المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقامت بالحملات الإعلامية، وجهزت الجيوش الضاربة للقضاء على هذه الدعوة - حركة التجديد والإصلاح في نجد

[عبد الله العجلان]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأول:أوضاع العالم الإسلام في القرن الثاني عشر الهجري في ظل الخلافة العثمانية

- ‌ الأوضاع السياسية:

- ‌ الأوضاع الدينية في العالم الإسلامي:

- ‌ الأوضاع الاجتماعية:

- ‌الفصل الثاني:الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌نسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌رحلاته:

- ‌روافد فكره

- ‌الفصل الثالث: الاعتقاد والدعوة ومنشأ الاختلاف

- ‌أولا – حقيقة اعتقاده:

- ‌ثانيا- "أصول دعوته

- ‌ثالثا: أسلوبه في الدعوة:

- ‌الفصل الرابع:منهاجه التربوي في دعوته

- ‌أولا- الهدف:

- ‌ثانيا- المنهج:

- ‌ثالثا: الوسائل

- ‌رابعا: الخصائص

- ‌الفصل الخامس: المعارضون وشبهاتهم

- ‌المعارضة على الدعوة

- ‌المعارضة الداخلية:

- ‌ المعارضة الخارجية:

- ‌مسائل الخلاف

- ‌ الممارسات التي لم يوافقه بعض معاصريه عليها:

- ‌ الشبهات التي أثيرت حول الدعوة:

- ‌الفصل السادس: آثار حركة التجديد ونتائجها

- ‌أثرها في شبه الجزيرة العربية

- ‌تأثير هذه الدعوة في أفريقيا:

- ‌تأثير هذه الدعوة في شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا:

- ‌ النتائج السياسية:

- ‌النتائج الدينية:

- ‌النتائج الاجتماعية والاقتصادية

- ‌الخاتمة

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: وقامت بالحملات الإعلامية، وجهزت الجيوش الضاربة للقضاء على هذه الدعوة

وقامت بالحملات الإعلامية، وجهزت الجيوش الضاربة للقضاء على هذه الدعوة في عقر دارها. ولكن هذه الدعوة كانت قد أخذت مكانها في النفوس ومستقرها من القلوب. وإذا كان في تعدد الحملات العسكرية تحقيق النصر السياسي أحيانا فليس في مقدورها القضاء على القضاء على الدعوة كفكر وعقيدة وحق.

ومظاهر هذه المعارضة شبيهة بمظاهر المعارضة المحلية التي تتلخص في الأمور التالية:

1-

تسخير وسائل الدعاية والإعلام ضد هذه الدعوة وإعطاء المسلمين عنها فكرة سيئة من الوجهة الإسلامية الصرفة.

2-

إصدار الفتاوى الشرعية ضد هذه الحركة وأتباعها ورميها بما ليس فيها.

3-

محاصرتها اقتصاديا وقطع المعونات عنها.

4-

مؤازرة خصومها بالمال والسلاح.

5-

تأليف الكتب والرسائل والنشرات من كبار علماء المسلمين في بلاد كثيرة اعتمادا على ما بلغهم عن طريق الخلافة العثمانية وبما كان مجافيا للحقيقة.

6-

الحملات العسكرية التدميرية المركزة.

ص: 132

‌مسائل الخلاف

ثالثا- نقاط الاختلاف بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعارضيه:

ولما جهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته الإصلاحية في نجد عام 1153هـ بعد أن حدد أهدافها ووسائلها ومبادئها وبدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطرح مفاهيم هذه الأصل من الأقوال والأفعال في ممارسات الناس اليومية ورسم طريق الخلاصة بينها وبين ما ينبغي الأخذ به وما ينبغي الكف عنه ووجوب تعليم الجاهل وتذكير الناسي وبيان حقيقة التوحيد وطريق تحقيقه وتعريف ما يناقضه من أنواع الشرك الظاهر والباطن.

وأنه بعد تعليم الجاهل وتذكير الناسي وتنبيه الغافل وبيانه أحكام كل

ص: 132

الممارسات القائمة في المجتمع مما يعد مخالفا للنصوص الشرعية ودعوة الناس إلى العدول عن كل مخالفة وإلا جاز أن يطلق على كل فعل من الأفعال الحكم الشرعي المناسب له حسب أدلة النصوص ومقتضياتها في ضوء فهم الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وأتباعهم بإحسان إلى يوم دعوة الشيخ، فلما وجد إصرار من بعض العلماء والمطاوعة والأمراء وبعض العامة على معاداة الدعوة ومظاهرة أعدائها عليها، رتب على هذه الأفعال والمواقف والممارسات أحكاما شرعية وأصدر كتبه وفتاواه تنطق بهذه الأحكام فسمى الشرك باسمه والبدعة باسمها وكل قول أو فعل أو ممارسة أو موقف باسمه كذلك، وكانت هذه الأحكام في نظر المعارضين للدعوة أحكاما قاسية تصف بعض الأقوال والأفعال والتصرفات والمواقف بالشرك أو أنه ناقض من نواقض الإسلام، وتسمي بعض الأشخاص بالمشركين لما أظهروا الإصرار على دعوة غير الله مع الله ودعوة الناس إليه وتأييدهم في أفعالهم الشركية، كما وصفت بعض الأقوال والأفعال والتصرفات بالبدعة والمصرين عليها بالمبتدعة.

وبدأ الاختلاف مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وخصومها في اتجاهين رأسين هما:

1-

مسائل علمية تتصل بالإيمان والتوحيد والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتكفير والاجتهاد والتقليد ومناقشة الأدلة في ذلك كله.

2-

ممارسات عملية تتصل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد والعدل في الميراث وهدم البناء على القبور وغيرها.

أما المسائل العلمية التي اختلف فيها خصوم الدعوة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهي كثيرة وقد حددت لنا مؤلفات الشيخ محمد رحمه الله ورسائله الشخصية تارة وعلى شكل بحوث وقواعد عامة ليست موجهة لأحد بعينه ولكنها تناقش القضايا المختلف عليها بصورة غير مباشرة تارة أخرى ونود هنا قصر نقاط الاختلاف على الأمور التي صارت فيها مكاتبات شخصية في مسائل محدودة ومنها على سبيل المثال ما يلي:

ص: 133

1-

الاختلاف حول أول واجب على المكلف:

فيرى الشيخ محمد بن عباد مطوع ثرمدا أن أول واجب على كل ذكر وأنثى النظر في الوجود ثم معرفة العقيدة ثم علم التوحيد.

ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن هذا خطأ وأن هذا من علم الكلام الذي ذمه السلف وإنما الذي أتت به الرسل أن أول واجب هو التوحيد وليس النظر في الوجود ولا معرفة العقيدة 1

2-

الاختلاف في تعريف الإيمان:

يقول محمد بن عباد: إنه التصديق الجببازم بما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم.

ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأنه يدخل فيه جميع المأمورات وترك جميع المنهيات وليس مجرد التصديق الجازم بما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم. صلى الله عليه وسلم فأبو طالب عمه جازم بصدقه وكذلك الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن الذين يقولون الإيمان هو التصديق الجازم هم الجهمية واشتد نكير السلف عليهم في هذه المسألة.

3-

الاختلاف في تعريف الإيمان بالقدر:

يقول محمد بن عباد: إنه الإيمان لا يكون صغيره ولا كبير إلا بمشيئة الله وإرادته وأن يفعل المأمورات ويترك المنهيات.

ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن هذا غلط لأن الله سبحانه له الخلق والأمر والمشيئة والإرادة وله الشرع والدين، وإذا ثبت هذا ففعل المأمورات وترك المنهيات هو الإيمان بالأمر وهو الإيمان بالشرع والدين ولا يذكر في حد الإيمان بالقدر.

والإيمان بالقدر في مدرسة الشيخ هو أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وهو يتضمن أربعة أشياء هي:

1 انظر القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 2 ص 16.

ص: 134

1-

الإيمان بعلم الله القديم.

ب-الإيمان بأن الله كتب ما علم أنه كائن من العباد.

ج- الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله.

د- أن الله تعالى أوجد جميع الخلق وما في الكون بتقديره وإيجاده.

4-

الاختلاف في معنى لا إله إلا الله:

فإن معاصري الشيخ يقولون أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فهم يقرون أن ذلك لله وحده لا شريك له وأن من قال لا إله إلا الله فإنه موحد ولا يجوز أن يوصف بالشرك، ويقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى قول لا إله إلا الله ولم يطالبهم بمعناها. وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحوا بلاد الأعاجم وقنعوا منهم باللفظ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فمن قالها بصدق وإيمان فهو مسلم موحد لا يجوز أن يوصف بالشرك أو الكفر وهو معصوم الدم والمال "ولو هدم أركان الإسلام الخمس وكفر بأصول الإيمان الستة"1كما ذكر ذلك الشيخ عنهم فقالوا إن عامة المسلين هم السواد الأعظم ولا يجوز تكفيرهم أو نسبة الشرك إليهم لأن فعلهم صار كالإجماع والأمة لا تجمع على الضلالة

الخ.

أما الشيخ رحمه الله فإنه يرى كما أسلفنا أن معظم الناس المعاصرين له لا يعرفون معنى لا إله إلا الله وأن لها ركنين النفي والإثبات نفي الألوهية الحقة عن غيره سبحانه وإثباتها لله وحده لا شريك له في الألوهية والربوبية والعبادة وأن من أشرك به في ربوبيته أو ألوهيته أو صرف شيئا من أنواع العبادة لغيره فهو مشرك كافر، وأن المقصود بالإله عنده هو الذي تؤلهه القلوب محبة وتعظيما تقصده بالمحبة والطاعة والتقرب إليه بأنواع العبادة، وأن كلمة لا إله إلا الله لها شروط سبعة سبق ذكرها فلا تنفع صاحبها إلا باجتماعها انتفاء الموانع، ولابد في قولها من الإخلاص واليقين

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 14، ص 96.

ص: 135

والفهم، ويرى أن تفسير معاصريه لكلمة "لا إله إلا الله" أن الله سبحانه هو الخالق الرازق المدبر، وأن مجرد التلفظ بها يدخل المرء في الإسلام ويجعله معصوم الدم والمال غلط وجهل عظيم بمعنى "لا إله إلا الله" وأن التلفظ بها لا يدخل في الإسلام لأن الكفار من أولهم إلى آخرهم يقرون بتوحيد الربوبية ولم يدخلهم ذلك في الإسلام وأن الخصومة التي قامت بين الرسل وأممهم إنما كانت في توحيد الألوهية والعبادة.

يقول الشيخ رحمه الله "والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجردة لفظها والكفار والجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه والبراء منه فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب. فإذا عرفت أن الجهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعى الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار بل يظن أن التلفظ بحروقها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر إلا الله"1

ويرى أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرون بتوحيد الربوبية ويتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا ولكنهم لم يحققوا توحيد الألوهية بل جحدوا توحيد العبادة فقط، ودعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له فلما أصروا على جعل وسائط بينهم وبين الله ليقربوهم إلى الله زلفى قاتلهم صلى الله عليه وسلم ليكون الدين كله لله، وإفراد العبادة لله وحده عن فهم ويقين وإخلاص، وأن هذا التوحيد هو معنى قول لا إله إلا الله.

ويرى الشيخ رحمه الله أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر، ومن لم تتحقق فيه أنواع التوحيد الثلاثة فإنه لم يحقق التوحيد الكامل في حياته. وأن الأحاديث التي وردت في فضل لا إله إلا الله وتحريم قائلها على النار وأنه

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسالة الشخصية رقم 22ص 154، 155.

ص: 136

معصوم الدم والمال

الخ. أنها حق، وأن معظمها جاء مقيدا بالإخلاص ونفي الشرك وأمر بأداء حقها وأن ما جاء منها مطلقا وجب فيه حمل المطلق على المقيد بالقيود الواضحة الثقيلة.

1-

الاختلاف قي إطلاق الشرك على ما يفعل عند قبور الأنبياء والأولياء والصالحين:

لما أطلق الشيخ محمد الوهاب رحمه الله كلمة الشرك على ما يفعله الناس عند قبور الأولياء والصالحين التي كانت موجودة في نجد وفى مصر والشام والعراق وغيرها من بعض البلاد الإسلامية الأخرى، أنكر معاصروه هذا الوصف منه، وقالوا إن زوار القبور هم أهل الإسلام وتوحيد يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويذكرون الله كثيرا، ويعتقدون أن الله هو النافع والضار وحده، وهم في زيادتهم لقبور الصالحين إنما يقصدون العظة والاعتبار وتذكر سيرة صاحب القبر وصلاحه والاعتراف بمقامة الرفيع عند الله وما يفعله بعض العامة من الذبح لهم أو النذر أو الدعاء أو طلب النفع أو الضرر هو نتيجة جهل منهم مع أنه وردت أخبار في جواز الاستسقاء بالصلحاء كما فعل عمر رضي الله عنه مع العباس رضي الله عنه كما كانوا يطلبون ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم في حياته. كما ورد جواز التوسل بالأعمال الصالحة. ومع هذا وذاك فإنه لا يجوز أن يطلق الكفر والشرك على ما يفعله العامة عند قبور الصالحين مع أن سلامهم متيقن بإعلان كلمة التوحيد وإقامة فرائض الإسلام وصدق الإيمان بالله والمحبة لرسوله صلى الله عليه وسلم وأن قصدهم الشرك مظنون من ظاهر تصرفاتهم الخاطئة التي وردت أخبار تدل جوازهم وهم لا يطلبون بها أكثر من جاههم عند الله وشفاعتهم عنده 1

1 انظر مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص 173.

