الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموضوع العاشر: الاستنباط
1
كنت أريد أن أكتب في هذا الموضوع الأخير عن الشبهات وردها. وبعد الاطلاع عليها رأيت في ذكرها إعظامًا لها مع أنها تافهة؛ إما غير ثابتة، وإما أنها ضعيفة يستطيع مَن له أي إلمام بالإسلام أن يردها. ومن بين طلابي الذين أشرفت على رسائلهم طالب كتب رسالة بعنوان "القرآن والمستشرقون".
وقد سرد في رسالته الشبهات التى أثيرت حول علوم القرآن وردَّ عليها، ولا داعي لتَكْرَارها.
والقرآن الكريم مائدة الله في أرضه حام حوله طلاب الحق، فما اختلفوا فيه إلا بمقدار ما تختلف الآراء في الموضوع الواحد ذي الجوانب المتعددة، كل ناظر يلحظ جانبًا غير الجانب الذي يلحظه غيره؛ بل وحتى طلاب الباطل حاموا حوله ليجدوا فيه ما يؤيد دعواهم ويثبت مزاعمهم. فلما لم يجدوا فيه مدخلًا لتأييد الباطل تلاعبوا بألفاظه وفسروها على أهوائهم فضلوا وأضلوا.
وأشير في هذا الموضوع إلى أهم قواعد الاستنباط، والأسس التي تشعبت منها آراء طلاب الحق من فقهاء ومتكلمين ومفسرين ومتصوفين وغيرهم من مفكري الإسلام.
والاجتهاد2 الذي أباحه الإسلام هو المنطق لاستنباط المستنبطين، ولولاه ما كان لأحد أن يُعمل فكره، قال تعالى:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ
1 الاستنباط محاولة الحصول على الماء من الأرض حتى نشربه فيحدث لنا الري، وعلى ذلك فالاستنباط هو استجلاب الحكم من النصوص الشرعية.
2 الاجتهاد كما عرفه المؤلف رحمه الله في كتابه "قانون الفكر الإسلامي" ص188: الاجتهاد: بذل الطاقة للحصول على مدارك الشيء، وأركانه:
أ- الاجتهاد.
ب- المجتهد.
جـ- المجتهد فيه.
غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} .
وليس لأحد أن يستنبط من القرآن على وفق ما يهوى1؛ بل هناك قواعد عامة وخاصة تحكمه وتقيده.. فمن القواعد العامة على سبيل المثال أنه لا ضرر ولا ضرار. وأن الدين يسر. وأن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح. وأن غلبة الظن تكفي في الفروع بخلاف العقائد، فلا تثبت إلا بالأدلة اليقينية، والعقل مدرك لوجه الحسن أو القبح وليس بمثبت لهما؛ لأنه يتأثر بالانفعالات النفسية وغيرها من المؤثرات. وحقيقة الرأي ما يراه الرائي بقلبه عاملًا فكره عند تعارض الأمارات. ولا تستقيم الفتوى إلا بفهم الواقع وفهم الواجب، قال تعالى:{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} .
فالأصل في الواقع الصدق، والأصل في الواجب العدل.
والألفاظ إحدى الأدلة على فهم مراد المتكلم، وقد يفهم بأدلة أخرى؛ كالإشارة والسياق.
والصواب اتباع الألفاظ في العبادات، واتباع المقاصد في العقود، ولا واجب مع عجز، كما أنه لا حرام مع ضرورة، وفعل المحظور نسيانًا لا أثر له، بخلاف ترك المأمور نسيانًا؛ فإنه تجب الإعادة.
والمصلحة المرسلة التي يجب على المستنبط مراعاتها وتؤخذ من مقاصد الشرع، فهي وسائل إلى تحقيق مقاصد الشرع، قد عرفوها بأنها ما نيطت بأمر مناسب في الجملة، لم يعتبره الشرع ولم يلغه؛ كجمع المصحف وتشكيل حروفه وتعجيمها. فكل ذلك من الوسائل التي هي مقدمات لمقصد الشرع من التعرف على القرآن تعريفًا صحيحًا.
1 ليس لكل أحد أن يدعي الاجتهاد والعلم؛ كالفوضى التي تحدث كل يوم في زماننا؛ بل شروط المجتهد أن يعرف مصادر الإسلام، وأن يكون عالمًا باللغة، والنحو، والناسخ والمنسوخ، والمنطق، وعلوم الحديث، مستوعبًا لأصول الفقه، واقفًا على أحاديث الأحكام وآياتها، عدلًا في قبول فتواه. فهذه الشروط لا يرتاب فيها أحد.. ولعلها توقف الذين يتهجمون على النصوص الإسلامية بالتخبط فيها، لا عن علم؛ ولكن عن حماقة وجهل.
