الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولهذا كان طائفة من العلماء مثل أبي البركات يُفتُون بلزوم الثلاث في حالٍ دونَ حالٍ، كما نُقِل عن الصحابة، وهذا إما لكونهم رأوه من باب التعزير الذي يجوز فعلُه بحسب الحاجة، كالزيادة على أربعين في الخمر، والنفي فيها وحلق الرأس؛ وإما لاختلاف اجتهادهم، فرأوه تارةً لازمًا، وتارةً غيرَ لازم.
وبالجملة ف
ما شرَعَه النبي صلى الله عليه وسلم شرعًا لازمًا دائمًا لا يمكن تغييره
، فإنّه لا نسخَ بعد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. ولا يجوز أن يُظَنَّ بأحدٍ من علماء المسلمين أنه يَقصِد هذا، لاسيما الصحابة، لاسيما الخلفاء الراشدين.
وإنما يَظُنُّ مثلَ ذلك في الصحابةِ أهلُ الجهلِ والضلالةِ من الرافضة والخوارج، الذين يُكفِّرون بعضَ الخلفاء أو يُفسِّقونه. ولو قُدِّر أنَّ أحدًا فعلَ ذلك لم يُقِرَّه المسلمون على ذلك، فإنّ هذا إقرار على أعظم المنكرات، والأمة معصومة أن تجتمعَ على مثلِ ذلك. لكن يجوز أن يجتهد الحاكم والمفتي، فيصيب فيكون له أجران، ويُخطئ فيكون له أجرٌ واحد.
وما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم شرعًا معلَّقًا بسبب، إنما يكون مشروعًا عند وجودِ السبب، كإعطاء المؤلفةِ قلوبُهم، فإنه ثابت بالكتاب والسنة.
وبعض الناس ظنَّ أنّ هذا نُسِخَ
(1)
، لما روي عن عمر أنه ذكر أنّ الله أعزّ الإسلام وأهله، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. وهذا الظن غلط، ولكن عمر استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلَّفةِ قلوبُهم، فترك ذلك لعدمِ الحاجة إليه، لا لنسخِه. كما لو فُرِض أنه عُدِم في بعض الأوقات ابنُ السبيلِ أو الغارمُ.
(1)
انظر تفسير ابن كثير (2/ 379).
ونحو ذلك متعة الحج، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عنها، وكان ابنُه عبد الله وغيرُه يقولون: لم يُحرِّمها، وإنما قَصَد أن يأمر الناس بالأفضل، وهو أن يعتمر أحدهم من دُوَيرةِ أهلِه في غيرِ أشهر الحج، فإن هذه العمرة أفضل من عمرةِ المتمتع والقارن باتفاق الأئمة. حتى أن مذهب أبي حنيفة وأحمد المنصوص عنه: أنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج، وأفرد الحج في أشهره فهذا أفضل من مجرد التمتع والقران، مع قولهما بأنه أفضل من الإفراد المجرد.
ومن الناس من قال: إن عمر أراد فسخ الحج إلى العمرة، وقالوا: إنّ هذا يحرم ولا يجوز، وإنّ ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من الفسخ [كان] خاصًّا لهم. وهذا قول كثير من الفقهاء، كأبي حنيفة ومالك والشافعي. وآخرون من السلف والخلف قالوا: بل الفسخ واجب، ولا يجوز أن يَحُجَّ أحدٌ إلاّ متمتعًا مبتدئًا أو فاسخًا، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجة الوداع. وهذا قول كثير من السلف والخلف، كأحمد بن حنبل وغيرِه من فقهاء الحديث.
وعمر لمّا نهى عن المتعة خالفَه غيرُه من الصحابة، كعمران بن الحصين وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وغيرهم، بخلاف نهيه عن متعةِ النساء، فإن عليًّا وسائر الصحابة وافقوه على ذلك، وأنكر علي بن أبي طالب على ابن عباسٍ إبَاحةَ متعةِ النساء، فقال له: إنك امرؤٌ تائهٌ، إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حرَّم المتعة وحرَّم لحوم الحمر الأهلية عامَ خيبر. فأنكر عليٌّ على ابن عباس إباحةَ لحوم الحمر وإباحةَ متعةِ النساء.
فقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة، فلو أنفذناه عليهم، فأنفذه عليهم، وهو بيان
أن الناس قد أحدثوا ما استحقوا به عنده أن ينفذ عليهم الثلاث، فهذا إمّا أن يكون كالنهي عن منع الفسخ، لكون ذلك كان مخصوصًا بالصحابة، وهو باطلٌ، فإن هذا كان على عهد أبي بكر، ولأنه لم يذكر ما يوجب اختصاصَ الصحابة بذلك. وبهذا أيضًا تَبطُل دعوى من ظنَّ أن ذلك منسوخ كنسخ متعة النساء. وإنْ قُدِّر أن عمر رأى ذلك لازمًا فهو اجتهادٌ منه، كاجتهاد من اجتهد في المنع من فسخ الحج، لظنّه أن ذلك كان خاصًّا. وهذا قولٌ مرجوحٌ، قد أنكره غيرُ واحدٍ من الصحابة، والحجة الثابتة مع من أنكره.
وهكذا الإلزام بالثلاث، من جعلَ قول عمر فيه شرعًا لازمًا، قيل له: فهذا اجتهاد قد نازعه فيه غيرُه من الصحابة، وإذا تنازعوا في شيء وجبَ ردُّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح. فإما أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تُفعَل عند الحاجة، وهذا [أليق] الأمرين بعمر
(1)
.
ثم العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من وجهين:
من جهة أن العقوبة بذلك هل تُشرَع أم لا؟ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا يَرى غيرُه العقوبةَ به، كتحريقِ علي رضي الله عنه الزنادقةَ، وقد أنكره عليه ابن عباس، وجمهور الفقهاء مع ابن عباس في ذلك.
ومن جهة أن العقوبة إنما تكون لمن يستحقّها، فمن كان من المتقين استحقَّ أن يجعل الله له فَرَجًا ومخرجًا، ولم يستحق العقوبة. ومن لم يعلم أن جمعَ الثلاث محرَّم، ولما علم أنّ ذلك محرم تاب
(1)
هكذا العبارة في الأصل، ولعلّ هنا سقطًا. فلم يذكر الأمر الثاني.
من ذلك، والتزم أن لا يُطلِّق إلاّ طلاقًا سنيا، فنه من المتقين في باب الطلاق. فمثلُ هذا لا يتوجهُ إلزامُه بالثلاث مجموعةً، بل يلزم بواحدةٍ منها.
وهذه المسألة من المسائل الكبار، وقد بسطتُ الكلامَ عليها في مواضعَ في نحو مجلدين وأكثر
(1)
، وإنما نبهنا عليها تنبيهًا لطيفًا.
وعلى هذا الراجحُ لهذا الموقع أن يلتزمَ طلقةً واحدةً، ويُراجع امرأتَه.
والله أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(تمت المسألة لله الحمد والمنة يوم الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة سنة 1187.
بلغ مقابلةً وتصحيحًا).
***
(1)
لم يصل إلينا أكثر ما كتبه المؤلف في هذه المسألة.
فصل في الإيلاء
من كلام الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمة الله عليه
كتبه أخيرًا بقلعةِ دمشق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.
قال شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله:
فصل في طلاق الإيلاء
قال تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227))
(1)
. والذي عليه جمهور الصحابة والعلماء أنه لا يقع به الطلاق، حتى تمضي الأربعة، فإما أن يفئ وإما أن يطلق، وإن طلَّق قبل ذلك جاز. وقد قالت طائفة: إن عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة أشهر، فإذا مضت وقعَ به طَلْقَة، وهذا مذهب أبي حنيفة، والأول مذهب الثلاثة، وقولهم هو الصواب كما قد بُين في غير هذا الموضع
(2)
. لكن المقصود أنه متى طلق فقد قيل: إنه لا يَقَع إلاّ بائنًا لئلّا يملك الرجعة، وقيل: يقع رجعيًّا، وله الرجعة، ثم تُضرَبُ له مدة الإيلاء. وقيل: للإمام أن يطلق عنه إذا امتنع ثلاثًا.
وهذه أقوال ضعيفة، والصواب القول الآخر الذي دلَّ عليه القرآن، وهو أنه إذا طَلَّق أو طَلَّق عنه الإمامُ لم يقع إلاّ طلقة رجعية، لأن الله
(1)
سورة البقرة: 226 - 227.
(2)
انظر "مجموع الفتاوى"(20/ 381)، و"المغني"(11/ 47).
ذكر قوله (وَالْمُطَلَّقَاتُ) عقبَ قوله (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ)، فيجب أن تكون هذه المطلقة داخلةً في قوله (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)
(1)
. ولهذا يجب عليها العدة ثلاثة قروء باتفاق العلماء، وإن كان له عنها أربعة أشهر، وهذا يؤيد ما قررناه من أنها جعلت ثلاثة قروء لحقّ الزوج في الرجعة، وإذا كانت هذه المطلقة داخلة في قوله (وَالْمُطَلَّقَاتُ) وجبَ أن يكون بعلُها أحق بردِّها في العدة كما بينه القرآن.
