الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان وأخواتها:
لما فرغ من أحكام المبتدأ والخبر أخذ يبين "نواسخهما"1 وهي ثلاثة أقسام: قسم يرفع المبتدأ وينصب الخبر وهو كان وأخواتها، وما الحجازية "وأخواتها"2 وأفعال المقاربة.
وقسم ينصب المبتدأ ويرفع الخبر وهو "أن" وأخواتها و"لا" النافية للجنس.
وقسم ينصبهما معا وهو ظننت وأخواتها، وأعلم وأخواتها.
وقد ذكر هذه النواسخ في سبعة أبواب وبدأ بكان وأخواتها فقال:
ترفع كان المبتدا اسما والخبر
…
تنصبه ككان سيدا عمر
لا خلاف في أنها تنصب الخبر، ومذهب البصريين أنها رفعت الاسم خلافا للكوفيين3.
ثم ذكر أخواتها فقال: "ككان ظل" أي: ظل وما بعدها مثل كان في رفع الاسم ونصب الخبر.
وهذه الأفعال ثلاثة أقسام:
قسم يعمل العمل المذكور بلا شرط وهي"ثمانية"4 أولها كان "وآخرها"5 ليس.
وقسم يعمل بشرط تقدم نفي أو شبهه وهي الأربعة التي بعد ليس.
وقسم يعمل بشرط أن يقع صلة "لما" الظرفية وهو "دام".
وفهم هذا من النظم واضح، وشمل قوله: بعد نفي، كل نفي، وشبه النفي هو النهي نحو:
.....لا تزل ذاكر الموت6
…
...........................
1 أ، ب. وفي ج "نواسخها".
2 أ، ج.
3 قالوا: هو باق على رفعه الأول.
4 أ، ب وفي ج "سبعة".
5 ب، ج وفي أ "وأخواتها".
6 قال العيني: ولم أقف على اسم قائله، وبالبحث لم أعثر على قائله. وهو من الخفيف.
المعنى: صاحبي اجتهد واستعد للموت ولا تنس ذكره، فإن نسيانه ضلال ظاهر. =
والدعاء نحو:
ولا زال منهلا بجرعائك القطر1
فإن قلت: أطلق في قوله: ومثل كان دام مسبوقا بما وينبغي أن يفيد فيقول: المصدرية الظرفية.
قلت: أحال على المثال، فإنه إنما مثل للتقييد.
وقوله:
وغير ماض مثله قد عملا
يعني أن ما تصرف منها كالمضارع والأمر يعمل عمل الماضي.
= الإعراب: "صاح" منادى حذف منه ياء النداء وهو مرخم ترخيما غير قياسي، "شمر" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه، "ولا" ناهية، "تزل" فعل مضارع ناقص مجزوم بحرف النهي واسمه مستتر فيه، "ذاكر" خبره، "الموت" مضاف إليه، "فنسيانه" مبتدأ والهاء مضاف إليه، "ضلال" خبر المبتدأ، "مبين" نعت.
الشاهد: في "ولا تزل" فإنه أجرى فيه "زال" مجرى كان لتقدم شبه النفي وهو النهي.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص504، وابن هشام 1/ 165، وابن عقيل 1/ 152، وداود، والسندوبي، والمكودي ص34، والأشموني 1/ 110، وتمام البيت:
صاح شمر ولا تزال ذكر المو
…
ت فنسيانه ضلال مبين
1 البيت لذي الرمة غيلان بن عقبة، وهو من قصيدة رائية من الطويل.
وصدره:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى
الشرح: "البلى" من بلي الثوب يبلى -على وزن رضي يرضى- أي خلق ورث، "منهلا" منسكبا منصبا، "جرعائك": الجرعاء: رملة مستوية لا تنبت شيئا، "القطر" الماء، وهو اسم جنس جمعي لقطرة.
المعنى: حفظك الله يا دار محبوبتي -على ما فيك من قدم- من الفناء والزوال، ووقاك صروف الدهر التي تقضي على آثارك، ولا زال الغيث يجودك حتى يبقى رحابك رطبا مخضلا، لتدوم ذكرى الأحباب.
الإعراب: "ألا" أداة استفتاح وتنبيه، "يا" حرف نداء والمنادى محذوف.
