المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الموضوع الرابع: المناسبات والفواصل - الأصلان في علوم القرآن

[محمد عبد المنعم القيعي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الموضوع الأول: أماكن النزول وأزمنته وأحواله

- ‌الموضوع الثاني: النزول وما يتعلق به

- ‌أول ما نزل وآخر ما نزل

- ‌ سبب النزول وفوائده:

- ‌ الأسماء والمبهمات

- ‌ ما تكرر نزوله وما تأخر حكمه عن نزوله وما تقدم عليه:

- ‌ ما نزل من القرآن على بعض الأنبياء، وما نزل منه موافقًا لقول بعض الصحابة:

- ‌ كيفية إنزاله:

- ‌ نزول القرآن على سبعة أحرف:

- ‌الموضوع الثالث: المحكم والمتشابه

- ‌الموضوع الرابع: المناسبات والفواصل

- ‌الموضوع السابع: فضائل القرآن وأحكام تتعلق به

- ‌الموضوع التاسع: التفسير والمفسرون

- ‌مدخل

- ‌منزلة التفسير:

- ‌طرائق التفسير:

- ‌شروط المفسر

- ‌مع المفسرين وكتبهم:

- ‌الموضوع العاشر: الاستنباط

- ‌الموضوع الحادي عشر: "إعجاز القرآن

- ‌الموضوع الثاني عشر: معاني المفردات

- ‌الموضوع الثالث عشر: مقاصد السور وما يحتاج إلى معرفته المفسر من الأسماء والظروف والأفعال والحروف

- ‌الموضوع الرابع عشر: الإعراب وغير المشهور من اللغات

- ‌الموضوع الخامس عشر: فنون البلاغة

- ‌الموضوع السادس عشر: عَلاقة الكلمات بعضها ببعض واستعمالها

- ‌الموضوع السابع عشر: وسائل الإقناع

- ‌الموضوع الثامن عشر: اللفظ القرآني دلالته وأقسامه

- ‌الموضوع التاسع عشر: ترجمة القرآن

- ‌مدخل

- ‌شروط المترجم والترجمة:

- ‌حكم ترجمة القرآن:

- ‌الموضوع العشرين: أهم قواعد التفسير

- ‌خاتمة:

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌الموضوع الرابع: المناسبات والفواصل

‌الموضوع الرابع: المناسبات والفواصل

اعلم أن أول ما يجب على المفسر بيانه إظهار الرابط بين الآيات والسور، ومبدأ السورة وختامها. فأكثر لطائف القرآن كامنة تحت الروابط والترتيب.

وإذا كان القرآن قد نزل في أكثر من عشرين سنة، والآيات في المصحف ليست على ترتيب النزول، وقد تكون الأسباب في بعض الآيات المتجاورة مختلفة، فليس معنى هذا ألا يطلب لها رابط؛ لأن الآيات بترتيبها في المصحف توقيفية، فهي على الوقائع نزولًا، وعلى الحكمة الإلهية ترتيبًا. واستنباط الرابط أساسه قوة ملاحظة المستنبط؛ ولذا يختلف الرابط باختلاف الناس جودة وركاكة..

والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها، أو مستقلة. ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟.. وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له..

والمناسبة في اللغة: المشاكلة والمقاربة. ومرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينها: عام أو خاص، عقلي أو حسي أو خيالي، أو غير ذلك من أنواع العلاقات؛ كالتلازم الذهني بين السبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين ونحوه..

وفائدة معرفة المناسبة جعل أجزاء الكلام بعضها آخذ بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم.

ص: 60

فإذا كان الارتباط ظاهرًا -كأن تكون الثانية مؤكدة للأولى أو مكملة لها- فالأمر هين. وإن لم يظهر وجه الربط بأن تكون كل آية أو جملة في موضوع مختلف. فإن وجد حرف عطف بحثنا عن الجهة الجامعة؛ إذ لا بد منها عند العطف؛ كقوله: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} فالجهة الجامعة التضاد.

وقد جرت عادة القرآن إذا ذكر أحكامًا ذكر بعدها وعدًا ووعيدًا؛ ليكون باعثًا على العمل، ثم يذكر آيات توحيد وتنزيه؛ ليعلم عظم الآمر والناهي.

وإن لم يوجد حرف العطف، فلا بد من دعامة يعتمد عليها في الربط، وهي قرينة معنوية يدركها المستنبط ببصيرته النفاذة؛ كإلحاق النظير بالنظير في قوله تعالى من سورة الأنفال:{قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

ثم بَيَّنَ أوصافهم، وختم ذلك بقوله:{أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} ..

وذكر جزاءهم فقال: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} .

والتنظير هنا في أن الغنائم لما انتزعت من أيدي المجاهدين في أول الأمر وجعلت لله والرسول؛ تألم بعضهم لحرمانه منها. فألحق الله ذلك بكراهيتهم للخروج إلى الجهاد في أول الأمر، وتبينهم بعد ذلك أن في الخروج الغنيمة والنصر وعز الإسلام وهلاك الأعداء؛ كأنه يقول:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ..

ومن أمثلة الروابط: التضاد وشبهه؛ كالحديث عن الكافرين بعد المؤمنين وعكس ذلك هو كثير في القرآن..

ص: 61

ومن الروابط: الاستطراد المناسب، ومثاله: قصة آدم في سورة الأعراف، وفيها بدو السوءة. واستطرادًا في هذا الباب قال:{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} ..

ثم قال راجعًا إلى تكملة القصة: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} .

ومن أوجه الربط: حسن التخلص؛ كأن يصل إلى غرضه أثناء الحديث عن شيء آخر؛ كالحديث عن موسى في سورة الأعراف في أكثر من أربعين آية، ثم يصل إلى الحديث عن محمد، وبعد ذلك يعود لإتمام الحديث عن موسى، قال تعالى:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} .

وبعد ذلك يعود فيقول: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} ..

ومن أوجه الربط: الانتقال من حديث إلى حديث تنشيطًا للسامع، والربط بين الحديثين باسم الإشارة، ومثاله: أنه لما تحدث عن بعض الأنبياء في سورة ص، ختم هذا الحديث بقوله:{وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ، هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} ..

فقوله: {هَذَا ذِكْرٌ} يشير به إلى ذكر الأنبياء، ثم يشرع في ذكر الجنة، وبعد ذلك يشرع في ذكر النار، فيقول:{هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} ..

ص: 62

والقاعدة: أنك إذا أردت أن تعرف المناسبة بين آيات السورة الواحدة؛ فتعرَّف على الغرض الذى من أجله سيقت السورة، والمقدمات الموصلة إليه قربًا وبعدًا، واللوازم في جزئيات تلك المقدمات التي تنتقل بالسامع من حالة إلى حالة..

ومما تجدر الإشارة له التعرف على الانسجام الكامل بين أول السورة ونهايتها، وعلى سبيل المثال: سورة القصص التى ابتدأت بالحديث عن موسى والوعد بردِّه إلى أمه، ودعائه ألا يكون ظهيرًا للمجرمين. وختمت بحديث إلى محمد، ووعده بالرجوع إلى مكة أم القرى:{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} وقد عاد إليها منتصرًا، وقيل له:{فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} .

وسورة المؤمنون افتتحت بفلاحهم، وقبل آخرها بآية قال:{إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} .

وفي سورة ص قال في مبدئها: {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} وفي آخرها قال: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} .

وفي سورة القلم نَفى في أولها ما رُمي به صلى الله عليه وسلم من الجنون فقال: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} ، وفي آخرها حكى قول المشركين فقال:{وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} .. فسبحان من نفى عن رسوله التهمة قبل حكايتها..

ومما يجدر التنبه له التعرف على المناسبة بين بدء السورة وختام ما قبلها؛ كقوله في آخر سورة الطور: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} ، ثم قال في السورة التي تليها:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} .

وفي آخر سورة الواقعة: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} ، وفي أول سورة الحديد التي تليها:{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} ..

ص: 63

ومن اللطائف مقابلة المعاني في سورة لمعان في سورة قبلها؛ كسورة الماعون والكوثر، ففي الأولى ذم البخل والرياء، وفي الثانية أظهر كرمه على نبيه، وأمره بالكرم، ودعاه إلى الإخلاص، وفي الأولى توعد تارك الصلاة، وفي الثانية أمر بها..

ومن الضوابط الكلية للتعرف على وجه الربط بين السورة والسورة:

أ- اتحاد الحروف أو تشاكلها واقترابها؛ كالحواميم والطواسين.

ب- التفصيل بعد الإجمال؛ كالبقرة والفاتحة، فآخرها {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} . وهذا الصراط هو أول البقرة:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} ..