لكن يقال: إنّ الله خيَّره بين شيئين: بين أن يَفيءَ أو يُطلِّق، وهو تخيير بين إمساك بمعروف أو تسريح بحسان، فإذا طَلّق ثمَّ أراد الرجعةَ فقد قدم على الطلاق، فيكون قَدْ فاءَ بعد الطلاق، وحينئذٍ فعليه أن يطأها عقبَ هذه الرجعة إذا طلبت ذلك، ولا يمكن من الرجعة إلاّ بهذا الشرط، لأن الله خيره بين أن يَفيء فيمسكها بمعروف، وبين أن يُسرِّحها بإحسان، فإذا أراد أن يرتجعها فيمسكها بغير معروفٍ لم يكن له ذلك. ولأن الله إنما جعل الرجعة لمن أراد إصلاحًا بقوله (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً)
(2)
. وإذا لم يكن مقصودُه حسن عشرتها بالوطء لم يكن مريدًا للإصلاح، فلا يمكن من الرجعة. ولأن الله لما خيَّره بين أن يَفيء وبين أن يطلق، فإن طلَّق واستمر على ذلك فقد اختار الطلاق، ولكن الله جعله أحق من غيره في العدة، فإذا ارتجعها كان قد اختار إمساكها، لم يرد استمرارَ الطلاق، وحينئذٍ فيكون كمن لم يطلق، ولو لم يطلق كان عليه أن يطأها إذا لم يختر الطلاق، كذلك هذا. ولأنه لو سوغ أن يرتجع ولا يطأها أربعة أشهر، ثم يطلق ثم
(1)
سورة البقرة: 228.
(2)
سورة البقرة: 228.
يرتجعها ولا يطأها أربعةً لكان قد جعل له تربّص سنةٍ، وذلك خلاف القرآن، وفيه إضرار عظيم بها، والله أعلم.
فصل
وهو سبحانه قال: (يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ)
(1)
. والإيلاء هو اليمين، وهو القَسَم، وهو الحَلْف، يقال آلَى وائْتَلَى، كقوله (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ)
(2)
، ويقال: تألَّى يتألَّى. وهو سبحانه عَدَّاه بحرف "من" فقال: (مِنْ نِسَائِهِمْ)، وكذلك الاستعمال، كقول عائشة رضي الله عنها:"آلَى من نِسائِه شهرًا"
(3)
، وهذا استعمال الناس كافّةً يقولونَ "آلَى من نسائه".
فحكى ابن الأنباري
(4)
عن بعض اللغويين أنه قال: "من" بمعنى في أو على، والتقدير: يَحلِفون على وطء نسائهم، فحذف الوطءَ وأقام النساءَ مقامَه، وقيل: تقديره يولون أي يعتزلون من نسائهم.
وكلاهما ضعيف، لأن حروف المعاني لا يقوم بعضُها مقامَ بعضٍ عند البصريين، لأنه لو صرَّح فقال: يحلفون على وطءِ نسائهم، لم يدلَّ على أنه حلفَ لا يطأ، بل هذا يُفهَم منه أنه حلفَ على الفعل، والحذفُ إن لم يكن في الكلام ما يدل عليه كان غيرَ جائز.
وأيضًا فإنه يقال: اعتزل امرأتَه، لا يقال: اعتزلَ منها. لكن قوله (يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) كقوله (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ)
(5)
و (وَالَّذِينَ
(1)
سورة البقرة: 226.
(2)
سورة النور: 22.
(3)
أخرجه الترمذي (1201) وابن ماجه (2072) من طريق مسروق عن عائشة. وقد روى من طرق أخرى عنها.
(4)
نقله ابن الجوزي في (زاد المسير)(1/ 257).
(5)
سورة المجادلة: 2.
يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ)
(1)
، وكلاهما مُضَمَّن معنى الامتناع، فإن المُولي يمتنع باليمين من امرأته، وكذا المظاهر يمتنع بالظهار من امرأته، وكلاهما مقصوده الامتناع والبعد والنفور منها والهربُ منها والتخلُّص منها والفرار منها، فمِنْ هي لابتداء الغاية، ولكن الفعل هنا قد ترك.
وإذا قلت: سرتُ من مكة إلى المدينة فالمجرور بمن مبدأ الفعل، كذلك إذا قلت: غَضبتُ من هذا، أو خِفتُ من هذا، أو حَذِرْتُ من هذا، أو فَزِعتُ من هذا ونحو ذلك، كان المجرور هو مبدأ الغاية للفعل المذكور، والمُوْلي والمُظَاهِر هو تاركٌ للمرأة، والمُوْلي ممتنع من وطئها، وإنما يكون بسبب منها، وإن كانت قد تكون مظلومة لكونه يُبغِضُها ويغضب منها وينفر عنها، وإن كانت مظلومة، فبكل حالٍ هو ممتنع منها أي من وطئها، وهو نافر منها. لكنه في الإيلاء هو ممتنع باليمين، وفي الظهار ممتنع بتحريمها لما شبهها بأمه التي تحرم عليه. ولهذا كانوا يَعدُّون هذا وهذا في الجاهلية طلاقًا، إذ لم يكن في شرعهم كفارة يمين ولا كفارة ظهار، فمتى حرَّمها فلا تحرم إلاّ بالطلاق، ومتى ألزمته اليمين تركَ وَطْأهَا، فالزوجة لا تكون ممنوعًا من وطئها، فإذا زال لازمُ النكاح زال.
والله سبحانه في البقرة ذكر الأيمان ثم الطلاق، كما أنه في سورتَي التحريم والطلاق ذكر الأيمان ثم الطلاق، وفرق بين الأيمان والطلاق هاهنا وهاهنا، وهو مما يُبين الفرق بين الأيمان والطلاق، كما قد بُسِط في غير هذا الموضع
(2)
، ويُبين أن الحلف بالطلاق من باب الأيمان لا من باب الطلاق، كما أن الحلف بالنذر من باب الأيمان لا
(1)
سورة المجادلة: 3.
(2)
انظر "مجموع الفتاوى"(33/ 57 وما بعدها).
من باب النذر، وكذلك الحلف بالكفر من باب الأيمان لا من باب الكفر، وطَرْدُه الحلف بالعتاق والظهار والحرام.
وهو سبحانه في سورة المائدة ذكر كفارة الأيمان، وفي سورة التحريم أحال عليها فقال:(قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ)
(1)
. وأما البقرة فنزلت قبل المائدة، فذكر فيها النهي أن يجعلوا الله عُرضةً لأيمانهم (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ)
(2)
، فتضمنت النهي عن أن يجعل الحلف بالله مانعًا من فعل الخير، لكن هذا يقتضي في أول الأمر النهيَ عن الحلف على ذلك حين لم تُشرَع الكفارة، فلما شُرِعتِ الكفارةُ صار النهيُ عن جَعْلِ هذه اليمين مانعةً من فعل ما يحبه الله، فإنه إما أن لا يحلف بها فيجعلها مانعةً، وإما أنه إذا حَلَفَ لا يَجعلُ الحلفَ بها مانعًا، فإن الكفارة مشروعة عن اليمين.
ولهذا تنوعت عبارات المفسرين للآية، قال أبو الفرج
(3)
: وفي معنى الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أن معناها لا تحلفوا بالله أن لا تبرّو ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس. هذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن جبير وإبراهيم والضحاك وقتادة والسدّي ومقاتل والفراء وابن قتيبة والزجاج في آخرين.
والثاني: أن معناها لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين وتبرُّوهم وتُصلحوا بينهم بالكذب. روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس.
(1)
سورة التحريم: 2.
(2)
سورة البقرة: 224.
(3)
أي ابن الجوزي في "زاد المسير"(1/ 254).
والثالث: لا تكثِروا الحلف بالله وإن كنتم بارّين مصلحين، فإنّ كثرة الحلف ضربٌ من الجرأة عليه. هذا قولُ ابن زيد.
قلت: الحلفَ بالله كاذبًا لا يجوز مطلقًا، ولكن هذه الآية لم يقصد بها النهي عن الحلف الكاذب، وأما الإكثار من الحلف به مع الصدق فإنه ليس بمحرَّم، والآية تضمنت نهيًا يوجب التحريم، والحلفُ بالله تعظيمٌ له. وقد حلف النبي صلى الله عليه وسلم مراتٍ متعددة، وأمر الله تعالى بالحلف في ثلاث مواضع، قال تعالى:(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ)
(1)
، وقال تعالى:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ)
(2)
، وقال تعالى:(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ)
(3)
.
وما يُروى عن الله تعالى أنه قال: "لا تحلفوا بي صادقين ولا كاذبين" كلامٌ لا إسنادَ له عن الله تعالى، ليس مما أنزله الله على محمد، ولا نُقِل عن نبي قبله بإسنادٍ يُعرَف. وطائفةٌ من النسّاك يستحبون أن لا يحلف أحدٌ قَط، وينهون عن ذلك، ولكن ليس هذا شرعَ الإسلام. كما أن طائفة يستحبون الصمت مطلقًا حتى عن الكلام الواجب والمستحب، وليس هذا من شرع الإسلام، بل قال صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"
(4)
. فما كان واجبًا أو مستحبًّا فقوله خيرٌ من السكوت عنه، والسكوتُ عن الواجب
(1)
سورة يونس: 53.
(2)
سورة سبأ: 3.
(3)
سورة التغابن: 7.
(4)
أخرجه البخاري (6018، 6136، 6138،6475) ومسلم (47) من حديث أبي هريرة.
محرَّم. وما لم يكن خيرًا فهو مأمور بالصمت عنه، فإنه عليه لا له، كما قد بُسِط هذا في مواضع
(1)
.
وفي الحديث المرفوع: "لا تحلفوا إلاّ بالله، ولا تحلفوا إلاّ وأنتم صادقون"
(2)
. وهذا مبسوط في موضعه.
وعامة السلف والخلف على أن المراد بالآية المعنى الأول، وهو أن لا يجعل الحلف بالله مانعًا من فعلِ ما أمر الله به، فإن هذا حرام لا يجوز، لم يبح الله أن يجعل الحلف به مانعًا من فعل ما أمر به، بل ما أمر به هو يحبّه ويرضاه، وهو واجب أو مستحب، والحلفُ به على تركِ ذلك يمين ليست بواجبة ولا مستحبة، فلا يجوز أن يجعل ماليس بطاعةٍ لله مانعًا من طاعة الله. والله تعالى لما أنزل الكفارة جعلَ الكفارة تحلَّةَ اليمين، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من حلف على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خير، وليكفر عن يمينه"
(3)
.
