الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: الاعتقاد والدعوة ومنشأ الاختلاف
أولا – حقيقة اعتقاده:
مع تتبعي لكتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله الشخصية على كثرتها لم أجد سؤالا وجه إليه من علماء " العارض " الذين نشأت الدعوة بينهم وقامت الخصومات الشديدة بينهم وبينه في دعوته يسألونه عن حقيقة عقيدته لأنه معروف الأصل والنسب والشيوخ وبيت العلم الذي نشأ فيه وتربى في أحضانه وإنما وجهت له الأسئلة من أهل المناطق النائية التي لم يكن معروفا فيها قبل دعوته، فلما قامت الخصومات ودار الجدل حول دعوته الإصلاحية وأثيرت في وجهها الشبهات احتاج علماء المسلمين في أنحاء الجزيرة العربية إلى معرفة حقيقة اعتقاده في أصول الدين وأصل خلافه مع علماء أهل العارض.
وممن سأله عن حقيقة عقيدته أهالي القصيم والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي من علماء العراق، والشيخ أحمد بن محمد العديلي البكلي من علماء اليمن والشيخ عبد الله بن عبد الله الصنعاني عالم اليمن وإمامها في العلم والدين كما شرح حقيقة اعتقاده في الرسالة العامة التي بعث بها إلى عامة المسلمين ولم يذكر في هذه الرسائل الجليلة تاريخ كتابة أي منها وكلها تشرح وتؤكد حقيقة اعتقاده والأصول التي تستند إليها دعوته وهي تختلف في طولها وقصرها من رسالة إلى أخرى مراعيا فيها حال المخاطب وما يحتاج إلى إيضاحه له من حقيقة هذه العقيدة وسبب اختلافه مع علماء العارض وغيرهم. وهذه الرسائل المحددة في شرح عقيدته تدل على محدودية الخلاف معه في أصل العقيدة التي تركزت حول توحيد الأسماء والصفات وبعض القضايا
الجزئية إذا ما قورنت بالخلاف معه في دعوته التي تمركزت حول توحيد الألوهية وتحقيق معنى لا إله إلا الله في صورتها الكاملة كما أرادها الله وكما فهمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من نصوص الكتاب والسنة ومنهاج السلف الصالح وفقهاء المسلمين المحققين في مختلف المذاهب ويمكن تلخيص حقيقة اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب من خلال رسائله التي سلف ذكرها في النقاط التالية:
1-
في مجال الإيمان – قال رحمه الله:
أ - أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة من: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره 1
ب - وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية 2قال تعالى {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} 3 وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق4.
ج - الإيمان بأسماء الله وصفاته: وهو الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
قال الشيخ: فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه ولا ألحد في أسمائه وآياته ولا أكيف ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ له ولا ند له ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره
1 القسم الخامس الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة رقم 1 ص8.
2 القسم الخامس الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة رقم 1ص 11.
3 سورة المدثر الآية رقم 31.
4 القسم الخامس الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة رقم 1ص 11.
وأصدق قيلا وأسن حديثا فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل 1 فقال الله تعالى {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 2
1-
في باب أفعال الله سبحانه ووعده ووعيده وفي الإيمان والدين:
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب إنه يعتقد ما تعتقده الفرقة الناجية 3 في ذلك كله وهو أنهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية 4 والجبرية 5 وهم في باب وعيد الله بين المرجئة 6 والوعيدية 7 وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية 8 والمعتزلة 9 وبين المرجئة والجهمية 10 "الرسالة رقم 1-8".
1 القسم الخامس الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة رقم 1 ص8.
2 سورة الصافات الآيات 180، 181، 182.
3 الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة لأنهم وحدهم الناجون من النار من بين الفرق الإسلامية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلى واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي "
4 القدرية نفاة القدر يجعلون العباد خالقين مع الله ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة والحق في باب أفعال الله أن العبد غير مجبور على أفعاله وأقواله وإنها ليست حركات اضطرارية وليست مخلوقة للعباد بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله تعالى.
5 هم طائفة من الطوائف وزعيمهم الجهم بن صفوان السمرقندي ومذهبهم الغلو في إثبات القدر يزعمون أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى وهي كلها اضطرارية فنفوا فعل العبد.
6 المرجئة هم أصناف منهم من يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
7 هم الذين غلوا في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين في النار.