جـ- توافق الفواصل؛ كما في قوله: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ..

د- التقاء السورتين في غرض واحد؛ كسورتي: والضحى وألم نشرح..

ومن الملاحظ أن السور المبتدئة بالأحرف المقطعة يعقب ذلك ذكر الكتاب إلا في: العنكبوت، والروم، ون.. وسر ذلك -والله أعلم- أنه اكتفي بذكر القرآن في آيات تلك السور الثلاث..

وقال الزركشي في البرهان: كل سورة ابتدأت بالأحرف المقطعة تكررت فيها تلك الأحرف أكثر من غيرها، إما صراحة كما في ق، أو ضمنًا كتكرار الخصومات والقصص في سورتي: ص والأعراف؛ لما في أولهما من حرف الصاد.

ولا تخرج فواتح السور عن أمور عشرة:

1-

الثناء على الله في الفاتحة والإسراء..

ص: 64

2-

الأحرف المقطعة؛ كما في البقرة وآل عمران..

3-

النداء؛ كما في النساء والمائدة..

4-

الشرط؛ كما في الزلزلة والنصر..

5-

الأمر؛ كما في الإخلاص والمعوذتين..

6-

السؤال؛ كما في الأنفال والمعارج..

7-

الدعاء؛ كما في المطففين والهمزة..

8-

القسم؛ كما في الضحى والعصر..

9-

الخبر؛ كما في النحل والأنبياء..

10-

التعليل؛ نحو: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} ..

أما ختام السور فهي: دعاء، ووصايا، وفرائض، وتحميد، وتهليل، ومواعظ، ووعد، ووعيد، وتفصيل المطلوب، مما يجعل المتدبر قانعًا بآخر السورة، لا يتطلع إلى كلام يجيء بعد..

وأما المناسبة في تسمية القرآن وسور بأسماء وصفات، فاعلم أن لكل اسم أو صفة مدلولًا مرادًا.

وقد ميز الله كتابه عن غيره في التسمية. فالعرب يسمون كتابهم ديوانًا، والقَدْر منه قصيدة وبيت وقافية. أما القرآن فهو الكتاب، والقَدْر منه سورة وآية وفاصلة..

ومن بين أسماء القرآن وصفاته أنه الكتاب للضم الواقع بين حروفه وكلماته، والشفاء لإزالته أمراض القلوب، والذكر للتذكير بالوعد والوعيد، والنور لما يستنار به، والفرقان لتفريقه بين الحق والباطل.

وأما تسمية الطائفة من الآيات باسم السورة، فاعلم أنه توقيفي، وهل

ص: 65

هي من السؤر المهموز ومعناه البقية، أو هي من سور البلد المحيط بها، أو هي من النسور وهو الصعود والارتفاع؟

وقد تُسمى السورة باسم مذكور فيها، وهذا هو الغالب.

وقد تُسمى باسمين فأكثر؛ لوجود هذا فيها، إما باللفظ أو بالمعنى؛ كسورة الفاتحة.

وقد تُسمى السورة باسم فرد من أفراد ذُكروا فيها كسورة هود؛ لأنه تكرر ذكره فيها أربع مرات، ولئن كان نوح تكرر ست مرات، إلا أنه له سورة سُميت باسمه لم يقع فيها ذكر سواه، فكانت به أنسب. ولم تسمَ سورة باسم آدم اكتفاء بسورة الإنسان.. ولم تسمَ سورة باسم موسى أو عيسى؛ لأنه اكتفي بتسمية سورة باسم أم عيسى..

ويقال: تُسمى سورة القصص بسورة موسى، وكذلك سورة طه، وفي صحة ثبوت ذلك نظر.

وأما الفاصلة، فكلمة تقع في آخر الآية كالقافية في آخر الشطرة من بيت الشعر.

وقال بعض العلماء: الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع يقع بها إفهام المعاني.

وفرَّق الداني بين الفواصل ورءوس الآي فقال: الفاصلة هى الكلام المنفصل عما بعده، والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وقد لا يكون، وكذلك الفواصل تكون رءوس آية وغيرها، فكل رأس آية فاصلة، وليس كل فاصلة رأس آية. اهـ.

قال الجعبري: من الفواصل ما هو توقيفي وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم ومنه ما هو قياسي، وهو الذي يلحق بالموقوف عليه لشبه بينهما.

ص: 66

وقال غيره: تقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام. وسُميت بذلك أخذًا من قوله:{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} .

ومن المعلوم أن اللفظ في القرآن يتبع المعنى، وكلام البشر تتبع المعنى فيه الألفاظ. فكلامهم لا يخرج عن التكلف.

ومن الأحكام التى استنبطت من تتبع رءوس الآي اتضح أنها:

1-

تقديم المعمول على عامله ليختم بالعامل؛ نحو: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ} . وتقديم المفعول ليختم بالفاعل؛ نحو: {جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ} .

وقد يختم بتأخير الصفة ويقدم عليها ما يمكن أن تكون صفة له؛ نحو: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} ، فيمكن أن تكون "الكبرى" صفة للآيات، وأن تكون "من" بيانية و"الكبرى" مفعول ثانٍ.

والتقدير: لنريك الكبرى من آياتنا.

2-

تقديم ما هو متأخر في الزمان: {فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى} .. مراعاة للفواصل.

3-

تقديم الفاضل على الأفضل مراعاة أيضًا للفاصلة: {بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} .

4-

تقديم الضمير على ما يفسره؛ نحو: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} .

5-

تقديم الصفة المكونة من جملة فعلية على الصفة المفردة؛ نحو: {كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} فجملة يلقاه صفة، وهي جملة فعلية قدمت على الصفة المفردة ليختم بالمفردة "منشورًا".

ص: 67

6-

حذف ياء المنقوص؛ نحو: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} .

7-

حذف ياء الفعل غير المجزوم؛ نحو: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} .

8-

حذف ياء الإضافة؛ نحو: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} .

9-

زيادة حرف المد؛ نحو: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} .

10-

صرف ما لا ينصرف؛ نحو: {قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ} .

11-

إيثار تذكير اسم الجنس؛ كقوله: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} .

12-

إيثار تأنيثه؛ نحو: {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} .

13-

الاقتصار على أحد الوجهين الجائزين؛ نحو: {فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} بفتح الشين والراء مع جواز ضم الراء وسكون الشين في قوله: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ} لكنه فتح هناك مراعاة للفواصل.

وكل فاصلة ينظر إلى ما قبلها أو ما بعدها من الآيات؛ لتتضح مراعاة الفواصل.

14-

إيراد الجملة على خلاف المطابقة لما رد بها عليه الاسم والفعل؛ فمثلًا قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} لم يقل: وما آمنوا مراعاة للفواصل.

15-

إيراد أحد القسمين مخالفًا للقسم الآخر في الصيغة؛ نحو: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} ولم يقل: الذين كذبوا..

16-

إيراد أحد جزأي الجملتين على غير الوجه الذي أورد نظيرها من الجملة الأخرى؛ نحو: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}

ص: 68

لم يقل: اتقوا، والصدق والتقوى يجتمعان، بخلاف ما قبله من الصدق والكذب.

17-

إيثار أغرب الألفاظ؛ نحو: "الحطمة" في موضع، "ولظى" في آخر، و"سقر" في ثالث؛ مراعاة للفواصل.

18-

اختصاص كل من المشتركين بموضع؛ كـ"الألباب" ليوافق "الأنصار"، و"النهى" ليوافق "أخرى".

19-

حذف المفعول؛ نحو: {وَمَا قَلَى} .

20-

الاستغناء بالإفراد عن التثنية؛ نحو: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} .

21-

الاستغناء بالمفرد عن الجمع؛ نحو: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} .

22-

الاستغناء بالمثنى عن الإفراد: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} .. إذا كان الإخبار لكل فرد على حدة من الإنس والجن.. فإن كان الإخبار لهما فالمثنى على بابه. والأقرب أن يجعل هذا من باب الاستغناء بالمثنى عن الجمع؛ لأنها جنات.

23-

الاستغناء بالجمع عن المفرد: {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} .

24-

إجراء غير العاقل مجرى العاقل؛ نحو: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .

25-

الإتيان بصيغة المبالغة؛ نحو: رحيم، وعليم، وقدير

26-

إيثار بعض أوصاف المبالغة على بعض؛ نحو: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أوثر على عجيب.

ص: 69

27-

الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه؛ نحو: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} ، فلو لم يفصل لقال: وأجل مسمى لكان لزامًا.

