الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلم من كلام المصنف جواز تقليد المفضول من المجتهدين مع التمكن من تقليد الفاضل، وهو المشهور.
وفيه خلاف مذكور في الشرح مع فوائد أخرى.
المسألة الثالثة: فيما يجوز فيه الاستفتاء وما لا يجوز
.
إنما يجوز الاستفتاء في الفروع على ما سبق، فإذا وقعت لعامي
حادثة فاستفتى فيها مجتهدًا، وعمل فيها بفتوى ذلك المجتهد، فليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها بالإجماع، كما نقله ابن الحاجب وغيره.
(وفي جمع الجوامع: الخلاف فيه).
وإن كان قبل العمل، فقال النووي: المختار ما نقله الخطيب وغيره أنه إن لم يكن هناك مفت آخر لزمه بمجرد فتواه وإن لم تسكن نفسه.
وإن كان هناك آخر لم يلزمه بمجرد إفتائه إذ ليس له أن يسأل غيره.
وحينئذ فقد يخالفه فيجيء فيه الخلاف في اختلاف المفتين.
أما إذا وقعت له حادثة غير تلك، فالأصح أنه يجوز له أن يستفتي فيها غير من استفتاه في الحادثة السابقة.
وقطع الكيا الهراسي بأنه يجب على العامي أن يلتزم مذهبًا معينًا.
واختار في جمع الجوامع: أنه يجب ذلك ولا يفعله بمجرد التشهي، بل يختار مذهبًا يقلده في كل شيء يعتقده أرجح أو مساويًا لغيره لا مرجوحًا.
وقال النووي: الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، لكن من غير تلفظ للرخص ولعل من منعه لم يثق بعدم تلفظه، وإذا التزم مذهبًا معينًا، فيجوز له الخروج عنه على الأصح في الرافعي.
ثم إذا قلنا بالجواز فشرطه أن لا يتتبع الرخص بأن يختار من كل مذهب ما هو أهون عليه بل يفسق بذلك كما نقله الرافعي عن أبي
إسحاق.
وعن أبن أبي هريرة: لا يفسق.
وذكر القرافي: أن تقليد مذهب الغير حيث جوزناه؛ فشرطه أن لا يكون موقعًا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه والإمام الذي انتقل إليه.
واختلف في الاستفتاء والتقليد في الأصول، وهو علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وما يجب له، وما يمتنع عليه من الصفات وأحوال الممكنات والمبدأ والمعاد على قانون الإسلام؛ كوجود الباري ووحدته وإثبات الصفات وصحة النبوات.
فقال الجمهور: لا يجوز للمجتهد ولا للعامي التقليد فيه؛ لأن
تحصيل العلم في الأصول واجب على الرسول- صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} .
وإذا وجب على الرسول وجب علينا لوجوب متابعته بقوله تعالى: {واتبعوه} .
والأصل عدم اختصاص النبي- صلى الله عليه وسلم بهذا.
(وأدلة أخرى مذكورة في الشرح) وقيل: يجوز.
وقيل: يجب التقليد ويحرم النظر والبحث فيه.
وظاهر كلام الشافعي- رضي الله عنه على ما قيل يوافق هذا المذهب، حيث ذمه وحمل ذمه له حيث نظر الناظر فيه من غير كلام الله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلم بالنظر في علم الأوائل الذي هو جهل وضلال.
وقال البيهقي: إن نهي الشافعي- رضي الله تعالى عنه- وغيره إنما هو لإشفاقهم على الضعفة أن لا يبلغوا ما يريدون منه فيضلوا، وقد زلت بسببه أقدام جماعة، مع أن أصحابنا عدوه من فروض الكفايات أن نظر فيه بالشرعيات.
وإذا منعنا من التقليد فيه فحكي عن الأشعري أن إيمان المقلد لا يصح، وأنه يقول بتكفير العوام.
وأنكره الأستاذ أبو القاسم القشيري، وقال: هذا كذب وزور من تلبيس الكرامية على العوام، فإنهم يقولون: الإيمان: الإقرار المجرد.
وعند الأشعري الإيمان هو التصديق، والظن بجميع عوام المسلمين أنهم يصدقون الله تعالى في أخباره.
فأما ما ينطوي على العقائد فالله تعالى أعلم به انتهى.
وحمل بعضهم كلام الأشعري بتقدير صحته عنه على أنه أراد به أن من اختلج في قلبه شيء من السمعيات القطعية كالإسراء أو النبوة، وجب أن يجتهد في إزالته بالدليل العقلي؛ فإن استمر على ذلك لم يصح إيمانه.
