الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني: في الأحكام الكلية للترجيح
وهي الأمور العامة لأنواعها، بحيث لا يخص فردًا من أفراد الأدلة.
وهو مشتمل على مقدمة مبينة لحقيقة الترجيح، ولمشروعيته، وعلى أربع مسائل.
أما الترجيح فهو لغة، جعل الشيء راجحًا، ويقال: مجازًا لاعتقاد الرجحان.
وفي الاصطلاح: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها.
وخص الترجيح "بالأمارتين" أي: الدليلين الظنيين لما سيأتي بيانه وقوله: "ليعمل بها"، احتراز عن تقوية إحدى الإمارتين على الأخرى لا ليعمل بها، بل لبيان أن أحدهما أفصح من ألأخرى فإنه ليس من الترجيح المصلح عليه.
وزاد صاحب "البديع" في التعريف "وصفًا" ليخرج الترجيح بدليل مستقل فلا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى الانتقال لدليل آخر.
فإنه لا تعلق للثاني بألول، فالعدول إليه انتقال.
ونازع الصفي الهندي: في تعريف الترجيح بالتقوية التي هي مستندة إلى الشارع أو المجتهد حقيقة، وإلى ما به الترجيح مجازًا.
وقال: هذا في الاصطلاح نفس ما به الترجيح.
واعلم أن للفقهاء (ترجيحًا خاصًا) يحتاج إليه استنباط الأحكام.
وذلك لا يتصور فيما يس فيه دلالة على الحكم أصلًا، ولا فيما دلالته عليه قطعية لما سيجيء أنه لا تعارض بين قطعيين ولا بين قطعي وظني، فتعين أن يكون لأمارة على أخرى ولا يحصل حكمًا محضًا، بل لا بد من اقتران أمر يقوى على معارضها، فهذا الاقتران الذي هو سبب الترجيح: هو المسمى بالترجيح في مصطلح القوم.
لا جرم عرفة ابن الحاجب: بأنه اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضها.
وإذا حصل الترجيح وجب العمل به، وهو تقديم إحدى
الأمارتين.
كما رجحت الصحابة خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين، وهو قولها:"إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" على خبر أبي هريرة رضي الله عنه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء) لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وخصوصًا
عائشة -رضي الله تعالى عنها- أعلم بفعله في هذه الأمور من الرجال الأجانب.
مسألة
لا ترجيح في القطعيات سواء كانت عقلية أو نقلية كما مر، إذ لا تعارض بينهما، والترجيح لا يكون إلا بعد التعارض، وإلا أي: لو كان بين القطعيات تعارض ارتفع النقيضان، حيث لم يعمل بهما أو اجتمعا حيث عمل بهما.
والعمل بأحدهما دون الآخر يلزمه الترجيح من غير مرجح وكلها ظاهر البطلان.
قال الإسنوي: وإطلاق عدم الترجيح في القطعيات فيه نظر، لما ستعرفه في تعارض النصين.
وجوابه: أن المراد بالنصين: الدليلان، لا بقيد كونهما قطعيين،
وهو جار على أحد الاصطلاحات في النص كما مر.
وسكت المصنف هنا عن التعارض بين القطعي والظني، وهو ممتنع كما مر.
واعترض أيضًا: بأنه إن أريد منع التعارض بين قاطعين في نفس الأمر، فمسلم، لكن ليس محل الكلام.
وإن أريد منعه في الذهن فممنوع.
مسألة
إذا تعارض نصان، فإنما يحتاج إلى الترجيح بينهما، إن لم يمكن العمل بكل واحد منهما.
فإن أمكن ولو من وجه دون وجه، فلا يصار إلى الترجيح، وحينئذ فالعمل بهما من وجه أولى من إهمال أحدهما بالكلية؛ لأن الأصل في الدليلين الإعمال.
وذلك بأن يتبعض الحكم، أي: حكم كل واحد من الدليلين المتعارضين.
أي: يكون قابلًا للتبعيض، فيثبت البعض بأحدهما.
والبعض الآخر بالآخر.
ويعبر عنه أيضًا "بالاشتراك والتوزيع".
مثاله: الملك في اثنين، يدعي كل منهما أنه ملكه ولا بينة لأحد أو لكل واحد منهما بينة.