ص: 137

ولا يجوز أن يرفع اليقين بالظن كما أنه يلزم أن تحكم على أن كل الأمة على ضلالة لأنهم ما بين فاعل لذلك وما بين مقر به. ويلزم منه كذلك تكفير المسلمين كلهم منذ ستمائة سنة وهذا أمر عظيم لا يجوز للمسلم أن يقوله على نفسه ولا على غيره مع أن النهي الوارد في القرآن الكريم عن الشرك إنما جاء في عبادة الأصنام واتخاذها معبودات من دون الله وليس المقصود بها ما عليه الناس اليوم.

والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يرى أن ما يفعله العامة في نجد وما يفعله أمثالهم عند قبور الأولياء الصالحين في العالم الإسلامي من أنواع الشرك الأكثر لما فيه من الشرك بالله في الدعوة والعبادة وأن صرف أي نوع من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده شرك فلا يجوز صرفها إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل وذكر في أكثر من موضع من رسائله وكتبه أن النطق بكلمة لا إله إلا الله لا تنفع صاحبها إلا إذا عرف معناها وعمل بمقتضاها وحقق ما تضمنته من نفي وإثبات وعمل بشروطها، وأن الاعتقاد بأن الله هو النافع الضار الخالق الرازق المدبر وهو يعرف بتوحيد الربوبية لا يكفي للدخول في الإسلام إذ أن الكفار والذين بعثت إليهم الرسل في مختلف العصور كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولا ينكرون منها شيئا ولكنهم إنما اختصموا مع رسلهم في توحيد العبادة والقصد وهو توحيد الله بأفعال العباد وتوجههم. ومن لم يحقق توحيد الألوهية الذي بعثت به الرسل لم يدخل في الإسلام. والذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من كفار قريش وغيرهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولا ينكرون وكذلك المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر مثل مسيلمة الكذاب والأسود وغيرهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وإنما أنكروا بعض فرائض الإسلام والمعلومة من الدين بالضرورة فقاتلهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليله على ذلك.

وأما قصد القبور وزيارتها للعظة والاعتبار فليس ما يفعله العامة عند قبر زيد بن الخطاب في نجد ولا عند قبر عبد القادر الجيلاني في العراق ولا عند قبر البدوي في مصر من أهل هذا القبيل بل إنها زيارة وطواف وعكوف عليها وقصد لطلب النفع والضر رفع للبلاء أو دفعه. وهم في زياراتهم ينخون ويندبون ويطلبون المدد والنصرة والعفو والمغفرة، ويسألون بجاههم ويكتبون مطالبهم التي لا يجوز طلبها إلا

ص: 138

من الله سبحانه لأنها لا يقدرون عليها إلا هو سبحانه وتعالى وهم مع هذا يصرحون لها أنواعا من العبادة كالذبح عندها والنذر وغير ذلك من الأعمال الشركية التي تشبه ما كان يفعله الناس في الجاهلية الذين قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}

وأما أن ما يصدر من العامة عند الأضرحة والقبور من باب الخطأ والجهل ولا يجوز أن يكفروا ويحكم عليهم بالكفر والشرك مع جهلهم فإن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر في عدة رسائل أنه لا يكفر إلا بعد التعريف بدين الله وبيان الحكم الشرعي بالدليل من الكتاب والسنة فإذا عرف المدعو الحق بدليله ثم أصر على عمله المخالف أطلق عليه الوصف الذي تقتضيه النصوص الشرعية، يكفر من عرف توحيد الألوهية ومعنى لا إله إلا الله ثم أصر على دعوة الأحياء أو الأموات من دون الله أو جعلهم وسائط بينه وبين الله فقد ذكر في الرسالة التي أجاب فيها على رسالة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي من علماء العراق ما نصه:"وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك "1

وأما طلب الدعوة من الأحياء الصلحاء بأن يشركوا المرء في دعائهم لربهم أو يدعوا لهم أو فعل عمر مع عم النبي صلى الله عليه وسلم فليس من قبيل ما يفعل عند قبور الأولياء والصالحين فإنك تطلب من الحي أن يدعو لك أو يشركك في دعائه بأن تطلب منه أن يدعو الله بأن يغيب عباده فأنت تدعو حيا قادرا على التوجه بدعائه إلى الله. وهذا جائز لدلالة النصوص الشرعية على جوازه وأنه ليس من باب الشرك ولا اتخاذ الوسائط بين الله وبين عباده. أما أصحاب القبور فهم لا يسمعون دعاء من يدعوهم ولا يستطيعون إجابتهم، وهو عمل مشابه لأعمال المشركين في الجاهلية التي وردت النصوص الشرعية بإبطالها وبتسميتها بالشرك. وأما التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 5،ص38. كما ذكر هذا النص في الرسالة رقم 22،ص 158.

ص: 139

كما فعل أصحاب الغار الثلاثة فهذا جائز، وليس فيه دليل على جواز ما يفعل عند الأضرحة من الشرك بالله في الدعاء والعبادة. وغاية ما فيه "أنه التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة من البر والتقوى والأمانة وصلة الأرحام والعفاف وهو أمر مشروع كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} والوسيلة: هي ما شرعه الله ورضيه من الأعمال والأقوال الصالحة، وأين في شرعه أن يسأل العبد ربه بعبد من عبيده مخلوق من خلقه"1

وحق السائلين وما جعله للماشي إلى الصلاة والسائلين من الإجابة والإنابة هو حق أوجبه الله على نفسه لعبده فضلا منه وإحسانا. فجاز التوسل به وليس في ذلك دليل على جواز التوسل بذوات المخلوقين.

والشيخ محمد بن عبد الوهاب يرى أن ما يفعله عند الأضرحة من دعوة أربابها وقصدهم لرفع البلاء ودفعه وندبهم وطلب المدد منهم هو الشرك، وأن الواجب أن يبين لهم الحكم الشرعي، ويطلب منهم تصحيح العقيدة والكف عن مظاهر الشرك. ومن أصر بعد العلم على الاستمرار في شركه حكم بكفره وأنه مشرك.

