المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(فصل: قسم الشافعية القياس باعتبار القوة) - تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه - جـ ٤

[أمير باد شاه]

الفصل: ‌(فصل: قسم الشافعية القياس باعتبار القوة)

الْمَوْلُود من الزَّوْج إِنَّمَا هُوَ (بالفراش السَّابِق) الْقوي الَّذِي يثبت بِهِ النّسَب، وَإِن أنكر الزَّوْج كَونه مِنْهُ إِلَّا مَعَ الْمُلَاعنَة (وَعِنْده) أَي أبي حنيفَة (لَيست) الْولادَة الْمَذْكُورَة (عَلامَة إِلَّا مَعَ أَحدهمَا) أَي الْحَبل الظَّاهِر قبل الطَّلَاق أَو الْمَوْت واعتراف الزَّوْج (فَلَا تقبل) شَهَادَة الْقَابِلَة (دونه) أَي دون أَحدهمَا (لِأَن الْولادَة وَالْحَالة هَذِه) أَي وَالْحَال أَن كَيْفيَّة الْوَاقِعَة عدم ظُهُور الْحَبل وَعدم اعْتِرَاف الزَّوْج بِهِ سَابِقًا (كالعلة لثُبُوت النّسَب) حرا، وَالْجُمْلَة الخالية عَن الْمُضمر المستقر فِيهِ توسطت بَين اسْمهَا وخبرها، وَإِنَّمَا قيد كَونه كالعلة بهَا لِأَن الْولادَة عِنْد ظُهُور الْحَبل أَو الِاعْتِرَاف سَابِقًا أَو الْفراش الْقَائِم لَيست كالعلة فَإِن كلا من ذَلِك دَلِيل ظَاهر يسْتَند إِلَيْهِ ثُبُوت النّسَب وَتَكون الْولادَة حِينَئِذٍ عَلامَة فَقَط (فَيلْزم النّصاب) أَي إِذا كَانَت الْولادَة كالعلة حِينَئِذٍ فَيشْتَرط نِصَاب الشَّهَادَة رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ لإثباتها (وَمثله) أَي مثل هَذَا الْخلاف وَاقع (إِذا علق طَلاقهَا عَلَيْهَا) أَي على الْولادَة وَأُرِيد إِثْبَات الطَّلَاق لوُجُود الْمُعَلق عَلَيْهِ (قبلت) شَهَادَة الْقَابِلَة على الْولادَة (عِنْدهمَا) أَي الصاحبين اعْتِبَار الْجَانِب كَونهَا عَلامَة (وَعِنْده يلْزم النّصاب) فَلَا تقبل (لِأَنَّهَا) أَي شهادتها حِينَئِذٍ (على الطَّلَاق معنى) وَإِن كَانَت على الْولادَة، وَصُورَة (كَمَا) إِذا شهِدت امْرَأَة (على ثيابة أمة بِيعَتْ بكرا لَا تقبل اتِّفَاقًا للرَّدّ) يَعْنِي إِذا اشْترى أمة على أَنَّهَا بكر، ثمَّ ادّعى أَنَّهَا ثيب وَأنكر البَائِع فَشَهِدت إِلَى آخِره، فَإِنَّهَا لَا تقبل اتِّفَاقًا لاسْتِحْقَاق المُشْتَرِي ردهَا على البَائِع لفَوَات الشَّرْط الْمَعْقُود عَلَيْهِ: أَي الْبكارَة (وَإِن قبلت) شهادتها (فِي الثيابة والبكارة) حَتَّى تثبت الثيابة فِي هَذِه فِي حق توجه الْخُصُومَة فَلَا تنْدَفع عَن البَائِع قبل الْقَبْض إِلَّا بحلفه بِاللَّه مَا بهَا هَذَا الْعَيْب، وَبعده بِاللَّه لقد سلمهَا بِحكم هَذَا البيع وَمَا بهَا هَذَا الْعَيْب.

(فصل: قسم الشَّافِعِيَّة الْقيَاس بِاعْتِبَار الْقُوَّة)

وَمَا يقابلها (إِلَى) قِيَاس (جلي) هُوَ (مَا علم فِيهِ نفي اعْتِبَار الْفَارِق بَين الأَصْل وَالْفرع) إِنَّمَا قَالَ: نفي اعْتِبَار الْفَارِق، وَلم يقل نفي الْفَارِق لِأَنَّهُ لَا بُد من وجود الْفَارِق بَينهمَا فِي كل قِيَاس لَكِن الْمَقْصُود نفي فَارق يَسْتَدْعِي زِيَادَة اخْتِصَاص الحكم بِالْأَصْلِ فَإِنَّهُ الْمُعْتَبر فِي الْفرق لَا غَيره، وَلَا شكّ أَن الْقيَاس الَّذِي علم فِيهِ نفي اعْتِبَار الْفَارِق أقوى فِي الِاحْتِجَاج من الَّذِي لم يعلم فِيهِ، بل ظن (كقياس الْأمة على العَبْد فِي أَحْكَام الْعتْق من التَّقْوِيم على مُعتق الْبَعْض) وَغَيره، وَقَوله من التَّقْوِيم إِلَى آخِره بَيَان الْأَحْكَام بَيَان ذَلِك أَنه صلى الله عليه وسلم قَالَ " من أعتق شركا لَهُ فِي عبد فَكَانَ لَهُ مَال يبلغ بِهِ ثمن العَبْد قوم عَلَيْهِ قيمَة عدل فَأعْطى شركاءه حصصهم وَعتق العَبْد عَلَيْهِ وَإِلَّا فقد عتق مِنْهُ مَا عتق " فَإنَّا نقطع بِعَدَمِ اعْتِبَار الشَّارِع الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة، وَأَنه لَا فَارق بَينهمَا سوى ذَلِك (و) إِلَى (خَفِي) قِيَاسه (بظنه) أَي نفي اعْتِبَار الْفَارِق وَلَا بِعِلْمِهِ جزما فَلَا يكون الِاحْتِجَاج بِهِ قَوِيا مثل الأول (كالنبيذ)