وأما قبل إنزاله الكفارة فآيات البقرة ليس فيها كفارة، فقيل: كان يجوز الحنث بلا كفارة، لكن هذا لم يثبت. وقيل: بل كان منهيًّا عن الحلف، ثم إذا حلف كان عاصيًا قد ورَّطَ نفسَه بين ذَنْبَين، والحنث منهيٌّ عنه، وجَعْلُ اليمين مانعةً من الخيرِ منهيٌّ عنه. ثم إن الله تعالى شرعَ الكفارة، فصار الحالفُ قادرًا على التكفير.
وهذه العبارة التي ذكرها أبو الفرج من أن معناها النهي، عن الحلف
(1)
انظر "مجموع الفتاوى"(25/ 292 - 294، 7/ 49،22/ 315).
(2)
أخرجه أبو داود (3248) والنسائي (7/ 5) من حديث أبي هريرة، وهو صحيح.
(3)
أخرجه مسلم (1650) من حديث أبي هريرة.
بالله على ترك طاعته، يُناسِب ما كان الأمر عليه قبل الكفارة، وعبارة كثير من المفسرين أن معناها إذا حَلَفْتَ فلا تجعلْ حلفك بالله مانعًا من فعل الطاعة، وهذا يناسب الحال بعد الكفارة، والآية تتناول هذا وهذا. قال كثير من المفسرين - واللفظ للبغوي
(1)
-: معنى الآية لا تجعلوا الحلفَ بالله سببًا مانعًا لكم من البر والتقوى، يُدعَى أحدُكم إلى صلة رحم أو برً فيقول حلفتُ بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البرّ. وذكر الحديث الذي في الصحيح
(2)
عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حَلَفَ بيمينٍ فرأى خيرًا منها فليكفر عن يمينه، وليأتِ الذي هو خير".
وروى ابن أبي حاتم وغيرُه
(3)
ما في تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) قال: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنعِ الخيرَ.
قال ابن أبي حاتم
(4)
: ورُوي عن مسروق وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي ومجاهد وعطاء والزهري والحسن وعكرمة وطاوس ومكحول ومقاتل بن حيان وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسُّدّي نحو ذلك. وقال
(5)
: حدثنا أبي ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل نا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن عطاء قال:
(1)
"معالم التنزيل"(1/ 200). وانظر: القرطبي (3/ 97، 98) وابن كثير (1/ 273).
(2)
مسلم (1650).
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (2/ 407) والطبري (4/ 422 تحقيق شاكر) و"السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 33).
(4)
"تفسيره"(2/ 407).
(5)
المصدر نفسه (2/ 406).
جاء رجل إلى عائشة، فقال: يا أم المؤمنين! إني نذرتُ إن كلمتُ فلانًا فكل مملوك لي عَتيق لوجه الله، وكل مالٍ لي ستر للبيت، فقالت: لا تجعلْ مملوكيك عتقاء لوجه الله، ولا تجعل مالك سترًا للبيت، فإن الله يقول:(وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) الآية، قالت: فكفرْ عن يمينك.
ورَوى
(1)
عن السُّدي قال: وأما "تبروا" فالرجل يحلف أن لا يَبرَّ ذا رَحِمِه، فيقول: قد حلفتُ، فأمر الله أن لا يعرض بيمينه بينه وبين ذِي رَحِمه، وليبرَّه ولا يُبالِ بيمينه.
وعن عبد الكريم الجزري
(2)
قال في قوله (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا) قال: التقوى يحلف ويقول: قد حلفتُ أن لا أعتق ولا أصدق.
وعن سعيد بن جبير
(3)
في قول الله (وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) قال: كان الرجل يريد الصلح بين اثنين، فيُغضِبه أحدُهما أو يتهمه، فيحلف أن لا يتكلم بينهما في الصلح، قال: أن تصلوا القرابة وتتقوا وتصلحوا بين الناس فهو خير من وفاء اليمين في المعصية.
قال ابن أبي حاتم
(4)
: ورُوي عن السُّدي نحو ذلك، وقال: هذا قبل أن تنزل الكفارات.
وأما تفسير اللفظ من جهة العربية، فقال الفراء
(5)
: والمعنى ولا
(1)
المصدر نفسه (2/ 407).
(2)
المصدر نفسه (2/ 407).
(3)
المصدر نفسه (2/ 407).
(4)
المصدر نفسه (2/ 408).
(5)
"معاني القرآن"(1/ 144).
تجعلوا الله معترضًا لأيمانكم. وقال أبو عبيد
(1)
: نصبًا لأيمانكم. وقال طائفة- واللفظ للبغوي
(2)
-: العرضة أصلُها المدُّ
(3)
والقوة، ومنه قيل للدابة التي تصلح للسفر عرضة لقوتها عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء: هو عرضة له، حتى قالوا للمرأة: هي عرضة للنكاح إذا صلحت له. والعرضة كل ما يعترض له فيمتنع عن الشيء. ثم قال: ومعنى الآية لا تجعلوا الحلف بالله سببًا، إلى آخر كلامه المتقدم.
قلت: فعلى هذا يكون التقدير لا تجعلوا الله معروضًا لأيمانكم تقصدون الحلف به لئلا تفعلوا الخير، ويكون قوله (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا) من تمام ما نُهوا عنه، أي لا تجعلوا الله محلوفًا به لئلا تفعلوا الخير، فتجعلوا ما يجب من تعظيم حقه والحلف به مانعًا لكم من فعل ما يحبه ويرضاه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس. فإذا قيل: هو عرضة لكذا، أي هو أهل أن يتعرض إليه بكذا، فلا تجعلوه عرضة لليمين أن تبروا وتتقوا، أي كراهة أن تبروا وتتقوا. هذا تقدير البصريين.
وتقدير الكوفيين لئلا تبروا وتتقوا وتصلحوا
(4)
، أي السبب الداعي لكم إلى أن يكون عرضة لأيمانكم كراهة فعل الخير، فلما كرهتم فعلَ ما يحبه جعلتموه عرضة ليمينكم، لتكون اليمين به مانعةً لكم من فعل ما كرهتموه من الخير، فهذا لا يجوز.
وعلى ما قال السُّدِّي المعنى: لا تجعلوا الله معترضًا بينكم وبين
(1)
كذا في الأصل و"زاد المسير"(1/ 253) الذي نقل عنه المؤلف. ولعل الصواب أبو عبيدة، وهذا قوله في "مجاز القرآن"(1/ 73).
(2)
"معالم التنزيل"(1/ 200).
(3)
كذا في الأصل، وعند البغوي:"الشدة".
(4)
انظر: تفسير القرطبي (3/ 98).
ما أمر به. لكن لفظ الآية (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا)، ولم يقل "بينكم"، فتضمن العرضة معنى المنع، لأن المعترض بين الشيئين مانع بينهما، ويكون المعنى لا تجعلوا الله مانعًا لكم من البر والتقوى، ويكون (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا) منصوبًا
(1)
بالعرضة. لكن هذا ضعيف في العربية، فإنه قال:(عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ)، فدلَّ على أنه معروض لليمين، وهو فُعْلَة بمعنى المفعول، لا بمعنى الفاعل، وهو المعارض المانع.
(آخر ما كتب فيها، والحمد لله وحده. بلغَ مقابلةً بالأصلِ خط المؤلف، ومنه نُقِل. والحمد لله رب العالمين).
***
(1)
في الأصل: "منصوب".
فصل في الظهار
من كلام شيخ الإسلام، إمام الأئمة الأعلام، تقي الدين، أوحد العلماء العاملين أبي العباس ابن تيمية رحمة الله عليه
مما صنفه بقلعة دمشق في محبسه الأخير
بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ يَسِّرْ وأعِنْ
الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا.
فصل في الظِّهار
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4))
(1)
.
وقد عُرِفَ أنها نزلتْ في خولة بنت ثعلبة لما تظاهر منها أوس بن الصامت
(2)
، وكان الظهار والإيلاء طلاقًا عندهم، فلما أتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وجادلتْه واشتكت إلى الله أنزلَ هذه السورة. وكانت قد قيل لها: إنه
(1)
سورة المجادلة: 1 - 4.
(2)
أخرجه أحمد (6/ 410) وأبو داود (2214،2215) عن خولة بنت ثعلبة.
وقع بكِ الطلاقُ، على ما كانت عادتهم، وذلك أن موجب هذا اللفظ أنها تحرم عليه أبدًا، لأنه شبَّهها بأمّه يَقصِدُ تحريمها، فمقصوده تحريمها، والتحريم لا يكون إلاّ بزوال الملك بالطلاق، فلهذا كان طلاقًا.
والإيلاء هو حلف على أنه لا يَطأها، ولم يكن عندهم لليمين كفارة، فكانت اليمين تمنعه من وطئها، والمرأة لا تكون محرمة الوطء أبدًا، فتقع به الطلاق.
فالظهار أوجب تحريمَ وطئها، والإيلاء أوجبَ تحريم وطئها، وكلاهما ينافي موجبَ النكاح، فإن النكاح لا يكون إلاّ مع حلّ الوطء.
فلهذا كانوا يرون هذا وهذا طلاقًا، حتى أنزل الله تعالى في الظهار الكفارة الكبرى، والمُوْلي خَيَّره بين أن يَفِيء وبين أن يُطلّق، فإنه إذا فاءَ ورجعَ كان له مخرج بالكفارة، كما قال:(فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
(1)
، وقال:(لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
(2)
.
قال سبحانه: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ)
(3)
، كما قال في الآية الأخرى:(وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)
(4)
.
وهم كانوا يعرفون أنهم ما هنّ أمهاتهم، لكن شبهوهنّ بهنّ، فأقاموا الزوجة مقام الأمّ، وجعلوها مثل الأمّ، فبيَّن الله تعالى بطلانَ هذا التشبيه، وأنّ الأمّ هي التي ولدتْك، والزوجة لم تلد، فامتنع أن تكون أمًّا أو مثل الأمّ.