28-

إيقاع الظاهر موقع الضمير؛ نحو: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} ولم يقل: أجرهم.

29-

وقوع مفعول موقع فاعل؛ نحو: {حِجَابًا مَسْتُورًا} أي: ساترًا.

30-

وقوع فاعل موقع مفعول؛ نحو: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} .

31-

إيقاع حرف مكان غيره؛ نحو: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} أي: إليها.

32-

حذف الفاعل ونيابة المفعول؛ نحو: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} .

33-

إثبات هاء السكت؛ نحو: {مَالِيَهْ} .

34-

الجمع بين المجرورات؛ نحو: {ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} ، والأحسن الفصل بين حروف الجر الثلاثة؛ لكنه جمع للفاصلة.

35-

العدول من الماضي إلى المستقبل؛ نحو: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} .

واعلم أن هذه الأمور وإن كانت في ظاهرها على خلاف المشهور مراعاة للفواصل، فإني لا أسلم أن مجرد مراعاة الفاصلة فقط هو الوحيد الذي اقتضى الخروج عن المشهور.. بل في كل موضع من هذه المواضع ما يبرره من التقديم والتأخير، وعلى سبيل المثال: تقديم "الآخرة" على "الأولى"

ص: 70

لأهمية الآخرة، وتقديم المعمول على العامل لاستحضار المستعان به في قوله تعالى:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ} ، وتقديم السحرة لهارون لأن فرعون كان لا يهتم إلا بموسى.. وتقديم يلقاه أهم من نشر الكتاب، ووجود الألف وصرف ما لا ينصرف فيهما مزيد من الإعلام، وعدم المطابقة مراعاة للفواصل في ذلك أيضًا ما تفيده الجملة من الثبوت والدوام، أو من الحدوث والتجدد، ولكل مقام مقال.

وأما الختم بألوان من الألفاظ التي يظن ترادفها -كاللب والنُّهَى- فلكل لفظ ما يناسبه من السياق؛ إذ اللب الجامع بين العقل والقلب، فهو أعلى مراتب العقل؛ ولذا ورد استعماله في المواضع التي يدق فيها الفهم {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} .

وبالتأمل في سائر المواضع تتضح المناسبة في التقديم والتأخير، وملاحظة رعاية الفواصل من المحسنات البلاغية في بعض المواضع وليس في كلها؛ ليتميز الكلام عن سجع الكهان المذموم.

وهذا هو مسلك القرآن، لم يلتزم أن تختم الآيات كما تختم القوافي في الشعر أو القرائن في السجع؛ بل يكتفي في المراعاة بأدنى ملابسة؛ كالألباب والأنصار وخبيرًا وحكيمًا.

قيل: لا تخرج رءوس الآي عن أربعة أشياء:

1-

التمكين: وهو أن يقدم في الآية ما يدل على ختامها؛ بحيث يمكن للسامع أن يأتي بالختام بعد سماعه فقرات من الآية.. ومن ذلك: {أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} .

ناسب الأمر بترك عبادة الآباء وما كانوا عليه الحلم. وناسب التصرف

ص: 71

في الأموال الرشد، ومنه قوله:{لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} .

فاللطيف يناسب من لا يدرك بالبصر، والخبير يناسب من يدرك الأبصار.

ومن ذلك: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} من سورة السجدة، وختامها بكلمة {يَسْمَعُونَ} لأن الموعظة مسموعة.

فلما قال في نفس السورة: {أَوَلَمْ يَرَوْا} ختمها بـ {يُبْصِرُونَ} لأنه من المرئيات.

وقد تختم الآيات بفواصل متعددة؛ كقوله في سورة النحل: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} .

وذلك أن مبدأ البحث التفكر، ويليه التعقل والفهم. ثم الانتفاع المشار إليه بالتذكر. وكما قلنا: لكل ختام ما يناسبه.

ففي سورة الأنعام: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} الآيات، ختمت الأولى بـ {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} والثانية:{لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} والثالثة: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .. لأن ترك الوصايا في الآية الأولى دال على عدم التعقل. وفي الآية الثانية حقوق قولية ومالية، وكل إنسان يحرص عليهما لنفسه، وترك ذلك بالنسبة للغير غفلة يناسبه الدعوة إلى التذكر، وفي الآية الثالثة دعوة إلى شرع الله والبعد عن سبل الشيطان، والمخالفة تعرض إلى سخط الله؛ فناسبه الدعوة إلى التقوى.

ومن ذلك ما جاء في سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ

ص: 72

الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} .

فالاطلاع على سير الكواكب يعرفه العلماء، وفَهْم الجنين وأطواره أدق من سابقه ولذا يخص الفقهاء؛ إذ الفقه أخص من العلم، فالعلم هو الفَهْم، والفقه فَهْم المراد.

وانظر إلى تهمتين وجهتا إلى القرآن: أنه شعر، وأنه سجع.. ومخالفته للشعر ظاهرة.. ومخالفته للسجع تحتاج إلى تأمل. فمن أثبت الأولى كفر. ومن أثبت السجع كان غافلًا، قال تعالى:{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} .

ومن بديع القرآن أن ينوع في القضية الواحدة؛ نظرًا لمراعاة وصف كل من الطرفين، قال تعالى في سورة إبراهيم:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} .

وفي سورة النحل قال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} .

قابل ظلم الإنسان بالمغفرة منه سبحانه. وقابل الكفران بالرحمة.

ونظيره قوله في كل من سورتي فصلت والجاثية: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} ؛ لكن المقام في فصلت بيان العدل؛ ولذا ختمها بقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .

والمقام في سورة الجاثية إنكار للبعث؛ ولذا ختم هناك بقوله: {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} .

ونظيره أيضًا قوله: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} ، والكلام

ص: 73

مع اليهود الذين افتروا على الله الكذب، والكلام مع المشركين يقول:{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} ؛ لأنهم لا كتاب لهم وضلالهم أشد.

وقد تختم الآية ختامًا يخالف ظاهرها؛ نحو قول المسيح: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

والظاهر: الغفور الرحيم؛ لكنه عدل عنه ليبين أن الغافر لمن يستحق العقوبة غالب، لا يُسأل عما يفعل.

وذلك هو معنى العزيز..

وأن الذي يغفر لمن يستحق العذاب قد يخفى فعله على بعض الناس فينكره، فبين تنزيهه عن العبث، وأن أي فعل يفعله لا يخرج عن الحكمة، فالحكمة فيما فعل.

ومن ذلك قوله في آل عمران: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

ظاهره أن يقول: والله بكل شيء عليم؛ لكن المقام مقام وعيد ومجازاة؛ فناسبه القدرة.

ومما تخفى مراعاة الفاصلة فيه قوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} .

ووجه المناسبة: أنه لما ذكر تسبيح الأشياء بحمده، ومن الناس من يغفل عن ذلك ولا يعاجله الله بالعقوبة قال:{حَلِيمًا} ، وأنه مهما سبح الكائن بحمد الله، فهو مقصر لا يوفي الله حقه؛ ولذا قال:{غَفُورًا} .

ص: 74

2-

التصدير:

ومعناه ختم الآية بلفظ ذكر فيها؛ نحو: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} .

3-

التوشيح:

وهو أن يكون في الآية إشارة بلازمه إلى ختامها؛ نحو: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ} ، فإن الاصطفاء يدل بلازمه على وجود مصطفى عليه، وهو قوله:{عَلَى الْعَالَمِينَ} .

4-

الإيغال:

وهو أن يكون في الآية مقدمة، والختام هو النتيجة؛ نحو قوله:{اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} . فعدم سؤال الأجر من الناس مقدمة ودليل على الاهتداء.

ورءوس الآي في القرآن لوحظ فيها مراعاة الترتيل والترنم. ويعتبر ذلك عند الوقف عليها. ولا تخرج أحرف ختام الآية عن مماثلتها لغيرها أو الاقتراب من ذلك.

ويدخل في العلم بالمناسبة والفواصل الآيات المتشابهة التي وردت في القرآن على موضوع واحد بأساليب متعددة.

من ذلك قوله في سورة البقرة: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وفي لقمان: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} . وكل ذلك إخبار عن الكتاب، إلا أنه في البقرة ذكر الإيمان وما يشمله من صلاة وزكاة والإيمان بالكتب وبالآخرة، والمناسب لذلك ذكر "المتقين".

ص: 75

وفي سورة لقمان ذكر الرحمة والمناسب لها الإحسان.

ومن ذلك قوله في سورة البقرة: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} .

وفي سورة الأعراف: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} .

فالفوارق في الموضعين: "قلنا" و"الواو" و"رغدا".

