الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشواهد.. وتصحيف الأسماء
وقد يقع التصحيف في اسم الصحابي، فيظنه من لا يفطن له حديثاً آخر، عن صحابي آخر، فيجعله شاهداً للأول؛ وإنما هو حديث واحد، عن صحابي واحد، لا شأن للصحابي الآخر به.
مثال ذلك:
…
حديث: بقية بن الوليد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن صفية بنت حيي، أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أو دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في يوم جمعة، وهي صائمة، فقال لها:"صمت أمس؟ " قالت: لا. قال: "فتصومين غداً؟ " قالت: لا. قال: "فأفطري".
قال الحاكم (1) :
"صحف بقية بن الوليد في ذكر "صفية"، ولم يتابع عليه؛ والحديث عند يحيى بن سعيد وغندر والناس، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن جويرية بنت الحارث، عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ نحوه".
مثال آخر:
وقد وقع مثل هذا التصحيف من بقية في حديث آخر.
وهو حديث: جبير بن نفير، عن عمرو بن الحمق، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
(1) في "معرفة علوم الحديث"(ص151) .
قال: "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً عسله"، فقيل: وما عسله؟ قال: "يفتح له عملاً صالحاً بين يدي موته، حتى يرضى عنه من حوله".
أخرجه: أحمد (5/224) وابن حبان (342)(343) البزار (2155-كشف) والحاكم (1/340) .
فهذا الحديث؛ رواه بقية بن الوليد، فقال: عن جبير بن نفير، عن عمر الجمعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه: أحمد (4/135) وابن عاصم في "الآحاد والمثاني"(2705) .
وهذا؛ مما صحف فيه بقية، والصواب: أنه حديث عمرو بن الحمق وليس حديث عمر الجمعي.
وقد نص على ذلك البخاري، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو نعيم الأصبهاني، والبغوي، وابن منده، وابن عساكر، وغيرهم (1) .
مثال آخر:
وقد وقع مثل هذا التصحيف من بقية في حديث آخر.
وهو حديث: جبير بن نفير، عن عمرو بن الحمق، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا أراد الله بعبد خيراً عَسَلَهُ "، فقيل: وما عسله؟ قال: " يفتح له عملاً صالحاً بين يدي موته، حتى يرضى عنه من حوله ".
أخرجه: أحمد (5/224) وابن حبان (342)(343) والبزار (2155 - كشف) والحاكم (1 /340) .
فهذا الحديث؛ رواه بقية بن الوليد، فقال: عن جبير بن نفير، عن عمر الجمعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه: أحمد (4/135) وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني "(2705) .
وهذا؛ مما صحف فيه بقية، والصواب: أنه من حديث عمرو بن الحمق، وليس عمر الجمعي.
وقد نص على ذلك البخاري، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو نعيم الأصبهاني، والبغوي، وابن منده، وابن عساكر، وغيرهم (2) .
مثال آخر:
حديث: أبي الأحوص سلام بن سليم، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة بن نيار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اشربوا في الظروف، ولا تسكروا ".
أخرجه: النسائي (8 / 319)، وقال:
" هذا حديث منكر، غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم، لا نعلم
(1) راجع: "التاريخ الكبير"(3/2/313-314) و "الإصابة"(4/596-597) و "تعجيل المنفعة"(ص318) و "توضيح المشتبه" لابن باصر الدين (2/426-427) و "ترتيب أسماء الصحابة في المسند" لابن عساكر (ص87) و "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني (3/109) .
(2)
راجع " التاريخ الكبير "(3 / 2 - 314) و " الإصابة "(4 / 596 -597) و " تعجيل المنفعة "(ص 318) و " توضيح المشتبه " لا ناصر الدين (2 / 426 - 427) و " ترتيب أسماء الصحابة في المسند " لابن عساكر (ص 87) و " السلسلة الصحيحة " للشيخ الألباني (3 /109) .
أن أحداً تابعه عليه من أصحاب سماك بن حرب، وسماك ليس بالقوي، وكان يقبل التلقين. قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده ولفظه ".
ثم رواه من طريق شريك، عن سماك، عن ابن بريدة، عن أبيه ـ وهو: بريدة بن الحصيب ـ، بلفظ:
…
" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمُزَفَّت ".