(1)
سورة البقرة: 226.
(2)
سورة التحريم: 1.
(3)
سورة المجادلة: 2.
(4)
سورة الأحزاب: 4.
ثم قال: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً)
(1)
. فالمنكر ضدّ المعروف، والزور الكذب، والكذب يكون في الأخبار، والمنكر هو المكروه المذموم المعيب، وذلك يكون في الأفعال والإنشاءات، كالأمر والنهي وصيغ العقود، كقوله: أنتِ عليَّ كظهر أمّي، تضمنت إنشاءًا وإخبارًا، فكانت منكرًا من القول باعتبار ما فيها من الإنشاء، وكانت زورًا باعتبار ما فيها من الإخبار، فإن كونه يجعل زوجته الحلال التي ما ولدتْه مثل أمّه الحرام التي ولدتْه أمر منكرٌ مكروهٌ بَغيض، تنفر عنه القلوب لما فيه من القبح، وهو زور أيضًا لما فيه من الكذب. فدلَّ القرآن على أن المنكر من القول والزور لا يقع به طلاقٌ، وإن قَصَدَ به الإنسان الطلاق، كما كانوا يقصدون الطلاق بهذا القول. ودلَّ القرآن على أنه ليس كل لفظ يَقصِد به الإنسانُ الطلاقَ يقع به الطلاق، بل لابُدَّ أن يكون ذلك القول ليس منكرًا من القول ولا زورا.
فكان في هذا دلالة على مذهب الجمهور من السلف والخلف أن صيغة الحرام لا يقع بها طلاق إذا قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرام، فإنّ هذا هو مثل قوله: أنتِ عليَّ كظهرِ أمّي، لكنه هنا صَرَّح بالحكم الذي هو مقصود التشبيه، وهو منكر من القول، حيث جعل الحلال حرامًا، وهو زورٌ أيضا، فإن الحلال لا يكون حرامًا. وقول من قال: إنه طلاق هو شبيه بقولهم في الجاهلية: إنّ الظهار طلاق.
بل دَلَّ هذا على أن الحرام لا يكون طلاقًا ولو قُصِدَ به الطلاق، كما أنّ الظهار لا يكون طلاقًا وإن قُصِدَ به الطلاق. وقد نصَّ على ذلك أحمد وغيره.
(1)
سورة المجادلة: 2.
وللناس هنا ثلاثة أقوال
(1)
:
فذهب بعض المالكية إلى أن الظهار إذا قصد به الطلاق كان طلاقًا كالحرام، وهذا قياس قولهم، لكنه هو قولهم في الجاهلية، وهذا رجوع إلى قول أهل الجاهلية.
وذهب طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد إلى أنه إذا قصد بالحرام الطلاق كان طلاقًا، خلاف الظهار. وهؤلاء أرادوا أن يجمعوا بين نصّ الظهار وبين ما اعتقدوه قياسًا في الكنايات، وأنه أيّ لفظٍ قصد به الطلاق وقع، فتناقضوا؛ فإن لفظ الظهار إذا قصد به الطلاق لم يقع، ولا فرقَ بينه وبين لفظ الحرام.
فإن قالوا: اللفظ إذا كان صريحًا في حكم، ووجد نفاذًا فيه، لم يجز جَعْلُه كنايةً في غيره.
قيل لهم: فهذا يدلُّ على أنه ليس كلُّ ما احتمله اللفظ كان كنايةً فيه، بل لابدّ أن يكون صريحًا في حكمٍ آخر، وحينئذٍ فلِمَ قلتم: إن الحرام ليس بصريح في الظهار كلفظ الظهار؟ وما الفرق بينه وبين لفظ الظهار؟.
وأما أحمد فإن نصوصه المتواترة عنه أنه يجعله صريحًا في الظهار، لا يقع به الطلاق ولو نواه به.
وأيضًا فإمًا أن يُجعل الظهار كنايةً في الطلاق، وإمّا أن لا يجعل، فمن جعله كنايةً فيه فقد أتى بقولِ أهل الجاهلية الذي أبطله القرآن،
(1)
انظر "المغني"(10/ 397،11/ 61)، و"مجموع الفتاوى"(32/ 295، 309؛ 33/ 74، 160).
ومن لم يجعله كنايةَ فإمّا أن يقيس عليه ما كان في معناه فلا يقع به طلاق، وإمّا أن لا يقيس، فإن لم يَقِسْ فإنه يقول: اللفظ إذا كان صريحًا في حكم ووجد نفاذًا لم يكن كنايةً في غيره، وجعلوا هذا هو عمدتهم في الفرق بين الطلاق بالظهار والطلاق بغيره، فيقولون: الظهار صريح في حكم، وقد وجد نفاذًا فيه، فلا يكون كنايةً في الطلاق، بخلاف غيرِه من الألفاظ، مثل لفظ الحرام والخلية والبرية، فإن تلك ليست صريحة في حكم، فلهذا كانت كنايةً في الطلاق.
فيقال: هذا الفرق باطل من وجوهٍ:
أحدها: أن قول القائل "اللفظ إذا كان صريحًا في حكم ووجد نفاذًا لم يكن كنايةً في غيره" دعوى مجردَّة لم يُقِم عليها دليلاً، ولم يثبِتْها بنص ولا إجماع ولا قياسٍ صحيح.
الوجه الثاني: أن يقال: هذه الدعوى باطلة، فإن اللفظ الصريح في حكمِ ليس من شرطه أن لا يكون مستعملاً في غيره، لا مطلقًا ولا مقيدًا، بل ولا يجب أن يكون نصًّا فيه، بل إذا كان ظاهرًا فيه بحيث يكون هو المفهوم عند الإطلاق فهو صريح فيه، وإن كان محتملاً لغيره، وإن كان قد يراد به غيره مع التقييد والقرينة، وحينئذٍ فإذا كان صريحًا في حكمٍ فمعناه أن المفهوم منه عند الإطلاق هو المعنى المقتضي لذلك الحكم. كلفظ التطليق، هو عند الإطلاق يُفهَم منه إيقاع الطلاق، وإن قيل: إنه صريح في المعنى الموجب للحكم فهو صريح في الإيقاع المقتضي للوقوع، وكذلك إن قيل: هو صريح فيهما. وإذا كان هذا معنى الصريح أمكن أن يكون مستعملاً في معنى آخر يريده به المتكلم مع القرينة، وحينئذٍ فلا يكون صريحًا في معنًى مانعًا عن استعماله في معنى آخر، كسائر الألفاظ التي هي ظاهرة في
معنًى وتُستعمل في غيره مع القرينة.
الوجه الثالث أن يقال: عامة الألفاظ الصريحة في معنًى وحكم تكون كنايةً في غيره مع وجود النفاذ، كلفظ التطليق، فإنه صريح في الإيقاع إيقاع الطلاق، ثم إذا قال: أنتِ طالقٌ من وثاقٍ، أو من زوجٍ كان قبلي، أو من نكاح قبل هذا، ووصله بهذا لم يقع بها طلاق، وهذا مما لا أعلم فيه نزاعًا، ولو قصد ذلك بقلبه فقال: أنتِ طالق، ومرادُه من وثاق، أو من الجبل الذي كنت مقيدةً به، أو من زوج قبلي، أو منّي قبل هذا النكاح، فإنه لا يقع به الطلاق في الباطن، بل يدين فيما بينه وبين الله. وهل يُقبَل في الحكم؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، فاللفظ صريح، ووجد نفاذًا، ومع هذا كان كنايةً في الطلاق من الوثاق.
وفي حديث فيروز الديلمي
(1)
لما خيَّره النبي صلى الله عليه وسلم بين زوجتيه، وكان قد جمع بين الأختين، قال: فعمدتُ إلى إحداهما، فطلقتُها.
أراد بتطليقها إرسالها وتسريحها، وإلاّ فإحداهما قد حَرُمتْ عليه، لا تحتاج إلى طلاق. وهذه الفرقة عند الشافعي وأحمد وغيرهما فسخٌ لا طلاق، وقد سماها طلاقًا.
وكذلك لو قال في الخلع: هي طالق تالق، كان خلعًا موجبًا للبينونة، لأنه قيَّده بالعوض، فتكون فرقةً بائنةً، كما لو كان بغير لفظ الطلاق في أحد قولي العلماء، كما قد بُسط في موضعه.
(1)
أخرجه أحمد (4/ 232) وأبو داود (2243) والترمذي (1129، 1130) وابن ماجه (1951) من حديث الضحاك بن فيروز عن أبيه. وانظر الكلام عليه عند المؤلف في "مجموع الفتاوى"(32/ 317 - 319).
وكذلك لفظ الحرية الذي يقولون: إنه صريح في العتق، من نوى به أنه عفيف غير فاجر، لم يقع به العتق، بل يقبل منه، لاسيما عند القرينة، كما لو قيل له: ما حالُ مملوكك هذا؟ وكيف دينُه وخُلقُه؟
فقال: هو حُرٌّ. فهذه القرينة تبين أنه أراد أنه عفيف، لم يُرِد إعتاقَه، فلا يعتق، وإن قيل: هو صريح وقد وجد نفاذًا.
وكذلك لفظ النكاح والتزويج، هما صريح في العقد، ثم إذا قال: أنكحت أو زوجتك فلانةً، ومع هذا فهو محتمل للخبر عن عقدٍ ماضٍ. وكذلك سائر صيغ العقود، إذا نوى ذلك كان محتملاً، وإن كانت القرينة تدلُّ على ذلك قُبِل منه.
وأيضًا فلو قيل: زوجْتك بهذه، فهو محتمل قَرَنْتك بها، كما في قوله:(أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً)
(1)
. وهذا يراد باللفظ مع ما يدل على ذلك، كما لو جمع بين الصغار بين كل صغير وصغيرة في موضع قيل: زَوَّجْ هذه بهذا وهذه بهذا، أي اقرِنْها به.