والتقدير: يا دار مية، "اسلمي" فعل أمر وياء المخاطبة المؤنثة فاعل، "يا دار" حرف نداء ومنادى منصوب، "مي" مضاف إليه، "ولا" دعائية، "زال" فعل ماض ناقص، "منهلا" خبر زال مقدم، "بجرعائك" جار ومجرور متعلق بقوله منهلا والكاف مضاف إليه، "القطر" اسم زال مؤخر.
الشاهد: في "ولا زال" حيث أجرى "زال" مجرى "كان" في رفعها الاسم ونصب الخبر لتقدم "لا" الدعائية عليها، والدعاء شبه النفي.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص45، وابن هشام 1/ 165، وابن عقيل 1/ 152، والسندوبي، والأشموني 1/ 110.
ثم أشار إلى أن منها ما لا يتصرف بقوله:
إن كان غير الماضي منه استعملا
وكلها تتصرف إلا ليس باتفاق1 ودام على الصحيح2.
وقوله:
وفي جميعها توسط الخبر
…
أجز.............................
يعني: أن خبر هذه الأفعال أصله التأخير ويجوز توسطه بينها وبين الاسم في جميعها حتى في "ليس" و"ما دام" كقوله:
.................................
…
فليس سواء عالم وجهول3
وقول الآخر:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة
…
لذاته بادكار الموت والهرم4
1 لأنها كالحرف لا يفهم معناها إلا بذكر متعلقها فشابهته كذلك في عدم التصرف. ا. هـ. أوضح المسالك وشرحه 1/ 128.
2 تتصرف عند الأقدمين وقليل من المتأخرين قالوا: "إن لها مضارعا وهو يدوم فهي متصرفة عندهم تصرفا ناقصا".
ولا تتصرف عند الفراء وكثير من المتأخرين؛ لأنها صلة الظرفية المصدرية وصلتها تلزم المضي، أما يدوم ودم ودائم. فمن تصرفات دام التامة". ا. هـ. أوضح المسالك وشرحه الشيخ النجار 1/ 128.
3 جزء من بيت قاله السموأل بن عاديا الغساني اليهودي من الطويل.
وصدره:
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم
الشرح: "سلي
…
" كان السموأل هذا قد خطب امرأة وخطبها غيره أيضا وكانت قد أنكرت عليه فخاطبها بأبيات تضمنت هذا البيت.
فقال لها: أيتها المرأة إن جهلت حالنا فسلي الناس عنا وعن هؤلاء الذين خطبوك حتى تعلمي حالنا وحالهم، فليس العالم بالشيء والجاهل به سواء.
الإعراب: "سلي" فعل أمر وياء المخاطبة فاعله، "إن" شرطية، "جهلت" فعل ماض فعل الشرط وتاء المخاطبة فاعله وجواب الشرط محذوف، "عنا" جار ومجرور متعلق بقوله سلي، "وعنهم" جار ومجرور معطوف على ما قبله، "فليس" فعل ماض ناقص، "سواء" خبر ليس مقدم، "عالم" اسم ليس مؤخر، "وجهول" معطوف على عالم.
الشاهد: في "فليس سواء عالم وجهول" حيث قدم خبر ليس وهو "سواء" على اسمها وهو "عالم" وذلك جائز في الشعر وغيره خلافا لصاحب الإرشاد.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص55، وابن عقيل 1/ 651، والأشموني 1/ 112، والسيوطي ص13.
4 قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبالبحث لم أعثر على قائله، وهو من البسيط. =
وحكى المصنف الإجماع على جواز توسط خبر "ليس" تبعا للفارسي وفيه خلاف "ضعيف"1، والقاطع بالجواز قراءة:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا} 2، 3.
ومنع ابن معط4 توسط خبر "ما دام" ونسب إلى الوهم إذ لم يقل به غيره5.
وقوله:
.... وكل سبقه دام حظر
أي: كل النحاة أو العرب منع تقديم الخبر على "دام" وحظر بمعنى منع، ولذلك صورتان:
إحداهما: أن يتقدم على "ما" ولا خلاف في منعها.
= الشرح: "لا طيب" الطيب بكسر الطاء وسكون الياء اسم لما تستطيبه النفس، "منغصة" اسم مفعول من التنغيص، وهو التكدير: ويقال: نغص فلان عيش فلان إذا كدره، "لذاته" جمع لذة وهو ما يتلذذ به الإنسان، "ادكار" بتشديد الدال مكسورة وأصله اذتكار فقلبت التاء دالا ثم قلبت الذال المعجمة دالا ثم أدغمت الدال في الدال، ومنه قوله تعالى:{وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} .