هذا في البقرة.. لأنها مسبوقة بقول الله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} وقوله للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} .

والسكنى في البقرة مراد بها الإقامة، فناسبها الواو الدالة على الامتنان؛ ولذا قال:{رَغَدًا} .

أما في الأعراف، فلم يتقدم قول سابق. والسكنى فيها اتخاذ المسكن، والمناسب لها الفاء؛ لأن الأكل مرتب على اتخاذ المسكن.

ومن ذلك قوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} وذلك في النفس الشافعة.

أما في النفس المشفوع لها فقال: {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} .

ومن ذلك قوله لبني إسرائيل في سورة البقرة: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} .. وفي سورة إبراهيم: {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} .. لأن المتكلم في البقرة الله، فلم يعدد البلاء الذي نزل بهم. والمتكلم في إبراهيم هو موسى؛ ولذا عدَّد وعطف بالواو.

ومن ذلك قوله في سورة البقرة لبني إسرائيل: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} .. وقوله في الأعراف: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} .. وبين القصتين اختلاف في الألفاظ اقتضاها المقام.. ففي البقرة امتنان.. وفي الأعراف توبيخ.

ص: 76

ومن ذلك قوله مرة عن اليهود: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} أرادوا: أربعين يومًا.. وفي موضع آخر قالوا: {مَعْدُودَاتٍ} أرادوا: سبعة أيام..

ومن ذلك قوله في القِبْلَة: {إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} .. وفي الدِّين قال: {إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} .

وقوله في موضع: {بَلَدًا آمِنًا} قبل أن يصير بلدًا، وفي موضع آخر قال:{اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} بعد أن صار بلدًا.

وقوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} .. وفي موضع آخر: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} ؛ لأن القرآن يصل إلى المسلم من جهات عدة فناسبه "إلى"، ولا يصل إلى النبي إلا من جهة واحدة فناسبه "على".

ومن ذلك قوله في المحرمات: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} .. وفي الأوامر: {فَلا تَعْتَدُوهَا} ..

وقوله في موضع: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} ؛ لأن الفقر واقع، فناسب تقديم الآباء على الأبناء في الرزق، ولما كان الفقر منتظرًا قُدم الأولاد في الرزق على الآباء، وقال:{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} .

ومن ذلك قوله عن المنافقين، وهم جماعات غير متآلفة بخلاف المؤمنين، وحتى الكافرين قال:{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} وقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} .

والله المستعان، وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

ص: 77

الموضوع الخامس: النسخ 1 وموهم الاختلاف

قال الله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

هذه آية من سورة مدنية..

وقال جل شأنه: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} .

وهاتان آيتان من سورة مكية، فيهما النسخ بالمعنى. وفي الآية المدنية النسخ باللفظ.

ولا بد للمفسر من معرفة الناسخ والمنسوخ، وإلا لهلك وأهلك غيره بإضلاله إياه.

وقد وقع خلاف حول إمكان النسخ ووقوعه؛ فأنكره قوم صيانة للقرآن عن وقوع مثل ذلك النوع فيه، وأجازه قوم للتصريح به والإشارة إليه. وقبل الخوض في تفصيل ذلك نرسم في هذا الباب مسائل:

1-

يطلق النسخ في اللغة على أحد معنيين متقابلين: الإزالة، ومنه: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته.

والمعنى الثاني: الإثبات، يقال: نسخت الكتاب، إذا جعلت منه نسخة أخرى أثبته فيها، ومنه قوله تعالى:{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: نكتبه ونسجله.

1 هذا العلم هام لدارس القرآن الكريم، وقد قال الأئمة: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ. انظر: الإتقان 2/ 20.

ص: 78

وفي معنى الإزالة ورد قوله: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} .

وإذا كان النسخ يرد في اللغة بمعنى الإثبات، فهل يعنى ذلك إثبات المنقول بلفظه ومعناه، أو أنه يكفي في الإثبات تحويله من موضع إلى موضع؛ كنسخ المواريث إذا حولت من شخص إلى شخص، أو يكفي في الإثبات أن تنقل المعنى ولو بلفظ آخر ويسمى ذلك تبديلًا؟

وعلى أي حال، فإن في النسخ معنى الإزالة بالنسبة للمنسوخ، ومعنى الإثبات بالنسبة للناسخ.

2-

الحكمة من وجود النسخ التيسير على الأمة؛ فإن أحكام الله أدوية تتداوى بها، وما ينفع المريض اليوم قد لا ينفعه غدًا.

ومن هنا ينفصل النسخ عن البداء؛ وهو الظهور بعد الخفاء.

ولما توهم اليهود أن النسخ براء أنكروه وقالوا: البداء محال على الله؛ لأنه لا يخفى عليه شيء.. ونحن نسلم لهم استحالة البدء عليه؛ ولكن إذا علم الطبيب أن الدواء يصلح أيامًا وسوف يغيره، فأي بداء في هذا؟

3-

اختلف العلماء: هل ينسخ القرآن بغير القرآن؛ كالسنة مثلًا؟

منع ذلك قوم وقالوا: لا ينسخ القرآن إلا القرآن؛ لأن الله قال: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ، والسنة ليست خيرًا من القرآن ولا مِثْلًا له.

وقال المجيزون: السنة ما دامت من عند الله جاز النسخ بها للقرآن؛ لأنها وحي يُوحى، والمثلية والخيرية بالنسبة للمكلف ورعاية مصلحته.

والذى أميل إليه جواز نسخ كل منهما بالآخر.. لكن لا بد من معضد للناسخ من نوع المنسوخ. فإذا نسخت السنة القرآن، فلا بد من معضد لها من القرآن. وإذا نسخ القرآن السنة، فلا بد من معضد له من السنة.

ص: 79

وبهذا قال الشافعي رضي الله عنه.

ولا يقع النسخ في الأخبار، وإلا كان كذبًا.

وإنما يقع في الأوامر والنواهي فقط.

وكذلك لا نسخ في العقائد التي شهدت بصحة أصولها العقول؛ لأن العقل لا يناقض نفسه. كما لا نسخ لأصول العبادات والفضائل الأخلاقية والأحكام المؤبدة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة".

4-

النسخ شرعًا: هو الخطاب الشرعي الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب الشرعي المتقدم على وجه، لولاه لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه1.

فهنا قيود:

القيد الأول: أن المنسوخ حكم، فيخرج ما ليس بحكم؛ كالوعد والوعيد؛ إذ المراد بالحكم الحكم التكليفي.

القيد الثاني: أن يكون شرعيًّا، فلا نسخ للبراءة الأصلية؛ لأنها ليست بحكم شرعي. فإيجاب الصلاة على المسلم لا يقال: إنه نسخ براءة ذمته قبل وجوب الصلاة عليه.

وكذلك لا نسخ للأحكام اللغوية أو العقلية؛ لأن النسخ يقع على الحكم الشرعي فقط.

القيد الثالث: أن يكون الناسخ خطابًا شرعيًّا، فلا نسخ بالموت أو رفع التكليف بسبب الجنون؛ لأن كلًّا من الموت والجنون ليسا خطابين شرعيين.

القيد الرابع: صلاحية الحكم المنسوخ للعمل به وقت التكليف به، فيخرج بذلك العبث.

القيد الخامس: أن يتأخر الناسخ عن المنسوخ بمدة يمكن العمل فيها بالمنسوخ، وإلا فإن الحكم الذي لم يتمكن العمل به هو والعدم سواء.

1 أصح تعريفات النسخ ما ذكره الحافظ ابن حجر: رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر.

ص: 80

5-

من العلماء من فرَّق بين النسخ والإنساء، فقال: النسخ رفع الحكم الشرعي بالخطاب الشرعي قبل التمكن من العمل بالحكم الأول؛ كآية النجوى في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} .

فقد شرع الله تقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول، ثم خفف ذلك فمسح بمناجاته صلاة ركعات، وذلك قبل التمكن من العمل بالحكم الأول، ولأن ختام الآية الأولى ظاهره نسخ هذا الحكم، وهو قوله:{فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

وأرى أن مثل هذا الذي لم يتمكن من العمل به، أرى أن رفعه لا يُسمى نسخًا؛ إذ النسخ للتيسير ولم تكن هناك صعوبة، ويعد هذا من باب تعداد النعم.

على أن تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول يمكن حمله على التغير من الوجوب إلى الاستحباب، أو تغير من الحكم الملزم لجميع الناس إلى حكم لا يطبق إلا على القادرين.

