فإنه لا يعني أنه مختصٌ به، بل يدخلُ معه غيره؛ لأن الاعتبارَ مطلوبٌ منه ومن المؤمن، والله أعلم.
(3)
قال مجاهد: «قوله: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}: آية لهم» .
(4)
قُرِئَ: «إنا» على الاستئناف؛ أي أنه استأنف الخبر مبيِّناً الأحوالَ التي يمرُّ بها الطعام، والقراءة الأخرى «أنا» على البدل، وهو بدل اشتمال، وهذا يعني أن الأحوال المذكورةَ التي يمر بها الطعام، هي محلُّ النظر والاعتبار، والله أعلم.
(5)
وردت عبارة السلف عن القضب كالآتي: عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: =
30 -
قولُه تعالى: {وَحَدَائِقَ غُلْبًا} ؛ أي: وبساتينَ قد أحيطَ عليها بسُور من شجر أو حَجَر أو غيره، وهذه البساتينُ شجرُها عظيمُ الجذعِ، ملتفٌّ بعضُها على بعضٍ لطولها (1).
31 -
قولُه تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} ؛ أي: وأنبتنا بهذا الماء المنصبِّ:
= الفَصْفَصَة، وعن قتادة من طريق سعيد: الفَصَافِص، وعن الضحاك من طريق عبيد: الرَّطْبَةُ، وعن الحسن من طريق يونس: العَلَفُ.
وقال ابن جرير: يعني بالقَضْب: الرَّطْبَةُ، وأهل مكة يسمون القَتَّ: القَضْبَ.
وهذا يعني أن القضْبَ له أكثر من مسمَّى، فعبَّر عنه كل واحد منهم بأحد أسمائه، وهي: العَلَفُ، والرَّطْبَةُ، والقَتُّ، وهو البَرْسِيمُ كذلك.
وإن حُمل تفسير السلف على المثال لا التعيين في هذا الموضع، فإن القضبَ يطلق على ما يُقْضَبُ من النبات؛ أي: يُقطع ثم ينمو، ويشمل ذلك أصنافاً كثيرة تشبه العلف في هذا الوصف؛ كالجرجير والكرَّاث والنعناع، وغيرها، والله أعلم.
(1)
قال أبو جعفر الطبري: «وقوله: {غُلْبًا} ؛ يعني: غلاظاً، ويعني بقوله:{غُلْبًا} : أشجاراً في بساتين غِلاظ
…
وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل، على اختلافٍ منهم في البيان عنه». ثم ذكر الرواية عن السلف كالآتي:
1 -
ما التفَّ واجتمع، عن ابن عباس من طريق كُلَيْب بن شهاب.
2 -
الطَّيِّبة، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.
3 -
نبت الشجر كله، عن ابن عباس من طريق كليب بن شهاب، ومن طريق عكرمة: الشجر يستظل به في الجنة.
4 -
الطِّوال، عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة.
5 -
النخل الكرام، عن قتادة من طريق سعيد ومعمر.
6 -
العِظام، عن ابن زيد: عظام، النخل العظيمة الجذع، وعن عكرمة: عظام الأوساط.
وإذا تأمَّلْتَ هذه الأقوال وجدتها تأتلفُ ولا تختلِف كما قال ابن جرير، فالغُلب: العظيمة الجذع، وهو تعبيرُ عكرمة، ومثَّلَ له ابن زيد بالنخل، وإذا كانت عظيمة الجذع، فإنها ستلتف وتجتمع كما قال ابن عباس، وهي نبت الشجر كله، وهو الشجر الطويل كما قال ابن عباس، فنبَّه على أن الشجر يصلح أن يكون بهذه الصفة، والعادة جرت على طيب شجر هذه الحدائق، وهو تفسير مجاهد، والله أعلم.
فاكهةً من ثمار هذه الأشجار يتفكَّهُ الناس بأكلِها، وعشباً تأكله أنعامُهم في المرعى (1).
32 -
قولُه تعالى: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} ؛ أي: جعلنا هذا الطعامَ منفعةً لكم، تنتفعونَ به أنتم وأنعامكم مدةً من الزمان، ثم ينتهي هذا الانتفاع.
(1) جعل السلف الفاكهة للناس، فقال الحسن من طريق مبارك: الفاكهة: ما يأكل ابن آدم، وقال مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: ما أكلَ الناس، وقال قتادة من طريق سعيد: أما الفاكهة فلكم، وقال ابن زيد: الفاكهة لنا.