ويرى أن الحكم لا يكون على العقيدة المضمرة أو النوايا الخفية وإنما تبنى الأحكام الشرعية على الأفعال الظاهرة. وهذه الأفعال التي تتم عند قبور الصالحين هي إعمال شركية ظاهرة. يعلن الشرك فيها عن نفسه على ألسنتهم وفي تصرفاتهم ولهذا فإنه لا يتردد في الحكم بالكفر على من هذا ظاهر أعماله بعد علمه بالحكم وبيان الواجب عليه.

وفرائض الإسلام وأعمال البر والخير لا تكون صحيحة إلا إذا قامت على عقيدة التوحيد الخالص من شوائب الشرك الأكبر. والمشركون كانوا يقومون ببعض الأعمال الخيرة من بر وصلة وتعاون وعدل ولم يمنع ذلك كله من تكفيرهم وقتالهم. قال الله

1 مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص178.

ص: 140

سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ويقول سبحانه {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} يعني المشركين وأعمالهم الصالحة وأن الشرك يبطلها ويذهب الانتفاع بها.

والطلب بجاه الأنبياء والصالحين والتوسل بهم إلى الله لمقامهم عنده سبحانه هو في عرف عباد القبور وأنصارهم فصد الصالحين ودعائهم وعبادتهم مع الله ولقد سماه الله ورسوله شركا في العبادة وعده الصحابة والتابعون لهم بإحسان من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام. واختلاف الشيخ رحمه الله مع معاصريه في مدى جواز إطلاق الشرك على ما يفعله المعاصرون له عند قبور الأولياء والصالحين أو عدم جوازه قضية أساسية في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دار حولها نقاش طويل ولهذا فمن الصعب نقل ما ذكره الشيخ في هذا المجال لأنه لا تكاد رسالة من رسائله تخلو من تناول هذه القضية بإسهاب تارة وباختصار تارة أخرى، ويحسن بنا أن ننقل قطعة موجزة من نصه في هذه القضية، وعلى الباحث أن يرجع إلى رسائل الشيخ الشخصية وكتبه حول هذا الموضوع وما تفرع فإنها حوله تدندن يقول الشيخ رحمه الله في الرسالة العامة التي بعث بها إلى عموم المسلمين عن خصومه مثل أولاد شمسان وأولاد مويس "فلما رأوني آمر الناس بما أمرهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم أن لا يعبدوا إلا الله وأن من دعا عبد القادر فهو كافر وعبد القادر منه بريء وكذلك من نخا الصالحين أو الأنبياء أو ندبهم أو سجد لهم أو نذر لهم أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة التي هي حق الله على العبيد. وكل إنسان يعرف أمر الله ورسوله ولا ينكر هذا الأمر بل يقر به ويعرفه. وأما الذي ينكره فهو بين أمرين: إن قال إن دعوة الصالحين واستغاثتهم والنذر لهم وصيرورة الإنسان فقيرا إليهم أمر حسن ولو ذكر الله ورسوله أنه كفر فهو مصر بتكذيب الله ورسوله ولا خفاء في كفره فليس لنا معه كلام. وإنما كلامنا مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ويحب ما أحب الله ورسوله ويبغض ما أبغض الله ورسوله ولكنه جاهل قد لبست عليه الشياطين دينه ويظن أن الاعتقاد في الصالحين حق ولو يدري أنه كفر يدخل صاحبه في النار ما فعله"

ص: 141

ونحن نبين لهذا ما يوضح الأمر فنقول: "الذي يجب على المسلم أن يتبع أمر الله ورسوله ويسأل عنه. والله سبحانه أنزل القرآن وذكر فيه ما يحبه ويبغضه وبين لنا فيه ديننا. وكذلك محمد صلي الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه وهم يحبونه على أنفسهم وأولادهم ويعرفون أيضا الشرك والأيمان. فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعاه أو نذر له أو ندبه، أو أحد من أصحابه جاء عند قبره بعد موته يسأله أو يندبه أو يدخل عليه للالتجاء له عند القبر، فاعرف أن هذا الأمر صحيح حسن ولا تطعني ولا غيري وإن كان إذا سألت إذ أنه صلى الله عليه وسلم تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء والصالحين وقتلهم وسباهم وأولادهم وأخذ أموالهم وحكم بكفرهم فاعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق، والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به".

وبالجملة: فالذي أنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره. فإن كنت قلته من عندي فارم به، أومن كتاب لقيته ليس عليه عمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه لأجل أهل زمانه أو هل بلده، وإن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه1

وقال في موضع آخر ردا على من زعم أن الذم الوارد في القرآن الكريم في اتخاذ الوسائط بين الله وبين خلقه، وأن الكفار الذين نزل فيهم القرآن كانوا يعتقدون في الأصنام، وهي غير ما عليه القبوريون، إذ هم يعظمون أنبياء وأولياء وصالحين لهم مقام عظيم عند الله، وفرق بين هؤلاء وبين أصنام الجاهلية، يقول رحمه الله: "فإذا تحققت أن العلي الأعلى تبارك وتعالى ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين، وأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة عند الله والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين، وعرفت أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام وبين من اعتقد في الصالحين، بل

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم8ص53.

ص: 142

قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم، تبين لك حقيقة دين الإسلام، وعرفت الأمر الثاني وهو توحيد الألوهية وهو أنه لا يسجد إلا الله، ولا يركع إلا له، ولا يدعى في الرخاء والشدائد إلا هو، ولا يذبح إلا له، ولا يعبد بجميع العبادات إلا الله وحده لا شريك له، وأن من فعل ذلك في نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء فقد أشرك بالله وذلك النبي أو الرجل الصالح بريء ممن أشرك به كتبرء عيسى من النصارى وموسى من اليهود وعلي من الرافضة وعبد القادر من الفقراء"1

وهذه القضية دار حولها جدال طويل وعليها وعلى ما يتفرع منها أو يشاكلها دارت خصومات ومناوشات ركز عليها الشيخ رحمه الله في كتبه ورسائله وعلى الرغم من أن أكثر معاصريه كانوا لا يرون رأيه إ لا أن الدليل الشرعي والسير العملية في القرون الثلاثة المفضلة كانت معه على خصومه. والحق لا يقاس بكثرة الناس معه أو ضده وإنما يقاس بأدلة الشرع وسيرة السلف وفهم الصحابة وأتباعهم بإحسان، وإلا فإن أكثر الناس على الباطل كما قال تعالى:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}

6-

اختلاف معاصري الشيخ معه في تكفير بعض البوادي في نجد والحجاز وبعض أهل القرى:

فإنه قامت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية كان عامة الناس في بعض البوادي وبعض القرى على جهل كبير بالدين حتى وصل بهم الأمر إلى إنكار بعض أصول الإيمان وبعض ما علم من الدين بالضرورة كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها. واحترفوا السلب والنهب وقطع الطريق وإخفاقه السالكين واستحلوا بعض المحرمات وعضلوا النساء ومنع بعضهم النساء من الميراث وتحاكموا إلى غير ما أنزل الله ممن يدعى الحكمة وأعراف القبائل وغيرها.