ومما يحدث فيه الخلاف بين طلاب الحق النزاع في اللفظ المشترك1 أو في القضية المهملة2. وكل فريق يلحظ جانبًا مغايرًا لما يلحظه منازعه. ولا يتحقق التناقض الحقيقي بين المختلفين إلا بعد توافر شروط ستة:
1-
أن يكون المحكوم عليه واحدًا بالذات.
2-
أن يكون الحكم واحدًا.
3-
اتحاد الإضافة في الأمور الإضافية.
4-
الاتحاد في القوة والفعل.
5-
الاتحاد في الكل والجزء.
6-
اتحاد الزمان والمكان والحال3.
ومما هو مثار الغلط بين الفقهاء والمتكلمين استخدامهم القضايا المشهورة مع الغفلة عن بعض شروطها؛ كقولهم: الكذب قبيح، وكل قبيح ينهى عن الإسلام، فما باله يسمح به في الحرب. ونسوا شرطًا؛ وهو أن الكذب القبيح هو ما كان مع مَن يثق بك والحرب خَدْعَة. وما قبح الكذب إلا لأنه يؤدي إلى قلب الحقائق، ولو كان المحارب يؤمن بها ما حارب.
وعليه؛ فكل شيء يُوصف بالحسن أو بالقبح للغرض منه أو لترتب الجزاء عليه، فيجب أن يكون موقوفًا على محله لا يتعداه إلى غيره. فأفعال الله التي هي منزهة عن الأغراض ولا يترتب على فعلها جزاء فاعلها لا توصف بحسن أو بقبح. فإن وصفت فبملاحظة أمر آخر وهو نقلها إلى العبد، فاختلفت في الوصف باختلاف المحل.
ومثال ما تقع المغالطة بسبب استعمال اللفظ المشترك قولهم: هذا الشيء سبب لذلك الشيء. وإذا وجد السبب وجد المسبب، وإذا انعدم انعدم. وهذا يسلم به لو كان السبب سببًا عقليًّا.
1 اللفظ المشترك: ما اتحد لفظه ويتعدد وضعه ومعناه.
2 القضية المهملة: هي القضية التي ليس معها لفظ يدل على بيان كمية الأفراد كلها أو بعضها عكس القضية المحصورة.
3 راجع شروط تحقق التناقض في كتاب المنطق المفيد لأستاذنا محمد عبد العزيز البهنسي قسم التصديقات ص29.
أما إذا كان السبب غير عقلي فليس كذلك؛ إذ يطلق السبب إما على ما يقابل المباشر كحفر البئر، وإما على على العلة كالرمي؛ فإنه سبب للقتل الذي ترتب عليه إزهاق الروح. ويطلق ثالثًا على ما تحسن إضافة الحكم إليه؛ كاليمين سبب لوجوب الكفارة فنقول: كفارة اليمين.
فإذا أردت صحة الاستنباط، فبين أولًا تحرير المراد الذي تستنبط منه ومرادك أنت.. ولا يتحقق الاستنباط إلا بموجود مستنبط عدل، عالم بالكتاب والسنة، واللغة والمنطق، وأصول الفقه وأحاديث الأحكام.
وأما المستنبَط منه، فهو النص الشرعي الظني، فلا استنباط في العقليات ولا من القطعيات الشرعية التي لا تحتمل إلا معنى واحدًا؛ لأن الحق فيها واحد، وكما يقولون: لا اجتهاد في مقابلة النص.
تدريبات عملية:
1-
في جواز استخدام القرعة استدل العلماء على جوازها بقول الله: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} .
ثم اختلفوا: هل القرعة منشئة فالذي وقعت عليه لم يكن متعينًا إلا بها، أم هي كاشفة فالذي وقعت عليه كان متعينًا، ثم كشفت القرعة عن تعينه؟؟
وسبب هذا الخلاف تردد الفعل "كان" بين الماضي وبين كونه بمعنى "صار".
فعلى الأول القرعة كاشفة.
وعلى الثاني هي منشئة.
2-
دخول المسجد للجنب: قيل: جائز مطلقًا. وقيل: ممنوع مطلقًا. وقيل: جائز لعابر السبيل.