وحكى أبو داود في " مسائل أحمد "(1) ، عن أحمد، أنه قال:" يخطئ فيه أبو الأحوص، يقول عن " أبي بريدة "، فقالوا: ابن نيار؟ فقال نعم؛ ومر فيه، فاحتج به أصحاب الأشربة؛ وإنما الحديث حديث " ابن بريدة ".
وقال أبو زرعة (2) : " وهِم أبو الأحوص، فقال: " عن سماك، عن القاسم، عن أبيه، عن أبي بريدة "؛ قَلَبَ من الإسناد موضعاً، وصحف في موضع:
أما القلب؛ فقوله: " عن أبي بريدة "، أراد:" عن ابن بريدة "، ثم احتاج أن يقول:" ابن بريدة عن أبيه "، فقلب الإسناد بأسره، وأفحش في الخطأ.
وأفحش من ذلك وأشنع: تصحيفه في متنه: " اشربوا في الظروف، ولا تُسكروا "؛ وقد روى هذا الحديث ـ عن ابن بريدة، عن أبيه ـ:
(1)" مسائل أحمد "(ص 288- 289) .
(2)
" العلل " لابن أبي حاتم (1549 - 1551) .
أبو سنان ضرار بن مرة، وزبيد اليامي عن محارب بن دثار، وسماك بن حرب، والمغيرة بن سبيع، وعلقمة بن مرثد، والزبير بن عدي، وعطاء الخراساني، وسلمة بن كهيل؛ كلهم عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم " نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء؛ فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا
مُسكراً "، وفي حديث بعضهم " واجتنبوا كل مسكر "؛ ولم يقل أحد منهم: " ولا تسكروا "، وقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء على ما ذكرناه من خلافه ".
قال: " سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: حديث أبي الأحوص، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة؛ خطأ الإسناد والكلام: فأما الإسناد؛ فإن شريكاً، وأيوب ومحمداً ابن جابر؛ رووه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما رواه الناس ـ: "فانتبذوا في كل وعاء،
ولا تشربوا مسكراً ".
قال أبو زرعة: " كذا أقول: هذا خطأٌ؛ أما الصحيح: حديث بريدة عن أبيه " اهـ.
وكذا ذهب أبو داود في شرحه لكلام أحمد في " المسائل " إلى أن هذا الحديث خطأ الإسناد والمتن، إلا أنه ذهب إلى أن الخطأ في المتن من سماك، بينما الخطأ في الإسناد من أبي الأحوص.
فنخلص من ذلك: أن هذا الحديث من مسند " بريدة بن الحصيب "، وليس من مسند " أبي بردة بن نيار "، فمن جعل حديث ابن نيار حديثا
ً آخر في هذا الباب فقد أخطأ.
ومما يؤكد أن الحديث حديث ابن بريدة، عن أبيه، وليس هو من حديث أبي بردة بن نيار: ما جاء عن شعبة من إنكاره لهذا الحديث عن ابن بريدة، وقوله:
" لم يجيء بالرخصة في نبيد الجر ابن عمر وابن عباس، اللذان بحثا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن جاء به ابن بريدة من خراسان!! ".
ذكره: أبو داود في " المسائل ".
مثال آخر:
حديث: موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، عن أبي ذر ـ في صيام الأيام البيض؛ الذي تقدم في آخر الفصل السابق.
فقد رواه بعضهم فقال:
" عن ابن الحوتكية، عن أُبي ".
أخرجه: النسائي (4/223)، وقال:
" الصواب: " عن أبي ذر "؛ ويشبه أن يكون وقع من الكتاب " ذر "، فقل: " أبي " (1) اهـ.
مثال آخر:
حديث: سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عنبسة، عن عبد الله بن غنام رضي الله عنه، أن
(1) وقع نحو هذا في حديث آخر، انظره في " العلل " للدارقطني (4/422) .
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال حيث يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك، لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم ".
أخرجه: أبو داود (5073) والنسائي في " الكبرى " والبخاري في " التاريخ الكبير "(4 / 2 /443) وابن الأثير في " أسد الغابة "(3 /362) .
فهذا الحديث؛ قد رواه جماعة، عن سليمان بن بلال هكذا، جعلوه كلهم من مسند " عبد الله بن غنام ".
وخالفهم: عبد الله بن وهب؛ فرواه عن سليمان بن بلال، فجعله من مسند " عبد الله بن عباس ".