وأما الإنساء، فهو شرع الحكم من أجل سبب أو إلى وقت، ثم يتغير هذا الحكم بتغير السبب والوقت؛ كقوله تعالى:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} .. فالواحد مكلَّف بالثبات أمام عشرة، ثم نسخ هذا الحكم بسب الضعف، وتكليف الواحد بالثبات أمام اثنين، وذلك قوله:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ونحو قوله: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} .

ص: 81

فكل حكم علق على سبب أو أقت بوقت وتغير بتغير السبب أو بانتهاء الوقت المحدد له يسمى إنساء؛ لأن الله قال: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} .

فالنسخ عند هؤلاء في الحكم الذي لم يتمكن من فعله. والإنساء في الحكم المتغير بتغير السبب والوقت.

والذي أميل إليه أن كلًّا من هاتين الآيتين يحتاجان إلى تأمل؛ فتكليف الواحد أن يثبت أمام عشرة سائغ إذا كان بعد انتشار الإسلام وإعلاء كلمة أهله، وأن تكليفه بالثبات أمام اثنين هو المناسب لابتداء دخول الناس في الإسلام.

فالآية على هذا يكون حكمها وجوب الثبات أمام اثنين، ثم وجوب ثبات الواحد أمام العشرة، ولا يسمى مثل ذلك نسخًا؛ لأن المأمور بالثبات أمام عشرة مأمور بالثبات أمام اثنين.

وقوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ} إشارة إلى ما سيكون في المستقبل. وأما قوله: {الْآنَ} فإشارة إلى الحكم المعمول به في الحاضر.

وأما الآية الثانية، فهي من التخصيص لا من النسخ، فالعفو والصفح مأمور بهما، فإذا شرع الله القتال ضد قوم مقاتلين بقي العفو والصفح مأمور بهما مع غير هؤلاء المقاتلين.

ويجدر بنا أن نفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء؛ لنعلم كم من الآيات أدخلت في النسخ وليست منه.

6-

الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء: أن النسخ: رفع لحكم كان معمولًا به، وإبطال العمل به.

والتخصيص: قصر للعام على بعض أفراده بعد أن كان مستغرقًا لكل أفراده.

ص: 82

فإذا لاحظنا شمول العام قبل التخصيص، ولاحظناه بعد التخصيص؛ تبين لنا أن العام لم يبطل حكمه كله بعد التخصيص؛ وإنما ارتفع الحكم عن المقدار الذي يتناوله التخصيص.

فإذا قلنا: فاز كل مؤمن بالجنة، والمصلون برضوان الله، قصر الفوز برضوان الله على المصلين من المؤمنين. أما غير المصلين، فلم يفوزوا برضوان الله.

فأنت ترى أن التخصيص والنسخ قد يلتقيان في بعض الصور، وقد ينفرد النسخ بصورة لا يصح أن يقال فيها بالتخصيص؛ وهي: إذا بَطَلَ الحكم بالكلية.

وأما الاستثناء: فإنه رفع لحكم كان سيدخل لولا الاستثناء، فليس بينه وبين النسخ عَلاقة.

7-

من القرآن ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته؛ كقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فإنه منسوخ بالنسبة للمحاسبة على ما في داخل النفس.. وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به صدروها ما لم تفعل أو تكلم". ويعضده قوله سبحانه: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} .

ومنه ما نسخت تلاوته وبقي حكمه؛ ومثاله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله والله عزيز حكيم"، كان ذلك مما يُتلى ثم نسخ وبقي حكمه، وهو رجم الزانيين المحصنيين.

وفي هذا الذي قالوه نظر؛ لأن عدم وجوده في التلاوة التى مات عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعلنا نصرف النظر عن كونه قرآنًا، ونعتبر حكم الرجم ثابتًا بالسنة، فإذا أضفناه لقول الله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ

ص: 83

وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} كان مخصصًا لهذا العام. فنجلد الزاني الأعزب بالقرآن، ونرجم المحصن بالسنة، ويكون هذا من باب نسخ الحكم مع بقاء التلاوة.

ومن الناس من جعل من القرآن قسمًا ثالثًا؛ وهو نسخ الحكم والتلاوة معًا. ومثلوا له بما روي: "كان فيما نزل عشر رضعات مشبعات يحرمن، ثم نسخ بخمس رضعات مشبعات يحرمن".

وهذا أيضًا مما نزل وكان يُتلى.

ومثل هذه الأقوال تلحق بالسنن، ويفسر كلام الراوي بما يليق به.

فالسنة وحي يمكن أن توصف بالنزول. والقول بأن هذا مما كان يتلوه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات عنه وهو يتلى، قول تأباه الفِطَر والعقول.

8-

نسخ الوجوب بنص يبقي جوازه، وبالنهي يحرمه.

فمثلًا: صوم يوم عاشوراء كان واجبًا على المسلمين، ثم فرض صيام شهر رمضان بدلًا عن صيام يوم عاشوراء، فصار صوم يوم عاشوراء جائزًا؛ إذ ليس في آيات الصوم نهي عن صوم يوم عاشوراء، فبقي جواز صوم يومه.

أما الصلاة إلى بيت المقدس، فكان التوجه واجبًا إليه في صدر الإسلام، ثم نسخ بالنهي عن التوجه لبيت المقدس، وأمرنا بوجوب التوجه إلى الكعبة، فصار التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس حرامًا؛ إذ جاء في السنة النهي عن التوجه لبيت المقدس.

9-

الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه كانت نسخًا له، وإن لم تغيره لم تكن ناسخة.

فمثلًا: القرآن أثبت للزاني والزانية جلد مائة، وجاءت السنة فأبقت

ص: 84

على الجلد وزادت تغريب عام.. فتلك الزيادة ليست نسخًا؛ لأنها أبقت الحكم على ما كان عليه.

ومثال الزيادة التي تعتبر نسخًا لتغييرها الحكم: الزيادة التي جعلت الركوع في صلاة الكسوف ثلاث مرات. فمعنى هذا: أن الركوع مرة واحدة غير مقبول.

10-

لا يقال بالنسخ إلا عند تحقق التعارض من كل وجه ومعرفة التاريخ. فإذا انفكت الجهة وأمكن الجمع لا يقال بالنسخ.

إذا تمهدت هذه الأصول، فإليك بعض ما قالوه في بعض الآيات:

1-

في سورة البقرة قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} .

ظاهر هذا وجوب الوصية للوالدين والأقربين. قالوا: وقد نسخ فرض الوصية، إما بآيات المواريث، أو بحديث:"لا وصية لوارث"، أو بالإجماع.

وأقول: أما الإجماع، فلا يصلح أن يكون ناسخًا إلا مستندًا إلى دليل.

وأما الحديث، فيصلح لو عُلم أنه متأخر عن الآية، وكان معه عضد من القرآن.

وأما آية المواريث، فإنها لم تورث كل الأقربين، فابن الابن مع الابن لا يرث جده؛ لأن عمه يحجبه، وهو من الأقارب.

وعليه، فإن آية المواريث خاصة، وآية فرض الوصية عامة. فتبقى الوصية واجبة للأقربين غير الورثة. والنسخ يلتقي مع التخصيص في هذه الصورة.

ونقول: نسخ فرض الوصية للوارث القريب بآية المواريث.

ص: 85

2-

{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} .

ظاهر هذا وجوب الفدية على مَن أطاق الصوم.. قالوا: وهو منسوخ بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} .

وأقول: لا نسخ؛ لأن الأولى فيمن يشق عليه الصوم، ولا يرجو أن يكون قادرًا عليه.

والنص الثاني في القادر على الصوم.

3-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .

ظاهر هذ أنه يحرم علينا ما كان يحرم عليهم من مباشرة النساء ليلًا، فنسخ الله ذلك بقوله:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} .

وأقول: إذا ثبتت بعض الروايات أن المسلمين كانوا يمنعون عن نسائهم في ليالي رمضان إلى أن نزلت الآية، إذا ثبت هذا فالآية ناسخة لما ثبت بالسنة. وإذا لم يثبت فلا نسخ؛ لأن تشبيه فرض الصوم علينا بتشبيه فرض الصوم على مَن قبلنا، لا يقتضي منعنا عن نسائنا كما كانوا يمتنعون.

4-

قال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} .

ظاهر هذا جعل القتال في الشهر الحرام من الكبائر. قالوا: وقد نسخ ذلك بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} .

وأقول: هذا من قلة التدبر؛ لأن قوله: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} لا يعني أنه اعترف بتحريم القتال فيه؛ وإنما هو في معرض الجدل لهم، ألا ترى إلى قوله بعد ذلك:{وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} .

