المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورةُ الغَاشية آياتها:26 - تفسير جزء عم للشيخ مساعد الطيار

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌المقدِّمة

- ‌المسألة الأولى: مفهوم التفسير:

- ‌المسألة الثانية: أنواع الاختلاف وأسبابه:

- ‌المسألة الثالثة: طبقاتُ السَّلف في التفسير:

- ‌المسألة الرابعة: تفسير السلف للمُفردات:

- ‌سُورةُ النَّبأ

- ‌سورة النازعات

- ‌سورة عبس

- ‌سورة التكوير

- ‌سورةُ الإنفِطار

- ‌سورةُ المطِّففين

- ‌سورةُ الإنشِقاق

- ‌سورةُ البُروج

- ‌سورةُ الطَّارِق

- ‌سورةُ الأعلَى

- ‌سورةُ الغَاشية

- ‌سورةُ الفَجر

- ‌سورةُ البَلَد

- ‌سورةُ الشَّمس

- ‌سورةُ اللَّيل

- ‌سورةُ الضُّحى

- ‌سورةُ الشَّرح

- ‌سورةُ الِّتين

- ‌سورةُ العَلَق

- ‌سورةُ القَدر

- ‌سورةُ البِّينة

- ‌سورةُ الزَلْزَلة

- ‌سورةُ العادِيات

- ‌سورةُ القَارِعة

- ‌سورةُ التكاثُر

- ‌سورةُ العَصْر

- ‌سورةُ الهُمَزَة

- ‌سورةُ الفِيل

- ‌سورةُ قُريش

- ‌سورةُ الماعون

- ‌سورةُ الكَوْثَر

- ‌سورةُ الكافِرون

- ‌سورةُ النَّصر

- ‌سورةُ المَسَد

- ‌سورة الإخلاص

- ‌سورة الفلق

- ‌سورة الناس

- ‌فهرس

- ‌أولاً: فهرس اختلاف التنوع:

- ‌القسمُ الأول: الاختلافُ الذي يرجعُ إلى معنًى واحد:

- ‌القسمُ الثاني: الاختلافُ الذي يرجع إلى أكثرِ من معنى

- ‌ثانياً: أسبابُ الاختلاف:

- ‌1 - الاختلافُ بسبب التواطؤ:

- ‌2 - الاختلافُ بسبب ذكرِ وصفٍ لموصوفٍ محذوف:

- ‌3 - الاختلافُ بسبب الاشتراكِ اللُّغوي:

- ‌4 - الاختلافُ بسبب الحذف:

- ‌5 - الاختلافُ بسبب مفسّر الضمير:

- ‌6 - الحملُ على المعنى اللغوي، والحملُ على المعنى الشرعي:

- ‌ثالثاً: قواعد الترجيح:

- ‌1 - الترجيحُ بالأغلب، أو المشهور من لغة العرب:

- ‌2 - الترجيحُ بقول الجُمهور (وقد يسميه عليه الطبري: إجماع الحجة):

- ‌3 - الترجيحُ بدلالة السنَّة النبوية:

- ‌4 - الترجيحُ بدلالة السِّياق:

- ‌5 - الترجيحُ بأصل ترتيبِ الكلام، وعدمِ الحُكم بالتقديم والتأخيرِ إلا لعلَّةٍ توجبُ ذلك:

- ‌6 - الترجيحُ برَسْمِ المصحف:

- ‌7 - الترجيحُ بعَوْدِ اسم الإشارة المُفرَدِ إلى أقربِ مذكورٍ، كالضمير:

- ‌8 - الترجيحُ باتِّساق الضمائر، وعَوْدِها على المذكور الأوَّل:

- ‌رابعاً: اختلافُ المعاني بسبب اختلاف القراءة:

- ‌ فهرسُ الفوائد العلمية:

الفصل: ‌ ‌سورةُ الغَاشية آياتها:26

‌سورةُ الغَاشية

آياتها:26

ص: 127

سورة الغاشية

بسم الله الرحمن الرحيم

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)

ص: 128

سورةُ الغَاشية

وردَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأُها في صلاةِ العيدِ والجُمعة.

1 -

قولُه تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} : يقولُ اللَّهُ تعالى لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: هل أتاكَ خبرُ يومِ القيامة التي تغشَى الناسَ بأهوالها وتُغطِّيهم (1)؟.

(1) وردَ عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: «الغاشية: من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله، وحذَّره عباده» . ومن طريق العوفي قال: «الساعة» ، وكذا ورد عن قتادة من طريق سعيد.