وقد يقال: أنكحتك فلانة، بمعنى مكَنتك من سَبْيها وأخذها، كما قال الشاعر:
ومن أيّمٍ قد أنكحتها رماحنا
…
وأخرى على عم وخال
(2)
وكذلك لفظ الوقف، يراد به تحبيس الأصل، وقد يقال: وقفتُ هذا، أي وقفتُه في السوق لأبيعه. وكذلك ألفاظ الإيلاء، إذا قال: والله لا وَطِئت، فقد يراد: لا وَطِئتُك برجلي، ولو أراد ذلك لم يكن مُوليًا في الباطن، وفي قبوله في الحكم نزاع.
(1)
سورة الشورى: 50.
(2)
كذا في الأصل، والشطر الثاني ناقص. ولم أجد البيت في المصادر.
فعامة الألفاظ الصريحة تكون كنايةً في معنًى آخر، مع كون المحل قابلاً لمعنى الصريح. فعُلِم أن هذه الدعوى باطلة، وإنما ذكرت في الظهار ليفرّق بها، وليس هو فرقًا صحيحًا.
الوجه الرابع: أنه لو سُلِّم أن الأمر كذلك، فلا ريب أن لفظ الظهار كان في عرفهم يراد به الطلاق، أو يحتمل أن يراد به الطلاق، فكان صريحًا في الطلاق أو كنايةً فيه، والأرجح أنه كان صريحًا فيه، فإنه إذا كان ظاهرًا أوقعوا به الطلاق، ولم يسألوه عن نيته، فإنّ مقتضاه تحريم الوطء على التأبيد، والزوجة لا تكون كذلك، وسواء كان صريحًا أو كناية فالشارع أبطلَ إيقاعَ الطلاق به. وإن قصدوه دون غيره من ألفاظ الصرائح والكنايات، فلابّد من فرقٍ بينه وبين غيره لأجلِه فرق الشارع بينهما، وإلاّ فلِمَ أَبطل وقوع الطلاق بهذا اللفظ دون غيره من الألفاظ المحتملة؟ ولِمَ جَعل له حكمًا آخر غيرَ وقوع الطلاق؟ فذلك المعنى إن كان مختصًّا بهذا اللفظ، وإلاّ قِيْسَ به ما كان في معناه، ومعلومٌ أن قوله "أنتِ عليَّ حرام" في معنى "أنتِ عليَّ كظهر أمّي"، فيجب أن يقاس به.
فإن قال هؤلاء: نحن نقيسُ به لفظ التحريم، لأنه في معناه.
قيل: وإن كان هذا في معناه، فالشارع إنما علل بكونه منكرًا من القول وزورًا، فيجب أن لا يقع الطلاق بقولٍ منكر ولا بقولٍ زور، وإن كان صاحبه قصد الطلاق. وهذا يقتضي أن لا يقع الطلاق بلفظ محرم. والمطلّق في الحيض مطلِّقٌ بلفظ محرم، وهو منكر من القول، فيجب أن لا يقع به الطلاق، وكذلك المطلِّق ثلاثًا بكلمة أو كلماتٍ بدون رجعةٍ أو عقدٍ قد أتَى بمنكرٍ من القول، فيجب أن لا يقع به، وكلاهما أتى بزورٍ، فإن الزور الكذب، وكلاهما اعتقد أنه يملك
ما أوقعه، وذلك زور وكذب، فلم يُملِّكْه الله إلاّ الطلاق المباح، وأما الحرام فلم يُملّكه إياه.
وفي الآية سؤال، وهو أن الله قال:(الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)
(1)
، كما قال في الآية الأخرى:(وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)
(2)
. والمتظاهر ما قال: إنّ زوجته أمُّه، لكنه شبَّهها بها، وهو لم يقل:"ما هن مثل أمهاتهم"، بل قال:"ما هن أمهاتهم".
فيقال: المتظاهر مقصودُه تحريم الوطء، وقوله "أنتِ عليَّ كظهر أمّي" معناه: وطؤك مثل وطء أمي، فمقصوده تشبيه الوطء بالوطء، وأن يكون وطؤها مثل وطء أمه، وذلك يقتضي أن تكون حرامًا، ووطؤها لا يكون مثل وطء أمّه إلاّ إذا كانت من جنس أمّه، وإلاّ فإذا تباينت الحقائق تباينت أحكامها، فكان موجب قولهم أن تكون الأزواج من جنس الأمهات، كما تكون أمُّ الأب والأمِّ من جنس الأمّ في التحريم والمحرَّمِيَّة، فبيَّن الله تعالى أن هذَا الجنس ما هو هذا الجنس، بل جنس آخر، فقال:(مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، وقال (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)، كما قال (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)
(3)
. وهم لم يكونوا يقولون: هو مولود منه، بل جعلوه من جنس المولود، فجعلوا حكمه حكم المولود منه الذي هو الابن، فقال تعالى: هذا ما هو من جنس الابن، فلا يكون حاله حالَه.
(1)
سورة المجادلة: 2.
(2)
سورة الأحزاب: 4.
(3)
سورة الأحزاب: 4.
والمعقول من الكتاب والسنة أنه إذا كان إنما لم يقع به الطلاق لأنه منكر من القول وزور، فكل قولٍ هو منكر أو زور لا يقع به طلاقٌ، والطلاق المحرم منكرٌ من القول، لأنه محرَّم، وكل محرَّم منكر، وكونُه منكرًا يوجب أن لا يترتب أثره عليه.
وقد يقال: هو زور، لكونه اعتقد أنه يملك إيقاعَه، وهو كاذب في هذا الاعتقاد، فإنّ الله لم يُملّك أحدًا ما هو محرَّم، فكل قولٍ أو فعلٍ محرم فإن الله نهى عنه، ولم يأذن فيه، ولم يجعل العبد مالكًا له.
والظهار لما كان محرمًا لم يملك أحد أن يظاهر، ولم يُبحْه، وإذا ظاهر لم يترتب على الظهار موجبه، وهو التحريم الموجب لزوال الملك ووقوع الطلاق، كما كانوا عليه في الجاهلية، بل جعل عليه كفارةً إذا اختار بقاءَ امرأتِه ووطئها، لكونه حرَّمها، وهو قد فرضَ التَّحِلَّةَ، وإن اختار أن يفارقها ويطلّقها فقد أنشأ طلاقًا شرعيًّا مباحًا، وذلك له، ولا كفارة عليه، بل عليه أن يستغفر الله من الظهار، فإنه ذنب.
والكفارة لا تجب بكل ذنب، كما لو حرَّم الحلال بيمين أو غير يمين فإنه منهيٌّ عن ذلك بقوله:(لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ)
(1)
، وقوله:(لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)
(2)
، ومع هذا فلا كفارة عليه إلا إذا عاد فاستحل ما حرَّمه، دون ما إذا اجتنبه، وذلك أنه إذا اجتنبه وطلَّق المرأة، ففي هذا من الحرج والضرر عليه ما يشبه جزاء ذلك الذنب، فلابدّ من التكفير أو اجتناب ما حرَّمه، وهو في المرأة بطلاقها،
(1)
سورة المائدة: 87.
(2)
سورة التحريم: 1.
وكانوا قبل أن يشرع الله الكفارة يتعين اجتناب ما حرَّموه، لا يباح بكفارة.
وهذا الذي ذكرناه من أن الكفارة لا تجب إلاّ إذا عاد، هو قول جمهور المسلمين من السلف والخلف
(1)
، وحُكِيَ عن طائفة أن الكفارة تجب بمجرد الظهار، حكي ذلك عن مجاهد والثوري. قال الحاكي عنهما: والمراد من العود هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار.
وهذا القول في تفسير العَوْد هو معروف عن ابن قتيبة، فإنه لما أنكر على من قال: إنه لا يقع بلفظ واحد، قال
(2)
: وإنما تأويل الآية أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلافَ حكمه عندهم في الجاهلية، وأنزل قوله:(وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) يريد في الجاهلية (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) في الإسلام، أي يعودون لما كانوا يقولونه من هذا الكلام. وهذا كما قد قيل في قوله في الصيد:(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) أي في الجاهلية، (وَمَنْ عَادَ) أي في الإسلام (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ)
(3)
.
قلت: وهذا قول ضعيف، فإنه قال:(ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)، فلابدّ من عَوْدٍ بعد الظهار، والعود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية هو نفس الظهار.
(1)
انظر تفسير الطبري (28/ 6 - 8) وابن عطية (15/ 438 - 440)، و"زاد المسير"(8/ 183 - 185)، والقرطبي (17/ 280 - 281)، وابن كثير (4/ 344).
(2)
"تفسير غريب القرآن" ص 456 - 457.
(3)
سورة المائدة: 95.
وأيضا فأوَّل ظهار كان في الإسلام أنزلَ الله فيه هذه الآية، ولم يكونوا بعدُ قد نُهُوا عن الظهار حتى يقال: إنه كان عائدًا إلى ما نُهُوا عنه.
وأيضا فليس من شرط ثبوت الظهار أن يكون قد تظاهر من امرأته في الجاهلية، ولو كان ما ذكروه صحيحًا لم يثبت إلاّ فيمن تظاهر منها في الجاهلية، ثم عاد إلى ذلك في الإسلام. وهذا معلوم البطلان باتفاق المسلمين.
وأيضًا فأوس بن الصامت لم يكن قد تظاهر من امرأته قبل ذلك، ولو كان قد تظاهر منها لكان ذلك طلاقًا عندهم.
وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يسألْه هل تظاهرتَ منها قبلَ هذا.
وأيضا هو لم يقل: "والذين تظاهروا منكم" بصيغة الماضي، بل قال:"يظاهرون"، وهذا يتناول الحالف بالاتفاق.
وقريب من هذا القول قول الشافعي: إنه إذا أمسكها عقبَ الظهار زمانًا يتَّسِع للطلاق ولم يطلّقها فيه لزمتْه الكفارة. والعَود عنده هو مجرد إمساكها هذا الزمنَ اليسيرَ بلا طلاق، فن طلَّقها عقبَ الظهار، أو مات أحدهما عقبَ الظهار، فلا كفارة.