ص: 86

أما ما اعتبروه ناسخًا فإنه أمر بقتال جميع المشركين من غير تعرض لذكر مكان أو زمان. فيمكن العمل به في غير الأشهر الحرم إذا احترمها الطرفان، ولا يكون ثمة تعارض بين النصين.

5-

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} .

ظاهر هذا كما قالوا: وجوب الوصية للمتوفَّى عنها زوجها، ووجوب مكثها في بيت الزوجية حولًا كاملًا، ولها السكنى والإنفاق عليها لمدة سنة.

وهذا كله منسوخ بقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} .

وأقول: لا تعارض بين الآيتين؛ لأن الأولى في الندب والاستحباب. والثانية في جواب العدة وتقديرها بأربعة أشهر وعشر.

6-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} .

ظاهر هذا أنه يجب على العبد أن يعطي الله حقه في الخوف منه. قالوا: وهو منسوخ بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} .

وأقول: ليس بين الآيتين تعارض؛ فالآية الثانية بيان لما أجمل في الآية الأولى، أو أن الآية الأولى في العقائد والثانية في التكاليف البدنية والمالية.

7-

{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} .

ظاهر هذا وجوب الحق في الميراث لمولى الموالاة. قالوا: وهو منسوخ بقوله: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} .

وأقول: الجهة منفكة: للموالين حقوق كما اتفق، والمسلمون عند

ص: 87

شروطهم. وللأقربين حقوق، ويجب إعطاء كل ذي حق حقه، وكل شرط أحل حرامًا أو حرم حلالًا فهو باطل، وتوارث المهاجرين والأنصار كان بالسنة ثم أُلغي بآية المواريث، ولأخوة الإسلام حقوق، وللورثة حقوق.

8-

{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} .

قالوا: نسخت بآية المواريث.

وأقول: الأمر على الندب، فيندب إرضاء غير الورثة من المذكورين، وللورثة حقوقهم.

9-

{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} .

قالوا: منسوخة بقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} .

وأقول: هذا نسخ، وقد جعل الله لهن سبيلًا؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب رجم بالحجارة.

10-

{لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} .

قالوا: منسوخة بإباحة القتال في الأشهر الحرم.

قلت: ليس في الآية الأولى تحريم القتال في الشهر الحرام، والمنع منه، حتى لو اعتدي علينا؛ وإنما فيها دعوة إلى السلام إن التزم العدو بذلك، وإلا فإنه قد قال: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ

ص: 88

فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} .

11-

{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} .

قالوا: منسوخة بقوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} .

وأقول: لا تعارض بين الآيتين، فإنه صلى الله عليه وسلم مُخَيَّرٌ أن يحكم بين أهل الكتاب وأن يعرض عنهم، فإذا اختار الحكم فليلتزم بتطبيق ما نزل إليه والحكم به بينهم.

12-

{أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} .

قالوا: منسوخة بقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} .

وأقول: لا تعارض؛ لأنه قال: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} ، فشهادة غير المسلمين عند عدم تيسر شهادة المسلمين.

13-

{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} .

قالوا: منسوخة بقوله: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء} وبقوله: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} .

وأقول: هذا من التخصيص، وهو أيضًا من باب أنه: لا وجوب مع عجز عنه.

14-

{الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} .

ظاهره أن العفيف لا يتزوج الزانية، وقد نسخ بقوله:{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ} .

وأقول: هذا من النسخ إن فسر الأيامى بالزانيات؛ لمقابلته بالصالحين.

15-

{لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} .

قالوا: منسوخة بقوله: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} .

ص: 89

قلت: أين الدليل على أن {لا يَحِلُّ} نزلت أولًا؟

16-

{فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} .

قالوا: منسوخة بآية السيف أو آية الغنيمة.

قلت: لا نسخ فيها، والحكم باقٍ.

وأما قوله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} فخاص به صلى الله عليه وسلم، لا يقال عنه: إنه نسخ بإقامة الصلاة.

واعلم أن كثيرًا من الآيات ذكر في كتب القدماء القول بنسخها؛ لأنهم كانوا يطلقون النسخ على تبيين المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وموهم الاختلاف؛ كقوله في الدعاء:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} وفي الصلاة: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

فإن قلت: فما الحكمة في نسخ الحكم مع بقاء التلاوة؟

قلت: للتذكير بالنعمة إن كان الناسخ أيسر، وإن كان أشد فللاختبار ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة لا يجردها من الفائدة، فهي كلام الله {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} .

ولا يقال بالنسخ إلا استنادًا إلى نقل صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النسخ رفع حكم وإثبات آخر، فلا يقال بالاجتهاد.

ويستوي أن يكون النسخ في الأمر، وأن يكون في الجملة الخبرية الطلبية في المعنى.

وأما موهم الاختلاف والتعارض، فإنه يرجع إلى نصين متقابلين في الدلالة ظاهرًا، ولا يوجد في القرآن تعارض باقٍ؛ لأن ما ثبت تعارضه ولم يمكن الجمع فيه يقال بالنسخ..

ص: 90

وموهم الاختلاف في الظاهر يمكن الجمع فيه بعد التأمل؛ كأن تختلف الجهة أو الزمان، أو المكان، أو المحكوم عليه، أو المحكوم به، أو الحكم، أو الحالة، أو الكم

ومثاله:

أ- قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وقوله: {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} .

وجوابه: أنهم ينكرون الشرك بألسنتهم وتنطق به جوارحهم..

ب- قوله: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} وقوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

وجوابه: أن الأولى للتسمية والثانية للوصف، وذلك بعد وجود المغفور له، أو يقال: الفعل مع الله لا يتقيد بزمان، أو يقال:"كان" للدوام.

جـ- أيهما أسبق في الخلق: الأرض أم السماء؟

والجواب: أن الأرض خُلقت في يومين، والسماء في يومين، ودحو الأرض بعد ذلك في يومين. قال تعالى:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} أي: بعد خلق الأرض والسماء، وذلك قوله في سورة فصلت:{خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْن} ثم قال: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} .

ومن هنا تعلم أن قوله بعد خلق الأرض في يومين من سورة فصلت: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} أي: بانضمام يومي خلق الأرض.

د- قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} .

وقوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} لأن عدم التساؤل بعد النفخة الأولى، والتساؤل بعد النفخة الثانية.

ص: 91

هـ- قوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} وقوله: {وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} .. وذلك لاختلاف المواقف في يوم الحساب.

و قوله: {لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} أي: لا يسأل سؤالًا يستفيد السائل منه علمًا. وقوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} أي: للتوبيخ.

ز- قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} وقوله في موضع آخر: {كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} .

ومن الأجوبة على هذا: أنه بالنسبة للمؤمن والكافر على حد قوله: {عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} فمفهومه أنه على المؤمنين يسير.

ولهذا التعارض في الظاهر أسباب:

منها: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وأطوار شتى؛ كالإخبار عن خلق آدم من تراب، ومن طين، ومن طين لازب، ومن صلصال، ومن حمأ..

ومنها اختلاف المكان.

ومنها: اختلاف جهتي الفعل؛ نحو: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} .

ومنها: اختلاف الموضع؛ نحو: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فالرجل لا ينافي الطمأنينة؛ لأنه مقدمة لها.

وهكذا يجب أن تفرض عند الجمع في كل مقام ما يناسبه، قال تعالى:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} . فما كان من عند الله لا اختلاف فيه أصلًا قليلًا أو كثيرًا، وإن

ص: 92

بدا لبعض الناشئة اختلاف قليل، فبالتأمل يزول هذا الاختلاف؛ لأن القرآن يصدق بعضه بعضًا.

وقد توهم بعض الناس وجود التعارض في نحو قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} وقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} .

والحق أنه لا تعارض، فلا أظلم في باب المنع ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا أحد أظلم في باب الكذب ممن كذب على الله.

وكذا قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} .

فظاهر هذه الآية أن المانع لهم عن الإيمان قولهم: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} . وهذا مانع مجازي.

والمانع الحقيقي عدم إرادة الله لهم الهداية، وهذا هو المشار إليه بقوله:{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} .

وظاهر هذا أنهم علقوا إيمانهم على نزول العذاب بهم، أو نزول ما كان ينزل على الأولين من خسف ومسخ. ولم يحقق الله لهم ما صلبوه؛ لأنه لم يرده. وبالتالي لم يرد هدايتم؛ لأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

ص: 93

الموضوع السادس: القراءات 1 وما يتصل بها من الإسناد والوقف والتجويد

روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب".

وروى أيضًا عن أنس بن مالك أنه سئل عمن جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أربعة، كلهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد من عمومة أنس".