وذكر الطبري ترجمة أخرى، فقال:«وقال آخرون: بل الغاشية: النار تغشى وجوهَ الكَفَرَة» ، وأوردَ الرواية عن سعيد بن جبير، قال:«غاشيةُ النار» . ويلاحَظُ أنَّ قول سعيدٍ يَحتمِلُ أن يُرادَ به الذين يغشون النار، وهم الكفَّار، والله أعلم.

ثم رجَّح الإمام ابن جرير فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنَّ الله قال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، لم يخبرنا أنه عَنَى غاشيةَ القيامةِ، ولا أنه عَنَى غاشيةَ النَّارِ، وكِلتاهما غاشيةٌ، هذه تَغشَى الناسَ بالبلاءِ والأهوالِ والكُروبِ، وهذه تغشى الكفارَ باللَّفْحِ في الوجوهِ، والشَّواظِ والنُّحاسِ، فلا قول أصحَّ من أنْ يقالَ كما قال جلَّ ثناؤه، ويُعمَّ الخبرُ بذلك كما عَمَّهُ» .

ويلاحَظُ هنا أن ابن جرير لم يعتمد قولَ ابن عباس ويقدِّمه على أنه قول صحابي، ويترك ما خالفه من قول التابعي، وهذا منهجٌ يحتاجُ إلى بحثٍ ودراسة، والله أعلم.

وعلى هذا يكون سبب الاختلاف أن الغاشية وصفٌ لمحذوف، فذكَرَ كلُّ واحدٍ منهم ما يحتمله من الموصوفات، وهذه الموصوفاتُ جاءت على سبيل التواطىء بينها في وصف الغاشية، والله أعلم.

ص: 129

2 -

قولُه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} ؛ أي: يومُ الغاشيةِ تكونُ وجوهٌ حاضرةٌ له ذليلةً في النار (1)، وهي وجوهُ الكفَّار.

3 -

قولُه تعالى: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} ؛ أي: هذه الوجوهُ الكافرةُ عاملةٌ في النار، تعملُ من الأعمال ما به مشقَّةٌ وتَعَب، ومن ذلك جَرُّ السلاسِلِ والأغلالِ وغيرها من أنواعِ العذابِ التي تعمَلُها في النارِ (2).

(1) فسَّرها قتادة من طريق سعيد: «ذليلة» ، وزاد من طريق معمر:«خاشعة في النار» ، فبيَّن مكان خشوعِها.

(2)

سياقُ الآيات يدلُّ على أنَّ هذا العملَ يكونُ في النار، ولا يصحُّ أن يقال: إنَّ الآخرةَ ليس فيها عمل؛ لأنَّ هذه المسألة لا دليلَ عليها من كتابٍ ولا سنَّة، وإنما هي استنباطٌ عقلي، وهو غير صحيح. وبهذا جاء التفسيرُ عن السلف، وَرَدَ ذلك عن ابن عباس من طريق العوفي، والحسن من طريق أبي رجاء، وقتادة من طريق سعيد ومعمر، وابن زيد.

وقد حملَ بعض المفسِّرين الآية على الدنيا، وقال بأنها في الرُّهبانِ الذي يُتعبِون أنفسهم في عبادة الله، وهم على الباطل، فَيَتعَبون في الدنيا ويُعذَّبون في الآخرة، وذكروا في ذلك أثراً عن عمر رضي الله عنه في أنه رأى راهباً فبكى، وقال: ذكرتُ قولَ الله: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ *تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} ، والأثر فيه انقطاع، ولو صحَّ، فإنه يكون تفسيراً قياسياً، لا أنَّ المرادَ بالآية هذا الرَّاهبُ وجنسُه فقط، بل هي في جميعِ الكفَّارِ، والله أعلم.

وقد أوردَ البخاريُّ عن ابن عباسٍ في تفسيرِ هذه الآيةِ أنهم النصارى، وفي روايةِ غير البخاري، اليهود، وهو محمولٌ على ما ذكرت، أو أنه أشارَ إلى قومٍ من الذين يعملونَ وينصبون في الآخرة في النار، فيكون تفسيراً بالمثال، والله أعلم.

