الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والموجود بنفسه لا يكون إلَاّ قديمًا واجبَ الوجود، فإن وجودَه [لو] لم يكن واجبًا لكان ممكنًا، يمكن وجودُه ويُمكِن عدمُه، وما أمكنَ وجودُه وعدمُه لم يكن إلاّ مُحدَثًا كائنًا بعدَ أن لم يكن. فليس هو القيوم الذي لا يزول، بل لم يزل ولا يزال.
ومن الناس من يُطلِق هنا أنه لم يزل ولا يزال ولا يكون بغيره
(1)
، وهذا إن كان لغةً فكونه موجودًا بنفسه من معاني كونه قيومًا، أو، إذا ما وُجد بغيره ليس هو قيومًا، لحاجته إلى من يُوجده ويُقِيْمه، بل ليس له من الَقيومية بنفسه، إذ هو دائمًا محتاجٌ فقيرٌ إلى القيوم، وما كان موجودًا بنفسه يمتنع أن يكون معدومًا تارةً وموجودًا أخرى، [وما] كان ممكنًا مُحدَثًا لم يكن وجودُه بنفسه، فإن ما وجودُه بنفسه وجودُه ملازم له لا يكون معدومًا قط، بل من تُصُورَتْ نفسُه تُصُورَ أنه موجودٌ، والمعدومُ يتصَورُ نفسُه معدومةً وموجودةً أخرى، فليس الوجودُ ملازمًا لها.
فقد تبينَ أن الوجود الواجب القديم وما يستلزم ذلك من صفاتِ الكمال ودَوامِ ذلك وبقائِه، كل ذلك يدخل في اسمه "القيوم"، واقترانه بالحيّ يستلزم سائر صفات الكمال، ف
جميع صفات الكمال يَدلُّ عليها اسم "الحيّ القيوم
"، ويَدُلُّ أيضًا على بقائها ودوامِها وانتفاء النقص والعدم عنها أزلاً. ولهذا كان قوله سبحانه وتعالى (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) أعظمَ آيةٍ في كتاب الله عز وجل، كما ثبت ذلك في الصحيح
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرا.
(1)
في الأصل: "لا يك خبره"، وهو تحريف.
(2)
مسلم (810) عن أبي بن كعب.
قاعدة جليلة في إثبات علوّ الله تعالى على جميع خلقه
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رضي الله عنه:
قاعدة جليلة بمقتضى النقل الصريح في إثبات علوّ الله تعالى الواجب له على جميع خلقه فوقَ عرشِه، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة والإجماع والعقل الصريح الصحيح والفطرة الإنسانية الصحيحة الباقية على أصلها.
وهي أن يقال: كان الله ولا شيء معه، ثمّ خلق العالم، فلا يخلو: إما أن يكون خَلَقَه في نفسه واتصل به، وهذا محالٌ، لتعالي الله عز وجل عن مماسّةِ الأقذار والنجاسات والشياطين والاتصال بها.
وإمّا أن يكون خَلَقَه خارجًا عنه ثم دخل فيه، وهذا محالٌ أيضًا، لتعالي الله عز وجل عن الحلول في المخلوقات. وهاتان الصورتان مما لا نزاعَ فيها بين المسلمين.
وإما أن يكون خَلَقَه خارجًا عن نفسِه ولم يحل فيه، فهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره، ولا يقبل الله منا ما يخالفه، بل حرَّم علينا ما يناقضه.
وهذه الحجة هي من بعض حجج الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، التي احتجَّ بها على الجهمية في زمن المحنة. ولهذا قال عبد الله بن المبارك فيما صحَّ عنه أنه قيل له: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال:
بأنه فوق سمواته على عرشه بائنٌ من خلقه
(1)
.
وعلى ذلك انقضى إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم وجميع الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدقٍ، وما خالفهم في ذلك من يُحتجّ بقوله.
ومن ادَّعى أن العقلَ يعارضُ السمعَ ويخالفه فدعواه باطلة، لأن العقل الصريح لا يتصور أن يخالف النقل الصحيح. وإنما المخالفون للكتاب والسنة والإجماع، والمدّعون حصول القواطع العقلية إنما معهم شُبَه المعقولات لا حقائقها، ومن أراد تجربة ذلك وتحقيقه فعليه بالبراهين القاهرة والدلائل القاطعة التي هي مقررة مسطورة في غير هذا الموضع
(2)
. والله أعلم.
***
(1)
أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية"(ص 50) و"الرد على بشر المريسي"(ص 24،103) وعبد الله بن أحمد في "السنة"(ص 7،25، 35،72) من طرقٍ عنه.
(2)
انظر المجلد الخامس من "مجموع الفتاوى" الذي يحتوي على رسائل ومسائل للمؤلف في هذا الموضوع.
فتوى فيمن يدعي أن ثَمَّ غوثًا وأقطاباً وأبدالاً
سُئِل شيخ الإسلام مفتي الأنام حَبْر الأمَّة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بِن عبد السلام ابن تيميَّةَ رضي الله عنه وأرضاه، فيمن يَدَّعيْ أنَّ ثمَّ غوْثًا وأقطابًا وأبدالاً وأولياءَ، وأنَّ بهم يُستَسقَى الغيثُ وتَنزِل الرحمةُ ويُكشَف العذاب، وإذا غَضِبَ الله على أحدٍ من أهل الأرضِ وأراد أن يُنزِلَ غَضَبَه، نَظَرَ إلى قلوبِ هؤلاءِ، فإن وجدَهم راضينَ بذلك أَنزلَ عذابَه، وإلاّ رَفَعَه، وكذلك الرحمةُ والنصْر والرزق، وأنّ الغوث بمكَّةَ مُقيم. ومن يَدَّعي أن هؤلاء المولَّهِيْنَ والبهاليل الذين لا يُصَلُّون، ولا يَتَوَقَّوْنَ نجاسةً ولا غيرَها.
فأجابَ رضي الله عنه قائلاً:
الحمد لله رب العالمين. الذي دلَّ عليه الكتابُ والسنَّةُ، وعليه سلفُ الأمَّة وخَلَفُها الصالحونَ المتبعون للسَّلَف -: أنّ لله تعالى أولياءَ، كما لَهُ أعداء، وأولياء الله هم المنعوتون في قوله تعالى:{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)}
(1)
.
وفي صحيح البخاري
(2)
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: مَن عَادَى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداءِ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أحَبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يَسمع به، وبَصَرَه
(1)
سورة يونس: 62 - 64.
(2)
برقم (6502).