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 21ص 146-147.

ص: 143

فبدأ الشيخ رحمه الله بدعوة هؤلاء العامة من البوادي وأهل القرى فمنهم من أجاب وصلحت حاله، ومنهم من لم يرفع بهذه الدعوة رأسا ولم يعرها اهتماما، وظل يمارس ما كان عليه من أعمال مخالفة للتوحيد والإسلام. فلما أبان لهم الشيخ طريق الحق وأصروا على رفض الهدى وصف أعمالهم بالكفر، ووصف المعاندين والرافضين منهم بعد دعوته وإقامة الحجة عليهم بأنهم كفار. وأذن في قتالهم حتى يفيئوا إلى الدين ويلتزموا بمبادئه.

وقد وجدوا خصومه المعاصرين له في هذه الفتاوى فرصة للتأديب عليه ودعوة العامة ضده لأنه كفرهم واستحل قتالهم. وقالوا إنه لا يجوز تكفير المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويؤدي بعض فرائض الإسلام، ويحب الله ورسوله، ولكنه يجهل بعض الأحكام، وهو في حاجة إلى تعليم وتبصير.وتكفير من هذه حالهم وهم السواد الأعظم من المسلمين هو تكفير لعموم المسلمين وبدعة في الدين أحدثها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس معه عليها دليل ولم يقل بها أحد قبله ، ولكن الشيخ رحمه الله أكد في هذا الموضع وفي مواضع أخرى أنه لا يكفر من كان جاهلا بالحكم ولا من تبلغه الدعوة ولم يعرف الإسلام ومستلزماته بل إن تكفير لا يكون إلا بعد التعليم والدعوة وإقامة الحجة فإذا أصر المدعو على أعمال كفرية جاز وصفه بما وصفته به الأدلة الشرعية حتى يعرف مقامه ويرتدع عن غيه وقال إن بعض البوادي وبعض أهل القرى وإن كانوا يؤمنون بالله ويشهدون أن لا إله إلا الله ويؤدون بعض شعائر الإسلام إلا أن لديهم أكثر من ناقض من نواقض الإسلام فجاز تكفيرهم وقتالهم يقول الشيخ رحمه الله:"وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنقير الناس عن دين الله ورسوله" ويقول رحمه الله: من المعلوم عند الخاص والعام ما عليه البوادي أو أكثرهم فإن كابر معاند لم يقدر على أن يقول إن يقول إن عنزه وآل الظفير وأمثالهم كلهم مشاهيرهم والاتباع أنهم مقرون بالبعث ولا يشكون فيه ولا يقدر أن يقول إنهم يقولون إن كتاب الله عند الحضر وإنهم عايفينه متبعون ما أحدث آباءهم مما يسمونه الحق ويفضلونه على شريعة الله، فإن كان للوضوء ثمانية نواقض

ص: 144

ففيهم من نواقض الإسلام من المائة ناقض. فلما بينت ما صرحت به آيات التنزيل، وعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم أمته، وأجمع عليه العلماء من أن أنكر البعث أو شك فيه أو سب الشرع أو سب الأذان إذا سمعه أو فضل فراضة الطاغوت على حكم الله أو سب من زعم أن المرأة ترث أو أن الإنسان لا يؤخذ في القتل بجريرة أبيه وابنه إنه كافر مرتد قال علمائكم معلوم أن هذا حال البوادي لا ننكره ولكن يقولون لا إله إلا الله وهي تحميهم من الكفر ولو فعلوا كل ذلك. ومعلوم أن هؤلاء أولى وأظهر من يدخل في تقريركم فلما أظهرت تصديق الرسول فيما جاء به سبوني غاية المسبة وزعموا أني أكفر أهل الإسلام واستحل أموالهم. وصرحوا أنه لا يوجد في جزيرتنا رجل واحد كافر"1 ولم تكن هذه الفتاوى مجرد كلمات تلقى في الهواء ولكنها كانت كلمات توضع موضع التنفيذ في صورة تجمع وجهاد بالقلم واللسان والسنان حتى خضع الجميع لسلطان الدعوة وعمم التعليم وقام مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحكيم الكتاب والسنة في شئون الحياة كلها.

وكان الشيخ رحمه الله في كتبه ومؤلفاته متفوقا على خصومه فيما يثار ضده وضد دعوته وتتسم مواقفه بوضوح الرؤية والاستعداد العلمي والفهم الدقيق لما يدعو إليه وكان أكبر عون له عليهم أنه على الحق والأدلة الشرعية معه وإن كان واقع الناس ومألوفهم ضده مما جعل خصومه المحليين يطلبون من العلماء في الحرمين الشريفين والعراق والاحساء والشام وغيرهم مساعدتهم عليه والكتابة لهم ضده ولكن كفة الشيخ في هذه المعركة كانت راجحة فهو يخاطبهم بالدليل من الكتاب والسنة فلا يقبلون منه ويقولون لا يجوز لنا العمل بكلام الله ولا رسوله ولا بكلام المتقدمين من أهل المذاهب ولا نطيع إلا كتب المتأخرين من أصحاب المذاهب. فيخاطبهم رحمه الله بأن هذا الأمر مما تتفق عليه الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم المتقدمين منهم والمتأخرين وأنا أحاج أصحاب المذاهب الإسلامية بكلام المتأخرين من أصحابهم. اسمعه رحمه الله تعالى يقول بعد أن ذكر لهم الأدلة الشرعية على صحة دعوته "قالوا

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 3 ص 25، 26 وانظر الرسالة رقم 6 ص 41 والرسالة رقم 41 ص 236.