المعنى: لا يرتاح الإنسان إلى الحياة ولا يستطيب فيها العيش ما دام يتذكر أيام الهرم التي تجيئه بأسقامها وأوجاعها ولا ينسى أنه مقبل على الموت لا محالة.
الإعراب: "لا طيب" لا نافية للجنس واسمها، "للعيش" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، "ما" مصدرية ظرفية، "دامت" فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث، "منغصة" خبر دام مقدم، "لذاته" اسم دام مؤخر والهاء مضاف إليه، "بادكار" جار ومجرور متعلق بقوله منغصة، "الموت" مضاف إليه، "والهرم" معطوف عليه.
الشاهد: في "ما دامت منغصة لذاته" حيث قدم خبر ما دامت على اسمه وهو جائز وواقع.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص55، وابن هشام 1/ 171، والسندوبي، والأصطهناوي، والأشموني 1/ 112، والسيوطي ص131، وابن عقيل 1/ 156.
1 ومنعه -أي التوسط- بعضهم في ليس تشبيها بما وهو محجوج بالسماع والخلاف في ليس نقله أبو حيان عن حكاية ابن درستويه وهو الذي منع التوسط ولم يظفر به ابن مالك فحكى فيها الإجماع على الجواز تبعا للفارسي وابن الدهان وابن عصفور، والسيوطي في الهمع 1/ 117.
2 سورة البقرة 177، بنصب "البر" حمزة وحفص.
3 أ، ح.
4 تقدم التعريف به في المقدمة.
5 والصحيح جوازه. ابن عقيل 1/ 156.
والأخرى: أن يتقدم على"دام" بعد "ما".
وظاهر كلامه أنه مجمع على منعها "أيضا"1، وفيه نظر.
لأن المنع معلل بعلتين: إحداهما، عدم تصرفها "وهذا بعد تسليمه لا ينهض مانعا باتفاق، بدليل اختلافهم في "ليس" مع الإجماع على عدم تصرفها".
والأخرى: أن "ما"2 موصول حرفي ولا يفصل بينه وبين صلته، وهذا أيضا مختلف فيه، وقد أجاز كثير "من النحويين"3 الفصل بين الموصول الحرفي وبين صلته إذا كان غير عامل "كما" المصدرية4.
ثم قال:
كذاك سبق خبر ما النافية
يعني أنه يمنع تقديم خبر المقرون بما النافية على "ما" لأن "ما" لها صدر الكلام، فلا يجوز أن يقال:"فاضلا ما كان زيد""ولا جاهلا ما زال عمرو".
وقال في شرح الكافية5: وكلاهما جائز عند الكوفيين؛ لأن "ما" عندهم لا يلزم تصديرها، ووافق ابن كيسان البصريين في "ما كان" ونحوه وخالفهم في "ما زال" ونحوه لأن "نفيها"6 إيجاب.
فإن قلت: قوله "كذاك" يوهم أنه مجمع عليه لتشبيهه "بالمجمع"7 عليه قلت: إنما أراد أن هذا مثل ذاك في المنع لا في كونه مجمعا عليه.
أما الخلاف في "ما زال" وأخواتها فشهير.
وأما "ما كان" ونحوها فحكى في البسيط: الاتفاق على منع تقديم خبرها على "ما" وقد تقدم نقل الخلاف.
وفهم من كلام الناظم مسألتان:
1 أ، ج.
2 أ، ج.
3 أ، ب.
4 راجع الأشموني 1/ 113.
5 راجع شرح الكافية ورقة 19.
6 ب، ج وفي أ "فيها".
7 ب، ج وفي أ "بالجمع".
الأولى: أنه يجوز توسط الخبر بين "ما" والمنفي بها نحو "ما عالما "كان"1 زيد".
ومنعه بعضهم، والصحيح الجواز.
الثانية: أن النافي إن كان غير "ما" جاز التقديم2.
قال في شرح الكافية: عند الجميع، وحكى الخلاف عن الفراء في التسهيل3.
فإن قلت: ما فائدة قوله:
فجيء بها متلوة لا تالية
قلت: تقرير الحكم وتوكيده والتنبيه على علة منع التقديم، وهو أن "ما" لها صدر الكلام فتكون متبوعة لا تابعة.