وهذا القول لم يُنقَل عن أحدٍ من السلف، وهو ضعيف أيضًا، فإنه قال:(ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)، و"ثم" توجب الترتيب، وتقتضي المهلة، فلابدّ أن يَحصلَ بعد الظهار عَوْدٌ مرتب عليه في زمانٍ متمهّلٍ فيه، ولو كان العود لا يكون إلاّ عقبَ الظهار لقال:"فيعودون إلى ما قالوا".
وأيضًا فإن العود يقتضي إنشاءَ فعلٍ أو كلامٍ، ومجرّدُ الإمساك
تركٌ محضٌ، واستصحابٌ لحالٍ، وهذا لا يُسَمَّى عودًا.
وأيضًا فإن الطلاق عقبَ الظهار قد يكون محرمًا، لكونه ليس زمنَ طُهْرٍ لم يجامعْها فيه، بل قد تكون المرأة حائضًا، أو موطوءةً في الطهر، فلا يحل له طلاقها، ولا له غرضٌ في إمساكها، بل هو يختار طلاقها، لكن الشرع أمره أن يؤخر الطلاق إلى طهرٍ لم يجامعها فيه، فكيف يكون هذا مختارًا لها عائدًا إلى ما قال؟ مع كمال بغضه وكراهته لها.
وأيضًا فن طلَّقها طلاقًا رجعيًّا فهي زوجه، ترثه ويرثها، وذلك لا ينافي بقاء النكاح، وإن طلَّقها غيرَ رجعي فذلك منهي عنه، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة.
وأيضًا فقد يَقِفُ مترددًا هل يمسكها أو يفارقها؟ فكيف يجعل عائدًا بمجرد ترك الطلاق؟.
وصاحب هذا القول إنما قاله لما رأى قول من قال هو الوطء أو العزم عليه، فيه إشكالٌ، ورأى أن الظهار اقتضى خروجها من ملكه، فإن طلَّقها فقد أنفذ موجبه، وإن لم يطلقها فقد ناقض موجب الظهار، فقد عاد إلى ما قال.
وليس كذلك، فقد يكون في زمن التردد والتطويل يعود أو يطلق، وإنما يكون عائدًا إذا أتى بخصيصة النكاح، وهي الوطء.
والذي عليه عامة السلف والفقهاء أنّ العود هو الوطء أو العزم عليه، وجمهور السلف قالوا: هو الوطء، كذلك قال طاوس والحسن والزهري وقتادة، وهو قول أحمد وغيره. وقالت طائفة: هو العزم على الوطء، كما يحكى عن أبي حنيفة ومالك وطائفة من أصحاب أحمد.
وسبب النزاع في ذلك أنّ عليه إخراج الكفارة قبل الوطء بنصّ القرآن، قال تعالى:(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا).
وأما قول من قال: هو تكرير لفظ الظهار، فهو من أضعف الأقوال أيضًا، فإنّ ذلك مخالفٌ لأصول الشرع، إذ كان القول المحرم تحرم منه المرة الواحدة والمرتان والثلاث، وكلَّما كرَّره كان أعظمَ إثمًا. والأحكام المعلقة به إنما هي معلَّقة بجنسه، كالقذف واليمين الغموس وشهادة الزور، وتحريم الحلال بغير الظهار، إما بصيغة قسم وإما بغير ذلك، وكذلك الكفر والردة، وأمثال ذلك الحكم المعلق بهذه معلّق بجنسها، وإذا غلظ القول وكرَّره تغلَّظ الإثم وتكرر. لكن ليس فيها ما يقال: إنه لا يلزمه بالمرة الواحدة حكم، لكن إن كرَّره لزمه الحكم، وإنما يقال هذا فيمن لزمه الحكم أولاً، أو تاب ورجعِ، ثم عاد إلى ما نهي عنه، فهذا قد يختلف حكمه، فكذلك ما فعله أولاً قبل العلم بالتحريم، أو فعلَه ناسيًا أو مخطئًا، فعفي عنه. فهذا قد يقال فيه: إنه إذا عاد لزمه الحكم، لكون العود ليس من جنس الأول، بل الثاني فعله عالمًا عامدًا.
وهذا كما قد اختلف العلماء فيمن تاب من الردّة ثمّ عاد، وهو الذي تكررتْ رِدّتُه، فهذا فيه نزاع
(1)
، كما قيل في الصيد:(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ)
(2)
، فهذا عودٌ بعد العفو، قيل
(3)
: إنه عُفِي عما كان في الجاهلية وقبل التحريم، ومن عاد بعد النهي فينتقم الله منه. وقيل: عفا الله عن أوّلِ مرة بالجزاء، ومن عاد ثانيًا لم يحكم
(1)
انظر "المغني"(12/ 269 وما بعدها).
(2)
سورة المائدة: 95.
(3)
انظر: "زاد المسير"(2/ 426 - 427)، والقرطبي (6/ 317)، وابن كثير (2/ 104).
عليه وقيل له: ينتقم الله منك.
وهذا قول ضعيف، والجمهور على أنه يحكم عليه ثانيًا وثالثًا، ومن قال: لا يحكم عليه ثانيًا، قال: لأنه قد تاب من الأول، وعفي عنه بالجزاء. ولم يقل أحد: إن أول مرّةٍ لا حكمَ فيه، كما قيل مثل ذلك في الظهار.
وأما إذا تكلم المرتد بالكفر مرة أو مرتين أو ثلاثًا، فإنه يوجب تغليظ الردّة، وهو كالكافر الأصلي، إذا تكلّم بالكفر مرةً بعد مرة لا يقال: إن الأول لا حكم له، وإنما الحكم إذا كرره.
وكذلك القاذف إذا قذف مرةً بعد مرة، فالقذف الأول موجبٌ للحدّ، ولكن قد يتنازعون في الثاني هل يدخل في الأول؟ وباب التداخل إذا كان الجميع حقًّا لله، وهي من جنس واحدٍ دخلَ بعضها في بعض، كما لو زنى ثم زنى، أو سرق ثم سرق، ولم يُعاقَب على الأول، فإنه إنما يُقام عليه حدٌّ واحد، لأن الحدّ مشروع في جنس هذا الفعل، فقليله وكثيره في الحد سواءٌ جعل الشارع القطع حدًّا لمن سرق النصابَ أو أضعافَ النصاب. وكذلك حدّ الزنا لمن أولجَ مرةً أو مرَّاتٍ.
وأما الشرب فقد قيل: إنه من هذا الباب، وليس كذلك؛ فإن حدّه غير مقدّر، بل من شرب كثيرًا ومرَّاتٍ فإنه يُزاد في عقوبته بحسب الاجتهاد. وهذا بناء على أن الأربعين الزائدة على الأربعين يفعلها الإمام تعزيرًا بحسب الاجتهاد، كما يقوله الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين
(1)
.
(1)
انظر "المغني"(12/ 499).
فهذه أصول الشرع كلُّها تُبيّن أن الجنس المحرم لا يسقط حكم المرة، ويغير الحكم في المرتين، فمدَّعي مثل ذلك في الظهار ادَّعى على الشارع ما هو مخالف لأصوله وقواعدِه ومقاصده المعروفة.
وهؤلاء إنما أتوا من لفظ (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)، ظنّوا أن المراد بذلك أن يُكرِّر قوله الأول، وهذا اللفظ لا يستعمل في مثل هذا المعنى، فلا يقال لمن كرَّر قوله: إنه عاد إلى قوله، إلاّ إذا اختصّ الثاني بمعنًى يقتضي أنه لا يعود، مثل أن يُستتاب من قولٍ ثم يعود إليه، فيقال: عاد إلى قوله؛ لأن التوبة تقتضي رجوعه عنه، فإذا نقضها فقد عاد إلى الذنب. وكذلك إذا نُهِي عن فعلٍ أو قولٍ ثم فعلَه وقاله. قال تعالى:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ)
(1)
، وقال تعالى في حق بني إسرائيل:(عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا)
(2)
أي إن عدتم إلى الذنب عدنا إلى العقوبة، وإن عدتم إلى التوبة عدنا إلى الرحمة. فأما من كرّر القول أو الفعل، مثل من يسبّح في الصلاة ثلاثًا أو أكثر من ذلك، أو يستغفر مرات، فإنه لا يقال في المرة الثانية والثالثة: إنه عاد.
فهؤلاء غَلِطُوا في فهم القرآن واللغة التي بها نزل القرآن، ولهذا قال الزجاج
(3)
: هذا قول من لا يدري اللغة. ومثل هذا يقع كثيرًا ممن يدَّعي التمسُّكَ بظاهر القرآن والحديث، وقد غَلِطَ في ذلك، ليس ما ادعاه هو الظاهر الذي دلَّ عليه اللفظ.
ولفظ الإعادة والعود حيث استُعمِل لابدّ أن يكون بينه وبين الابتداء
(1)
سورة المجادلة: 8.
(2)
سورة الإسراء: 8.
(3)
"معاني القرآن وإعرابه"(5/ 135).
نوعُ فرقٍ، حتى يتميز المُعَادُ من المبتدأ، فأما إذا كان هو إيَّاه من كل وجهٍ فهذا لا يقال فيه: إنه أعادَهُ، ولا عاد إليه.
وقد يقال لمن فعلَ فعلاً وقَطَعه لتعَب أو شغلٍ ونحو ذلك: عُدْ إلى ما كنتَ، وعُدْ إلى حالك، لأن الأول حصل عقبَه فتور تميَّز به عن الثاني، فلو وصل الثاني بالأول لم يُقَل: إنه عاد. فإذا قال: أنتِ على كظهر أمّي، أنتِ على كظهرِ أمّي، أو قال: والله لا أطأكِ، والله لا أطأكِ، لم يُقَلْ: إن قول الثاني عود إلى الأول، بل هو تكريرٌ محضٌ.