ص: 76

أَي كقياس النَّبِيذ (على الْخمر فِي حُرْمَة الْقَلِيل مِنْهُ) أَي النَّبِيذ فَإِن كَونه مثل الْخمر فِي حُرْمَة الْقَلِيل غير مَعْلُوم بل مظنون (لتجويز اعْتِبَار) الْفَارِق بَينهمَا: أَي بَين (خُصُوصِيَّة الْخمر) فَإِنَّهُ يجوز عِنْد الْعقل أَن تكون حُرْمَة الْقَلِيل فِيهَا لخصوصها بِاعْتِبَار وصف يَخُصهَا كالنجاسة العينية، أَو أَن قليلها يَدْعُو إِلَى الْكثير أَكثر مِمَّا يَدْعُو قَلِيل النَّبِيذ إِلَى كَثِيره (وَلذَا) أَي ولتجويز اعْتِبَار خصوصيتها فِي نفس الْأَمر (قالته الْحَنَفِيَّة) أَي ذَهَبُوا إِلَى اعْتِبَار خصوصيتها فَلم يحرموا الْقَلِيل من النَّبِيذ. (و) قسموه (بِاعْتِبَار الْعلَّة إِلَى قِيَاس عِلّة) وَهُوَ (مَا صرح فِيهِ بهَا) أَي بِالْعِلَّةِ: كَمَا يُقَال حرم النَّبِيذ كَالْخمرِ للإسكار. (وَقِيَاس دلَالَة) وَهُوَ (أَن يجمع) فِيهِ بَين الأَصْل وَالْفرع (بملازمها) أَي بِذكر مَا يلازم الْعلَّة، وَفِي التَّعْبِير بالملازم دون اللَّازِم إِشْعَار بِأَن الْمُعْتَبر اللُّزُوم من الْجَانِبَيْنِ. ثمَّ مثل الملازم بقوله (كرائحة) الشَّرَاب (المشتد بالشدة المطربة الْمُشْتَركَة (بَين النَّبِيذ وَالْخمر لدلالته) أَي الملازم الْمَذْكُور (على وجود الْعلَّة) وَهِي (الْإِسْكَار) لِأَن وجود الملازم يسْتَلْزم وجود الملازم فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ كَانَ) مَا ذكر من الرَّائِحَة (ملازما لَهَا) أَي لِلْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْإِسْكَار (و) إِلَى (قِيَاس فِي معنى الأَصْل) وَهُوَ (أَن يجمع) بَين الأَصْل وَالْفرع فِي الحكم (بِنَفْي الْفَارِق) بَينهمَا (أَي بإلغائه) أَي إِلْغَاء وصف مَوْجُود فِي الأَصْل دون الْفَرْع وَإِظْهَار عدم مدخليته فِي الحكم (كإلغاء كَونه) أَي كَون الْمَقِيس عَلَيْهِ: وَهُوَ الَّذِي جَامع أَهله فِي نَهَار رَمَضَان فَأمره صلى الله عليه وسلم بِالْكَفَّارَةِ على التَّفْصِيل الْمَذْكُور فِي السّنة (أَعْرَابِيًا وَكَونهَا) أَي الَّتِي جَامعهَا (أَهلا) أَي زَوْجَة لَهُ، وَإِذا ألغى الخصوصيات (فَتجب الْكَفَّارَة) أَي كَفَّارَة الْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان عمدا (على غَيره) أَي غير ذَلِك الْأَعرَابِي بإلغاء الأول (و) تجب (بِالزِّنَا) أَي بمجامعة غير الْأَهْل بطرِيق الزِّنَا بإلغاء الثَّانِي (وَكَذَا) الْحَال فِي تَعديَة الحكم عَن مورد النَّص (إِذْ ألغى الْحَنَفِيّ كَونه) أَي الْمُفطر (جماعا فَتجب) الْكَفَّارَة (بعمد الْأكل) أَي بِالْأَكْلِ عمدا إِذا كَانَ الْمَأْكُول مِمَّا يقْصد بِهِ الْقُوت (وَلَو تعرض) القائس (لغير نفي الْفَارِق من عِلّة) بَيَان للْغَيْر (مَعَه) أَي مَعَ نفي الْفَارِق: يَعْنِي ذكر الْعلَّة للْحكم وَنفي الْفَارِق بَين الْفَرْع وَالْأَصْل (وَكَانَ) نفي الْفَارِق (قَطْعِيا خرج) مَا تعرض فِيهِ لما ذكر مَعَ النَّفْي الْقطعِي (إِلَى الْقيَاس الْجَلِيّ، أَو ظنيا فَإلَى الْخَفي) أَي وَلَو تعرض لما ذكر وَكَانَ النَّفْي ظنيا فَخرج إِلَى الْقيَاس الْخَفي، وَلَيْسَ المُرَاد الْخُرُوج من أحد الضدين إِلَى الآخر، بل البروز من عَالم الْإِمْكَان إِلَى إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ (وَلَا يخفى أَن هَذَا) التَّقْسِيم (تَقْسِيم لما يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْقيَاس) لَا للْقِيَاس الْمُعَرّف بِمَا ذكر فِي صدر الْمقَالة (إِذْ الْجمع) أَي جمع بَيَان الْعلَّة (بِنَفْي الْفَارِق لَيْسَ من حَقِيقَته) أَي الْقيَاس، وَقد يُقَال أَن الْقُيُود الَّتِي يحصل بانضمامها إِلَى الْمقسم الْأَقْسَام المتباينة

ص: 77

لَا يجب أَن تكون دَاخِلَة فِي حَقِيقَتهَا لجَوَاز تَقْسِيم الْمَاهِيّة بِاعْتِبَار اقترانها فِي التحقق بِأُمُور متباينة خَارِجَة عَن مَاهِيَّة كل قسم فالتقيد بِوَاحِد من تِلْكَ الْأُمُور دَاخل فِي كل قسم، والقيد خَارج كتقسيم الْإِنْسَان إِلَى الْأَبْيَض وَالْأسود، فَيجوز أَن يكون الْمقسم كالقياس الْمَذْكُور فَتَأمل (و) قسم (الْحَنَفِيَّة) الْقيَاس (إِلَى جلي) وَهُوَ (مَا تبادر) أَي سبق إِلَى الإفهام وَجهه (و) إِلَى (مَا هُوَ خَفِي مِنْهُ) أَي مِمَّا تبادر (فَإِن قيل قَوْله أخْفى يَسْتَدْعِي وجود الخفاء فِي الْمُتَبَادر قُلْنَا الْقيَاس من حَيْثُ هُوَ لَا يَخْلُو من نوع خَفَاء، فالجلاء والخفاء من الْأُمُور الإضافية. (فَالْأول) وَهُوَ الْجَلِيّ (الْقيَاس) أَي يُسمى بِلَفْظ الْقيَاس فَكَأَنَّهُ لكماله هُوَ الْقيَاس لَا غَيره فَلفظ الْقيَاس يسْتَعْمل فِي مَعْنيين: أَحدهمَا الْأَعَمّ الْمقسم للقسمين، وَالثَّانِي مَا يُقَابل الْخَفي (وَالثَّانِي الِاسْتِحْسَان فَهُوَ) أَي الِاسْتِحْسَان (الْقيَاس الْخَفي بِالنِّسْبَةِ إِلَى) قِيَاس (ظَاهر متبادر) وَفِيه إِشَارَة إِلَى مَا ذكرنَا من الْإِضَافَة (وَيُقَال) لفظ الِاسْتِحْسَان (لما هُوَ أَعم) مِمَّا ذكر، وَهُوَ (كل دَلِيل) وَاقع (فِي مُقَابلَة الْقيَاس الظَّاهِر) لفظ كل مقحم تَأْكِيدًا للْعُمُوم الْمَفْهُوم فِي مقَام التَّعْرِيف (نَص) بدل الْبَعْض من كل دَلِيل (كالسلم) أَي كالنص الدَّال على صِحَة بيع السّلم، وَالْقِيَاس الْجَلِيّ يُفِيد عدم جَوَازه لكَون الْمَبِيع مَعْدُوما حَال العقد (أَو إِجْمَاع كالاستصناع) أَي كالإجماع الْوَاقِع على جَوَاز الاستصناع وَهُوَ طلب صَنْعَة لما فِيهِ تعامل من خف وَغَيره بِأَن يَقُول للخفاف: اصْنَع لي خف جلد كَذَا صفته كَذَا، ومقداره كَذَا بِكَذَا، فَإِن الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَهُوَ الْخُف الْمَوْصُوف بِمَا وصف بِهِ الطَّالِب مَعْدُوم حَال العقد، فَالْقِيَاس عدم جَوَازه، غير أَنه ترك للتعامل من غير نَكِير من أهل الْعلم، وتقريرهم على ذَلِك إِجْمَاع عَمَلي، وَلم يجوزه الشَّافِعِي ورفد (أَو ضَرُورَة) هِيَ عُمُوم الْبلوى (كطهارة الْحِيَاض والآبار) أَي كالضرورة الْمُوجبَة للْحكم بِطَهَارَة الْحِيَاض والآبار المتنجسة، فَإِن الحكم بطهارتها بالنزح مثلا لعُمُوم الْبلوى، وَإِلَّا فإخراج بعض المَاء النَّجس من الْحَوْض والبئر لَا يُؤثر فِي طَهَارَة الْبَاقِي، وَلَو أخرج الْكل فَمَا يَنْبع من أَسْفَل أَو ينزل من أَعلَى يلاقي نجسا من طين أَو حجر (فمنكره) أَي الِاسْتِحْسَان حَيْثُ قَالَ: من اسْتحْسنَ فقد شرع (لم يدر المُرَاد بِهِ) أَي بِلَفْظ الِاسْتِحْسَان عِنْد من يَقُول بِهِ: يَعْنِي الْقيَاس الْخَفي أَو كل دَلِيل الخ (وقسموا) أَي الْحَنَفِيَّة (الِاسْتِحْسَان إِلَى مَا قوي أَثَره) أَي تَأْثِير علته بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُقَابِله (و) إِلَى (مَا خَفِي فَسَاده) وَهُوَ خلله، المخل بالاحتجاج بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عدم ظُهُور صِحَّته: أَي خَفِي فَسَاده (بِالنِّسْبَةِ إِلَى ظُهُور صِحَّته) نَفسه، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ظُهُور صِحَة الْقيَاس، لِأَن الخفاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ وَظِيفَة مَا هُوَ أجل مِنْهُ وَهُوَ ظُهُور صِحَّته، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِن كَانَ) ظُهُور صِحَّته (خفِيا بِالنِّسْبَةِ