ثم قال:
ومنع سبق خبر ليس اصطفى
يعني أن المختار "منع"4 تقديم خبر ليس عليها "وفاقا"5 للكوفيين والمبرد وابن السراج والسيرافي والزجاج والفارسي في الحلبيات6 والجرجاني7 وأكثر المتأخرين، وذلك لضعفها بعدم التصرف وشبهها "بما" النافية8.
1 أ، ج وفي ب "زال".
2 راجع الأشموني 1/ 114.
3 راجع شرح الكافية ورقة 19 والتسهيل ص54.
4 أ، ب وفي ج "عدم".
5 أ، ب وفي ج "وفقا".
6 الحلبيات: كتاب لأبي علي الفارسي، رتبها مسائل وأبواب تشتمل على مفردات لغوية وتصريفها وموارد استعمالها إفرادا وجمعا، وذكر جملا من أبنية الأفعال الثلاثية والرباعية وما جاء منها معتل اللام والعين، وإعراب بعض آيات القرآن الكريم، وأملاها بحلب.
7 هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي، كان من كبار أئمة النحو والبلاغة بجرجان. أخذ النحو عن محمد بن الحسين المعروف بالفضل، وهو ابن أخت الفارسي ولم يأخذ عن غيره؛ لأنه لم يخرج من بلده، وقرأ ونظر في تصانيف النحاة، وله تصانيف كثيرة منها شرح الإيضاح والجمل وإعجاز القرآن، ومات سنة 474هـ.
8 وحجة من أجاز قوله تعالى: {أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} لم علم من أن تقديم المعمول -يوم يأتيهم- يؤذن بجواز تقديم العامل.
وأجيب بأن معمول الخبر هنا ظرف، والظروف يتوسع فيها.
وأيضا فإن "عسى" لا يتقدم خبرها إجماعا، لعدم تصرفها مع عدم الاختلاف في فعليتها، فليس أولى بذلك لمساواتها لها في عدم التصرف مع الاختلاف في فعليتها. ا. هـ. أشموني ج1 ص114.
وأيضا لم يرد من لسان العرب تقدم خبرها عليها. ا. هـ. ابن عقيل ج1 ص159، وإلى المنع أميل للحجة القوية.
تنبيه:
ينبغي أن يكون الخلاف في غير "ليس" المستثنى بها، بل ينبغي أن يمنع التقديم "فيها"1 قولا واحدا، واقتضى سكوته عن سائر أفعال الباب، أنه يجوز تقديم خبرها عليها.
ثم إن أفعال هذا الباب قسمان:
أحدهما: يستعمل تاما وناقصا، والآخر لا يستعمل إلا ناقصا.
فأشار إلى ذلك بقوله:
وذو تمام ما برفع يكتفي
أي: التام من هذه الأفعال: هو ما اكتفى بالمرفوع، ولم يفتقر إلى منصوب نحو:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} 2.
"وما سواه ناقص" وهو الذي لا يكتفي بالمرفوع.
ولهذا سميت هذه الأفعال ناقصة لا لأنها "سلبت"3 الدلالة على المصدر خلافا لجمهور البصريين لوجود مصدرها عاملا "عملها"4 في قوله:
...............................
…
وكونك إياه عليك يسير5
1 أ، ج.
2 سورة البقرة 280.
3 أ، ج وفي ب "صلوبة".
4 أ، ب وفي ج "في عملها".
5 قال العيني: لم أقف على اسم قائله وبالبحث لم أعثر على قائله.
وصدره:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى
وهو من الطويل.
الشرح: "بذل" البذل. بالباء الموحدة والذال المعجمة وهو الطاء "ساد" من السيادة وهي الرفعة وعظم الشأن "إياه" الضمير فيه يرجع إلى الفتى.
المعنى: إن الرجل يسود في قومه ببذل المال والحلم، وهو يسير عليك إذا أردت أن تكون هذا الرجل. =
ثم قال:
................. والنقص في
…
فتئ ليس زال دائما قفي
يعني: أن هذه "الأفعال"1 الثلاثة، أعني ليس وزال وفتئ تلزم النقص ولا تستعمل تامة.
وأجاز الفارسي في الحلبيات: وقوع "زال" تامة قياسا لا سماعا.