ص: 145

القرآن لا يجوز العمل به لنا ولأمثالنا ولا بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بكلام المتقدمين ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون، قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرون من الحنفية والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرون من علماءهم الذين يعتمدون عليه. فلما أبوا ذلك نقلت لهم كلام العلماء من كل مذهب وذكرت ما قالوا بعد ما حدثت الدعوة عند القبور والنذر لها فعرفوا ذلك وتحققوه ولم يزدهم إلا نفورا"1 وتكرر هذا الكلام في أكثر من رسالة من رسائل الشيخ بل قال رحمه الله تعالى "وتأملوا ما جرى بيننا وبين أعداء الله نطلبهم دائما الرجوع إلى كتبهم التي بأيديهم في مسألة التكفير والقتال فلا يجيبوننا إلا بالشكوى عند الشيوخ وأمثالهم."2

بعد هذه الخصومات العلمية والجدال الذي دار بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وخصومه على بعض المظاهر القائمة في نجد وإنكار علماء عصره عليه وإصرارهم على التزيين للعامة ما هم عليه كبرا وعنادا، وصف المعاندين منهم بالكفر وبأعداء الدين وأهدر دماءهم، فزادهم دلك غضبا عليه وعنادا لدعوته وتأليبا للعامة على الشيخ ودعوته. يقول الشيخ في حق هؤلاء:"وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول صلى الله عليه وسلم ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره " ثم قال عن القتال:"ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه"3 وهو يقصد المعارضة وفي مقدمتها العلماء المعاصرين له المعارضين لدعوته والمزينين للعامة ما هم عليه هذا من جهة الشيخ ومن جهة المعارضة قالوا هم أيضا بكفر الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما كفر شيخه في التوحيد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، 4

ورسائل الشيخ رحمه الله تصير كل هذه الموافق وأن كلا منهم صار يكفر الآخر ويبدعه،

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 5ص 38.

2 المرجع السابق الرسالة رقم 38ص ص 273.

3 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 22ص 158.

4 المرجع السابق الرسالة رقم 2ص 20.

ص: 146

وعلى أثر ذلك قمت المواجهات المسلحة بين الطرفين في حروب أهلية دامية بين أهل الدرعية وأهل الرياض ومنفوحة وبين أهل حريملاء فيها وبينهم وبين أنصار الدعوة فيها وبين خصومهم من بني عمهم وكذا الحال في ضرماء وصارت الحرب سجالا عدة سنين حتى أظهرا لله الدعوة الإصلاحية على خصومها وخضع الناس لإمامها.

7-

لما قامت الدعوة الصلاحية وانحاز أتباعها إليها وتألب خصومها ضدها بقيت فئات في المجتمع على الحياد إما لأنه لا يوجد فيها من مظاهر الشرك الممثلة في السادات والقبور والأشجار والأحجار والتبرك بها مثل منطقة القصيم أو لأنهم ليس لههم من الأمر شيء فهم لا يمارسون زيارة القبور ودعوة أصحابها. ولم ينكروا عليهم لعدم القدرة أو لعدم القناعة بأنها مظاهر شرك أو لأي سبب آخر. صاروا في الحياد أو لم يظهروا التأييد للدعوة بصورة عملية. وهنا بدأ الشيخ يقرر مبدأ مهما في الدين هو مبدأ: الولاء والبراء. فأبان بالأدلة الشرعية بأن هناك حزب الله تمثله حركة الإصلاح والتجديد وأنصارها، وهناك حزب الشيطان وهم جبهة المعارضة المتمثلة في خصومها من العلماء والأمراء والعامة الساعين لوأد الدعوة والقضاء على أهلها، وأن المسلم لا يتم إسلامه حتى يعلن موقفه من هذا الصراع فيعلن ولاؤه للدعوة الإصلاحية قبولا ومحبه ونصرة وتأييدا سرا وعلنا، ويعلن البراءة من الشرك وأهله. وساق الأدلة الشرعية في هذا الموضوع لرص الصفوف المؤمنة في وجه الخصوم وإحياء مبدأ شرعي ثابت. والرسالة التي بعث بها إلى الشيخ عبد بن علي ومحمد بن جماز في القصيم يحثهما فيها على تحقيق هذا المبدأ قال فيها:"وأهل القصيم غارهم أن ما عندهم قبب ولا سادات ولكن أخبرهم أن الحب والبغض والموالاة والمعاداة لا يصير للرجل دين إلا بها ما داموا لا يبغضون أهل فزلفى وأمثالهم فلا ينفعهم ترك الشرك ولا ينفعهم قول "لا إله إلا الله"1وذكر مثل ذلك في الرسالة التي بعث بها الشيخ إلى أهل الرياض ومنفوحة حينما كان في العيينة 2. ولم يسلم له هذا الأمر من جهة

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 51 ص322.

2 المرجع السابغ الرسالة رقم 8 2ص188.

ص: 147

علمية من علماء عصره بل دار حوله نقاش وحصل فيه اختلاف مما اضطر الشيخ إلى أن يبدي فيه ويعيد في رسائله الشخصية وفي ثلاثة الأصول وغيرها.

8-

واختلف مع بعض معاصريه في حقيقة المتابعة لرسو ل الله صلى الله عليه وسلم لا سيما أهل التذكير في ليلة الجمعة ومتصوفة معكال في الرياض في احتفالات المولد النبوي وعقيدتهم التي كانت امتدادا لابن عربي وابن الفارض وقولهم بالاتحاد والحلول الذين كفرهم المسلمون قديما وحديثا.

فقرر الشيخ رحمه الله أن المتابعة الحقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم طاعته في ما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر "وأنه بها يخلع جميع البدع إلا بدعة لها أصل في الشرع كجمع المصحف في كتاب واحد وجمع عمر رضي الله عنه الصحابة على التراويح جماعة وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس ونحو ذلك فهذا حسن"1 ولا يخرج الأخذ بها عن الاتباع وقال خصومه من المتصوفة إن احتفالات المولد والاجتماع للأذكار لا تخرج عن الاتباع فهي وإن كانت بدعة لم تكن موجودة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه فإنها بدعة حسنة لأنها تربط المسلم بنبيه وتذكره بسيرته العطرة وشمائله الجمة وتثير فيه نوازع المحبة وتدعوه إلى الاقتداء به والاستقامة على منهجه فهي ليست ضد الدين بل هي في خدمته وتتيح بها مواسم للخير وهي تفعل منذ مئات السنين في مختلف الأمصار الإسلامية ولم ينكرها أحد من علماء الإسلام إلا نفر قليل إذا قيس بالجم الغفير من أعلام الإسلام.

وقد شدد الشيح النكير على المتصوفة لاسيما من أصحاب طريقة ابن عربي القائل بالاتحاد والحلول وكفرهم في إصرارهم على هذه الطريقة بعد أن وضح لهم الحق بدليله ونقل من الإقناع في باب حكم المرتد قوله: "ومن اعتقد أن لأحد طريقا إلى الله غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم أو لا يجب عليه اتباعه أو أن لغيره خروجا عن اتباعه أو قال أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم الباطن أو في علم الشريعة دون علم

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم16

ص 107.