وعنه أيضًا: "مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد".

ومن هذه الروايات نتبين أن كل راوٍ كان يخبر عن علمه، وأن قول أنس: "لم يجمع القرآن

" الحديث قاله وهو يفتخر بقبيلته الخزرج.

فالصالحون كانوا يتباهون بالعمل الصالح.

أخرج ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال:"افتخر الحيان: الأوس والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة: مَن اهتز له عرش الرحمن لما مات: سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين: خزيمة بن أبي ثابت، ومن غسلته الملائكة: حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدبر: عاصم بن أبي ثابت. فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم". وذكروا ما رواه أنس.

1 القراءات جمع قراءة؛ وهي في اللغة: مصدر قرأ، وفي الاصطلاح:"القراءات: علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة". انظر: منجد المقرئين لابن الجزري ص3، وانظر تعريفًا آخر للقراءات في مناهل العرفان للأستاذ الزرقاني 1/ 405.

ص: 94

وعليه، فلا يحتج بحديث أنس في حصر الحفظة للقرآن على أربعة، فهم لا يحصون.

ومن الرواة من جعلهم خمسة أو ستة. وكل هذا إخبار عن علم الراوي، وإلا فأين الخلفاء الراشدون والمبشرون بالجنة وبعض أمهات المؤمنين؟

واسم أبي زيد في حديث أنس: قيس بن السكن بن زعوراء من بني عدي بن النجار.

والقراء من التابعين زاد عددهم. ومن أتباع التابعين كان القراء السبعة الذين يعتبرون أئمة؛ وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي.

وعن كل إمام تلميذان له؛ فعن نافع: قالون وورش.. وعن ابن كثير: البزي وقنبل. وعن أبي عمرو: الدوري والسوسي. وعن ابن عامر: هشام وابن ذكوان. وعن عاصم: أبو بكر بن عياش وحفص. وعن حمزة: خلف وخلاد. وعن الكسائي: الدوري وأبو الحارث.

وأول مَن صنف في القراءات: أبو عبيد القاسم بن سلام، ثم أحمد بن جبير الكوفي، ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي، ثم أبو جعفر بن جرير الطبري، ثم أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الدجوني، ثم صنف طبقاتهم: أبو عبد الله الذهبي، ومن بعده: أبو الخير الجزري.

وقد ألَّف الإمام الشاطبي في القراءات كتابًا منظومًا، ذكر فيه ما يتعلق بالقراءات السبع.

ص: 95

وأحسن مَن تكلم في القراءات إمام القراء: أبو الخير بن الجزري، فقال: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها1 إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، ويجب قبولها، سواء نقلت عن الأئمة السبعة أو غيرهم. اهـ بتصرف.

فمتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة؛ كانت ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.. لأن الاعتماد على تحقق هذه الأركان لا على مَن تنسب إليه القراءات.

والمراد بموافقة العربية ولو بوجه أن تكون القراءة سائغة في النحو؛ نحو قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} فيمكن حمل "المقيمين" على أنه منصوب بفعل تقديره: أمدح..

والمراد بموافقة الرسم العثماني ولو احتمالًا كقراءة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} بالألف، فإنها موافقة للرسم العثماني بغير ألف؛ لأن من عادتهم حذفها اختصارًا.

والمراد بصحة السند: اتصاله، وعدالة الرواة وضبطهم، وخلوه من الشذوذ والعلة، ويشترط أن تكون متواترة في الجملة.

فكل قراءة توافرت فيها أركانها الثلاثة منكرها كافر.

وأما ما صح نقله عن الآحاد ووافق العربية؛ لكن خالف الرسم العثماني، فيقبل ولا يقرأ به، ويحتج به على أنه رواية كقراءة عبد الله بن مسعود في كفارة اليمين:"فصيام ثلاثة أيام متتابعات".

وأما ما نقله الثقة ولا حجة له في العربية، أو نقله غير الثقة وله حجة

1 القاعدة: أن كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وكانت متواترة، فشرط القرآن التواتر لا صحة السند كما يقول ابن الجزري. والقاعدة: أن القرآن يوجب العقل تواتره؛ لأن الدواعي تتوافر على نقل الشيء، إما لقرابته أو لفرط أهميته، وهذه القاعدة قد أخذتها مشافهة من أستاذي العلامة الشيخ عبد العال عطوه الأستاذ بكلية الشريعة والقانون، وذلك أثناء دراستي عليه الفقه والأصول دراسة خاصة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

ص: 96

في العربية، فهذان لا يقبلان ولا يقرأ بهما وإن وافقا الرسم العثماني.

والقراءات العشرة لا تخرج عن كونها إما متواترة أو مشهورة، وهناك قراءة تعتبر شاذة1 لما وقع فيها من الإدراج؛ وهو اختلاط التفسير بالقراءة، ومثاله: ما عُزي إلى ابن عباس من أنه كان يقرأ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} .. ويزيد: "في مواسم الحج".

ومما هو شاذ ولم يقع فيه إدراج قراءة بعضهم: "مَلَكَ يَوْمَ الدين" بصيغة الماضي ونصب اليوم.

ولا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترًا في أصله وأجزائه، وأما في محله ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققي أهل السنة.

والقرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان.. فالقرآن: هو الوحي المنزَّل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز.

والقراءات: اختلاف ألفاظ الوحي المذكور مع اتحاد المعنى أو تقاربها.

وإنما الاختلاف في الحروف وكيفية أدائها من تشديد أو تخفيف أو إدغام وغير ذلك.

وقد سبق أن القراءات الشرعية المعتبرة متواترة بألفاظها من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أئمة القراءات، ومنهم إلينا.

وإذا ثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر كيفية أدائه من: مد، وغن، وتحقيق، وتسهيل، وغير ذلك من أحكام تناولها علماء التجويد بالتفصيل والإيضاح.

ومن الخطأ قصر صحة الرواية عن الأئمة السبعة على الراويين عن كل إمام؛ فهناك رواة ثقات عن كل إمام غير تلميذيه المشهورَيْنِ.

1 القراءة الشاذة: هي ما لم يصح سندها ولو وافقت رسم المصحف والعربية؛ مثل: "ملك يوم الدين" بصفته الماضي في ملك ونصب يوم مفعولًا على ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

ص: 97

وأصح القراءات سندًا قراءة: نافع، وعاصم.. وأفصح القراءات: أبو عمرو، والكسائي.

وأما قراءة الثلاثة بعد الأئمة السبعة، فمتواترة أيضًا معلومة من الدين بالضرورة. والثلاثة هم: يعقوب، وأبو جعفر، وخلف.

ومن المعلوم أن تعدد القراءة في الآية الواحدة ينبني عليه اختلاف النظر في الحكم الفقهي. فمن يرى نقض الوضوء بلمس المرأة لاحتمال ذلك قوله: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} فإنه يمكنه أن يرجح هذا القول بالقراءة بدون ألف بعد اللام.

ولاختلاف القراءات وتنوعها فوائد:

أ- التسهيل على الأمة.

ب- إظهار فضل هذه الأمة، وقد أنزل الله إليها الكتاب على أكثر من وجه.

جـ- إفساح المجال للاجتهاد واستنباط الأحكام والمعاني.

د- إظهار سر الله في كتابه وصيانته له عن التبديل والاختلاف، مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة.

هـ- المبالغة في إعجازه بإيجازه؛ إذ تنوع القراءات بمنزلة الآيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدة لم يخفَ ما في ذلك من التطويل.

و جعل بعض القراءات بيانًا لما أُجمل في القراءة الأخرى.

وأما الوقف والابتداء، فإنه وثيق الصلة بكيفية الأداء. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليُؤْتَى الإيمان قبل القرآن،

ص: 98

وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره، ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه".

فهذا الحديث يدل على أنهم -رضوان الله عليهم- كانوا يتعلمون الوقف، ويعتبرون ذلك من تمام تعلمهم للقرآن.

وعن علي -كرم الله وجهه- في قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} قال: "الترتيل": تجويد الحروف ومعرفة الوقف.

فعلى معرفة الوقف والابتداء وضوح المعنى؛ وبذلك يقف الإنسان على شيء من وجوه إعجاز القرآن.

ومن هنا يجب ألا يُوقف على كلمة مرتبطة بما بعدها أو ما قبلها؛ لأن ذلك مخل باستقامة المعنى، ويروى النهي عن الوقف على قوله تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ويجب الوصل بقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ} حتى لا يتجزأ المعنى.

وقد اصطلح العلماء1 على تقسيم الوقف إلى:

أ- تام: وهو ما لا صلة له بغيره من حيث المعنى.