ثم قال:
ولا يلي العامل معمول الخبر
…
إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر
هذا مذهب البصريين، والعامل هنا هو "كان وأخواتها" فلا يجوز "كان طعامك زيد آكلا""لأنه"2 ليس بظرف ولا مجرور، فإن كان ظرفا أو مجرورا نحو "كان عندك أو في الدار زيد قائما" جاز للتوسع في الظرف والمجرور.
وأجاز الكوفيون "طعامك زيد آكلا" ونحوه، واحتجوا بقول الشاعر:
قنافذ هداجون حول بيوتهم
…
بما كان إياهم عطية عودا3
= الإعراب: "ببذل" جار ومجرور متعلق بساد، "وحلم" عطف عليه، "ساد" فعل ماض، "في قومه" جار ومجرور متعلق بساد، "الفتى" فاعل، "وكونك" مبتدأ وهو مصدر من كان الناقصة يحتاج إلى اسم وخبر، فأما اسمه فالكاف المتصلة به، "إياه" خبره وخبر الكون قوله "يسير"، "عليك" جار ومجرور متعلق بيسير.
الشاهد: في "كونك إياه" حيث أجرى مصدر كان الناقصة مجراها في رفع الاسم ونصب الخبر.
وفيه دلالة أيضا على أن الأفعال الناقصة لها مصادر كغيرها من الأفعال.
وهذا البيت رد على من زعم أن الكون مصدر لكان التامة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص55، وابن هشام 1/ 167، وابن عقيل 1/ 155، والأشموني 1/ 112.
1 أ، ب.
2 أ، ج وفي ب "إذ".
3 البيت: للفرزدق -همام بن غالب- يهجو به قوم جرير ويرميهم بالفجور والخيانة، وهو من الطويل.
الشرح: "قنافذ" جمع قنفذ -بضمتين بينهما سكون- والأنثى قنفذة، وهو حيوان شائك معروف ينام نهارا ويصحو ليلا ليبحث عما يقتات به، ويضرب به المثل في السرى. فيقال: هو أسرى من قنفذ، "هداجون" جمع هداج -بفتح الهاء وتشديد الدال- من الهدجان، وهو مشية الشيخ الضعيف، "عطية" اسم رجل وهو أبو جرير. =
فأولَى كان "إياهم" وهو معمول الخبر.
وهذا ونحوه متأول عند البصريين، وقد أشار إلى تأويله بقوله:
ومضمر الشان اسما انو إن وقع
…
موهم ما استبان أنه امتنع
يعني: "إذا"1 وقع شيء موهم جواز ما منعناه كالبيت المتقدم، فانو في العامل ضمير شأن يحول بينه وبين المعمول، والجملة بعده خبر، فيكون اسم كان في البيت ضمير شأن منوي "وعطية" مبتدأ و"عود" خبره، "وإياهم" معمول عود والجملة خبر كان.
وقد قيل في البيت غير هذا.
ووافق بعض البصريين على جواز إيلاء المعمول هذه الأفعال إن تقدم الخبر على الاسم نحو: "كان طعامك آكلا زيد".
ثم قال:
وقد تزاد كان في حشو كما
…
كان أصح علم من تقدما
= المعنى: هؤلاء قوم شبيهون بالقنافذ يمشون ليلا وراء البيوت للخيانة والفجور مشية الشيخ الهرم لئلا يشعر بهم أحد، وقد اكتسبوا هذه الصفة الذميمة من عطية أبي جرير لأنه علمهم ذلك وعودهم إياه.
الإعراب: "قنافذ" خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم، "هداجون" صفة له، "حول" ظرف متعلق بهداجون، "بيوتهم" مضاف إليه، والضمير مضاف إليه، "بما" الباء حرف جر وما يحتمل أن تكون موصولا اسميا، والأوضح أن تكون موصولا حرفيا، "كان" فعل ناقص، "إياهم" مفعول مقدم على عامله وهو عود، "عطية" اسم كان، "عودا" فعل ماض والألف للإطلاق والفاعل ضمير مستتر فيه وجملة الفعل والفاعل في محل نصب خبر "كان".