وقد ذكر ابن تيمية هذين القولين، وقال: «

والقول الثاني: أن المعنى أنها يوم القيامة تخشع؛ أي: تذل وتعمل وتنصب. قلت: هذا هو الحق لوجوه». ثم ذكر هذه الوجوه، ومنها:«أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه؛ أي: وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية، وعلى الأول لا يتعلق إلا بقوله: «تَصْلى» ، ويكون قوله:«خاشعة» صفة للوجوه، قد فَصَلَ بين الصفةِ والموصوف بأجنبي متعلِّق بصفة أخرى متأخِّرة، والتقدير: وجوهٌ خاشعةٌ عاملة ناصبةٌ يومئذ تَصْلَى ناراً حامية، والتقديمُ والتأخيرُ على خلافِ الأصل، فالأصلُ إقرارُ الكلامِ على نَظْمِه وترتيبه، لا تغيير ترتيبه.

ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أما مع اللَّبْسِ فلا يجوز؛ لأنه يلتبسُ على المخاطَبِ، ومعلوم أنه ليس هنا قرينة تدلُّ على التقديم والتأخير، بل القَرِينةُ تدلُّ على =

ص: 130

4 -

قولُه تعالى: {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} ؛ أي: تَرِدُ هذه الوجوهُ ناراً قد اشتدَّ حَرُّها، فتشويها بحرِّها.

5 -

قولُه تعالى: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} ؛ أي: تَسْقي ملائكةُ العذابِ هذه الوجوهَ الكافرةَ من ماءِ عينٍ قد بلغت حرارتُها أشدَّ ما يكون من الحرارة (1).

6 -

قولُه تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَاّ مِنْ ضَرِيعٍ} ؛ أي: ليس لهذه الوجوهِ الكافرةِ في النار طعامٌ يأكلونه إلَاّ نباتاً من الشَّوك، وهو الشِّبْرِقُ اليابس (2).

= خلافِ ذلك، فإرادةُ التقديمِ والتأخيرِ بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمرُ المخاطَب بفهمِه تكليفٌ لما لا يُطاق

». (انظر الوجوه الأخرى في دقائق التفسير: 5/ 123 - 124).

(1)

كذا فسَّر السلف: ابن عباس من طريق العوفي، والحسن من طريق أبي رجاء ومعمر، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة من طريق سعيد.

وفسَّرها ابن زيد، فقال: آنية: حاضرة، وقد وردَ عن مجاهدٍ من الطريق السابق تفسيره:«قد بلغت إنَاهَا، وحانَ شربها» ، وعلى هذا فتفسيرها بحاضرةٍ تفسير بلازم المعنى؛ لأنها إنما بلغت إنَاهَا لكي يشربها هؤلاء الكفار، والله أعلم.

(2)

هذا قول مجاهد من طريق ليث وابن أبي نجيح، وقتادة من طريق معمر وسعيد، وشريك بن عبد الله. وقد نسبه ابن كثير إلى ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي الجوزاء وقتادة.

ووردَ عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: «شجرٌ من النار» .

ووردَ عن ابن زيد: «الضَّريع: الشوك من النار، قال: وأما في الدنيا، فإن الضَّريع: الشوك اليابسُ الذي ليس له ورق، تدعوه العرب الضَّريع، وهو في الآخرة شوكٌ من نار» . وهذا لا يخالِفُ ما وردَ من أنه الشِّبرق اليابس، فإنه يكون من شجر النار، ويكون ناراً كما قال ابن زيد، والله أعلم.

ووردَ في تفسير سعيد بن جبير من طريق جعفر بأن الضَّريعَ الحجارة. ولم أجد من فسَّره بهذا التفسير، كما لم أجده في كتب اللغة، فهل هي لغة علِمَها سعيد وجهِلَها غيره، أم ماذا؟!

ص: 131

7 -

قولُه تعالى: {لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} ؛ أي: هذا الشِّبْرِقُ اليابسُ الذي يأكلونَه في النار لا يُسْمِنُ آكليه، ولا يسدُّ رَمَقَ جوعِهم.

8 -

قولُه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} ؛ أي: ووجوهٌ في يوم الغاشيةِ قد ظهرَ عليها الحُسْنُ والبهاءُ الذي يكون من أثَرِ النعيم، وهذه وجوهُ المؤمنين.

9 -

قولُه تعالى: {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} ؛ أي: لعمَلِها الذي عملَته في الدنيا حامدةٌ غير ساخِطة، وذلك لما وجدتْ من الثوابِ عليه.

10 -

11 - قولُه تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ *لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} ؛ أي: هذه الوجوهُ المؤمنة في بساتين مرتفعة، لا تسمعُ في هذه الجنَّةِ العاليةِ كلمةَ باطل (1)؛ لأنَّ الجنة طيبةٌ، طيِّبٌ ما فيها، وهي دارُ سلامٍ وأمنٍ دائمٍ.