والأصل في هذا الخلاف اختلاف النظر في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} .
فالذي منع دخول الجنب المسجد مطلقًا قدر مواضع الصلاة، والذي أجاز أبقى الآية على ظاهرها، والذي أباح لعابر السبيل لاحظ الاستثناء وقدر مواضع، والتقدير عنده: لا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم سكارى أو جنب إلا إذا كان الجنب عابر سبيل فله الدخول.
3-
متى تحل الحائض لزوجها؟: هل بالغسل، أو بغسل الفرج فقط، أو بانقطاع الدم لأكثر مدته؟
والمرجع في هذا الخلاف قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} .
فقوله: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} يحتمل بالغسل أو بانقطاع الدم؛ حيث زال العارض، وهل تعتبر طاهرة بغسل البدن كله، أو بغسل الموضع فقط؟.. احتمالان. وكذا في قوله:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} .
4-
التيمم: المريض والمسافر إن انعدم الماء لا خلاف أن يتيمما.
واختلفوا في:
أ- المريض إن وجد الماء.
ب- المقيم إن عدم الماء.
جـ- الصحيح إن خاف على نفسه.
د- المسافر إن خاف البرد.
والأصل في هذا الخلاف قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .
فهل الضمير يعود إلى الكل، أو يعود إلى المريض والمسافر؟ وهل السبب لإباحة التيمم عدم وجود الماء أو رفع المشقة؟
فمن جعل سبب التيمم عدم وجود الماء لم يبحه لمن وجده.
ومن جعل السبب رفع المشقة أباحه لكل من يشق عليه استعمال الماء، سواء وجده وعجز عن استعماله، أم لم يجده أصلًا.
5-
قال الله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} .
واختلفوا: هل تجب في مال الصغير باعتبارها حق للفقراء على الأغنياء، أو لا تجب؛ لأنها عبادة، والصغير غير مخاطب بها؟
6-
قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} .
اختلفوا في صوم المريض والمسافر أيامًا من رمضان، فهل ينعقد أو لا ينعقد صومهما؟
فمن قدر محذوفًا يرى انعقاد صومهما؛ لأن التقدير: فأفطرا. ومن لم يقدر جعل المفروض عليهما عدة من أيام أخر في غير رمضان.
7-
قال الله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} .
واختلفوا في موضع الاعتكاف: هل هو في المساجد الثلاثة: المسجد
الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، أو في كل مسجد تُقام فيه الجماعة، أو في المساجد التى تقام فيها الجمعة، أو لا يشترط المسجد؛ لأنه ذكر لتحريم المباشرة ولو لم يذكرها ما ذكر حيث قال:{وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد} ؟
8-
قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .
اختلفوا: هل الحج واجب على الفور فيأثم من أخره بعد الاستطاعة، أو واجب على التراخي فلا يأثم؟
وسبب هذا هل مقتضى الأمر هو التراخي أو الفور؟ وقد سبق أن الجملة قد تكون خبرية في اللفظ طلبية في المعنى.
9-
قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} .
واختلفوا: هل الباعث على الجهاد هو بدء العدو بالقتال فنستثني من قتاله مَن لم يقاتل، أو الباعث هو الكفر؟ وإن كان الباعث المباشر هو بدؤهم بقتالنا إلا أنه زال لوجود الكفر، فلا نستثني من قتال العدو أحدًا؟
10-
قال تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} .
واختلفوا: هل الكفارة حق متعلق بهذا العدد، فلا يجزئ إطعام مسكين واحد عشر أيام، أو هي حق متعلق بالحانث فيكفيه ذلك؟
واختلفوا: هل الكفارة ترفع الحنث قبل الفعل فتجزئ إن تقدمت على الحنث، أو لا ترفع الحنث إلا بعد الفعل؟
فمن كفَّر قبل الحنث وجبت عليه الإعادة بعده.
وهل هي رافعة للحنث أو مانعة منه؟
وسبب هذا قوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} فمن لاحظ الترتيب لم يجز تقديمها. ومن لاحظ وقوع المؤاخذة وخاف منها أجاز تقديمها.
11-
واختلفوا: هل الاستثناء متصل فيكون للذكاة أثر فيما ذكر إن أدركنا فيه يسيرًا من الحياة، أو هو منقطع فلا أثر للذكاة بعد اتفاقهم على أن ما استقرت حياته تعمل فيه الذكاة؟
12-
قال تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} .