ص: 78

إِلَى الْقيَاس) الْمُقَابل لَهُ (وَظهر صِحَّته) عطف على خَفِي فَإِذا نظرت فِيهِ أدنى نظر وجدته صَحِيحا وَإِذا تَأَمَّلت فِيهِ حق التَّأَمُّل وجدته فَاسِدا (و) قسموا (الْقيَاس إِلَى مَا ضعف أَثَره، و) إِلَى (مَا ظهر فَسَاده وخفي صِحَّته) وَذَلِكَ بِأَن يَنْضَم إِلَى وَجهه معنى دَقِيق يورثه قُوَّة ورجحانا على وَجه مَا مُقَابِله الَّذِي هُوَ اسْتِحْسَان (فَأول الأول) أَي الْقسم الأول من الِاسْتِحْسَان وَهُوَ مَا قوي أَثَره (مقدم على أول الثَّانِي) أَي الْقسم الأول من الْقيَاس، وَهُوَ مَا ضعف أَثَره، وَوجه التَّقْدِيم ظَاهر (وَثَانِي الثَّانِي) وَهُوَ مَا ظهر فَسَاده وخفي صِحَّته مقدم (على ثَانِي الأول) وَهُوَ مَا ظهر صِحَّته وخفي فَسَاده لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة بِالظَّاهِرِ الْمَبْنِيّ على بادئ النّظر فِي مُقَابلَة الْبَاطِن الْمَبْنِيّ على التَّأَمُّل التَّام، فثاني الثَّانِي فِي التَّحْقِيق أقرب إِلَى الصَّوَاب من ثَانِي الأول وَإِن كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ فِي الظَّاهِر، وَإِنَّمَا ترك بَيَان النِّسْبَة بَين قسمي الأول لظُهُوره وَبَين قسمي الثَّانِي اعْتِمَادًا على فهم الْمُخَاطب أَن مَا هُوَ صَحِيح فِي التَّحْقِيق إِذا لم يكن ضَعِيف الْأَثر أولى مِمَّا هُوَ ضَعِيف الْأَثر فَتدبر (مِثَال مَا اجْتمع فِيهِ أول كل) من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (سِبَاع الطير) أَي سؤرها كالصقر والبازي إِذْ (الْقيَاس نَجَاسَة سؤرها) قِيَاسا (على) نَجَاسَة سُؤْر (سِبَاع الْبَهَائِم) كالأسد والنمر لاشْتِرَاكهمَا فِي نَجَاسَة اللَّحْم لِحُرْمَتِهِ والسؤر يتبع اللَّحْم لاختلاطه باللعاب الْمُتَوَلد مِنْهُ، وَهَذَا الْمَعْنى ظَاهر غير قوي الْأَثر (وَالِاسْتِحْسَان) طَهَارَة سؤرها، وَهُوَ (الْقيَاس الْخَفي على) طَهَارَة سُؤْر (الْآدَمِيّ) بِجَامِع عدم مأكولية لحم كل مِنْهُمَا، وَإِن كَانَ فِي الْآدَمِيّ للكرامة، وَفِي سِبَاع الطير للنَّجَاسَة، لِأَن الْحُرْمَة لَا لكرامة آيَة النَّجَاسَة (لضعف أثر الْقيَاس) الْمَذْكُور، تَعْلِيل لتقديم الْقسم الأول من الِاسْتِحْسَان فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (أَي مؤثره) الْإِضَافَة لأدنى مُلَابسَة فَإِن الْمُؤثر إِنَّمَا هُوَ مُؤثر للْحكم وَإِرَادَة الْمُؤثر من لفظ الْأَثر من قبيل إِطْلَاق الْمُسَبّب على السَّبَب (وَهُوَ) أَي مؤثره (مُخَالطَة اللعاب) الْمُتَوَلد من اللَّحْم (النَّجس) للْمَاء فِي السؤر (لانتفائه) أَي انْتِفَاء الْمُؤثر الْمَذْكُور فِي سُؤْر سِبَاع الطير تَعْلِيل لضعف أثر الْقيَاس (إِذْ تشرب) سِبَاع الطير تَعْلِيل لانتفائه (بمنقارها الْعظم الطَّاهِر) صفتان لمنقارها لبَيَان كَونه جافا لَا رُطُوبَة فِيهِ وَأَنه طَاهِر من الْمَيِّت فَمن الْحَيّ أولى، وَهِي تَأْخُذ المَاء بِهِ ثمَّ تبتلعه وَلَا ينْفَصل شَيْء من لُعَابهَا فِي المَاء (فانتفت عِلّة النَّجَاسَة) وَهِي المخالطة الْمَذْكُورَة (فَكَانَ طَاهِرا كسؤر الْآدَمِيّ) بِجَامِع انْتِفَاء علتها، وَهَذَا أولى من قَوْلهم بِجَامِع عدم مأكولية اللَّحْم كَمَا ذكر، إِذْ تعلق بتأثيره فِي الحكم بِطَهَارَة السؤر دون ذَلِك، على أَن عدم الْأكل فِي الْآدَمِيّ للكرامة، وَفِي الْمَقِيس للنَّجَاسَة على مَا مر آنِفا (وأثره) أَي الْقيَاس الْخَفي (أقوى) من ذَلِك الْقيَاس الظَّاهِر لما عرفت من انْتِفَاء مُوجب النَّجَاسَة، ثمَّ إِن كَانَت مضبوطة تغذى بالطاهر فَقَط لَا يكره سؤرها كَمَا روى عَن أبي حنيفَة وَأبي