أخرج حديثه: ابن حبان (861)، وتابعه: سعيد بن أبي مريم، عن سليمان بن بلال.
أخرج حديثه: الطبراني في " الدعاء "(306) .
ولم يثبت ابن وهب على ذلك؛ فقد رواه مرة أخرى على الصواب " عن ابن غنام " لا " عن ابن عباس ".
أخرج حديثه: ابن السني في " اليوم والليلة "(41) والطبراني (307)، والصواب: قول من قال: " ابن غنام "، ومن قال:" ابن عباس " فقد صحف.
قاله غير واحد من أهل العلم؛ منهم: أبو نعيم، وابن عساكر وغيرهما (1) .
(1) راجع: " تحفة الأشراف "(6/403 - 404) و " الإصابة "(4 / 207) و " تهذيب الكمال "(15 / 390 - 391 - 424) و " الجرح والتعديل "(2/2/123)(4/2/325) و " الميزان "(2/469) و " نتائج الأفكار " لابن حجر (2/359 - 361) و " جامع العلوم والحكم "(2/62 - 63) بتحقيقي.
مثال آخر:
حديث: علي بن عياش، عن الوليد بن كامل، عن المهلب بن حُجر البهراني، عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلى إلى عود، ولا إلى عمود، ولا إلى شجرة؛ إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً.
أخرجه الإمام أحمد أيضاً، من طريق بقية بن الوليد، عن الوليد ابن كامل، عن حُجر ـ أو ابن حجر ـ بن المهلب، عن ضبيعة بن المقداد بن معدي كرب، عن أبيها، بنحوه.
فجعله من مسند " المقدام ـ بالميم ـ بن معدي كري "، وليس من مسند " المقداد بن الأسود ".
قال الإمام ابن رجب (1) :
" ولعل هذه الرواية ـ يعني: رواية بقية ـ أشبه؛ وكلام ابن معين وأبي حاتم الرازي يشهد له ".
قال:
" والشاميون كانوا يسمون المقدام بن معدي كرب: " المقداد "، ولا ينسبونه أحياناً، فيظن من سمعه غير منسوب أنه " ابن الأسود "، وإنما هو " ابن معدي كرب "، وقد وقع هذا الاختلاف لهم في غير حديث من رواياتهم " اهـ.
(1) في " شرح البخاري " له (2/646 - 647) .
مثال آخر "
قال ابن أبي حاتم في " العلل "(1) :
"سألت أبي عن حديث، رواه حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا قام من الليل ـ فذكر الحديث في صلاة الليل.
قال أبي: هذا خطأ؛ إنما هو: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده؛ والوهم من
حماد" اهـ.
قلت: وحديث بن عباس هذا؛ يرويه حصين بن عبد الرحمن وسفيان الثوري، كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت، به.
أخرجه: مسلم (2/182) وأبو داود (58)(1353)(1354) والنسائي (3/236-237) وأحمد (1/350-373) .
فلعل الحديث، كان عند حماد بن سلمة هكذا:"عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده"، فظنه حماد بن سلمة أنه "محمد بن علي بن أبي طالب"، ثم بنى على ذلك أن أباه علي بن أبي طالب، فقلب الإسناد.
والله أعلم.
(1) 20) .
مثال آخر:
روى: جماعة، عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين من خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبل، فلم يعد يشهد مع المشركين مشاهدهم.
أخرجه: أبو يعلى (3/398) وابن عدي (4/1447) والعقيلي (3/222-223) وعبد الله بن أحمد في "العلل"(5167) والبيهقي في "الدلائل"(2/35) والخطيب في "التاريخ"(11/285-286) وابن الجوزي في "العلل المتناهية"(265) .
وهذا الحديث؛ مما أنكره الأئمة على عثمان بن أبي شيبة، وحكموا بخطئه فيه:
فقد أنكره الإمام أحمد إنكاراً شديداً على عثمان بن أبي شيبة، وقال ـ وقد سأله ابنه عبد الله عن هذا الحديث مع أحاديث أخرى ـ، قال:
"هذه أحاديث موضوعة ـ أو كأنها موضوعة، كان أخوه ـ يعني: أبا بكر ـ لا يطنف (1) نفسه بشيء من هذه الأحاديث، نسأل الله السلامة في الدين والدنيا، نراه يتوهم هذه الأحاديث، نسأل الله السلامة، اللهم سلِّم سلِّم".