8 هم الخوارج الذين خرجوا على الخليفة علي بن أبي طالب بسبب التحكيم في حروراء.
9 المعتزلة هم الذين اعتزلوا مجلس الحسن البصري ورئيسهم واصل بن عطاء وعندهم أن مرتكب الكبيرة يخرج من النار ولا يدخل في الكفر بل يكون في منزلة بين منزلتين.
10 الجهمية هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي ومن مذهبهم أن الإيمان هو المعرفة فقط.
وأن الله فعال لما يريد ولا يكون شيء إلا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد عن القدر المحدد ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. " الرسالة نفسها ص9".
1-
عقيدته في القرآن:
يقول الشيخ محمد رحمه الله اعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا حمد صلى الله عليه وسلم.
2-
الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت: مثل
أ - الإيمان بفتنة القبر ونعيمه وعذابه.
ب - إعادة الأرواح إلى الأجساد فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا.
ج - دنو الشمس من الناس في الموقف يوم الحساب.
د - نصب الموازين لتوزن بها أعمال العباد {مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}
هـ- نشر الدواوين فآخذ كتابه بشماله وآخذه بيمينه.
3-
اعتقاده في الجنة والنار:
أ - الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان.
ب - الإيمان بأنهما اليوم موجودتان.
ج - الإيمان بأنهما لا يفنيان.
د- الإيمان بالصراط وأنه منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.
1-
اعتقاده في رؤية المؤمنين لله يوم القيامة:
ويؤمن بأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.
2-
اعتقاده في رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم:
وعقيدة الشيخ في هذا المقام تتلخص فيما يلي:
أ - إيمانه بأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين 1
ب - أنه لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته 2
ج - الإيمان بحوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعرصة القيامة وأن ماءه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وآنيته عدد نجوم السماء وأن من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا3
د- الإيمان شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أول شافع وأول مشفع وأنه لا ينكر شفاعة صلى الله عليه وسلم إلا أهل البدع والضلال ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا4 كما قال تعالى {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} 5 وقال تعالى {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 6 وقال تعالى {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} 7 وهو لا يرضى إلا التوحيد ولا يأذن إلا لأهله وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} 8
1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية رسالة رقم 1ص 10.
2 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية رسالة رقم 1ص 10.
3 المرجع السابق ص9
4 المرجع السابق ص9
5 سورة الأنبياء الآية رقم 28.
6 سورة البقر الآية رقم 255.
7 سورة النجم الآية رقم 26.
8 سورة المدثر الآية رقم 48.
هـ- وجوب المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتقادات والأقوال والأفعال كما قال تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ 00الآية} 1. وأن الأقوال والأفعال توزن بأقواله وأفعاله فما وقفها قبل وما خالفها رد على فاعله كائنا من كان إذ أن شهادة أن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه كما أخبر به وطاعته ومتابعته في كل ما أمر به 2
1-
اعتقاده في الصحابة رضي الله عنهم:
أ - أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام عملا بقوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} 3 وأن أفضل الصحابة رضي الله عنهم أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر ثم أهل الشجر أهل البيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
ب - الإيمان بوجوب تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر محاسنهم والترضى عنهم والاستغفار لهم.
ج- الكف عن مساوئهم والسكوت عما شجر بينهم.
1 سورة آل عمران الآية رقم 31.
2 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية رسالة رقم 16ص 106.
3 سورة الحشر آية رقم 10.
1-
اعتقاده في الأولياء:
الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقر بكرامات الأولياء ومالهم من المكاشفات وهو يعتقد أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا ولا يجوز أن يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
2-
عقيدته في أهل الإسلام: وتتلخص في الآتي:
أ - أنه لا يشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه يرجو للمحسن ويخاف على المسيء.
ب - أنه لا يكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا يخرجه من الإسلام.
ج - يرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا ويحكم عليهم بالظاهر من أعمالهم ويكل سرائرهم إلى الله.
د - أن كل محدثة في الدين بدعة.
3-
اعتقاده في الإمامة والجهاد:
ويرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله وأن من ولى الخلافة أو اجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه ويرى أن الجهاد ماض مع كل إمام برا كان أو فاجرا وصلاة الجماعة خلفهم جائزة وأن الجهاد ماض منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل.
4-
اعتقاده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاء والبراء في الدين:
أ - يرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
ب - يرى أن الموالاة في الله والمعاداة فيه والحب لأوليائه والبغض لأعدائه واجب من