ص: 148

الحقيقة أو قال من العلماء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى كفر في هذا كله1

وهذه المقولات التي نقلها الشيخ من كتاب الإقناع في باب حكم المرتد مؤيدا لها في موقفه من الابتداع هي رد على مقولات مقررة في كتب غالبية المتصوفة مثل اتباع ابن عربي ولهذا فإن الشيخ كفرهم بعد أن دعاهم فأصروا على طريقتهم.

ويقول إن الخير كل الخير في الاتباع وترك الابتداع وإن الحسن هو ما عرف من الشرع حسنه وقصد الشارع إليه وعمل به السلف الصالح الذين عرفوا بالاتباع وترك الابتداع والنبي صلى الله عليه وسلم قال "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" والمبتدعة يخالفون الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول كل بدعة حسنة فمن أين عرفوا حسنها وهي تعارض قوله صلى الله عليه وسلم كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" فمن أين لهم أمر رسول الله عليها حتى تقبل ولا ترد.

قال الشيخ في الرسالة التي بعث بها إلى علماء الإسلام: "الثانية وجوب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك البدعة وإن اشتهرت بين أكثر العوام"2 ويظهر أن متصوفة معكال كانوا على صلة بمتصوفة الشام على طريقة ابن عربي إذ يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ولا يخفاك أني عثرت على أوراق عند ابن عزاز فيها إجازات له من عند مشائخه وشيخ مشائخه رجل يقال له عبد الغني ويثنون عليه في أوراقهم ويسمونه العارف بالله وهذا اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي الذي ذكر العلماء أنه أكفر من فرعون حتى قال ابن المقري الشافعي: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر، فإذا كان إمام دين ابن عربي والداعي إليه هو شيخهم ويثنون عليه بأنه العارف بالله فكيف يكون الأمر"3

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 11ص68.

2 المرجع السابق الرسالة رقم 26ص 180.

3 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 11ص 72.

ص: 149

وقال: "ومن أعظم الناس ضلالا متصوفة معكال وغيره مثل ولد موسى بن جدعان وسلامة بن مانع وغيرها. يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب االاتحادية وهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر بريء من الإسلام ولا تصح الصلاة خلفه ولا تقبل شهادته"1

كما اختلف رحمه الله مع بعض علماء عصره في بدعة أخرى هي التذكير ليلة الجمعة للتهيء لصلاة الجمعة فقال الشيخ سليما بن سحيم من علماء الرياض إنه لا ينبغي الأمر بترك التذكير في ليلة الجمعة ورد عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقوله: "أما مسألة التذكير فكلامك فيها من أعجب العجاب أنت تقول بدعة حسنه والنبي صلى اله عليه وسلم يقول كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ولم يستثن شيئا تشير علينا به. 2

وهكذا دار النقاش بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعاصرين من العلماء المناوئين لدعوته في البدعة والسنة وتراشقوا بالتهم حتى ظهرت الدعوة على خصومها.

9-

الاختلاف في طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم:

فقد أنكر الشيخ رحمه الله على معاصريه دعاء غير الله أو اتخاذ وسائط بين الله وبين عباده فيمالا يقدر عليه إلا الله. وبين عدم جواز صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله لا لملك مقرب ولا إلى نبي مرسل. وقد رد عليه معاصروه بأنه ثبت في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الشافع المشفع. فقد قال الله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} وقال تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} وقال ابن عباس:"هو الشفاعة لأمته"، وقال تعالى:{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} ،وفي حديث الفصل

1 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 11 ص189.

2 المرجع السابق الرسالة رقم43 ص234.

ص: 150

بين الخلائق في المحشر يقول سبحانه:"يا محمد ارفع رأسك واسأل تعط وأشفع تشفع" وقالوا إن الله أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم حق الشفاعة لأمته ونحن نطلب منه مما أعطاه الله،" والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم حال أمته فردا فردا مطيعها وعاصيها مؤمنها وكافرها، وأنه أعطي الشفاعة كما يعطى أحد الناس ما يملكه ويتصرف فيه بمشيئته وإرادته، والنبي الله عليه وسلم يدعى لذلك، ويسأل كما يسأل سائر الملاك وأنه إذا لم يسال فلا كرامة له ولا شفاعة ولا فضل ولا تفضل"1

وقد رد عليهم الشيخ رحمه الله بعد أن ذكر الآيات الدالة على إبطال عمل من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة عنده وأن من فعل ذلك فقد عبدهم من دون الله وأشرك. وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} وأنه لا يشفع عنده سبحانه إلا بإذنه كمال قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} وساق أدلة الكتاب في ذلك ثم قال رحمه الله: فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} .

ثم قال"فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله لا يشفع ابتداء بل يأتي فيخر ساجدا فيحمده بمحامد يعلمه إياها ثم يقال ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ثم يحد له حدا فيدخلهم الجنة فكيف بغيره من الأنبياء أو الأولياء".

إلى أن قال:"وأما ما صدر من سؤال الأنبياء أو الأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإيقاد السرج عليها والصلاة عندها واتخاذها أعيادا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها صلى الله عليه وسلم".2

1 مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن

آل الشيخ ص223، 224.

2 القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية الرسالة رقم 17

ص113.

ص: 151

وحقيقة الشفاعة هي طلب التجاوز عن الخطايا والسيئات والمعاصي والذنوب وقد عقد الشيخ محمد رحمه الله لها بابا في كتابه "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العباد"1 سماه "باب الشفاعة"وقد قصد المؤلف من عقد هذا الباب بيان ما أثبته القرآن منها وما نفاها وأن الشرك يدخل على الناس من باب تعلقهم بأذيال الشفاعة مع إقامة الدليل على أن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله هو عين الشرك. وأن الشفاعة التي يظنها من دعا غير الله أنه يشفع كما يشفع الوزير عند الملك منتفية دنيا وأخرى 2

وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن الشفاعة نوعان هما:

*شفاعة منتفية وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله قال رحمه الله: "فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ولا يبدأ بالشفاعة أولا ثم يقال له ارفع رأسك 000الحديث "3

*وشفاعة مثبتة وهي التي تطلب من الله ولا تكون إلا لأهل التوحيد، ومقيدة بأمرين هما: إذن الله للشافع أن يشفع. ورضاه عن المشفوع له.

وذكر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشية كتاب التوحيد أن الناس في الشفاعة ثلاث طوائف طرفان ووسط.

فطائفة أنكروها كاليهود والنصارى والخوارج المكفرين بالذنوب، وطائفة أثبتوها وغلوا في إثباتها حتى جوزوا طلبها من الأولياء والصالحين، وأهل السنة والجماعة أثبتوا الشفاعة الشرعية كما ذكر الله في كتابه ولا تطلب إلا من الله كأن تسأل الله تعالى أن يشفع فيك محمدا صلى الله عليه وسلم فإن الشفاعة محض فضل وإحسان 4

1 حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم على كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 133.

