الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمن وقطعت فيها السبل وسادت فيها الفوضى والسلب والنهب والأخذ بالثأر وماجت فيها الفتن وعم الجهل ودرست معالم الحضارة الإسلامية في مختلف جوانب الحياة.
لذلك كانت أول قبسة من نور انطلقت من هذه المنطقة- في ذلك الظلام الحالك- هي الحركة الإصلاحية في نجد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود وهي الحركة التي طالبت بالعودة إلى الإسلام في منابعه الصافية والنصوص الشرعية الثابتة وشقت بذلك الطريق للشعوب الإسلامية الأخرى في المطالبة بالعودة إلى الإسلام والعيش في ظلاله الوارفة وأمنه السابغ فظهرت حركات الإصلاح الإسلامي بعد ذلك تباعا في آسيا وشبه القارة الهندية وفي أفريقيا وسيأتي الحديث عن هذه الحركات الإصلاحية في موقعه من هذا البحث إن شاء الله.
2-
الأوضاع الدينية في العالم الإسلامي:
بدا الانحراف في المسار العام للأمة المسلمة في أصل عقيدة التوحيد مع قيام الدولة العباسية بعمليات النقل عن الأمم السابقة في العلوم والآداب مثل الفرس والروم والهنود وترجمة بعض المعارف العامة التي كتبت في ظل مفاهيم غير إسلامية واصطبغت بها حتى صار من الصعب تجريدها من الفلسفات التي قامت عليها بإفساح المجال لأهل الكلام في التحدث عن التوحيد والألوهية وفق مصطلحات تقوم على علوم المنطق اليوناني والفلسفة الاغريقية وإقامة المناظرات في المساجد والمنتديات في البصرة والكوفة وبغداد وغيرها من حواضر العالم الإسلامي وتقسيم المدارس الإسلامية إلى مدارس عقلية وأخرى نقلية وثالثة تجمع بينهما وتقوم كل مدرسة بالانتصار لمذهبها لا في فروع الدين وفق الشريعة بل في أصول إسلامية وعلم التوحيد ومسائل العقيدة، ومن ثم ظهور الكذب في الحديث النبوي الشريف ووجود الوضاعين لأسباب متعددة منها نصرة المذهب والقبيل والإقليم ثم دخول الإسرائيليات في علم التفسير والحديث وأخبار الأمم وتاريخ الإسلام والمسلمين
ووجود القصاصين الذين عرفوا بالكذب ومحاولة جذب العامة بالقصص والحكايات التي يأتون فيها بالغرائب والأخبار المتقدمة وغيرها مما جعل شوائب الانحراف تدخل في تاريخ ومصادر العلوم الإسلامية.
وعلى الرغم من الجهود العظيمة التي بذلت من جم غفير من العلماء في حفظ الكتاب والسنة وتوثيق الأخبار ونقد الأسانيد في الحديث والأخبار التاريخية وأحكام علم الجرح والتعديل وكتب الأطراف وتمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها والأخبار الثابتة من المختلقة فإن تلك الجهود المضاد لصفاء عقيدة التوحيد قد تركت آثارا ضارة عانت منها الأمة الإسلامية في عصورها التالية.
ولقد زاد من معاناة الأمة الإسلامية بعد ذلك فيما يتصل بصفاء عقيدة التوحيد العناصر الأعجمية التي دخلت في الإسلام مع ما كان عندها من لوثة في العقيدة وما لديها من جهل بحقيقة هذا الدين وعقيدته الصافية وما تعانيه من صعوبة في فهم الإسلام لا سيما بعد أن انحسر ظل اللسان العربي على كثير من أقاليم العالم الإسلامي.
وتمثل الحملتان الصليبيتان الغربيتان الأولى والثانية لونا من ألوان التأثير الطارئ على حياة المسلمين في بعض التصورات والعادات والأخلاق والرياح الشديدة العاتية التي حملتها الموجة المغولية التترية على العالم الإسلامي بما تحمله من عقائد وثنية وما بقي لدى من أسلم منها من لوثة في أصل التوحيد وفهم الإسلام مع تبوئهم المراكز المهمة في البلاد الإسلامية ذات التأثير البالغ على الحياة العامة في فترة خفت فيها صوت الحق الناصع والتوحيد الخالص. كان لهذا كله أثره البالغ في الحياة في العالم الإسلامي والانحدار بها إلى مستوى متدن في الفهم والممارسة ومظاهر الحياة.
وإذا كان الأتراك في دولة الخلافة العثمانية قد حاولوا العودة بالأمة الإسلامية إلى الدين الخالص والعقيدة الصافية، إلا أنهم لم يلبثوا أن أسرع إليهم الهرم وساءت في دولتهم الحالة الدينية والاجتماعية، فأسيء فهم الدين وظهرت البدع والخرافات والمذاهب المنحرفة وتعظيم الأموات وأقيمت البنايات والقباب فوق قبور الأولياء
والصالحين وقصدها الناس لطلب النفع ودفع الضر وقضاء الحاجات، فظهر الشرك يعلن عن نفسه بين أظهر المسلمين في كثير من ديارهم وشب على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير.
وقامت بدعة الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف وما يكون فيها من اختلاط الرجال بالنساء وممارسة بعض الأعمال البدعية مثل الغناء وضرب الدفوف والحركات الصوفية. وتبوأ أصحاب الطرق الصوفية مكانة كبيرة في نفوس العامة حتى صار لهم من التأثير على الناس ما ليس لغيرهم، كل ذلك كان على حساب مذهب السلف الذي كانت عليه هذه الأمة من عهد النبوة حتى عصور الجمود المتأخرة في النصف الثاني من عهد الخلافة العثمانية والتي بلغت من السوء غايته في القرن الثاني عشر الهجري ، وما تلاه من عهود حتى سقوط الدولة العثمانية بل استمرت آثارها ماثلة إلى يومنا هذا في كثير من ديار المسلمين.