ص: 79

يُوسُف وَاسْتَحْسنهُ الْمُتَأَخّرُونَ وأفتوا بِهِ وَإِن كَانَت مُطلقَة يكره لِأَنَّهَا لَا تتحامى الْميتَة فَكَانَت كالدجاجة المخلاة، وَعَن أبي يُوسُف أَن مَا يَقع على الْجِيَف سؤره نجس لعدم خلو منقاره عَن النَّجَاسَة عَادَة وَأجِيب بِأَنَّهَا تدلك منقارها بِالْأَرْضِ بعد الْأكل فيزول مَا عَلَيْهِ، وَلعدم تقين النَّجَاسَة مَعَ الْبلوى بهَا فَإِنَّهَا تنقض من الْهَوَاء على المَاء فثبتت الْكَرَاهَة لَا النَّجَاسَة (فَإِن قلت سبق عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة فِي شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا تَعْلِيل بِالْعدمِ، وَهَذَا الِاسْتِحْسَان قِيَاس علل فِيهِ بِهِ) أَي بِالْعدمِ لِأَن حَاصله تَعْلِيل الطَّهَارَة بِعَدَمِ مُخَالطَة النَّجس (قُلْنَا تقدم) ثمَّة (اسْتثِْنَاء عِلّة متحدة) أَي اسْتثِْنَاء التَّعْلِيل بِعَدَمِ عِلّة لَيْسَ لحكمها عِلّة سواهَا من عُمُوم نفي التَّعْلِيل بِالْعدمِ (فيستدل بعدمها) أَي بِعَدَمِ الْعلَّة المتحدة (على عدم حكمهَا) لِأَن الحكم لَا يُوجد بِدُونِ الْعلَّة، والمفروض أَنه لَا عِلّة لَهُ سوى مَا أضيف إِلَيْهِ الْعَدَم، يَعْنِي أَن التَّعْلِيل بِعَدَمِ الْعلَّة المتحدة عبارَة عَن الِاسْتِدْلَال بِالْعدمِ على الْعَدَم (لَا) أَن ذَلِك التَّعْلِيل (تَعْلِيل حَقِيقِيّ) إِذْ التَّعْلِيل الْحَقِيقِيّ بإبراز عِلّة مُؤثرَة مستجمعة للشرائط الْمُعْتَبرَة فِي الْعلَّة المرعية، وَذَلِكَ مَفْقُود فِيمَا نَحن فِيهِ (ومثلوا مَا اجْتمع فِيهِ ثانياهما) أَي الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان وهما الْقيَاس الظَّاهِر فَسَاده الْخَفي صِحَّته، وَالِاسْتِحْسَان الظَّاهِر صِحَّته الْخَفي فَسَاده (بِسَجْدَة التِّلَاوَة الْوَاجِبَة فِي فِي الصَّلَاة، الْقيَاس) جَوَاز (أَن يرْكَع) فِي الصَّلَاة (بهَا) أَي بِسَبَبِهَا نَاوِيا أداءها بِهِ سَوَاء كَانَ غير رُكُوع الصَّلَاة أَو ركوعها مَا لم يَتَخَلَّل بَينهمَا فاصل وَهُوَ مِقْدَار ثَلَاث آيَات (لظُهُور أَن إِيجَابهَا) أَي سَجْدَة التِّلَاوَة (لإِظْهَار التَّعْظِيم) لله تَعَالَى بالخضوع لَهُ مُوَافقَة لمن عظم، وَمُخَالفَة لمن استكبر (وَهُوَ) أَي إِظْهَار التَّعْظِيم حَاصِل (فِي الرُّكُوع، وَلذَا) أَي ولوفور التَّعْظِيم فِيهِ (أطلق عَلَيْهَا) أَي السَّجْدَة (اسْمه) أَي اسْم الرُّكُوع فِي قَوْله تَعَالَى (وخر رَاكِعا) أَي سقط سَاجِدا لِأَن الخرور السُّقُوط على الْوَجْه، فقيس سُقُوطهَا بِهِ على سُقُوطهَا بِنَفسِهَا بِجَامِع الخضوع تَعْظِيمًا غير أَن السُّجُود أفضل فِي أَدَاء الْوَاجِب (وَهِي) أَي الْعلَّة الْمَذْكُورَة فِي الْقيَاس الْمَذْكُور (صِحَّته الْخفية) أَي وَجه صِحَّته الْخفية (وفساده الظَّاهِر لُزُوم تأدي الْمَأْمُور بِهِ) وَهُوَ السُّجُود (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْمَأْمُور بِهِ، وَهُوَ الرُّكُوع (وَالْعَمَل بالمجاز) أَي بِالْمَعْنَى الْمجَازِي للفظ السُّجُود وَهُوَ الرُّكُوع (مَعَ إِمْكَانه) أَي الْعَمَل (بِالْحَقِيقَةِ) وَهُوَ السُّجُود، وَلَا يخفى أَن لُزُوم مَا ذكر إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الظَّاهِر وَبعد التَّأَمُّل تبين أَن الْمَأْمُور بِهِ بِحَسب الْحَقِيقَة إِظْهَار التَّعْظِيم وَلَفظ السُّجُود مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته غير أَنه ألحق بِهِ الرُّكُوع بطرِيق الْقيَاس (وَالِاسْتِحْسَان) الأخفى (لَا) لكَون الْقيَاس الْمُقَابل لَهُ خَفِي الصِّحَّة، وكل اسْتِحْسَان أخْفى مِمَّا يُقَابله أَنه لَا يرْكَع بهَا كَمَا هُوَ قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (قِيَاسا على سُجُود الصَّلَاة) فَإِنَّهُ (لَا يَنُوب ركوعها) أَي الصَّلَاة (عَنهُ)