2 المرجع السابق ص 133.

3 المرجع السابق ص 140.

4 المرجع السابق ص 133.

ص: 152

وقد حاول معاصرو الشيخ رحمه الله إجازة ما يفعله العامة من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في قبره لرفع البلاء أو دفعه ومغفرة الذنوب وتكفير السيئات اعتمادا على الأدلة التي وردت في إثبات الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن ربه في الموحدين وفي الفصل في أهل الموقف.

إلا أن الشيخ رحمه الله بما أعطاه الله من فقه في النصوص الشرعية قد أثبت للرسول صلى الله عليه وسلم ما أثبت الله له من الشفاعة بالشروط التي حددتها النصوص الشرعية ، وبقي الشفاعة التي تعتبر من خصائص الألوهية للتفريق بين الخالق والمخلوق، ولرد النصوص بعضها إلى بعض في بيان الحق في هذه المسألة.

ونفى الشفاعة الشركية التي يتعلق بها مجيرو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في قبره وقصد ضريحه فيما لا يقدر عليه إلا الله، ليس فيه تنقيص لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفي لكرامته وفضله ومقامه الرفيع عند الله بل الفضل والتكريم والاحترام في عدم الإشراك بالله وتحقيق التوحيد وإخلاص العبودية لله وحده ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبودية الخاصة في القرآن الكريم وهو تكريم ورفعة لا وصف ذم وملامة.

وفي شرح هذه القضية جردت أقلام وقامت خصومات بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعاصريه تدل عليها المؤلفات العديدة التي تناولت هذا الموضوع في مواقف متعددة حتى وضح الأمر وانجلت الشبهة وطهر الحق والحمد لله.

11-

التقليد والاجتهاد:

لما قامت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بما قامت به ودعا الناس إلى تحقيق التوحيد ونبذ الشرك وسمى بعض الأفعال والتصرفات بأسمائها الشرعية وعارضه بعض علماء عصره احتاج كل إلى إقامة الدليل على صحة ما ذهب إليه فيما يقول، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يطالب من الكتاب والسنة وأقوال العلماء من كل مذهب. وكان جواب معاصريه في كثير من المواقف رفض الأخذ من الأدلة الشرعية مباشرة لما يشعرون به من قصورهم عن أخذ الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلة

ص: 153

لأنهم لم يكونوا من أهل الاجتهاد، ولا تتوافر فيهم شروطه المعتبرة وكانوا يعترفون بأنهم مقلدون لعلمائهم في كل مذهب، وأن أخذهم للأحكام ينبغي أن يكون من كتب مذاهبهم بل من المتأخرين منهم لأن ذلك أحوط في الدين وأليق بحالهم، لا سيما أنهم في فترة جمود من الفقهاء وتخلف في الفقه. ولهذا عظم عليهم أن يطالبهم الشيخ بأخذ الأحكام من النصوص الشرعية من أدلتها التفصيلية. واعتبروا أن الشيخ محمد يدعي الاجتهاد المطلق وقالوا إن دعوته مذهب خامس لأنه يستقل في أخذ الأحكام ولهذا شنعوا به عند علماء الأمصار بأنه يدعي الاجتهاد ويرفض التقليد مع اعتقادهم بأن باب الاجتهاد في الفقه قد سد منذ القرن الرابع الهجري، وأن فتح باب الاجتهاد في غياب المجتهدين يعد مخاطرة في الدين وباب من أبواب الزندقة والمروق من الدين.

ولهذا وردت إلى الشيخ رسائل شخصية من علماء العراق واليمن والحرمين الشريفين يسألونه فيها عما نسب إليه في هذه القضية من دعواه الاجتهاد ورفضه للمذاهب الأربعة والأئمة المتبوعين في الفقه. وكانت إجابات الشيخ رحمه الله واضحة صريحة بأنه متبع غير مبتدع وأنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وأنه لا ينكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف المذهب نصا ثابتا من الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة أو قول جمهور العلماء1 وبين احترامه لأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من علماء المسلمين.

وهو فيما يدعوا إليه من توحيد الله ونبذ الشرك يقول لمعاصريه الذين قالوا له لا يجوز لنا العمل بكلام الله ولا رسوله ولا بكلام المتقدمين من أهل المذاهب ولا نستطيع إلا الأخذ من المتأخرين في كل مذهب، كان جوابه رحمه الله في كل مرة من باب التنزل "وأنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم فلما أبوا

1 انظر القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية رقم 16ص 107.

ص: 154

‌النتائج الاجتماعية والاقتصادية

كتاب ولرأيت العجب العجاب وكان الداخل في موسمها لا يفقد أحدا من أهل الآفاق من اليمن وتهامة والحجاز وعمان والبحرين وبادية الشام ومصر وأناس من حاضرتهم إلى غير ذلك من أهل الآفاق ممن يطول عددهم هذا داخل فيها وهذا خارج منها وهذا مستوطن فيها"1

هذه أهم الآثار والنتائج التي أسفرت عنها هذه الدراسة الموجزة عن حركة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث على يد الإمام المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وهي آثار ونتائج كثيرة وكبيرة ومهمة مع أنها قليل من كثير مما يمكن استخلاصه من هذه الحركة الإسلامية الأصيلة التي تعتبر رائدة حركات الإصلاح الإسلامي في هذا العصر.

وهي حركة إسلامية يمكن الاستفادة الواعية من دروسها في تنشيط الدعوة إلى الله في الحاضر والمستقبل وإصلاح الحياة العامة في المجتمعات الإسلامية متى درست دراسة متأنية فاحصة وأخذت منها الدروس والعبر والفقه في الدعوة وجدد في وسائلها وطورت أساليبها وروعي فيها مستجدات العصر ومتغيراته ووسائله. وهي دعوة قادرة على أن تقف في وجه الدعوات المعادية للإسلام والعقيدة السلفية الصافية بكل إباء وشمم متى أخذت على وجهها بكل صدق وإخلاص طاعة لله وابتغاء لمرضاته وحماية لدينه وتحقق في القائمين عليها الصدق والإخلاص والمتابعة.

ولقد بذلت في هذه الدراسة كل ما أستطيع من جهد ووقت وحاولت بلوغ الغاية في إبراز أصالة هذه الدعوة وريادتها وصدق توجهها وصفاء مشربها وإخلاص رجالها وشرح ما أمكن من أحوالها ومنهاجها التربوي وموقف المعارضة منها وآثارها ونتائجها.

1 عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر ج 1ص 216.

ص: 132