فإن الملك بينهما، لأن يد كل واحد دليل ملكه، وعمل بكل
من وجه، ولا حاجة إلى الترجيح، بخلاف ما لم يتبعض، كالقتل، وحد القذف، فإنه لا بد في ذلك من الترجيح.
أو يتعدد حكم كل واحد (من الدليلين)، أي: يحتمل أحكامًا، فيثبت بكل واحد بعضها أي: بعض تلك الأحكام.
مثاله: ما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".
فإنه معارض لتقريره صلى الله عليه وسلم في غير المسجد، ومقتضى كل واحد منهما متعدد.
فإن الخبر يحتمل نفي الصحة، ونفي الكمال، ونفي الفضيلة،
وكذا التقرير يحتمل في الإثبات ذلك أيضًا، فيحمل الخبر على نفي الكمال، والتقرير على ثبوت الصحة.
أو يعم كل واحد من الدليلين، بأن يكون كل واحد منهما مثبتًا لحكم في الموارد المتعددة فيوزع الدليلان عليهما، ويحمل كل منهما على بعض تلك الموارد المتعددة فيوزع الدليلان عليهما، ويحمل كل منهما على بعض تلك الموارد، كقوله صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بخير الشهود" فقيل: نعم؛ فقال: "أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد" (رواه مسلم بلفظ: "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها".
وقوله عليه الصلاة والسلام: "ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد").
في الصحيحين قريب منه، وهو مبين في الشرح.
فيحمل الأول على حق الله تعالى، والثاني على حقنا جمعًا بين الدليلين.
وهو يلزم ترجيح كل منهما على الآخر من وجه، وذلك ظاهر.
وما جمع به المصنف بين الحديثين ذكره غيره.
لكن حكى الترمذي أن المراد بالذي يشهد ولا يستشهد: شاهد الزور.
مسألة
إذا تعارض نصان: وتساويا في القوة: بأن يكونا معًا معلومين أو مظنونين بحيث لا يغلب أحدهما الآخر، وتساويا في العموم: بأن يصدق كل منهما على ما صدق عليه الآخر.
والمراد من المعارض أعم من الناسخ، ولهذا قسمه إليه وإلى غيره.
فإذا تساويا فيما ذكر، وعلم المتأخر منهما بعينه، فهو ناسخ للمتقدم، سواء كانا معلومين أو مظنونين، وسواء كان من الكتاب أو السنة، أو أحدهما من الكتاب، والآخر من السنة، هذا إذا كان قابلًا للنسخ.
فإن لم يكن قابلًا له، كصفات الله -تعالى- على ما مثل به، فيتساقطان، ويجب الرجوع إلى دليل آخر.
وإن كان الدليلان خاصين فكالمتساويين في القوة والعموم.
ولم يذكره المصنف: لأنه يعلم حكمه منه لمساواته له.
وقال العراقي: إنما اقتصر على ذكر العموم (استغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر، كما في قوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} أي: والبرد).
وإن جهل المتأخر فلم يعلم عينه، فالتساقط إن كانا معلومين، ويجب الرجوع إلى غيرهما؛ لأن كلا منهما يحتمل أنه المنسوخ احتمالًا على السواء، أو الترجيح إن كانا مظنونين فيعمل بالأقوى إن وجد، وإن تساويا تخير المجتهد وإن علم تقاربهما.
قال في المحصول: إن كانا معلومين وأمكن التخيير فيهما، تعين القول به، فإنه إن تعذر الجمع لم يبق إلا التخيير.
ولا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد لما عرف أن المعلوم لا يقبل الترجيح، ولا أن يرجح بما يرجع بما يرجع إلى الحكم، لكون أحدهما للحظر، لأنه يقتضي طرح المعلوم بالكلية.
وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى الترجيح، فيعمل بالأقوى.
وإن تساويا فالتخيير.
وإن لم يتساويا في القوة والعموم.
فالأول بأن كان أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا.
والثاني: بأن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقًا، أو من وجه.
وإليه أشار بقوله: "أو أخص مطلقًا عمل به، وإن تخصص من وجه طلب الترجيح يعني فيرجح القطعي إذا كان أحدهما، ويعمل به سواء كانا عامين أو خاصين، أو المقطوع به خاصًا والمظنون عامًا.