ص: 80

أَي عَن سجودها مَعَ كَمَال الْمُنَاسبَة بَينهمَا لِكَوْنِهِمَا من الْأَركان وموجبات التَّحْرِيمَة، وعَلى عدم تأديها بِهِ خَارج الصَّلَاة، وَأَيْضًا رُكُوع الصَّلَاة مُسْتَحقّ لجِهَة أُخْرَى، وَهُوَ خَارِجهَا غير مُسْتَحقّ لجِهَة أُخْرَى (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (صِحَّته) أَي هَذَا الْقيَاس (الظَّاهِرَة لوجه فَسَاد ذَلِك) الْقيَاس مُتَعَلق بقوله لَا يَنُوب (من تأدى الخ) أَي الْمَأْمُور بِغَيْرِهِ وَالْعَمَل بالمجاز مَعَ إِمْكَانه بِالْحَقِيقَةِ بَيَان لوجه فَسَاد ذَلِك، وَصِحَّة هَذَا وَفَسَاد ذَلِك مشتركان فِي الظُّهُور متحدان فِي الْوَجْه (وَفَسَاد الْبَاطِن) أَي بَاطِن هَذَا الِاسْتِحْسَان (أَنه) أَي هَذَا الِاسْتِحْسَان (قِيَاس مَعَ الْفَارِق وَهُوَ) أَي الْفَارِق (أَن فِي الصَّلَاة كل من الرُّكُوع وَالسُّجُود مَطْلُوب بِطَلَب يَخُصُّهُ) على سَبِيل الْجمع بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى - {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا} - فَلَو لم يكن خُصُوصِيَّة كل مِنْهَا مَطْلُوبا وَكَانَ الْمَطْلُوب إِظْهَار التَّعْظِيم مُطلقًا سَوَاء تحقق فِي ضمن الرُّكُوع وَالسُّجُود، كَانَ حق الْأَدَاء غير هَذَا الأسلوب بِأَن يذكر أَو بدل الْوَاو وَنَحْو ذَلِك (فَمنع) كَون كل مِنْهُمَا مَطْلُوبا بِطَلَب يَخُصُّهُ (تأدى أَحدهمَا فِي ضمن الآخر، بِخِلَاف سَجْدَة التِّلَاوَة) فَإِنَّهَا (طلبت وَحدهَا وعقل) فِيهَا معنى صَالح للعلية، وَهُوَ (أَنه) أَي طلبَهَا (لذَلِك الْإِظْهَار) للتعظيم (وَمُخَالفَة المستكبرين) عَن السُّجُود على مَا يفهم من النُّصُوص الْوَارِدَة فِي مَوَاضِع سَجْدَة التِّلَاوَة (وَهُوَ) أَي كل وَاحِد من إِظْهَار التَّعْظِيم والمخالفة (حَاصِل بِمَا اعْتبر عبَادَة) أَي بركوع اعْتَبرهُ الشَّارِع عبَادَة (غير أَن الرُّكُوع خَارج الصَّلَاة لم يعرف عبَادَة فَتعين) رُكُوع الصَّلَاة للأجزاء عَنْهَا فَإِن قلت تَعْلِيل الحكم الْمَذْكُور فِيهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكرُوا هُوَ إِظْهَار التَّعْظِيم والمخالفة يقتضى أَن يُؤدى الْوَاجِب فِيهِ بِكُل مَا اعْتبر عبَادَة، وَلم يقل لَهُ أحد قلت اظهار التَّعْظِيم والمخالفة على وَجه الْكَمَال لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي تَعْظِيم يخص المعبود وَهُوَ منحصر (فيهمَا) وَقد يُقَال لظَاهِر النَّص طلب السَّجْدَة بِعَينهَا وَهِي غَايَة فِي التَّعْظِيم فَلَيْسَ الرُّكُوع فِي رتبتها فَتدبر (فترجح الْقيَاس) على الِاسْتِحْسَان بِقُوَّة أثر الْبَاطِن لما عرفت من دفع الْإِيرَاد عَنهُ وَعدم دَفعه على الِاسْتِحْسَان (وَنظر فِي أَن ذَلِك ظَاهر وَهَذَا خَفِي) أَي فِي ظُهُور ذَلِك الْقيَاس، وخفاء هَذَا الِاسْتِحْسَان نظر (وَهُوَ) أَي وَجه النّظر (ظَاهر إِذْ لَا شكّ أَن منع تأدى الْمَأْمُور) أَي امْتِنَاعه (شرعا بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْمَأْمُور بِهِ (أقوى تبادراً من جَوَازه لمشاركته) تَعْلِيل للْجُوَاز الْمَرْجُوح أَي لمشاركه غير الْمَأْمُور بِهِ أَي للْمَأْمُور بِهِ فالباء بِمَعْنى اللَّام، وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى مَعَ، وَفِي نُسْخَة لَهُ، وَهُوَ الظَّاهِر (فِي معنى) نيط بِهِ الحكم (كالتعظيم) الْمَذْكُور (أَو لإِطْلَاق لَفظه) مَعْطُوف على قَوْله لمشاركته يَعْنِي لفظ غير الْمَأْمُور بِهِ (عَلَيْهِ) أَي على الْمَأْمُور بِهِ (كَقَوْلِه

ص: 81

تَعَالَى وخر رَاكِعا: أَي سَاجِدا) فَإِن فِي إِطْلَاق لفظ الرَّاكِع على الساجد والعدول عَن الظَّاهِر إِيمَاء إِلَى أَن الْمَقْصُود مِنْهُمَا وَاحِد، ثمَّ علل كَون الْمَنْع أقوى تبادرا من الْجَوَاز الْمُعَلل بِالْإِطْلَاقِ الْمَذْكُور بقوله (إِذْ لَا يلْزم من إِطْلَاق لفظ على غير مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ جَوَاز إِيقَاع مُسَمَّاهُ) أَي مُسَمّى الْمُسْتَعْمل مجَازًا (مَكَان مُسَمّى) اللَّفْظ (الآخر) الَّذِي وضع بِإِزَاءِ الْمُسْتَعْمل فِيهِ مجَازًا (شرعا) أَي جَوَازًا شَرْعِيًّا، فاللفظ الأول الرُّكُوع، وَالثَّانِي السُّجُود فَلَا يلْزم من إِطْلَاق الرُّكُوع على معنى السُّجُود، وَجَوَاز إِيقَاع معنى الرُّكُوع مَكَان معنى السُّجُود فِي أَدَاء مَا وَجب بِالطَّلَبِ الْمُتَعَلّق بِالسُّجُود (وَإِن كَانَ الْمُطلق) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل (الشَّارِع) أَن وصلية لدفع مَا يتَوَهَّم من أَن الْمُطلق إِذا كَانَ الشَّارِع وَالشَّرْع فِي يَده فَمَا الْمَانِع من حمل كَلَامه على جَوَاز الْإِيقَاع لِأَن الْكَلَام فِي عدم لُزُوم جَوَازه من هَذَا الْإِطْلَاق، وَلَا فرق فِي هَذَا بَين أَن يكون الْمُطلق الشَّارِع أَو غَيره فَإِن طَرِيق الِاسْتِعَارَة غير طَرِيق الْقيَاس إِذْ بِنَاء الأول على علاقَة الْمجَاز، وَالثَّانِي على وجود الْعلَّة الشَّرْعِيَّة، وَإِنَّمَا لم يتَعَرَّض إِلَّا الْأَخير من وَجْهي الْجَوَاز لظُهُور الأول (وَلَو فرض قيام دلَالَة على ذَلِك) أَي جَوَاز قيام الرُّكُوع فِي الصَّلَاة مقَامهَا (لَا يصيره) أَي الْقيَاس (أظهر) من الِاسْتِحْسَان، فَإِن وَجه عدم جَوَاز نِيَابَة الرُّكُوع فِي غَايَة الظُّهُور، وَمَا ذكر فِي مُقَابِله لَيْسَ مثله فِي الظُّهُور، والمفروض أخْفى من الْمَذْكُور، كَذَا مَا بَقِي فِي عَالم الْفَرْض وَلم يبرز، وَعَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه أَنه سُئِلَ عَن السَّجْدَة تكون فِي آخر السُّورَة أيسجد بهَا أم يرْكَع؟ قَالَ إِن شِئْت فاركع وَإِن شِئْت فاسجد ثمَّ اقْرَأ بعْدهَا سُورَة، رَوَاهُ سعيد، وَذكره ابْن أبي شيبَة عَن عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم وَالْأسود وَطَاوُس ومسروق وَالشعْبِيّ وَالربيع بن خَيْثَم وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل (وَحِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ كَانَ منع التأدى أظهر من جَوَازه (وَجب كَون الحكم الْوَاقِع) أَي الَّذِي اسْتَقر رَأْي الْحَنَفِيَّة عَلَيْهِ عِنْد الْمُعَارضَة (من تأديها بِالرُّكُوعِ) بَيَان للْحكم الْوَاقِع، وَالضَّمِير لسجدة التِّلَاوَة (حكم الِاسْتِحْسَان) خبر الْكَوْن وَذَلِكَ لِأَن مَا يفِيدهُ أخْفى مِمَّا يُفِيد عدم تأديها بِهِ (لَا) يَصح (كَونه) أَي كَون الحكم الْوَاقِع (مِمَّا قدم فِيهِ) أَي فِي حَقه (الْقيَاس عَلَيْهِ) أَي على الِاسْتِحْسَان، بل هُوَ مِمَّا قدم فِيهِ الِاسْتِحْسَان على الْقيَاس، وَقيل الْقيَاس الْمُفِيد للتأدي إِنَّمَا علم من الِاسْتِحْسَان بالأثر الْمَرْوِيّ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَأجِيب بِأَن هَذَا على قَول من يحْتَج بقول الصَّحَابِيّ مُطلقًا سَوَاء كَانَ للرأي فِيهِ مدْخل أَو لَا، وَالْمُخْتَار أَنه يحْتَج بِهِ إِذا لم يكن للرأي فِيهِ مدْخل (وَظهر) من هَذِه الْجُمْلَة (أَن لَا اسْتِحْسَان) كَائِن مَوْصُوفا بِوَصْف (إِلَّا مُعَارضا لقياس) لما عرفت من أَنه عبارَة عَن الْقيَاس الْخَفي بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِيَاس طَاهِر (وَلزِمَ أَن لَا يعدى) من مَحل إِلَى مَحل آخر (مَا) أَي حكم ثَبت (بِغَيْر قِيَاس) أَي على خلاف الْقيَاس (وَهُوَ) أَي