وقال الأستاذ أبو منصور: أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون بالله- تعالى- وأنهم حشو الجنة للإخبار والإجماع فيه، لكن منهم من قال: لا بد من نظر عقلي في العقائد وقد حصل لهم منه القدر الكافي، فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه وحدوث الموجودات سوى الله تعالى، وإن عجزوا عن التعبير عن اصطلاح المتكلمين.
والعلم بالعبارة علم زائد لا يلزمهم.
وتنقيح مناط الخلاف المتقدم ما ذكره صاحب جمع الجوامع، وهو انه: إن أريد بالتقليد الأخذ بقول الغير بغير حجة مع احتمال شك أو وهم كما في تقليد إمام في الفروع مع تجويز أن يكون الحق في
خلافه، فهذا لا يكفي في الإيمان (عند أحد لا الأشعري ولا غيره.
وإن أريد به الاعتقاد الجازم لا لموجب، فهذا كاف في الإيمان).
ولم يخالف في ذلك إلا أبو هاشم من المعتزلة، كذا حكاه عن والده، وسبقه إليه الآمدي في الإنكار. قاله العراقي.
ولعل قول المصنف: ولنا فيه نظر إشارة إلى تحرير محل النزاع.
وما المراد بالتقليد على ما سبق تحقيقه.
ومقتضى كلام المصنف- (رحمه الله تعالى) - في مواضع كثيرة من تفسيره ترجيح المنع من التقليد.
وكلام الأصفهاني في شرحه للمنهاج يرمز إلى ما شرحته عليه.
وهو أقرب ما بين به النظر ويحتمل غير ذلك.
والله تعالى أعلم.
(وليكن هذا آخر كلامنا والله الموفق والهادي).
والحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده بجميع محامده كلها، ما علمت منها وما لم اعلم، على جميع نعمه كلها ما علمت منها وما لم أعلم، لدى خلقه كلهم ما علمت منهم وما لم أعلم، كما هو أهله، وصلى الله وسلم، على سيدنا محمد، سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، حبيب اله تعالى، أبي القاسم، خاتم النبيين، وأفضل خلق الله أجمعين، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، كلما ذكره الذاكرون والذاكرات، وكلما غفل عن ذكره الغافلون والغافلات، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين.
اللهم يا أرحم الراحمين اجمع لنا ولمشايخنا ولأولادنا ولمن أحبنا وأحببناه فيك خيري الدنيا والآخرة، وادفع عنا شرهما بكرمك وإحسانك يا
دائم المعروف، يا كثير الخير، وارحم والدنيا وأدخلنا الجنة ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم وأنت راض عنا، من غير عذاب يسبق، واجعلنا من أحبابك ومحبيك، ولا تخيب رجاءنا فيك، ولا في نبيك سيد المرسلين- صلى الله عليه وسلم.
اللهم شفعه فينا، ورضه عنا، وارض عنا أبدًا دائمًا، ووفقنا لإتباع شريعته- صلى الله عليه وسلم، ولا تنزع منا ما وهبته لنا من الخير، وزدنا خيرًا يليق بكرمك وإحسانك، وانفع بهذا الكتاب.
اعتصمت بالله، توكلت على الله، أسلم أمري على الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله العلي العظيم؟
قال مؤلفه خلده الله تعالى في السعادة الدائمة العظمى التي تليق بكرم الله تعالى، وجوده وإحسانه، وفضله المطلق العميم هو ومن أحب في الله ومن أحبه وأولاده ومن يلوذ به (وكذلك يفعل بنا وجميع المسلمين بمنه وكرمه وجوده وإحسانه القديم).
كتبه مؤلفه الفقير إلى رحمة ربه محمد بن محمد الإمام بالمدرسة الكاملية بين القصرين عامله الله تعالى بخفي لطفه العظيم، ورضي الله تعالى عن سيدي عبد القادر الكيلاني سلطان العارفين في زمنه، وجعلني في بركته وأولادي وأهلي وأحبائي أبدًا دائما آمين.
وكان الفراغ منه في ليلة يسفر صباحها عن ثاني جمادي الآخر سنة خمس وأربعين وثمانمائة.
ثم ألحقت فيه زيادات من كتاب التحرير لما في منهاج الأصول من المنقول والمعقول لشيخ الإسلام ولي الدين العراقي تغمده الله برحمته.
وأصول هذا الكتاب الذي جمعته وأصله منها كتب الأئمة الأعلام الشيخ جمال الدين الإسنوي، والعبري، والحلواني، والقاضي عضد الدين في شرحه مختصر ابن الحاجب، والشيخ سعد الدين، والشيخ سيف الدين الأبهري، والشيخ ولي الدين العراقي في شرح جمع الجوامع، والشيخ بدر الدين الزركشي في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر وغير ذلك- رضي الله تعالى عنهم أجمعين- والحمد لله رب العالمين. (وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).