واختلفوا: هل صيد المحرم ميتة لا يحل له ولا لغيره، أو هو حلال لغيره؟
وسبب هذا الضمير في {عَلَيْكُمْ} هل هو للصائدين المحرمين فقط، أو هو لجميع الأمة؟
13-
قال الله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} .
واختلفوا: هل العفو إسقاط أو هبة؟ وهل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أو الولي؟
فإن كان العفو إسقاطًا والذي بيده عقدة النكاح الزوج؛ فلا يملكه الولي.
وإن كان هبة والذي بيده عقدة النكاح هو الولي؛ فإنه لا يملكه إلا برضا الزوجة المطلقة.
14-
قال الله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} .
واختلفوا في الرجعة بعد الطلاق: هل لا بد فيها من القول؛ لأن الله قال: {بِرَدِّهِنَّ} والرد لما يكون قد انقطع، أو يكفي فيها الفعل؛ لأن الله اعتبر المراجع بعلًا، والبعل هو الزوج، فالزوجة لم تزل قائمة؟
15-
{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} .
واختلفوا: هل لا بد من أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أو يكفي أن يشبه الزوجة بأي عضو قاصدًا التحريم؟ وهل لا بد أن تكون المشبه بها هي الأم، أو تتساوى معها أية واحدة من المحرمات؟ وهل للعبد أن يظاهر؟ وهل العود هو العزم على الوطء أو الوطء بالفعل؟ وهل لا بد من تَكْرَار الظهار فلا يعد مظاهرًا مَن ظاهر لأول مرة؟
كلها أقوال يحتملها النص الكريم.
16-
فهذه الآية في اللعان.
واختلفوا: هل اللعان شهادة فلا يقبل إلا ممن تجوز شهادته، أو هو يمين فيقبل من أي زوج؟
وسبب هذا تسميته شهادة ويمين.
17-
قال تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} .
واختلفوا: هل يقتل الحر بالعبد؛ لأن قوله: {بِالْحُرِّ} ليس قيدًا يحترز به، أو لا يقتل لأنه قيد؟
فالأمثلة السابقة لاستنباط الفقهاء.. وإليك بعض الأمثلة لاستنباط المتكلمين.
1-
اختلفوا: هل رؤية الله ممكنة أو مستحيلة؟ وذلك لنحو قوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} وقوله لموسى: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} وقوله: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} وقوله: {يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وقوله عن الكفار: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون} وقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة} .
2-
هل العبد خالق لأفعال نفسه أو لا تأثير لقدرته في الأفعال الاختيارية؟ وذلك لقوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} وقوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون} وقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} .
3-
اختلفوا في الشفاعة والانتفاع بها؛ وذلك لقوله عن الكفرة: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} وقوله: {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وقوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} وقوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} وقوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} .
4-
اختلفوا في قدم القرآن للنصوص الآتية: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} وقوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} وقوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وقوله: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} ..
5-
الرزق.. اختلفوا: هل ما ملكه الإنسان أو ما انتفع به حلالًا كان أو حرامًا؟ وذلك لقوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}
وقوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وقوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} وقوله: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ} .
6-
التوفيق.. هل هو خلق القدرة على الطاعة، أو خلق الطاعة نفسها؟ {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} .
7-
هل للإنسان أجل واحد أو آجال إن مات قتيلًا؟ وذلك لقوله: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ} وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} وقوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} ..
هذه نماذج لاختلاف المتكلمين.. وللصوفية لمحات استنبطوها بالإشارة والرمز من بين كلمات القرآن وآياته؛ فاستنبطوا مراتب النفس من قوله: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} وقوله: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} وقوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} وقوله: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} .
واستنبطوا من قوله: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} .. استنبطوا بعد إقرارهم بأن الآية في نفقة الزوجات؛ لكن زادوا على ذلك أن العارفين بالله وسعت أرزاقهم، فأنفقوا منها بسخاء، وأن السائرين الذين هم في ابتداء الطريق ضيقت أرزاقهم من المعارف، فما أنفقوا منها إلا بقدر، قالوا:"اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، والواصلون لهم أنوار المواجهة"..
فأنوار التوجه: أنوار العمل والمعاملة، وأنوار المواجهة: ما يرد من حقائق المواصلة.
فمظاهر الأولى ثلاثة: الاستدلال للتوصل، والعمل للتوسل، والتعلق للتقرب.
ومظاهر الأخرى: التوفيق للهداية، والإلهام للعناية، والتحقق للولاية {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .
وبهذا ينتهي هذا الموضوع..