(1) أي: لا يدنس.
وقال الخطيب:
"قد رواه أبو زرعة الرازي، عن عثمان، فخالف الجماعة في إسناده؛ قال: "عن سفيان بن عبد الله بن زياد بن حدير" بدل: "سفيان الثوري"، وعندي: أن هذا أشبه بالصواب. والله أعلم.
ثم أسند هذا الوجه عن أبي زرعة.
وقد رواه: أبو يعلى في "مسنده" بعقب الأول (3/399-400)، فقال: حدثنا عثمان: حدثنا جرير، عن سفيان، عن عبد الله بن زياد بن حدير، عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ مثله.
وهذا مرسل؛ إلا أنه يتفق مع رواية أبي زرعة في أن الحديث ليس عن "عبد الله بن محمد بن عقيل".
وهذه الرواية المرسلة، قد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد، أن غير عثمان بن أبي شيبة رواه عن جرير بها.
فقال في "العلل"(5167) :
"وإنما كان يُحدث به جرير، عن سفيان، عن عبد الله بن حدير (1) بن زياد القمي ـ مرسل".
وكذلك قال الدارقطني، قال (2) :
" يقال: إن عثمان بن أبي شيبة وهم في إسناده، وغيره يرويه عن
(1) في الأصل "جرير"، وهو تصحيف، على أن "حدير" أيضاً مشكل، فإنه يقتضي أنه مقلوب؛ فإنه "زياد بن حدير" وليس العكس، اللهم إلا أن يكون "جرير" مصحفاً من "محمد"؛ فإنه "سفيان بن عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير"، كما في "التاريخ" للبخاري و "الثقات"، وكما سيأتي. والله أعلم.
(2)
نقله ابن الجوزي في " العلل المتناهية "(1/173) .
جرير، عن سفيان بن عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير ـ مرسلاً ـ، وهو الصواب (1) .
كذا قال: " سفيان بن عبد الله "، ولم يقل " سفيان عن عبد الله "، وهذا هو الصواب، أنه " سفيان بن عبد الله بن محمد بن حدير "، وأن ما جاء في رواية أبي زرعة وأبي يعلى، وكلام عبد الله بن أحمد، الظاهر أنه تصحيف ناسخ أو طابع، صفح " بن " فقال " عن ".
وقد يكون ذلك من عثمان نفسه، إلا أن هذا لا يكون في كلام عبد الله بن أحمد؛ لأنه إنما يحكي ما رواه غير عثمان عن جرير.
وإنما رجحتُ أنه " سفيان بن عبد الله " كما جاء في كلام الدارقطني
(1) قلت: هذه الروايات، وتلك النقول؛ تدل على أن الرواية المرسلة رواها جمع عن جرير، وأنها مشهورة عنه، وأن الحديث ليس من حديث الثوري، بل من حديث سفيان بن عبد الله بن حدير وفي ذلك؛ رد على صاحب كتاب " صحيح السيرة النبوية " الشيخ الفاضل محمد ابن رزق ابن طرهوني (1/325) ؛ حيث أوهم أنه لم يروه هكذا إلا أبو زرعة وأن السند إليه في نظر، ثم حسن الحديث.
وقد علمتَ؛ أن أبا يعلى أيضاً قد روى الوجهين عن عثمان، ولا أدري؟ كيف لم يقف الشيخ الفاضل على رواية أبي يعلى المرسلة؛ فإنها عقب الرواية الموصولة في " مسنده " وقد وقف هو عليها.
فأين تفرد أبي زرعة؟ ثم كيف وقد اشتهر إرسال الحديث عن جرير من غير طريق عثمان؟! ورواية أبي يعلى للحديث عن عثمان على الوجهين؛ يدل على أن الاضطراب فيه من عثمان نفسه، وليس من أحد ممن دونه.
وأي شيء ينفع كثرة من رواه عن عثمان موصولاً؛ إذا كان عثمان نفسه هو المخطئ في الحديث، والمضطرب فيه؟! وأنه كما رواه موصولاً، رواه أيضاً مرسلاً، وأنه تُوبع معلى إرساله ولم يتابع على وصله؟!