ب- حسن: وهو الوقف عند معنى مفيد ولكن لم يتم؛ كالوقف على {الْحَمْدُ لِلَّهِ} والابتداء بـ {رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

جـ- وقبيح: وهو الوقف قبل استعمال المعنى؛ كالوقف قبل الاستثناء.

واعلم أنه بسبب عدم معرفة الوقف والابتداء قد انتشر الجهل إلى حد يفسد المعنى.. وذلك لأن الوقف قبل تمام المعنى مفسد، وكذلك وصل ما يجب الوقف عليه مفسد أيضًا.. وإليك بعض النماذج:

1 هذه الاصطلاحات لعلماء التجويد على ما هو معروف في كتب التجويد؛ مثل: الجزرية، وتحفة الأطفال؛ لكن ذكرها المؤلف هنا تبعًا للسيوطي في الإتقان.

ص: 99

لو وصلنا قوله من سورة غافر: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} بما بعده وهو قوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} لفسد المعنى.

وكذلك لو وصلنا: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ} لفسد المعنى أيضًا. وقوله: {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} لو لم نقف على "ولد" لفسد المعنى.

وإذا وقفنا عند قوله: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا} ثم ابتدأنا {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ} لكان ذلك كفرًا إن تعمده مَن وقف على القول وابتدأ بمقول القول.

وقد يضطر القارئ عند انقطاع النَّفَس إلى الوقف. وهذا له حكم الضرورات؛ ولكنه عليه أن يبتدئ بما لا تعلق له بما قبله؛ لأنه مختار وليس بمضطر.

وليس كل ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه بعض القراء، أو يتأوله بعض أولي الأهواء، مما يقتضي وقفًا أو ابتداء، ينبغي أن يتعمد الوقف عليه؛ بل ينبغي تحري المعنى الأتم، والوقف الأوجه.. فإن ذلك مما يفسد المعنى أحيانًا؛ كوقف بعضهم على قوله:{ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ} ويبتدئ: {بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} لأنه يكون على لسان المتكلم مع أنه حكاية عن حال من أحوال المنافقين.

ولا بد للقارئ من معرفة بعض المذاهب المشهورة في الفقه والنحو والتفسير؛ حتى لا يفسد المعنى بقراءته.

ولأئمة القراء مذاهب في الوقف والابتداء؛ فنافع كان يراعي التجانس بحسب المعنى. وابن كثير وحمزة كانا يراعيان انقطاع النَّفَس. وعاصم

ص: 100

والكسائي كانا يراعيان تمام الكلام. وأبو عمرو كان يراعي رءوس الآي؛ لأن الوقوف عليها سُنَّة.

ومِن العلماء مَن فرق بين الوقف والسكت والقطع؛ فقال: الوقف بتنفس عند الموضع الذى وقف عليه. والسكت وقف بلا تنفس. والقطع إنهاء القراءة، ولا يكون إلا عند رأس الآية، فإن بدأ تعوذ بالله.

وللوقف في كلام العرب أوجه متعددة. والمستعمل منها عند الأئمة تسعة: السكون، والروم، والإشمام، والإبدال، والنقل، والإدغام، والحذف، والإثبات، والإلحاق.

فالروم: النطق ببعض الحركة، ولا يقع في المفتوح. والإشمام: الإشارة إلى الحركة من غير تصويت، ويختص بالضم.

وأما الإبدال: ففي الاسم المنصوب المنون يوقف عليه بالألف. وأما النقل: ففيما آخره همزة بعد ساكن.

وأما الإدغام: ففيما آخره همزة بعد ياء أو واو زائدتين، فإنه يوقف عليه كسابقه عند حمزة.. وذلك بالإدغام بعد نقل الهمزة إلى جنس ما قبله.

وأما الحذف: ففي الياءات الزوائد عند مَن يثبتها وصلًا ويحذفها وقفًا؛ نحو: "المتعال".

وأما الإثبات: ففي الياءات المحذوفات وصلًا عند مَن يثبتها وقفًا؛ نحو: "وما لهم من دونه من والي".

وأما الإلحاق: فما يلحق آخر الكلم من هاءات السكت عند مَن يلحقها؛ نحو: "عم".

وفي الحديث: "اقرءوا القرآن بلحون العرب في أصواتها، وإياكم وأصوات أهل الفسق وأهل الكتابين".

ص: 101

فما ذكرناه مما هو منسوب إلى أئمة القراء لا يخرج عن لحون العرب وأصواتهم، ومن لحونهم: فتح الألف وإمالتها بين الفتح والكسر. وقد تخف هذه الإمالة وقد تزيد فترقق حتى تكون إلى الكسر أقرب. والأقرب أن تكون الإمالة فرعًا عن الفتحة، فما من كلمة تمال إلا وبعض العرب يفتحها.

وللإمالة أسباب ووجوه وفوائد، ومن يميل من القراء، وما يمال من الكلمات، واستيفاء ذلك في كتب القراءات والتجويد.

ومن الخطأ والتجني على العلم قراءة القرآن بميوعة وتخنث، وفي الحديث:"اقرءوا القرآن فخمًا مفخمًا" أي: لكل معنى ما يناسبه من الصوت، مع المحافظة على الأداء برجولة.

ومما تجب ملاحظته: الإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإقلاب. ولكل من هذه الأقسام مواضعها، وبسط ذلك في كتب فن القراءات:

فالإدغام: هو اللفظ بحرفين حرفًا كالثاني مشددًا.

والإظهار: إظهار الحرف بكامل هيئته.

والإقلاب: قلب الحرف ليكون قريبًا من حرف آخر.

والإخفاء: إخفاء الحرف.

وللنون الساكنة وللتنوين هذه الأحكام الأربعة، فتدغم إذا وليها: الياء والنون والميم والواو، وكانتا في كلمتين. وتظهر إن وليها أحرف الحلق: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء. وتقلب إن وليها الباء. وتُخْفَى إن وليها باقي حروف الهجاء. والإخفاء حالة بين الإدغام والإظهار، ولا بد أن تصحبه غنة.

كما أنه لا بد للقارئ أن يعرف ما يمد، وما لا يمد، وحركات المدود. فإذا وقعت الهمزة والمد في كلمة واحدة كان المد متصلًا. وإن كانت في كلمة والمد في كلمة فالمد منفصل.

ص: 102

فالأول نحو: {أُولَئِكَ} . والثاني نحو: {بِمَا أُنْزِلَ} .

وهناك مد لازم؛ وهو ما يعقبه حرف مشدد؛ نحو: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} .

والمد: مط الحرف حركة فأكثر.

عن ابن مسعود أنه أنكر على قارئ يقرأ: "الفقراء" بغير مد، وأمره بمدها؛ لأن ابن مسعود هكذا بالمد تلقاها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن العرب مَن يحقق الهمزة، ومنهم مَن يسهلها إذا وقعت قبلها همزة، ومنهم مَن يقلبها ألفًا نحو:{قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ} أو بقلبها واوًا إن ضم ما قبلها، أو ياء إن كسر؛ نحو: يؤمنون، والنبي.

وحفظ القرآن فرض كفاية، وكذا تعليمه وتعلمه. ولا بد فيه من المشافهة، وتلقيه عن أهله الذين يتلونه حق تلاوته من غير مبالغة ولا تقصير؛ لأنه إذا اشتد البياض كان برصًا، وهكذا القراءة تُتلى لا هزًّا كهز الشعر، ولا سردًا مخلًّا، ولا تذمتًا مملًّا.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "جودوا القرآن".

والتجويد حلية القراءة؛ وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها ورد الحرف إلى مخرجه وأصله، وتلطيف النطق به على كمال هيئته من غير إسراف ولا تعسف، ولا إفراط ولا تكلف.

والقراءة إما تحقيقًا وهي ما كانت للرياضة، وإما ترتيلًا وهي ما كانت للتدبر. وفي الحديث:"مَن أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" يريد: ابن مسعود. وقد قيل:

للحرف ميزان فلا تك طاغيا

فيه ولا تك مخسر الميزان

وإن أول ما تغنى المغنون بالقرآن قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} الآية.

ص: 103

وذلك تقليدًا لما كانوا يتغنون به من قول الشاعر:

أما القطاة فإني سوف أنعتها

نعتًا يوافق عندي بعض ما فيها

ويُغتفر للمتعلم اللحن اليسير إذا لم يتيسر له شيخ يقرأ عليه، وهذا بحكم الضرورة، وإلا فاللحن في القرآن مقطوع بتحريمه.

وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

ص: 104