الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموضوع السابع: فضائل القرآن وأحكام تتعلق به
أخرج الترمذي1 عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ستكون فتن"، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم، وهو الفصل، ليس بالهزل، مَن تركه من جبار قصمه الله، ومَن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، مَن قال به صدق، ومَن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".
وأخرج الحاكم وغيره، من حديث عبد الله بن عمرو:"من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يُوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من يجد، ولا يجهل مع من يجهل وفي جوفه كلام الله".
وأخرج أبو يعلى والطبراني من حديث أبي هريرة: "القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه".
وأخرج الطبراني من حديث أنس: "حملة القرآن عرفاء أهل الجنة".
وأخرج أيضًا من حديث أبي أمامة: "مَن تعلم آية من كتاب الله استقبلته يوم القيامة تضحك في وجهه".
1 هذا الحديث سنده ضعيف؛ ولكن متنه صحيح؛ إذ لا يلزم من ضعف الراوي ضعف المروي، على ما هو مقرر لدى علماء الحديث.
وأخرج ابن أبي شيبة من حديث أبي شريح الخزاعي: "إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وصرفه بأيديكم، فتمسكوا به؛ فإنكم أن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا".
لهذه الأحاديث وغيرها تعلق المسلمون بالقرآن تعلقًا لا نظير له، أحصوا حروفه وكلماته وآياته وسوره مما يؤكد الضبط التام له
…
فسوره أربعة عشر ومائة، ولا التفات لمن عد أقل من ذلك أو زاد؛ لأنه راجع إما إلى إدماج سورة في أخرى، أو إثبات ما لم يثبت.
وأما عدد الآيات، فالاختلاف فيه راجع إلى وقف النبي صلى الله عليه وسلم فلما استقر الأمر في قلوب المسلمين وصل لاستكمال المعنى، فروى كل راوٍ ما سمعه؛ فعن ابن عباس: أن الآي ست عشرة وستمائة وستة آلاف، وجميع حروف القرآن واحد وسبعون وستمائة وثلاثة وعشرون ألف وثلاثمائة ألف حرف.
وعد قوم كلمات القرآن سبعة وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربعًا وثلاثين كلمة.
قال بعض القراء: القرآن العظيم له أنصاف باعتبارات، فنصفه بالحروف "النون" من "نكرا" في الكهف، و"الكاف" من النصف الثاني، ونصفه بالكلمات "الدال" من قوله:"والجلود" في الحج، وقوله:"ولهم مقامع" من النصف الثاني، ونصفه بالآيات ياء "يأفكون" من سورة الشعراء، وقوله:"فألقي السحرة" من النصف الثاني، ونصفه على عدد السور آخر الحديد، والمجادلة من النصف الثاني.
ويستحب الإكثار من تلاوة القرآن للعبادة والتدبر والتعلم، بعيدًا عن الرياء، قال تعالى:{مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} ..
وفي الحديث: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها"..
وفيما يُرْوَى: يأهل القرآن، لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار وأفشوه، وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون..
ولا يفقه مَن قرأ القرآن في أقل من ثلاث ليالٍ.. وهذا القدر هو أقصى ما يستطاع إذا التزمنا بحقوق الأداء..
وأرى أن مَن تكثر مشاغله، عليه أن يقرأه في كل شهر مرة، فإن مر عام ولم يقرأه المسلم مرة واحدة اعتبر هاجرًا للقرآن..
ونسيان ما كان قد حفظ من القرآن يعد من أكبر الذنوب، وفي الصحيحين:"تعهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلِهَا".
ويستحب أن تكون القراءة على وضوء، مستقبلًا بها القبلة؛ لأنها عبادة.
وفيما يُروى: إن أفواهكم طرق للقرآن، فطيبوها بالسواك.
عن ابن مسعود قال: "لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدكم آخر السورة".
فإذا مر القارئ بآية دعاء تضرع، وإن مر بآية عذاب تعوذ، وهكذا وردت الأحاديث الصحيحة. ويسن الاستماع والإنصات والدعاء عند الانتهاء من التلاوة..