الشاهد: في "بما كان إياهم عطية عودا" حيث تقدم معمول خبر كان وهو "إياهم"، وليس بظرف ولا جار ولا مجرور على رأي الكوفيين، وارتضيت رأي البصريين، وخرج البيت على ما يأتي "وخرج على زيادة "كان" أو إضمار الاسم مرادا به الشأن، أو راجعا -الضمير- إلى ما وعليه فعطية مبتدأ، وقيل ضرورة". ا. هـ. أوضح المسالك 1/ 117، والأشموني 1/ 116.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص57، وابن هشام 1/ 175، وابن عقيل 1/ 160، والأشموني 1/ 17، والمكودي ص35، والسيوطي ص22، وأيضا ذكره في همع الهوامع 1/ 118، والشاهد 739 في خزانة الأدب.
1 أ، ج وفي ب "أنه".
"ما" مبتدأ "وأصح" خبره "كان" زائدة بين جزءي الجملة.
وفهم من قوله: "تزاد كان" أنها إنما تزاد بلفظ الماضي1 وقد "ندر"2 زيادتها بلفظ المضارع في قول أم عقيل:
أنت تكون ماجد نبيل3
…
............................
وفهم من قوله: "في حشو" أنها لا تزاد في غيره خلافا للفراء في إجازته زيادتها آخرا4.
وفهم من تخصيص الحكم بها أن غيرها لا يزاد، وقد شذ زيادة "أصبح، وأمسى"5.
وأجاز بعضهم زيادة "أضحى" وسائر أفعال الباب إذ لم ينقص المعنى. ثم قال:
ويحذفونها ويبقون الخبر
…
وبعد إن ولو كثيرا ذا اشتهر
1 لخفته.
2 ب، ج وفي أ "ورد".
3 هذا بيت من مشطور الرجز المسدس، قائلته أم عقيل بن أبي طالب وهي فاطمة بنت أسد، زوج أبي طالب تقوله وهي ترقص ابنها عقيلا.
وتمامه:
إذا تهب شمأل بليل
الشرح: "ماجد": كريم "نبيل" فاضل وشريف "تهب" مضارع هبت الريح هبوبا وهبيبا، إذا هاجت "شمأل" -بفتح الشين وسكون الميم وفتح الهمزة- هي ريح تهب من ناحية القطب "بليل" بفتح الباء وكسر اللام وسكون الياء مبلولة بالماء.
المعنى: أنت يا عقيل كريم شريف ذكي الفؤاد دائما، والتقييد بوقت هبوب هذه الرياح جرى على عادة العرب في ذلك، ولأن هذا الوقت تكثر فيه الطراق.
الإعراب: "أنت" ضمير منفصل مبتدأ "تكون" زائدة "ماجد" خبر المبتدأ "نبيل" صفة "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان "تهب" فعل مضارع "شمأل" فاعل "بليل" نعت، والجملة من الفعل والفاعل في محل جر بإضافة إذا إليها وجواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام.
الشاهد: زيادة "تكون" بين المبتدأ بلفظ المضارع، وهو قليل والثابت زيادة كان لأنها مبنية لشبه الحرف، بخلاف المضارع، فإنه معرب لشبه الأسماء.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص58، وابن هشام 1/ 180، وابن عقيل 1/ 165، والأصطهناوي، والأشموني 1/ 118، والسيوطي ص33 وهمعه 1/ 120.
4 نحو "زيد قائم كان" قياسا على إلغاء ظن آخرا، ورد بعدم سماعه والزيادة خلاف الأصل. ا. هـ. همع 1/ 120.
5 شذ قولهم "ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها" روى ذلك الكوفيون أشموني 1/ 118.
كثر في "كلامهم"1 حذف "كان" مع اسمها وإبقاء خبرها بعد "إن" الشرطية كقولهم "المرء مجزئ بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر" أي: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير.
وفي هذا المثال ونحوه أربعة أوجه:
الأول: نصب الأول ورفع الثاني، وهو أرجحها؛ لأن فيه إضمار "كان" واسمها بعد "إن" وإضمار مبتدأ بعد فاء الجزاء وكلاهما كثير مطرد.
والثاني:2 عكسه، وهو أضعفها؛ لأن فيه إضمار "كان" وخبرها بعد "إن" وإضمار ناصب مع المبتدأ بعد الفاء، وكلاهما قليل. "ولذلك"3 لم يذكره سيبويه4.
والثالث: رفعهما.
والرابع: نصبهما وهما متوسطان.