ص: 82

الْقيَاس الَّذِي لَا يعدى بِدُونِهِ (اسْتِحْسَان أَولا) أَي أَو لَيْسَ باستحسان، يَعْنِي يعم الْقيَاس الْجَلِيّ والخفي، وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير رَاجعا إِلَى غير الْقيَاس فَالْمُرَاد حِينَئِذٍ بقوله اسْتِحْسَان الِاسْتِحْسَان بالأثر، وَقد مر (لِأَنَّهُ) أَي مَا ثَبت بِغَيْر الْقيَاس (معدول) عَن سنَن الْقيَاس، وَمن شُرُوط حكم الأَصْل أَن لَا يكون معدولا عَنهُ (كإيجاب يَمِين البَائِع فِي اخْتِلَافهمَا) أَي عِنْد اخْتِلَاف البَائِع وَالْمُشْتَرِي (فِي قدر الثّمن بعد قبض الْمَبِيع) مَعَ قِيَامه (بِإِطْلَاق النَّص) وَهُوَ قَوْله صلى الله عليه وسلم " إِذا اخْتلف البيعان وَلم يكن بَينهمَا بَيِّنَة والسلعة قَائِمَة فَالْقَوْل قَول البَائِع أَو يترادان " وَالْقِيَاس أَن لَا يَمِين عَلَيْهِ فَإِن قلت لَيْسَ فِي النَّص إِيجَاب الْيَمين قلت فِي عرف الشَّرْع إِذا قيل فَالْقَوْل قَوْله فِي مقَام الْخُصُومَة يُرَاد مَعَ الْيَمين، وَأَيْضًا قَوْله أَو يترادان مَعْطُوف على مُقَدّر أَي تحالف البائعان أَو يترادان (لِأَن المُشْتَرِي لَا يدعى عَلَيْهِ) أَي البَائِع (مَبِيعًا لتسلمه) أَي المُشْتَرِي (إِيَّاه) أَي الْمَبِيع، وَهُوَ معترف بِهِ وَإِذا لم يكن ثمَّة دَعْوَى من المُشْتَرِي فِي حق الْمَبِيع وَلَا إِنْكَار من البَائِع لَا يتَوَجَّه الْيَمين على البَائِع لِأَن الْيَمين على الْمُنكر، وَقد يُقَال صُورَة الدَّعْوَى من المُشْتَرِي حَاصِلَة وَقد اكْتفى بهَا فِي قبُول بَيته فيكتفي بهَا فِي يَمِين البَائِع أَقُول يُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن قَوْله صلى الله عليه وسلم وَلم يكن بَينهمَا بَيِّنَة دلّ على أَنه إِذا كَانَ تقبل فقبولها اكْتِفَاء بِصُورَة الدَّعْوَى ثَبت بِالنَّصِّ على خلاف الْقيَاس مُقْتَصرا على مورده (فَلَا يتَعَدَّى) إِيجَاب الْيَمين (إِلَى الْإِجَارَة) فِيمَا إِذا اخْتلفَا فِي مِقْدَار الْأُجْرَة بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة بل القَوْل قَول الْمُسْتَأْجر مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ مُنكر الزِّيَادَة (و) إِلَى (الْوَارِثين) بِلَفْظ الْمثنى أَي وَارِث البَائِع ووارث المُشْتَرِي سَوَاء اخْتلف وَارِث البَائِع مَعَ المُشْتَرِي أَو بِالْعَكْسِ أَو الْوَارِث مَعَ الْوَارِث بِعَدَمِ مَوْتهمَا والسلعة قَائِمَة، بل القَوْل قَول المُشْتَرِي أَو وَارثه (خلافًا لمُحَمد) فَإِنَّهُ قَالَ يجْرِي التخالف فِي جَمِيع الصُّور (وَقَوله) أَي مُحَمَّد (إِذْ كل) من الْمُتَبَايعين (يَدعِي) على صَاحبه (عقدا غير) العقد (الآخر) وعَلى عقد الآخر، وينكر مَا يَدعِيهِ صَاحبه فَيحلف كل على دَعْوَى صَاحبه فَكَانَ على سنَن الْقيَاس فيتعدى إِلَى الْوَارِث (دفع) خبر قَوْله (بِأَن اخْتِلَاف الثّمن لَا يُوجِبهُ) أَي اخْتِلَاف العقد (كَمَا) لَا يُوجب اخْتِلَاف الثّمن اخْتِلَاف العقد (فِي زِيَادَته وحطه) فَإِن البيع بِأَلف يصير بِعَيْنِه بِأَلفَيْنِ إِذا زيد الثّمن بعد العقد، وَالْبيع بِأَلفَيْنِ يصير بِأَلف إِذا حطه عَنهُ بعده، لِأَنَّهُ لَو كَانَ الزِّيَادَة أَو الْحَط مُوجبا لاختلافه للَزِمَ تَجْدِيد العقد بِإِيجَاب وَقبُول على حِدة (بِخِلَاف مَا) ثَبت (بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ فَإِنَّهُ يعدى بِشَرْطِهِ فَهُوَ مُتَّصِل بقوله وَلزِمَ أَن لَا يعدى مَا بِغَيْر قِيَاس (وَهُوَ) أَي مَا ثَبت بِهِ نَحْو (مَا) أَي تخالفهما (قبل الْقَبْض) للْمَبِيع إِذا اخْتلفَا فِي قدر الثّمن فَإِنَّهُ على وفْق الْقيَاس الْخَفي، فَإِن البَائِع يُنكر وجوب تَسْلِيم الْمَبِيع بِمَا أقرّ