فإن كانا بالعكس، فإنه يقدم الظني.
وكذلك يرجح أحدهما إذا كان أخص مطلقًا، فيرجح الخاص على العام، ويعمل به جمعًا بين الدليلين، وسواء علم المتأخر منهما أم لا، وسواء كان الخاص مظنونًا، والعام مقطوعًا به أم لا، كما في المحصول.
قال الإسنوي: وهذه الصورة- وهي ما إذا كان العام مقطوعًا
والخاص مظنونًا- لا تؤخذ من كلام المصنف في هذه المسألة، لأن كلامه هذا، وإن اقتضى إدخالها، فكلامه في القسم الذي قبله يقتضي إخراجها لكنها تؤخذ من كلامه في التخصيص.
ولعل المصنف إنما أهملها لذلك.
نعم (إن عملنا) بالعام المقطوع به، ثم ورد الخاص بعد ذلك.
فلا يؤخذ به إذا كان مظنونًا؛ لأن الأخذ به في هذه الحالة نسخ لا تخصيص كما سبق، ونسخ المقطوع بالمظنون لا يجوز انتهى.
أما إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه، فيطلب الترجيح بينهما من جهة أخرى ليعمل بالراجح؛ لأن الخصوص يقتضي الرجحان.
وقد ثبت هنا لكل واحد منهما خصوص من وجه بالنسبة إلى الآخر، فيكون لكل منهما رجحان على الآخر، فيصار إلى الترجيح.
ولا فرق بين أن يكونا قطعيين أو ظنيين، لكن في الظنيين يمكن الترجيح لقوة الإسناد، وبالحكم ككون أحدهما للحظر مثلًا.
(وأما في القطعيين: فلا يمكن الترجيح لقوة الإسناد كما في المحصول.
بل يرجح بالحكم، كالتحريم مثلًا) لأن التقديم بهذا الوجه طريقة الاجتهاد، وليس في ترجيح أحدهما على الآخر بالاجتهاد اطراح الآخر.
قال: بخلاف ما إذا تعارضا من كل وجه، أي: إذا علمنا تفاوتهما فإنه لا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر أصلًا.
وحيث قلنا بالترجيح فلم يترجح أحدهما على الآخر فالحكم
التخيير كما في المحصول.
وقد جزم المصنف بذلك في الأقسام السابقة، واستفدنا من كلامه هنا أن الصحيح عنده في تعادل الأمارتين إنما هو التخيير فإنه لم يصحح هناك شيئًا.
مسألة
قد يرجح بكثرة الأدلة، فيرجح مقتضى دليل بكثرة الأدلة عليه دون مايقابله».
وبه قال الجمهور، ومنهم مالك والشافعي (رضي الله تعالى
عنهما) و «قد» في كلام المصنف للتحقيق.
وقلنا: بالترجيح بكثرة الأدلة: لأن الظنين أقوى من ظنٍ واحد لكونه أقرب إلى القطع، والعمل بالأقوى أولى.
ولا شك أن الدليلين يفيدان ظنين بخلاف الواحد.
وقيل: لا ونسب للحنفية؛ لأنه لو كان كثرة الأدلة توجب الترجيح، لم يجب تقدم الخبر على الأقسية الكثيرة، لكنه يقدم الخبر على الأقيسة الكثيرة اتفاقًا.
فدل على أن الأدلة الكثيرة لا توجب الرجحان.
قلنا: تلك الأقسية إن اتحد أصلها، بأن علل الحكم بعلة واحدة فمتحدة، يعني أنها في الحقيقة قياس واحد.
وحينئذ تقديم الخبر عليها ترجيحًا لدليل على دليل، وذلك جائز اتفاقًا.
وإلا، أي: وإن لم تتحد أصول تلك الأقسية، بل علل الحكم فيها بعلل متعددة فممنوع قولكم:«أنه يقدم الخبر عليها إجماعًا ممنوع» بل تقدم الأقسية على الخبر.
قال العراقي: تبع فيه الإمام، وفيه نظر.
(قال: فالظاهر) تقديم خبر الواحد على الأقيسة، وإن تعددت أصولها ما لم تصل القطع، إذ لا يحصل منها يزيد على الظن الحاصل من خبر الواحد.