12 -

16 - قولُه تعالى: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ *فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ *وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ *وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ *وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} ؛ أي: في هذه الجنةِ العالية من جنسِ عينِ الماءِ، تجري على أرضِها من غير أُخدودٍ، وفيها السُّرُرُ مرتفعةٌ وعاليةٌ يجلسون عليها ويضطَجِعون، لينظروا ما حولَهم من النعيم، وفيها

(1) قال الطبري: «وقوله: {لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} يقول: لا تسمعُ هذه الوجوه؛ المعنى لأهلها، فيها: في الجنة العالية لاغية؛ يعني باللاغية: كلمة لَغْوٍ، واللَّغْوُ: الباطلُ، فقيلَ للكلمة التي هي لَغْوٌ: لاغية، كما قيل لصاحب الدِّرع: دارع، ولصاحب الفَرَس: فارس، ولقائل الشعر: شاعر. وكما قال الحُطَيئة:

أغَرَرْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّـ

ـك لابِنٌ بالصَّيْفِ تَامِرْ

يعني: صاحبَ لَبَنٍ، وصاحبَ تمر.

وزعم بعض الكوفيين [هو الفراء] أن معنى ذلك: لا تسمع فيها حالفةٌ على الكذب، ولذلك قيل: لاغية. ولهذا الذي قال مذهبٌ ووجه، لولا أن أهلَ التأويل من الصحابة والتابعين على خلافه، وغير جائز لأحدٍ خلافُهم فيما كانوا عليه مجتمعين». ثمَّ ذكر الرواية عن ابن عباس من طريق العوفي، قال:«لا تسمع أذى ولا باطل» ، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح:«شتماً» ، وقتادة من طريق سعيد ومعمر:«لا تسمع فيها باطلاً ولا شتماً» .

ص: 132

أواني الشُّرب مُعدَّةٌ عندهم إذا أرادوا أن يشرَبوا من العين أو غيرها، وفيها الوسائد التي قد رُصَّ بعضها بجوار بعضٍ (1)، وفيها البُسُطُ الكثيرةُ الوفيرةُ المنتشرةُ بين يدي المؤمن.

17 -

قولُه تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} : لما ذكرَ أهلَ الشقاءِ في أول السورة ومآلهم، ذكر هنا سبب ذلك الشقاء، وهو إعراضُهم عن دلائل التوحيد، فقال:{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} ؛ أي: هؤلاء المنكِرونَ لقدرة الله، أفلا ينظرُون نظرَ اعتبارٍ وتفكُّرٍ إلى الإبلِ التي هي مركوبهم الأول، ينظرون كيف خَلَقَها اللَّهُ بما فيها من العَظَمةِ والكِبرِ؟، وكيف ذَلَّلَها مع هذا العِظَمِ في خَلْقِها؟.

18 -

20 - قولُه تعالى: {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ *وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ *وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} ؛ أي: وينظرون معتبرينَ إلى هذه السماء العظيمةِ التي تغطِّيهم كيف رفعها الله من غير عَمَدٍ يَرَوْنَها؟

وإلى هذه الجبالِ العظيمةِ التي يتَّخذونَها مأوىً لهم، كيف أقامها اللَّهُ شامخةً عالية؟

وإلى الأرضِ، كيف بَسَطَها الله لهم ومهَّدَها لسكَنِهم وتقلُّبِهِم فيها؟.

21 -

قولُه تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} : هذا بيانٌ لمَهَمَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي التذكير، وأن عليه ألا ييأسَ مما يجده من إعراضِ هؤلاء المنكرين لقَدَرِ الله تعالى وتوحيدِه.

22 -

قولُه تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} ؛ أي: لستَ مُسلَّطاً عليهم تحملهم على ما تريد، وتُكرِههم على الإيمان.

23 -

24 - قولُه تعالى: {إِلَاّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ *فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ

(1) عبَّر السلف عن النمارِق بالمرافق، وَرَدَ ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وبالمجالس من طريق العوفي، وبالوسائد عن قتادة من طريق سعيد.

ص: 133

الأَكْبَرَ}؛ أي: لكن من أعرضَ عن التذكُّر وتركَه، وكفرَ بالله فلم يؤمِن، فإن اللَّهَ يعذبه في جهنَّم، وهو العذابُ الأكبر الذي لا أكبرَ منه.

25 -

26 - قولُه تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} ؛ أي: إنَّ رجوعَهم إلى الله، وإنَّ مجازاتهم على أعمالِهم على الله، فهو يجازيهم بها، والله أعلم.

ص: 134