ص: 83

بِهِ المُشْتَرِي من الثّمن، وَالْمُشْتَرِي يُنكر وجوب زِيَادَة الثّمن، وَالْقِيَاس أَن الْيَمين على المُشْتَرِي فَقَط لِأَنَّهُ الْمُنكر وَحده ظَاهرا (فتعدى) التخالف (إِلَيْهِمَا) أَي الْوَارِثين فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة لِكَوْنِهِمَا فِي مقَام مورثيهما فِي حُقُوق العقد وَالْحكم مَعْقُول (وَإِلَى الْإِجَارَة قبل الْعَمَل فتحالف الْقصار وَرب الثَّوْب إِذا اخْتلفَا فِي قدر الْأُجْرَة) رب الثَّوْب يَدعِي اسْتِحْقَاق الْعَمَل بِمَا يعْتَرف بِهِ من الْأُجْرَة، والقصار يُنكره، والقصار يَدعِي زِيَادَة الْأُجْرَة، وَرب الثَّوْب ينكرها (وفسخت) الْإِجَارَة بعد التَّحَالُف لِأَنَّهَا تحْتَمل الْفَسْخ قبل الْعَمَل، وَفِي الْفَسْخ دفع الضَّرَر عَن كل مِنْهُمَا (وَاسْتشْكل اخْتِصَاص قُوَّة الْأَثر وَفَسَاد الْبَاطِن مَعَ صِحَة الظَّاهِر بالاستحسان، و) اخْتِصَاص (قلبهما) أَي ضعف الْأَثر وَصِحَّة الْبَاطِن مَعَ فَسَاد الظَّاهِر (بِالْقِيَاسِ) كَمَا سبق اتبَاعا للْقَوْم، وَقَوله بالاستحسان مُتَعَلق بالاختصاص، والمستشكل صدر الشَّرِيعَة، وَقَالَ لَا دَلِيل على اخْتِصَاص مَا ذكرته (فَأجرى) بِصِيغَة الْمَجْهُول كَمَا فِي اسْتشْكل (تَقْسِيم) على مَا يَقْتَضِيهِ الْعقل بِغَيْر التَّخْصِيص (بِالِاعْتِبَارِ الأول) أَي قُوَّة الْأَثر وَضَعفه إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام لِأَنَّهُمَا (أما قوياه) أَي قَوِيا الْأَثر (أَو ضعيفاه، أَو الْقيَاس قويه وَالِاسْتِحْسَان ضعيفه، أَو بِالْقَلْبِ) أَي الْقيَاس ضعيفه وَالِاسْتِحْسَان قويه (وَإِنَّمَا يتَرَجَّح الِاسْتِحْسَان فِيهِ) أَي فِي الْقلب (و) يتَرَجَّح (الْقيَاس فِيمَا سوى) الْقسم (الثَّانِي) وَهُوَ ضعيفاه (للظهور) كَمَا فِي الأول (وَالْقُوَّة) كَمَا فِي الثَّالِث وَالرَّابِع (أما فِيهِ) أَي فِي الثَّانِي (فَيحْتَمل سقوطهما) أَي الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان لضعفهما (وَضعف) التَّقْسِيم على هَذَا الْوَجْه فِي التَّلْوِيح (بقول فَخر الْإِسْلَام) وَلما صَارَت الْعلَّة عندنَا عِلّة بأثرها (فسمينا مَا ضعف أَثَره قِيَاسا، وَمَا قوى أَثَره اسْتِحْسَانًا) يُرِيد بَيَان وَجه تَسْمِيَة الِاسْتِحْسَان وَحَاصِله أَن هَذَا اللَّفْظ بِاعْتِبَار أَصله يُنبئ عَن الْحسن، وَلَيْسَ فِي مُقَابِله هَذَا الأنباء فَلَا بُد لَهُ من مزية، وَهِي قُوَّة الْأَثر الْمَقْصُود بِالذَّاتِ فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ منَاط الِاسْتِدْلَال. فَعلم من كَلَامه أَن قُوَّة الْأَثر مَخْصُوص بالاستحسان وَضَعفه بِالْقِيَاسِ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى دفع التَّضْعِيف بقوله (وَالْكَلَام) فِي أَمْثَال هَذِه التقسيمات (فِي) بَيَان (الِاصْطِلَاح وَهُوَ) أَي الِاصْطِلَاح للحنفية وَاقع (على اعْتِبَار الخفاء فِيهِ) أَي الِاسْتِحْسَان (وَفِي أَثَره) مَعْطُوف على فِيهِ (وفساده) مَعْطُوف على أَثَره فَعلم أَن مدَار الْفرق بَين الِاسْتِحْسَان وَالْقِيَاس فِي الِاصْطِلَاح على الخفاء والظهور، لَا على ضعف الْأَثر وقوته فَإِنَّهُمَا اعتبروا الخفاء فِي نفس الِاسْتِحْسَان وَفِي أَثَره وَفِي فَسَاده والظهور فِي جَانب الْقيَاس على هَذَا الْوَجْه، وَقد نقل الشَّارِح عَن فَخر الْإِسْلَام مَا يُفِيد هَذَا الَّذِي ذكر، وَأَن الْقُوَّة والضعف من حَيْثُ الْأَثر يُوجد فِي كل من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان، فَمَا نقل عَنهُ فِي وَجه الضعْف يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل (وَبِالثَّانِي) مَعْطُوف على قَوْله

ص: 84

بِالِاعْتِبَارِ الأول: أَي وأجرى تقسم لَهما بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَهُوَ الْفساد أَو الصِّحَّة من حَيْثُ الْبَاطِن أَو الظَّاهِر وَهُوَ أَنَّهُمَا بالتقسيم الْعقلِيّ (إِمَّا صَحِيحا الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَو فاسداهما أَو الْقيَاس فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن وَالِاسْتِحْسَان قلبه) أَي صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن (أَو قلبه) أَي الْقيَاس صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن، وَالِاسْتِحْسَان فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن (فصور الْمُعَارضَة بَينهمَا) أَي الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (سِتّ عشرَة) حَاصِلَة (من) ضرب (أَرْبَعَة) الْقيَاس: صَحِيح الظَّاهِر وَالْبَاطِن، فاسدهما، فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن، قلبه (فِي أَرْبَعَة) الِاسْتِحْسَان نظائرها فَإنَّك إِذا ضممت وَاحِدًا من أَرْبَعَة الْقيَاس مَعَ كل وَاحِد من أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان حصل أَربع صور تركيبية، وَهَكَذَا إِلَى آخرهَا، وَإِذا كَانَت صور الْمُعَارضَة سِتّ عشرَة كَانَ مَجْمُوع القياسات والاستحسانات بِاعْتِبَار الاقترانات اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فَاحْتَاجَ إِلَى بَيَان كل وَاحِد مِنْهَا بِاعْتِبَار التَّرْجِيح والإسقاط فَقَالَ (فصحيحهما) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن (من الْقيَاس يقدم لظُهُوره أَو صِحَّته) على سَبِيل منع الْخُلُو (على) جَمِيع (أَقسَام الِاسْتِحْسَان) الْمُعَارضَة لَهُ (و) هِيَ أَرْبَعَة (لَا شكّ فِي رد فاسدهما) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن (مِنْهُ) أَي من الْقيَاس سَوَاء كَانَ مَا يُقَابله من الِاسْتِحْسَان صَحِيحهمَا أَو فاسدهما أَو صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن أَو قلبه، فَإِن رد فاسدهما مِنْهُ لَا يسْتَلْزم قبُول مَا يُقَابله (فَتسقط أَرْبَعَة) من الْقيَاس حَاصِلَة من تركيب الْقيَاس الْفَاسِد ظَاهرا وَبَاطنا مَعَ كل وَاحِد من أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان: كَمَا سقط أَرْبَعَة من الِاسْتِحْسَان حَاصِلَة من تركيب الْقيَاس الصَّحِيح ظَاهرا وَبَاطنا مَعَ كل وَاحِد من أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان بِسَبَب التَّقْدِيم الْمَذْكُور، فقد علم بذلك حَال ثَمَانِيَة من صور الْمُعَارضَة وَحكم طرفِي كل مِنْهُمَا من حَيْثُ التَّرْجِيح والسقوط، فَإِن بعض الاستحسانات الْمُقَابلَة لهَذِهِ الْأَرْبَعَة سَاقِط كالفاسد ظَاهرا وَبَاطنا أَو بَاطِنا فَقَط وَبَعضهَا غير سَاقِط مِمَّا سواهُمَا فَحِينَئِذٍ (تبقى ثَمَانِيَة) من الْقيَاس أَو الصُّور حَاصِلَة (من) تركيب (بَاقِي حالات الْقيَاس) أَي حالاته الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة، وهما كَونه فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن وَقَلبه (مَعَ أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان) فَالْحَاصِل من تركيب كل وَاحِد من حالتي الْقيَاس مَعَ كل وَاحِد من أَربع الِاسْتِحْسَان أَرْبَعَة فَيتَحَقَّق حِينَئِذٍ ثَمَانِيَة من الصُّور الْمَذْكُورَة للمعارضة، وَحكم هَذِه الثَّمَانِية أَنه (يقدم صَحِيحهمَا) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن (مِنْهُ) أَي الِاسْتِحْسَان (عَلَيْهِمَا) أَي على بَاقِي حالات الْقيَاس، وَقد عرفت أَنَّهُمَا يتحققان فِي الصُّور الثَّمَانِية لصِحَّته ظَاهرا وَبَاطنا وَعدم تحقق صِحَّته، كَذَا فِيمَا يُقَابله (وَيرد فاسدهما) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن من الِاسْتِحْسَان لفساده ظَاهرا وَبَاطنا، وَمُقَابِله إِن كَانَ فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن لَا يرد، وَإِن كَانَ عَكسه يرد (تبقى أَرْبَعَة) من تركيب بَاقِي كل من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (من) الآخرين فباقي الِاسْتِحْسَان اسْتِحْسَان صَحِيح