وأما الاقتباس من القرآن في النثر والشعر، فالمختار أنه جائز بشرطين: أن يكون الاقتباس من غير ما نسبه الله إليه؛ نحو: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} ، لا يجوز أن ينسبها المقتبس إلى نفسه، وأن يكون بعيدًا عن الهزل..
والاقتباس أَخْذٌ من القرآن من غير إضافة: قال الله.. مثلًا..
وأما قراءة القرآن يراد بها الكلام العادي فممنوع، إلا إذا أراد أن يأنس بكلامه سبحانه، فلا بأس بذلك..
وقد وردت بعض الأحاديث الصحيحة في فضل بعض السور وبعض الآيات، وتلك الأحاديث تُعْنَى ببيان بعض الخصائص ولا تقتضي تفضيل شيء من القرآن على شيء، فالكل كلام الله؛ وإنما يتفاضل باعتبار ما يتيسر للمكلف فهمه، أو ما يتضمنه موضوع السورة أو الآية..
فالتوحيد مثلًا في سورة الإخلاص يختلف عن موضوع رد اعتداء أبي لهب بالذم له في سورة تبت يدا..
ومن العلماء من علل لبعض الأحاديث التي وردت في تفضيل بعض الآيات؛ كوصف آية الكرسي بالسيادة؛ لأنها اشتملت على التوحيد بمزيد من التفصيل، ففيها إثبات ذات الله، ثم تنزيهه، ثم بيان بعض الصفات الذاتية، ثم تنزيهه عن النقص، وإفراده بالملك والتصرف، وأنه ليس لأحد أن يلزمه بشيء، وإحاطة علمه، ومنحه العلم لمن يشاء، وسَعَة سلطانه..
ثم ختمها بالعلو عما يجول بالخواطر وبالعظمة التامة، وفي الخبر أن عمر بن الخطاب سأل جماعة فيهم عبد الله بن مسعود قائلًا: أي القرآن أعظم؟ فأجابه: آيه الكرسي، وأي القرآن أشمل؟ فأجابه:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} الآية، وأي القرآن أجمع؟ فأجابه:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} ، وأي القرآن أحزن؟ فأجابه:{مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} ، وأي القرآن أرجى؟ فأجابه:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} .
وما في القرآن من آية أكثر تفويضًا من قوله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} . وأشد آية على أهل النار قوله: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ
إِلَّا عَذَابًا} ، وأرجى آية لأهل التوحيد قوله:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
وأشد آية على العلماء والحكام قوله: {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} ، وقوله:{لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ..
وفضائل القرآن وخواصه لا تنتهي، ويُروى: خذ من القرآن ما شئت لما شئت، مع المحافظة على قداسته ومقاصده.
وبهذا ينتهي هذا الموضوع.
الموضوع الثامن: جَمْعُ القرآن 1 وتدوينه
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "قُبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جُمع في شيء".
وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور.
وإنما لم يجمع في العهد النبوي؛ لأن الوحي كان لم يزل. فإذا نزلت الآية أمر كتابه بتدوينها في الموضع الذي يختاره الله لها من السور. أضف إلى ذلك حفظ الصحابة له في صدورهم. فبه يصلون ويتعبدون، ومنه يتعلمون، وعليه يقيمون حياتهم العريضة في الدين والدنيا والآخرة. فلم تمضِ لحظة بعد وصوله إلى قلب النبي، فيبلغه إلا وهو مدون في السطور، محفوظ في الصدور، ولعظيم اهتمامه بذلك أرجأ كتابة أي شيء عنه من السُّنَّة إفساحًا لكتابة القرآن.
قال الحاكم في المستدرك: "جُمع القرآن ثلاث مرات؛ إحداها: بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم".
ويعني هذا الجمع التدوين، ووضع الآيات التي تأخر نزولها في مكانها من السور.
والجمع الثاني: كان في عهد أبي بكر. روى البخاري2 في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن
1 هذا بحث جليل، قد عُني العلماء بدرسه في كتب علوم القرآن؛ بل أفردوه بالدراسة في مؤلفات خاصة متعددة؛ منها:"المصاحف" لأبي داود، و"الانتصار لنقل القرآن" للقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني وغيرها.