ومذهب الشلوبين: أنهما متكافئان، وقال ابن عصفور: إن رفعهما أحسن من5 نصبهما، والمسألة مشهورة.
وبعد "لو" كقوله:
لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا
…
جنوده ضاق عنها السهل والجبل6
1 ب، ج وفي أ "كلام".
2 أ، ج.
3 ج وفي أ، ب "كذلك".
4 الكتاب ج1 ص130.
5 أ، ج.
6 قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبالبحث لم أعثر على قائله، وهو من البسيط.
الشرح: "بغي" ظلم ومجاوزة للحد. والبغي على ضربين: أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والثاني: مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل. ا. هـ. الأصفهاني، "جنوده ضاق عنها السهل والجبل" يريد أن جنده كثيرون، وأن أعوانه فوق الحصر والعد.
المعنى: يحذر من عواقب البغي الذميم، ويشير إلى أن مآل الباغي وخيم وعقباه أليمة، مهما يكن من شأنه ولو أن له جنودا وأعوانا بعدد الرمل والحصى والتراب.
الإعراب: "لا" ناهية "يأمن" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، "الدهر" مفعول به، "ذو" فاعل يأمن مرفوع بالواو، "بغي" مضاف إليه =
أي: ولو كان الباغي ملكا.
وقل حذفها "مع"1 غير "إن" و"لو" ومنه قول الراجز:
من لد شولا فإلى إتلائها2
أي: من لد أن كانت شولا3. ثم قال:
= "ولو" الواو عاطفة على محذوف لو حرف شرط غير جازم "ملكا" خبر لكان المحذوفة مع اسمها والتقدير: ولو كان الباغي ملكا وجملة كان واسمها وخبرها هي شرط لو والجواب محذوف والتقدير: لو كان الباغي ملكا فلا يأمن الدهر "جنوده" مبتدأ ومضاف إليه "ضاق" فعل ماض "عنها" متعلق بضاق "السهل" فاعل ضاق "والجبل" عطف عليه، وجملة الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ.
الشاهد: في "ولو ملكا" حيث حذف "كان" مع اسمها وأبقى خبرها بعد لو الشرطية.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص58، وابن هشام 1/ 185، والأشموني 1/ 119، والمكودي ص35، والسيوطي ص33.
1 ب وفي أ، ج "بعد".
2 هذا كلام تقوله العرب ويجري بينها مجرى المثل، وهو من الرجز المشطر، وأنشده، سيبويه ج1 ص134، ولم يتعرض أحد من شراحه إلى نسبته لقائله بشيء- وبحثت فلم أعثر على قائله.
الشرح: "شولا" قيل هو مصدر شالت الناقة بذنبها: أي رفعته للضراب، وقيل: هو اسم جمع لشائلة -على غير قياس- والشائلة الناقة التي خف لبنها وارتفع ضرعها "إتلائها" بكسر الهمزة وسكون التاء مصدر أتلت الناقة: إذا تبعها ولدها.
المعنى: علمت كذا وكذا مثلا من حين كانت النياق شوائل إلى أن تبعها أولادها، أو من وقت أن كانت ترفع أذنابها للقاح إلى وقت تبعية أولادها لها.
الإعراب: "من ولد" جار ومجرور متعلق بمحذوف "شولا" خبر لكان المحذوفة مع اسمها، والتقدير: من ولد أن كانت الناقة شولا "فإلى" حرف جر "إتلائها" مجرور بإلى وها مضاف إليه والجار والمجرور متعلق بمحذوف معطوف بالفاء على متعلق الجار والمجرور الأول، والتقدير: حدث ذلك من لد كانت شولا فاستمر إلى إتلائها.
الشاهد: في "من لد شولا" حيث حذف "كان" واسمها، وأبقى خبرها وهو "شولا" بعد "لد" وهو قليل لأنه إنما يكثر بعد "إن، لو".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص58، وابن عقيل 1/ 167، والأصطهناوي، والمكودي ص35، والأشموني 1/ 119، وابن هشام 1/ 186، وأيضا ذكره في مغني اللبيب 2/ 68، والسيوطي في همع الهوامع 1/ 122، والشاهد رقم 252 في خزانة الأدب، وكتاب سيبويه.
3 راجع الأشموني 1/ 119.
وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب
…
كمثل أما أنت برا فاقترب
يعني: أن "كان"1 حذفت أيضا بعد "أن" المصدرية، "وأبقى"2 اسمها وخبرها وعوض عنها "ما" فصار حذفها واجبا، إذ لا يجمع بين العوض والمعوض خلافا للمبرد في إجازته "أما أنت منطلقا انطلقت"3 ويجعل "ما" زائدة.
والأصل في قوله: أما أنت برا فاقترب، لأن كنت برا. فحذف لام التعليل لأن حذفها مع "أن" مطرد، ثم حذف "كان" فانفصل الضمير المتصل بها لحذف عامله ثم عوض "عنها"4 "ما" فأنت اسمها وبرا خبرها.
ثم قال:
ومن مضارع لكان منجزم
…
تحذف نون وهو حذف ما التزم
مضارع "كان" يكون، فإذا دخل "عليه"5 الجازم سكنت نونه، ثم حذفت الواو، لالتقاء الساكنين نحو "لم يكن"6، ثم بعد ذلك يجوز حذف نونه تخفيفا لكثرة الاستعمال مطلقا عند يونس وبشرط أن يكون بعدها متحرك عند سيبويه7، ويشهد ليونس قول الشاعر:
فإن لم تك المرآة أبدت وسامة
…
فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم8
1 ب، ج وفي أن "كانت".
2 ب، ج وفي أ "بقاء".
3 وذلك حيث تقع "أن" موقع المفعول لأجله في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بآخر.
وأجازه المبرد "أي على زيادة "ما" لا أنها عوض". خضري 1/ 118.
4 أ، ج وفي ب "منها".
5 ب، ج.
6 سورة النساء 137.
7 قال سيبويه ج1 ص13: "واعلم أنه ليس كل حرف يظهر بعده الفعل يحذف فيه الفعل
…
فليس كل حرف يحذف منه شيء ويثبت فيه نحو يك ويكن ولم أبل وأبال
…
".
8 قائله: الخنجر بن صخر الأسدي، وهو من الطويل.
الشرح: "المرآة -بكسر الميم وسكون الراء المهملة- معروفة، وإنما سميت بذلك لأنها آلة الرؤية، "أبدت": أظهرت، "وسامة" -بفتح الواو وتخفيف السين المهملة- جمالا وبهاء منظر، وهو مصدر وسم الرجل فهو وسيم على مثال ظرف فهو ظريف، "ضيغم" =
قال المصنف: وبقوله أقول؛ إذ لا ضرورة في البيت لإمكان أن يقال: فإن لم تكن المرآة أخفت وسامة1، إلا أن الإثبات قبل الساكن أكثر وبه ورد القرآن2.
فإن قلت: هل حذف النون مخصوص بالناقصة؟
قلت: لا، بل هو كثير في الناقصة.
ومن وروده في التامة قوله تعالى: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} 3.
= بفتح الصاد وسكون الياء وفتح الغين وهو الأسد، وأصل اشتقاقه من الضغم، وهو العض والياء فيه زائدة للإلحاق بجعفر.
المعنى: كان هذا الشاعر قد نظر في المرآة فلم يرقه منظره ولا أعجبه شكله فأراد أن يسلي نفسه بأنه إن لم تكن صفاته الظاهرة على ما يروق ويعجب فإن صفاته الباطنة من الشجاعة والإقدام ونحوهما فوق الإعجاب.
الإعراب: "إن" شرطية، "لم" حرف نفي، "تك" فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، "المرآة" اسم تكن، "أبدت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل نصب خبر تكن وجملة تكن واسمها وخبرها في محل جزم فعل الشرط، "فقد" الفاء داخلة على جواب الشرط قد حرف تحقيق، "أبدت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "المرآة" فاعل، "جبهة" مفعول به، "ضيغم" مضاف إليه والجملة في محل جزم جواب الشرط.
الشاهد: في "لم تك المرآة" حيث حذف النون من مضارع "كان" المجزوم بالسكون مع أنه قد وليها حرف ساكن وهو اللام من "المرآة" لأن الألف ألف الوصل فلا حركة لها حين الوصل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص59، وابن هشام 1/ 191، والأشموني 1/ 120، والسيوطي في همع الهوامع 1/ 122.
1 وقد قرئ شاذا: "لم يك الذين كفروا".
2 قال تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} .
3 سورة النساء 40، وقراءة الرفع على التمام والنصب على النقصان.