ص: 85

الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن وَعَكسه، و (بَاقِي) الْقيَاس قِيَاس صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن وَعَكسه، وَحَاصِل ضرب الِاثْنَيْنِ فِي الِاثْنَيْنِ يكون أَرْبَعَة، وَكَون هذَيْن الاستحسانين وهذين القياسين باقيين بِاعْتِبَار هَذَا التَّرْكِيب لَا يُنَافِي كَون (كل) مِنْهُمَا مَذْكُورا فِي التراكيب السَّابِقَة (فالاستسحان الصَّحِيح الْبَاطِن الْفَاسِد الظَّاهِر) إِذا قوبل (مَعَ عَكسه) أَي فَاسد الْبَاطِن صَحِيح الظَّاهِر (من الْقيَاس مقدم) على عَكسه من الْقيَاس (وَفِي قلبه) أَي الِاسْتِحْسَان الْفَاسِد الْبَاطِن صَحِيح الظَّاهِر مَعَ عَكسه من الْقيَاس (الْقيَاس) يقدم على الِاسْتِحْسَان (كَمَا مَعَ الِاسْتِحْسَان الصَّحِيح الْبَاطِن الخ) أَي الْفَاسِد الظَّاهِر (مَعَ مثله) صَحِيح الْبَاطِن فَاسد الظَّاهِر (من الْقيَاس) يَعْنِي عومل مَعَ قلب الصُّورَة الأولى كَمَا عومل مَعَ الِاسْتِحْسَان إِلَى آخِره من تَقْدِيم الْقيَاس عَلَيْهِ (للظهور) يَعْنِي لما اسْتَويَا من حَيْثُ الصِّحَّة بِحَسب الْبَاطِن وَالْفساد بِحَسب الظَّاهِر رجح الْقيَاس لظُهُوره (وَيرد قلبهما) أَي صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن من كل من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان لَا أَن الْقيَاس مقدم على الِاسْتِحْسَان (قيل) وَالْقَائِل صدر الشَّرِيعَة (وَالظَّاهِر امْتنَاع التَّعَارُض فِي هذَيْن) أَو التصويرين الْمشَار إِلَى أَحدهمَا بقوله كَمَا مَعَ إِلَى قَوْله مَعَ مثله، وَإِلَى الآخر بقوله وَيرد قلبهما (و) كَذَا (الظَّاهِر امْتنَاع التَّعَارُض وَفِي قوى الْأَثر) من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (للُزُوم التَّنَاقُض فِي الشَّرْع) حَاصِل كَلَام صدر الشَّرِيعَة هُنَا أَن الِاسْتِحْسَان الصَّحِيح الظَّاهِر الْفَاسِد الْبَاطِن أَو بِالْعَكْسِ إِذا وَقع فِي مُقَابلَة قِيَاس مَوْصُوف بِأحد شقي الترديد إِن اخْتلفَا نوعا، فَلَا شكّ أَن مَا صَحَّ بَاطِنه وَفَسَد ظَاهره أقوى مِمَّا هُوَ على الْعَكْس سَوَاء كَانَ قِيَاسا أَو اسْتِحْسَانًا، وَإِن اتحدا نوعا فتحققهما على هَذِه الصّفة خلاف الظَّاهِر وَلم نجده، وَذَلِكَ لِأَن صِحَة الْقيَاس تَسْتَلْزِم تعْيين الشَّارِع عِلّة تناسب الحكم الَّذِي يفِيدهُ ذَلِك الْقيَاس فَإِن صَحَّ قِيَاس آخر مُخَالف لَهُ مُفِيد خلاف الحكم الأول استلزم تعينه عِلّة أُخْرَى مُخَالفَة لتِلْك الْعلَّة مُنَاسبَة لهَذَا الحكم، وَهَذَا تنَاقض فِي الشَّرْع، ثمَّ قَالَ فَعلم أَن تعَارض قياسين صَحِيحَيْنِ فِي الْوَاقِع مُمْتَنع، وَإِنَّمَا يَقع التَّعَارُض لجهلنا بِالصَّحِيحِ وَالْفَاسِد، وَكَذَا يمْتَنع بَين قِيَاس قوي الْأَثر واستحسان كَذَلِك، وَكَذَا بَين قِيَاس صَحِيح الظَّاهِر وَالْبَاطِن واستحسان كَذَلِك، وَكَذَا بَين قِيَاس فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن واستحسان كَذَلِك أه أَقُول: وَلَا يخفى أَن هَذَا الدَّلِيل إِنَّمَا يُفِيد عدم تحقق صحتي المتعديين مَعًا فِي نفس الْأَمر، لَا فِي نظر الْمُجْتَهد، كَيفَ وكل من الْمُجْتَهدين فِي المسئلة الخلافية يعْتَقد صِحَة قِيَاسه، وَقد لَا يظْهر عِنْد أَحدهمَا فَسَاد قِيَاس الآخر، غير أَنه ترجح قِيَاسه بمرجح، ومدار التَّقْسِيم على مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نظره، لَا على مَا فِي نفس الْأَمر لِأَنَّهُ خَارج عَمَّا يفِيدهُ الِاجْتِهَاد، وَلَعَلَّ المُصَنّف بِصِيغَة التمريض يُشِير إِلَى مَا ذكرنَا، ثمَّ إِنَّهُم ذكرُوا فِي بعض صور اتِّحَاد النَّوْع تَرْجِيح الْقيَاس للظهور كَمَا سبق ذكره فَقَالَ (ويقليل تَأمل ينتفى التَّرْجِيح بالظهور أَي التبادر)

ص: 86