2 في فضائل القرآن، باب جمع القرآن 1/ 183.
فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه؛ فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ} حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. اهـ.
ونستخلص من هذا الحديث الذي هو أصل هذا الباب ما يأتي:
1-
الجمع في عهد الرسول وترتيب الآيات كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم.
2-
الراوي للجمعين هو زيد بن ثابت، الشاب العاقل الذي لم يتهم، والذى كان أحد كُتَّاب الوحي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
3-
كانت السور مفرقة عند الصحابة، فأراد الصديق بحكم المصلحة أن يفعل شيئًا بعد أن رأى القراء قد قُتل بعضهم، وفي هذا خطورة على القرآن، وكان معهودًا به إلى صدور القراء وصحفهم الخاصة.
4-
لم يكن أبو بكر منفردًا بتصرف الأمور وحده، فلما عرض عليه عمر وجهة نظره استدعى الصديق زيد بن ثابت؛ ليتعرف على رأيه.
5-
رأى زيد بن ثابت أن يستمسك باتباع النبي، وقد توفاه الله
وهو مكتفٍ بحفظ القرآن في صحف مفرَّقة، واستذكار الصحابة له، وأن أي إجراء بعد هذا -في رأي زيد- يعتبر مخالفة لما مات عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
6-
فقه عمر لمعنى الاتباع، وأنه واجب إذا استمر الحال على ما كان عليه. فإذا وجد المقتضى لتعديل شيء وانتفى المانع؛ كان التعديل هو رُوح الاتباع.
7-
اقتنع زيد واتفق الثلاثة على وضع الخطة لجمع القرآن، وأصدر الخليفة أمره إلى قوي أمين له خبرة فيما يناط به.
8-
أدرك زيد خطر المهمة التي نيطت به، ونفذ بجدارة وأمانة، وجمع القرآن من أهله، وروى ما صادفه في جمعه للآيتين من آخر سورة التوبة، مما يؤكد أمانته الكاملة.
9-
جمع زيد القرآن في مصحف واحد، ووضعه في أوثق يد، يد الحاكم المسئول عن رعيته، وكان المصحف يتحول إلى الحاكم الآخر، وظل كذلك ثلاثة عشر عامًا، وتلك المدة تؤكد إقرار المسلمين لما جمعه زيد في المصحف الموجود عند أبي بكر وعمر وحفصة أم المؤمنين وبنت عمر رضي الله عنهما.
10-
كان يعاون زيد في جمعه للقرآن خيرة الصحابة؛ من أمثال: سالم مولى حذيفة، وعمر بن الخطاب. وكان لا يكتب إلا إذا شهد عدلان أن ما يكتبه كُتب في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأقر كتابته. أما الآيتان من آخر التوبة، فإن من وجدتا عنده كانت شهادته بشهادة رجلين عدلين، كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولما جاء عمر بما نزل في رجم الزاني لم يدونه زيد؛ لأنه جاء به شاهد واحد.
أما الجمع الثالث، فكان في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال
الحاكم: والجمع الثالث هو ترتيب السور في زمن عثمان، روى البخاري1 عن أنس بن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أَدْرِك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنه إنما نزل بلسانهم.
ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، قال زيد: ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} ، فألحقناها في سورتها في المصحف. اهـ.
ونستخلص من هذا الحديث ما يأتي:
1-
وجوب إضافة أعمال أخرى إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وتلك الإضافة من روح الاتباع.
2-
الاعتماد في الجمع الثالث كان على الصحف التي جُمعت في عهد الصديق.
3-
الإضافة في هذا الجمع كانت ترتيب السور، وجمع الناس على حرف واحد، ووضع رسم يحتمل اللهجات التي تنزل بها القرآن.
4-
أقر القرشيون الثلاثة ما كان قد جمعه زيد وإن اختلفوا معه في كيفية الكتابة، ورضي زيد أن يعدل رسمه إلى الرسم الموافق للسان قريش؛ لأنه نزل بلغتهم.
1 أخرجه البخاري 6/ 183، 184.