وأيضًا فالذي قالوه لو كان صحيحًا محتملاً إنما يجب الجزم به إذا كانت ما مصدرية، أي ثم يعودون إلى قولهم، وليس في الآية ما يُوجب ذلك، بل يجوز أن تكون ما موصولة، أي إلى الذي قالوه.
وهذا أَظهر، فإن كونها موصولة أكثر في الكلام، ولفظ العود يُستعمل في مثلِ هذا، كقوله:(ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ)
(1)
.
وهذا منشأ غلط طائفةٍ من الناس في الآية، فإنهم ظنّوا أن ما مصدرية، وأن المعنى: ثم يعودون لقولهم، ولم يفهموا معنى كونها موصولة.
ثم هؤلاء الذين ظَنُّوا أنها مصدرية قالوا أقوالاً كلُّها باطلة، فقال داود ومن وافقه
(2)
: إن العود تكرير القول. وهذا القول لا يُعرَف عن أحدٍ قبلهم، وقيل: إنه مروي عن بكير بن الأشج.
وقال طائفة من أهل العربية ما قاله ابن قتيبة من أن قوله: يتظاهرون في الجاهلية، ثم يعودون إليه في الإسلام. وهو قولٌ فاسدٌ أيضًا.
(1)
سورة المجادلة: 8.
(2)
انظر "المحلى"(10/ 52).
وقال أبو علي الفارسي قولاً ثالثًا، قال: ليس الأمر كما ادّعاه من قال بتكرير اللفظ، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن الإنسان عليه، وقيل: سُمِّيَتِ الآخرة معادًا، ولم يكن فيها أحدٌ ثم عاد إليها.
وقال الهذلي
(1)
:
وعَادَ الفَتَى كالكَهْلِ ليس بقائلٍ
…
سوى الحق شيئًا واستراحَ العواذِلُ
وهذا أيضًا ضعيف من وجوه:
أحدها: أن لفظ العود لابُدَّ أن يتضمن رجوعًا عن شيء أو إلى شيء، فقوله "وعاد الفتى كالطفل"، وقوله:
.... فعادَا بعدُ أبوالَا
(2)
وفي الحديث
(3)
: "تعاد روحها" هو رجوع عن حالٍ كانوا عليها إلى حال أخرى. فأما الأمر المبتدأ إذا فعله الإنسان فلا يقال: إنه عاد إليه.
وأيضًا فما ذكروه إنما هو في لفظ العود مجردًا، فماذا قيل: عاد إلى كذا، ورجع إليه، وعاد فيه، كما قال:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ)
(4)
، وقال أصحاب الكهف: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
(1)
أبو خراش الهذلي كما في "شرح أشعار الهذليين"(3/ 1223). وفي الأصل "كالطفل" تحريف.
(2)
تمام البيت:
تلك المكارمُ لا قَعبانِ من لبن
…
شِيبا بماء فعادَا بعدُ أبوالَا
وهو لأبي الصلت بن ربيعة الثقفي من قصيدة له، ويروى أيضا للنابغة الجعدي.
انظر "سمط اللآلي"(1/ 281) و"طبقات فحول الشعراء"(1/ 58، 260 - 262).
(3)
أخرجه أحمد (4/ 287، 288) وأبو داود (4753) عن البراء بن عازب ضمن حديث طويل.
(4)
سورة المجادلة: 8.
يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (20))
(1)
. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "العائد في هبته كالعائد في قَيئه"
(2)
. فهذا ونحوه إنما يُعرَف إذا عاد إلى مثل ما كان عليه أولاً. والمعاد سُمي معادًا لأن الله يعيد الخلق فيه بالنشأة الثانية، كما قال:(وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)
(3)
، وقال:(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ)
(4)
، وقال:(كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29))
(5)
.
وأيضًا فإنهم يعودون إلى ربهم، كما يقال: إنهم يرجعون إليه ويُردون إليه، كما قد بُسِط هذا في غير هذا الموضع.
وأيضًا فهَبْ أن لفظ العود لا يقتضي ذلك، فلابد من تفسير قوله (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا). وأبو علي لم يذكر معنى الكلام.
وقد قيل فيها قولٌ رابعٌ وخامس على أصلِ من يقول: إنها مصدرية، قال الزجاج
(6)
: المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا.
فجعلَ اللامَ لامَ كَيْ، لم يَجعَلْها مُعديةً ليعودون.
وأضعف منه قول من يقول
(7)
: هو محمولٌ على التقديم والتأخير، والمعنى: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون، أي يعودون إلى ما كانوا عليه من الجماع، فتحرير رقبة من أجل ما قالوا.
(1)
سورة الكهف: 20.
(2)
أخرجه البخاري (6975 ومواضع أخرى) ومسلم (1622) من حديث ابن عباس.
(3)
سورة الروم: 27.
(4)
سورة الأنبياء: 104.
(5)
سورة الأعراف: 29.
(6)
"معاني القرآن"(5/ 135).
(7)
هذا منقول عن الأخفش كما في تفسير القرطبي (17/ 282)، ولم أجده في "معاني القرآن" له.
وهذا فاسدٌ من وجوه:
أحدها: أنه لم يقل "فَلِمَا قالوا تحرير رقبة" أو "تحرير رقبة لِمَا قالوا"، بل قال:(ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). ولا يجوز أن يقال: "لِمَا قالوا فتحريرُ رقبة"، فإن الفاء هي جواب الشرط، والشرط هو ما في الاسم الموصول من معنى الشرط، والاسم الموصول أو النكرة الموصوفة - إذا كان في الصلة أو الصفة معنى الشرط - دخلت الفاء في خبر المبتدأ، كقوله:(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ)
(1)
، ومثله قوله:(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)
(2)
، وقوله:(وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا)
(3)
. ولو دخلت "إن" على المبتدأ ففيه نزاعٌ، والقرآن قد جاء بالفاء في قوله:(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ)
(4)
. فقوله (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)
(5)
بمنزلة قوله: "من تظاهر ثم عاد فعليه تحرير رقبة". ولا يجوز أن يقال: "لِمَا عادَ فعليه تحرير رقبة".
وأيضًا فتحرير الرقبة لم يَجب لمجرد العود، بل الموجب له الظهار، والعَود شرطٌ، أو الموجب مجموعهما، فقولهم: إن الرقية إنما وجبت لأجل العود فقط غَلَطٌ.
وقول الزجاج: ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا،
(1)
سورة البقرة: 274.
(2)
سورة المائدة: 38.
(3)
سورة النساء: 16.
(4)
سورة الجمعة: 8.
(5)
سورة المجادلة: 3.
فاسدٌ أيضًا، فإنهم إذا عادوا مع الظهار وجبت الكفارة، وإن لم يعودوا لأجل ما قالوا.
وأيضًا فهم لا يعودون لأجل ما قالوا، بل يعودون لرغبتهم في المرأة لا للقول، بل القوع مانعٌ من العود، فكيف يُجعَل علةَ له وداعيا إليه.
وهذه كلها أقوال من لم يَفهم الآيةَ ولا حُكْمَ الشرع، بل ظَنُّوا أن "ما" مصدرية، ولم يفهموا المعنى إذا كانت موصولة.
وفيها قول سادس، وهو أنها مصدرية، لكن المصدر بمعنى المفعول، ذكره المهدوي وغيره.
والصواب أنها موصولة، كما اتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها، وكما في نظائرِها من القرآن، ولبطلان معنى المصدرية، قال تعالى:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ)
(1)
، وقال تعالى:(بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28))
(2)
.
وقد أطلق العود في قوله (وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ)
(3)
، وفي قوله:(وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ)
(4)
، وفي قوله:(وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا)
(5)
.
والذي قالوه هو المقول، كما في قوله:(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)
(6)
، فإنهم بيتوا غير الذي
(1)
سورة المجادلة: 8.
(2)
سورة الأنعام: 28.
(3)
سورة الأنفال: 38.
(4)
سورة الأنفال: 19.
(5)
سورة الإسراء: 8.
(6)
سورة النساء: 81.
أمرهم به وقالوا فيه طاعة، وهو غير المقول، ليس المراد أنهم بيتوا لفظًا غير اللفظ الذي لفظتْ به، فإن هذا لا يضر إذا كان المعنى موافقًا لما قاله.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3))
(1)
. فقوله "ما لا تفعلون" هو مفعول القول، وهو المقول، وهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لفعلناه، فكان إخبارهم عن أنفسهم أنهم إذا علموا الأحب فعلوه، ووعدهم بذلك، والمقول هو فعلهم للأحب، وهو الموعود به المخبر عنه، فلامَهم على أن قالوا مقولا هو موعود مُخْبر به ولم يفعلوه، وكان الفعل نفسه هو المقول، فالمقول هو المخبر عنه إن كان القول خبرًا، والمأمور به والمنهي عنه إن كان القول أمرا أو نهيا. فإذا قال: لا أفعل، ثم فعل، فقد عاد لما قال، وإذا قال لأفعلنَّ، ولم يفعل، فلم يفعل ما قال. وهذا هو المعنى المفهوم في مثل هذا اللفظ عند عامة الناس الخاصة والعامة، بل وفي سائر اللغات، فإذا قيل: فلان قد حلفَ أن لا يكلم فلانا، أو قال: لا أكلمه، ثم عاد إلى ما قال، فهموا منه أنه عاد إلى أن يكلمه، لم يفهموا أن ما مصدرية.
فصل
ومعنى قوله (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)
(2)
أي إلى الذي امتنعوا عنه بقولهم، فإن القول إذا كان خبرا فالمقول هو المخبر عنه، وإن كان أمرًا فالمقول هو المأمور به، وإن كان نهيا فالمقول هو المنهي عنه.
(1)
سورة الصف: 2 - 3.
(2)
سورة المجادلة: 2.