وظهور الشرك والبدع والخرافات والجمود في الفقه وسوء حالة الخلافة الإسلامية العثمانية بعد هرمها كان أهم حافز لقيام الدعوة الإصلاحية التجديدية في نجد على يد المصلح محمد ين عبد الوهاب – رحمه الله – لرد الناس إلى الله وتحقيق توحيده وإقامة دينه واستعادة عز المسلمين. وعن هذه الفترة قال صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي: ج 1ص 259:
"وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية وخلت المساجد من أرباب الصلوات وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ويوهمون الناس بالباطل والشبهات ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء".
ومن هذا العرض السريع يتضح أن الحالة الدينية في العالم الإسلامي قد بلعت غاية التدني في القرن الثاني عشر الهجري على يد الأعاجم من الخلفاء والسلاطين والوزراء والكتاب وقواد الجيوش الإسلامية عن علم في بعض الأحيان
وعن جهل في الأعم الأغلب ولكن نتيجة الجهل باللغة العربية وصعوبة فهم النص الشرعي وارتباط هؤلاء الأعاجم بتاريخ وموروثات وممارسات ولوثات في الدين واستمرار القيادة فيهم من العهد العباسي إلى نهاية العهد العثماني مرورا بالدول الشيعية التي قامت في شمال أفريقيا كالدولة الفاطمية وفي بلاد فارس والدولة الصفوية ودولة المغول في الهند وكلها بقيادات أعجمية اختلط فيها التوحيد عند كثير من الناس بلوثات الوثنية والبدع المحدثة في الدين بلا علم وألف ذلك حتى صار أخذ ذلك كله من الدين، ومنكره خارج على الدين، يناصب العداء وتصدر ضده الفتاوى الشرعية.
وقد زادت العزلة التي فرضتها الخلافة العثمانية على قلب شبه جزيرة العرب من سوء الحالة الدينية وبسبب الجهل المطبق والتخلف السياسي الاجتماعي وانقطاع السبل وانعدام التغذية العلمية والدينية عن هذه المنطقة وفصلها عن حواضر العالم الإسلامي ظهر فيها من التخلف الديني ما لم يظهر مثله في غيرها من أقاليم العالم الإسلامي مثل:
1-
تقلص مراكز التعليم الديني وانحصاره في بعض حلقات الدروس على بعض الشيوخ في بعض المساجد وعدم الإقبال عليها وعدم الاستمرار من طلاب العلم على قلتهم في طلب العلم حتى بلوغ الغاية المطلوبة وعدم وجود فرص ميسرة للعلم والتعليم وتوظيف هذا العلم في خدمة الحياة والأحياء وعدم وجود ناصر للعلم وطلابه وللحق وأهله.
2-
ظهور البدع المحدثة في الدين مثل بدعة حفلات المولد النبوي الشريف وما تكون فيه من ممارسة المنكرات من الاختلاط وضرب الدفوف وبعض المظاهر الصوفية التي لم تعرف في الدين إلا في العصور المتأخرة وعلى يد الأعاجم.
3-
بروز مظاهر الشرك المتمثل في زيارة قبور الأولياء والصالحين والطواف عليها والعكوف عندها وقصدها في طلب النفع ودفع الضر وتجاوز ذلك إلى التبرك ببعض الأشجار والأحجار والاعتقاد بأنها تنفع وتضر وطلب الحاجات عندها
وغيرها من مظاهر الشرك التي ظهرت في حياة المسلمين على يد الروافض في الدولة الفاطمية وغيرها.
4-
تعطيل بعض الشعائر الإسلامية وفرائض الدين مثل الصلاة والصوم والزكاة ومستلزمات هذه الفرائص.
5-
إنكار بعض الناس للبعث والحساب وغير ذلك من أركان الإيمان.
6-
التحاكم إلى غير شرع الله فيما يكون بين الناس من خلافات في الحقوق والأموال والدماء ونصب حكماء وعرافين يتولون ذلك دون علم أو بينة.
7-
استحلال بعض المحرمات كالسلب والنهب وقطع الطريق وإخافة الناس وفي مسائل النكاح والطلاق والميراث وغيرها.
حصل ذلك وغيره في غياب العلم ونشوء الجهل وإهمال الناس لأمور الدين وعدم وجود سلطة سياسية أو دينية تقوم على ذلك حتى عاد الناس إلى ما يشبه حياة الجاهلية الأولى.
فإن التركيبة السكانية في العالم الإسلامي عامة وفي شبه جزيرة العرب خاصة تتكون من حاضرة هم سكان المدن والقرى وغالبا مما يكون لديهم تعليم ديني على يد طلاب العلم الشرعي وأئمة المساجد، ويحافظون على الصلوات في الجماعة ويعرفون الحلال والحرام ولديهم مخالفات في أصل العقيدة ومظاهر السلوك وغيرها.
أما البادية فهم القبائل العربية التي ليس لها مستقر دائم ولكنهم يتجولون في الصحراء طلبا للماء والكلأ لمواشيهم والتعليم لديهم يكاد يكون معدوما والجهل فيهم أظهر، ويوجد فيهم من ينكر البعث بعد الموت والمحاسبة على الأعمال ويظهر في بعضهم ترك فرائض الإسلام كالصلاة والزكاة والصوم والتحاكم إلى الأعراف والحكماء والمعالجة بالحرام والوقوع في المخالفات في مسائل النكاح والطلاق والميراث وغيرها.