الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاحتياجات الخاصة لا يمنعهم ما أصابهم من العمل فهم أصحاب همة وارادة، وإن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قد استعمل ابن أم مكتوم على المدينة المنورة.
"قال ابن عباس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة وغيرها من أمر المدينة" (1)، "وقال قتادة: "استخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم مرتين على المدينة وكان أعمى، وعن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة في غزوة بدر". (2) وأي عمل أعظم من هذا العمل الإداري، فابن أم مكتوم الأعمى نائبا لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم.
•
المطلب السابع: حقهم المالي من مصارف الزكاة
.
ومن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة التي وردت في القرآن الكريم الحق المالي، وقد ورد هذا الحق في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ
…
} [التوبة: 60] واذا رجعنا الى معاجم اللغة العربية للتعرف على معنى الفقراء والمساكين نجد انهم هم المحتاجون وهم الزمنى الضعاف الذين لا يقدرون على الكسب لقلة حركتهم، جاء في معجم لسان العرب: الفقر والفُقر: ضِدُّ الغنى، مثل الضعف والضعف. والفقر: الحاجة. قال خالد بن يزيد: كأن الفقير إِنما سُمِّي فقيرا لزمانةٍ تصيبُه معَ حاجة شديدة تمنعه الزمانةُ مِنَ التَّقلب في الكسب على نفسه فهذا هو الفقير، وقيل الفقير الذي لا شيء له، والمسكينُ الذي له بعض ما يكفيه.
ورُويَ عن الشافعي، رحمه الله تعالى، أَنه قال: الفقراء الزمنى الضعاف الذين لا حرفة لهم، وأَهل الحرفة الضعيفة التي لا تقع حرفتهم مِنْ حاجتهُم موقعا، والمساكين: ممن له حرفة تقع موقعا ولا تغنيه وعياله.
والفِقْرة والفَقْرة والفَقَارة، بالفتح: واحدة فَقَار الظهر، وهو ما انتضد من عظام الصلب مِنْ لَدُن الكاهل إِلى العجب. الفقير المكسور الفقار؛ يُضرَبُ مثلا لكل ضعيفٍ لا ينفُذ في الأُمور، والفاقِرةُ: الدَّاهِيَةُ الْكَاسِرَةُ للفَقَار (3).
قال الأنباري في كتابه الزاهر: "المسكين، معناه في كلام العرب: الذي سكَّنه الفقر، أي قلل حركته". (4)
وجاء في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر: المسكين، بمعنى الخُضوع، وقلَّة المالِ، والحَال السَّيئة، واسْتَكَانَ إِذا خضع، والمسكين هو الذي له بعض الشاء، وقد تقع المَسكَنةُ على الضَّعف.
(1) - ظ، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي أبو القاسم الطبراني، (توفي: 360 هـ)، المعجم الكبير، المحقق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، ط 2، ج 11، ص 183.
(2)
- الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 220.
(3)
انظر؛ ابن منظور، لسان العرب، ج 5، ص 60 الى 62
(4)
- الأنباري، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبو بكر الأنباري، (توفي: 328 هـ)، الزاهر في معاني كلمات الناس، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1412 هـ-1992 م، ج 1، ص 127.
وفي حديث الخروج إلى الصلاة "فَليَأت وعليه السَّكينة" وفي حديث زيد بن ثابت قال: كنتُ إِلى جنب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السَّكينة يريد ما كان يعرض له مِنَ السُّكون والغَيبة عند نزول الوحى. (1)
ومما سبق من التعريفات، نرى أن الفقراء والمساكين هم الذين لا يستطيعون ان يقوموا بأمورهم بسبب ما أصابهم في أجسامهم، فسَكَّنهم وقلَّل حركتهم، قال تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)} [التوبة: 60]، قال السيوطي رحمه الله: قال قَتَادَة: الفقير الذي به زمانة، والمسكين المحتاج الَّذي ليسَ به زمانة.
ومر عمر بن الخطاب برجُل من أهل الكتاب مطروح على باب فقال: إستكدوني* وأخذُوا مني الجزية حتى كف بصري فليسَ أحد يعود علي بشيء، فَقَالَ عمر: مَا أنصفنا إِذا ثَمَّ، قَالَ: هذا من الذين قال الله فيهم {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} ثُمَّ أَمر لَهُ أَن يرزق ويجري عليه (2).
فان الله عز وجل بذلك جعل من هذه المصارف الثمانية للزكاة، مصرفين لذوي الاحتياجات الخاصة، وهم الفقراء والمساكين، وقد يشتركون في المصارف المتبقية ان كانوا من أهلها، جاء في تفسير المنار: ولكنَّ ذِكْرَ الفقير في مُقابلة الغنيِّ أَو إطلاق ذكرِهِ، يدُل على المُحتاج في معيشتهِ إلى مواساة غيره، لعدم وُجود ما يكفيه بحسب حاله، ويطلقُ الفقيرُ في اللغة على الكسير الفَقَارِ ومَنْ يشتكي فَقَارَهُ - وهي عظام الظهرِ المَنضودةُ مِنْ لدن الكاهل إلى عجب الذَّنب في الصُّلب - وهذا هو المَعنى الأَصلِيُّ، والمعنى الأَولُ مأخوذٌ منهُ، كما قيل: ومنهُ الفَاقِرَةُ وهي الدَّاهيةُ أو المصيبةُ التي تكسر فَقَارَ الظهرِ.
وأما المِسكينُ فمأخوذٌ مِنْ مادّة السكون المراد به قلة الحركة والاضطراب الحسي مِنَ الضعف والعجز، أو النفسي مِنَ القناعة والصبرِ، وإِنَّما يطلقُ على الفقير إذا كان الفقرُ سبب سكونه (3).
إن الله عز وجل، خص ذوي الاحتياجات الخاصة بالحق المالي لأنهم يحتاجون له، فهم بحاجة الى النفقة والعلاج والأجهزة التي تساعدهم، والمعدات التي تعوضهم عما فقدوه، فاستحقوا ذلك لأنهم لا يستطيعون أن يتحركوا في الأرض كغيرهم قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ
…
} [البقرة: 273]، قال الواحدي: قال سعيد بن المسيب: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وصاروا زمني، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض (4).
(1) - انظر؛ ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 2، ص 385.
(2)
- انظر؛ السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين، (توفي: 911 هـ) الدر المنثور، بيروت، دار الفكر، ج 4، ص 221 - 222.
* إستكدوني، كِدّوني فإني مُكِدْ، أي سلوني فاني أعطي على السؤال (الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج 9، ص 100).
(3)
- انظر؛ رضا، محمد رشيد، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، ج 10، ص 423
(4)
- انظر؛ الواحدي، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، ج 1، ص 388.