أما الأبّ، فالجمهور على أنه الكلأ والعشب الذي للحيوان، وقد عبَّر السلف عن ذلك بقولهم: الأبُّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس، أو الكلأ والمرعى كله، ورَدَ ذلك عن ابن عباس من طريق كليب بن شهاب، وعن سعيد بن جبير، وعن العوفي، وعن مجاهد من طريق الأعمش أو غيره وسفيان وابن أبي نجيح، والحسن من طريق مبارك ومعمر ويونس، وقتادة من طريق سعيد، والضحاك من طريق عبيد، وابن زيد.
وعبر أبو رزين، فقال: الأبُّ: النبات. وهذا أعمُّ من الأقوال التي ذكرت.
ووردَ عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، أنه الثمار الرطبة، وهو غريب.
ونُسب للضحاك أنه التِّبن (الدر المنثور)، ويجوز أن يعودَ إلى معنى النبات أو العشب على أنه يَبِيسُهما، فيكون فسِّر بمآل الأبِّ لا عينهِ، والله أعلم.
وأصل الأبِّ في اللغة دالٌّ على العَوْدِ؛ أي: أنه الشيء الذي يذهب ثم يعود؛ كقولهم: «أبَّ إلى وطنه» ؛ أي: عاد إليه، وهذا المعنى متحقق فيما قاله المفسِّرون في معنى الأبِّ من أنه: النبات، أو العشب، أو الثمار الرطبة، أو التبن؛ لأنها تجيء بعد ذَهاب، غير أن الأوَّل أَوْلى؛ لأنه قول الجمهور، وللإشارة إليه بقوله:{وَلأَنْعَامِكُمْ} على ما فسَّره أصحاب هذا القول، والله أعلم.
أما ما ورد عن صدِّيق الأمة رضي الله عنه من أنه سُئل عن الأبِّ، فقال:«أيُّ سماء تُظِلُّني، وأي أرضٍ تُقِلُّني إن قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم» ، فهو منقطع الإسناد.
وما صحَّ عن عمر أنه قرأ هذه الآية، فقال:«قد عرفنا الفاكهة، فما الأبُّ؟ قال: لعمرك يا ابن الخطاب، إنَّ هذا لهو التكلُّف» ، وله روايات أخرى. فإنَّ فيه أن عمر لم يعرف معنى الأبِّ، ولعلها ليست من لغة قريش، فجهِلَها. وفيه أنه جعل طلب معرفة ذلك من التكلف، وفي هذا إشكال، وهو هل تطلُّب مثل هذا يدخل في التكلُّف؟! الله أعلم.
33 -
قولُه تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّآخَّةُ} ؛ أي: تنتفعونَ بهذا المتاعِ الذي سُرعان ما ينتهي، وذلك بمجيء تلك الصَّيحة العظيمة التي تَصُكُّ الآذان بشدَّة صوتها (1).
34 -
36 - قولُه تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ *وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ *وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} ؛ أي: إذا جاءت تلك الصيحة وقعَ هروبُ الإنسان من هؤلاء القرابة، وهم الإخوة والأبوان والزوجة والأبناء.
37 -
قولُه تعالى: {لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ} ؛ أي: يهربُ هؤلاء من بعضهم لأنَّ لكلٍّ منهم حالَه التي تشغله عن غيره (2).
38 -
39 - قولُه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ *ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} ؛ أي: في ذلك اليوم ينقسمُ الناس إلى فريقين: فريقٌ قد أضاء وجهُهُ واستنار، فهو منبسطٌ منشرحٌ فَرِحٌ بسبب ما سيلاقيه من النعيم.
40 -
42 - قولُه تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ *تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ *أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} ؛ أي: وفريقٌ قد تغبَّرت وجوهُهُم، وعَلاها السوادُ والظُّلمةُ بسبب ما هي صائرةٌ إليه من العذاب، وهي وجوهُ الذين ستروا فِطَرَهُم بالكُفر، وشقُّوا رِبْقَةَ الإيمانِ بأعمال الفجور، فجمعوا بين فسادِ الاعتقادِ والعمل، والله أعلم.
(1) ورد عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة أن الصاخَّة من أسماء يوم القيامة.
(2)
استشهد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية لبيان انشغال كل واحد بنفسه في هذا اليوم، فقد وردَ في الحديث أنه قال:«يُحشر الناس حُفاةً عُراةً غُرْلاً، فقالت عائشة: أيُبصِرُ بعضُنا بعضاً؟! فقال: يا عائشة: {لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ}» .