والظهار في معنى المنهي، فن مقصود المظاهر أن يحرم عليه امرأتَه، وينهى نفسه عن اتخاذها زوجةً، فلا يطأها، فمقولُه هو ما نهى عنه نفسَه من اتخاذها زوجةً والاستمتاع بها، فإذا عاد إلى ذلك فقد عاد إلى ما نهى عنه نفسَه، وهو مقولُه، وهذا العود يتضمن رجوعه وندمه، ولفظ العود يدل على ذلك، ولهذا فسَّر ابن عباسٍ العودَ بالندم، فقال: يندمون، يرجعون إلى الألفة
(1)
. قال الفراء
(2)
: يقال: عاد فلان لما قال، أي فيما قال، وفي بعض ما قال، يعني رجع عما قال. ولهذا قال الشافعي: إذا أمسكها لحظةً فقد عاد.
لكن يقال: مجرد الكف لا يكون عودًا، فإنه قد يكون اعتقد أن الظهار حرَّمها عليه ووقع به الطلاق، فلا يحتاج إلى طلاق ثانٍ، وقد تكون نيته أن يطلقها فيما بعدُ، أو يطلقها إذا جاء وقتُ الطلاق المشروع، وقد يكون مترددًا هل يطلقها أو يمسكها، فمجرد مرور لحظةٍ لا يوجب أن يقال: إنه عاد.
وإذا عزمَ على الوطء فليس له أن يطأ حتى يُكفِّر بنص القرآن واتفاق الناس، لكن لو رجع عن هذا العزم، وبدا له أن يطلقها، أو مات أحدهما قبل الوطء، فقد قيل: إنه تستقر عليه الكفارة، لأنه عاد، والصحيح الذي عليه جمهور السلف أن الكفارة لا تستقر إلاّ بالوطء، فأما مجرد العزم فلا يوجب شيئًا، فإن في الصحيحين
(3)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به". وهذا عازم على العود، ولم يَعُدْ بعدُ، وإنما
(1)
انظر أقوال العلماء في تفسير الطبري (28/ 7) وابن كثير (4/ 344).
(2)
"معاني القرآن"(3/ 139).
(3)
البخاري (5269، 6664) ومسلم (127) من حديث أبي هريرة.
يكون عائدًا إذا وطئها. فقوله (ثُمَّ يَعُودُونَ) كقوله (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)
(1)
، وقوله (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)
(2)
.
ومعلومٌ أن المراد إذا عزمتَ.
فصل
وقال تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)
(3)
، ولم يقل:"من قبل أن يتماسا" كما ذكر في الإعتاق والصيام، فلهذا تنازع العلماء هل يجب الإطعام قبل التماسّ كما يجب الإعتاق والصيام، أم يجوز تأخيره؟ على قولين مشهورين
(4)
، هما روايتان عن أحمد، والقول بوجوب تقديمه قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين، والآخر يُحكى عن مالك.
ومن قال ذلك قال: إن الله أطلق الإطعام، ولم يقيِّده كما قيَّد الصيام، وهما حكمان مختلفان، فيُحمل المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده، بخلاف العتق، فإنه حكم واحد.
وفي العتق أيضًا قولان
(5)
هما روايتان عن أحمد، فالشافعي يشترط الإيمان في رقبة الظهار، وكذلك مالك، وأبو حنيفة لا يشترطه، فصار من الناس من يحمل المطلق على المقيد في الموضعين، ومنهم من يحمله في العتق فقط، لأن الحكم واحد، ومنهم من يحمله في تقديم الكفارة فقط، لأن السبب واحد.
(1)
سورة النحل: 98.
(2)
سورة الطلاق: 1.
(3)
سورة المجادلة: 4.
(4)
انظر: "المغني"(11/ 98).
(5)
انظر المصدر السابق (11/ 81 - 82).
والمقصود هنا هو التقديم في الكفارات الثلاث، وهو سبحانه لم يقل في الثلاث:"من قبل أن يتماسا"، لأن فيما تقدم بيان له، كما أنه لم يقل في الصيام:"ذلكم توعظون به"، لأن فيما تقدم بيان له، ولكن ذكر التماس في الصيام، ولم يكتف بذكره في العتق، لأن في الصيام يصوم شهرين متتابعين قبل التماس، فيتأخرّ التماسّ هذه المدة الطويلة، فلو لم يذكره لظنّ الظانّ أنه في العتق وجب التقديم لأن الزمان يسير، يمكنه أن يعتق ثم يطأ تلك الليلة، وأما الصيام فيتأخر الوطء شهرين متتابعين، وفي هذا مشقة عظيمة، فلا يفهم هذا من مجرد تقييده في العتق، فلهذا أعيد ذلك في الصيام. وأما الإطعام فمعلوم أنه دون الإعتاق ودون الصيام، وقد جعل بدلاً عنه، فإذا كانت الكفارة المتقدمة الفاضلة يجب عليه أن يقدّمها على الوطء، والمرأة محرَّمة قبل التكفير، فلأَن تكون الكفارة المؤخرة المفضولة كذلك بطريق الأولى؛ فإن الظهار أوجب تحريمها إلى التكفير بالكفارة المقدمة، فكيف يبيحها قبل التكفير إذا كفّر بالكفارة المفضولة المؤخرة؟.
هذا مما يُعلَم من تنبيه الخطاب وفحواه أن الشارع لا يشرع مثله، فكان إعادة ذكره مما لا يليق ببلاغة القرآن وفصاحته وحسن بيانه، بل نفسُ تحريمها قبل صيامِ الشهرين - وهو الأصل المبْدَل منه - يوجب تحريمها قبل البدل، وهو الإطعام، بطريق الأولى. وتقديم الإطعام على التماس أسهل من تقديم الصيام.
وهو في الإعتاق قال: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
(1)
، ولم يقل مثل ذلك في الصيام والإطعام، وقد عُلِمَ أنهما كذلك،
(1)
سورة المجادلة: 3.
وأنهم يوعظون بالصيام والإطعام، كما يوعظون بالإعتاق. والوعظ أمر ونهيٌ بترغيب وترهيب، فهم يوعظون بالتحريم قبل التكفير، أي يُنهَون به ويُزجَرون به عن الظهار، فإن الظهار محرَّم بالنص والإجماع، فإذا علم المتظاهر أن المرأة تحرم عليه إلى أن يكفر، كان ذلك مما يَعِظُه، فينهاه ويزجُره أن يتظاهر منها.
وأيضًا فإنه قال بعد ذلك: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)
(1)
، والحدود هي الفاصلة بين الحلال والحرام، والحدُّ إمّا آخر الحلال وإما أول الحرام، فلهذا قيل في الأول:(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا)
(2)
، وقيل في الثاني:(فَلا تَقْرَبُوهَا)
(3)
. وقد قال بعد ذلك: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)، فعلم أن هنا محرم له حد، وقوله "وتلك" إشارة إلى ما تقدم كله، فلو كانت لا تحرم إلاّ إذا كانت الكفارة طعامًا لم يكن هنا حد، بل كانت حلالاً كما كانت، فلم يكن هناك حد يُنهَى عن تعدِّيه أو قربانه.
وأيضًا فقوله (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) إن كان تقديره: "من قبل أن يتماسا" فقد اتفقت الكفارات، وثبت أنها محرمة قبل التكفير بالأنواع الثلاثة، وإن لم يكن هذا تقديرَه، بل قوله "فإطعام ستين مسكينًا" إيجابٌ للإطعام، لم يُعلَم متى يجب الكفارة بالإطعام، فإنه لم يقل:"فإطعام ستين مسكينًا بعد التماس".
فإن قيل: يجب إذا وطئها.
قيل: ليس في الآية ما يدل على ذلك، ليس فيها ما يدل على أن
(1)
الآية 4.
(2)
سورة البقرة: 229.
(3)
سورة البقرة: 187.
الإطعام يجب بعد الوطء لا قبله، بل اللفظ إن كان مطلقًا كما زعموه فلا دلالة له، لا على هذا ولا على هذا. وهذا غلطٌ يُنزَّه القرآن عنه.
وأيضًا فقوله (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) اقتضى إيجاب الإطعام، وليس في الآية ما يقتضي تأخير الوجوب إلى بعد التماسّ، فيبقى الإيجاب يتناول الحالين، ما قبل التماسّ وما بعده، فهو واجب قبل التماس، فإن لم يفرق الواجب حتّى تماسا فعليه إخراجه بعدَ ذلك.
وأيضًا فقوله (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) مع قوله (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) دل على أن العود له مبدأٌ وله منتهىً كسائر الأفعال، فمبدؤه إذا عزم عليه، ومنتهاه إذا وطئ. وقوله "ثم يعودون" لم يرد به توقيف الكفارة على تمام العود، فإنه لو أراد ذلك لم تجب الكفارة إلاّ بعد تمام العود، وهو خلاف قوله "من قبل أن يتماسا". بل أراد به أنه يجب إخراجها بعد الشروع في العود بالعزم عليه، قبل إتمامه بالوطء. وإذا كان هذا هو مقتضى قوله "ثم يعودون" مع قوله "من قبل أن يتماسّا"، فهو إنما أوجب التكفير بالإطعام بعد هذا العود، فعُلِم أنه واجب إذا شرع في العود، وإن لم يحصل تمام العود، وإلاّ لزم اختلاف معنى العود في الآية.
وأيضًا فالكفارات هي من جنس العبادات، وفيها معنى العقوبات، كما أن الحدود هي عقوبات، وهي أيضًا عبادات، ولهذا قال:(ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ)، أي تزجرون به، وتُنهَون به، وتعاقبون به، وقد جعل من تمام العقوبة أن تحرم عليه إلى أن يكفّر، فإذا قيل: إنها لا تحرم على المكفّر بالإطعام زالت العقوبة الواجبة بالتحريم، لاسيما والتكفير ..
(1)
.
(1)
انتهى ما وُجِد من كلامه في الأصل، وما بعده غير متصل بما قبله.