5-
وُزعت المصاحف على الأمصار، وأُلغيت الصحف الخاصة المكتوبة برسم خاص لا يعرفه إلا الكاتب وقبيلته، واعتبرت المصاحف العثمانية هي المرجع لكل المسلمين.
6-
الآية التي سقطت من سورة الأحزاب ووجدها زيد عند خزيمة الأنصاري كانت موجودة في مصحف الصديق وسقطت من النساخ في عهد عثمان، ودونت في مصحفه، والمصاحف التى وزعت على الأمصار سنة خمس وعشرين.
ومعنى قول زيد: "فوجدتها عند خزيمة" أي: في الموضع الذي أراد أن يضعها فيه من سورة الأحزاب. ووجودها عند خزيمة في نفس الموضع الذي روى زيد سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد دقة سماع زيد، رضي الله عنهم جميعًا.
ومن هنا نتبين أن التدوين بدأ من عهد النبوة، وأن الجمع الثالث يختلف عن الجمع الثاني في أنه رتب السور وجمع الناس على رسم واحد يحتمل اللهجات العديدة، وكان كل جمع بحضور عدد يتأكد به التواتر ثم ينعقد الإجماع على ما فعلوه.
ويقال: إن مصاحف عثمان أُرسلت إلى مكة، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة. وحبس بالمدينة واحدًا.
وترتيب الآيات في السور توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه. عن عثمان بن عفان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول:"ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". اهـ.
وكان عليه السلام يقرأ السورة في الصلاة ويسمعها منه الصحابة، فلو لم تكن آياتها مرتبة، فكيف كان يقرأ؟
وأما ترتيب السور فباجتهاد موفق من الصحابة، وكان بعضهم كعلي بن أبي طالب يرتب السور مراعيًا تاريخ النزول إلى أن رتبها عثمان بذلك الترتيب.
ومِن العلماء مَن جعل ترتيب السور توقيفيًّا.
والمختار أن بعضها توقيفي والبعض الآخر اجتهادي؛ للروايات المتعارضة.
ويؤخذ من تعدد الجمع وجوب مراعاة المصلحة كلما اقتضى الأمر ذلك؛ كتشكيل الحروف وتعجيم بعضها.
وأما كتابة بعض الألفاظ على خلاف النطق أحيانًا، فإنه يرجع إلى اختلاف معاني أحوال الكلمات، وفي كثير من اللغات تُكتب حروف لا ينطق بها، والمطالبة بكتابة القرآن على النطق مخالفة للرسم العثماني فطمس لأثر نعتز به عن سلفنا الصالح الذين كانوا على دراية تامة بقواعد الهجاء.
وأول مَن عرف الكتابة آدم عليه السلام، وأول مَن عرفة الكتابة العربية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وكانت الكتابة غير مفرقة لا بين الكلمات ولا بين الحروف، ثم فرَّقها من بني إسماعيل: هميسع وقيذر.
والكتابة في أرجح الأقوال توقيفية، وينحصر مخالفة الرسم العثماني للمألوف من الكتابة في ست قواعد: الحذف، والزيادة، والهمز، والبدل، والوصل، والفصل، وما فيه قراءتان كتب على أحدهما.
وأما القراءات المختلفة المشهورة بزيادة لا يحتملها الرسم ونحوها؛ نحو: أوصى، ووصى، وتجري تحتها، ومن تحتها، وسيقولون الله، ولله، وما عملت أيديهم، وما عملته أيديهم. فكتابته على نحو قراءته، وكل ذلك وجد في مصاحف الإمام.
ويستحب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط دون مشقة.
وعن ابن مسعود: "إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته بالحق".
وأول مَن نقط الحروف وشكَّلها في المصحف أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مَرْوَان. وقيل: الحسن البصري ويحيى بن يعمر. وقيل: نصر بن عاصم الليثي.
وأول مَن وضع الهمز والتشديد والروم والإشمام الخليل بن أحمد.
ولا بأس بتحلية المصحف بالفضة. وفي الذهب خلاف.
وبهذا ينتهي هذا الموضوع.