؛ لأن سفيان هذا هو الذي ترجم له البخاري في " التاريخ الكبير "(2 / 2/94) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل "(2 / 2 221) وابن حبان في " الثقات "(6 / 405) ، وذكروا أنه يروي عنه جرير بن عبد الحميد، راوي هذا الحديث عنه.
ولم يذكروا: " عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير "، ولا " عبد الله بن زياد بن حدير "، ولا عبد الله بن حدير بن زياد ".
قال الشيخ المعلمي (1) :
" كأن جريراً روى هذا: فقال: " سفيان بن عبد الله بن محمد، عن جابر "، فتحرفت على عثمان كلمة "بن" فصارت " عن " فصار " سفيان عن عبد الله بن محمد " فظن عثمان أن " سفيان " هو الثوري؛ لأن جريراً إذا روى عن سفيان وأطلق فهو الثوري، وظن أن " عبد الله بن محمد " هو ابن عقيل، لأنه المشهور بعبد الله بن محمد في شيوخ الثوري "(2) .
مثال آخر:
حديث: يزيد بن زريع، قال: ثنا حميد الطويل، عن يوسف بن ماهك المكي، قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت لهم من مالهم مثليها، قال: قلت: أقبض الألف الذي ذهبوا به منك؟ قال: لا؛ حدثني أبي، أنه سمع
(1) في تعليقه على " التاريخ الكبير "
راجع " لسان الميزان (3/53) ..
(2)
وقد وقع مثل هذا في حديث آخر لبعض أهل العلم، وقد بينه الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ في " السلسلة الصحيحة "(6 / 2 / 1103) .
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أد الأمانة إلى من أئتمنك، ولا تخن من خانك ".
أخرجه: أبو داود (3534) ، وعنه البيهقي (10/270) .
وكذلك؛ رواه: محمد بن أبي عدي، عن حميد.
أخرجه: أحمد (4/414) .
فسياق هذه الرواية؛ أنها عن يوسف بن ماهك، عن رجل، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا؛ ساقه المزي في " أطرافه "(11/237) في فصل: " ما رواه من لم يسم، عمن لم يسم ".
لكن؛ رواه محمد بن ميمون الزعفراني، عن حميد الطويل، عن يوسف بن يعقوب، عن رجل من قريش، عن أُبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه: الدارقطني (3/35)، فخالفهما في موضعين:
الأول: في يوسف بن ماهك، إذ قال فيه:" يوسف بن يعقوب ".
الثاني: في جعله الحديث من مسند " أُبي بن كعب "، لا من مسند هذا المبهم.
والظاهر؛ أنه تصحف عليه " أبي " بفتح الألف وكسر الباء، إلى " أبي " بضم الألف وفتح الباء، ثم رواه بالمعنى، فنسبه اجتهاداً لا رواية، فقال " أبي بن كعب ".
مثال آخر:
وقريب من هذا التصحيف الذي وقع لهذا الزعفراني؛ ما وقع لبعض الأفاضل المعاصرين، في: حديث: " إذا زوقتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار (1) عليكم ".
فقد عزاه لأبي أبي شيبة في " المصنف "(1 100 / 2 ـ مخطوطة الظاهرية) ، هكذا " أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد ـ مرفوعاً ".
ثم قال:
" وهذا إسناد مرسل حسن ".
ثم جاء له بشاهد موقوف على أبي الدرداء، وقواه به.
قلت: وما نقله عن " المصنف " خطأ، وإنما الذي فيه هكذا (8799) :" حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد عن أُبي، قال.. " ـ فذكره موقوفاً.
فالحديث في " المصنف " ـ كما ترى ـ ليس من رواية سعيد بن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ مرفوعاً
مرسلاً ـ، كما توهم ذلك الفاضل؛ وإنما هو من رواية سعيد بن أبي سعيد، عن أبي ـ وهو: أُبي بن كعب الصحابي المعروف ـ، موقوفاً عليه.
فكأن " عن أبي " تصحفت على ذلك الفاضل، فظنها " عن النبي " فاختصرها، وقال " مرفوعاً " بناء على ما ظن.
وبهذا يتبين أن الحديث في " المصنف " موقوف على " أُبي "، وعليه؛ فلا معنى لتقوية رفعه بالشاهد الموقوف على أبي الدرداء.
ومما يؤكد صحة ما قلت:
أن أبا داود رواه في " المصاحف "(ص 150) من طريقين، عن أبي خالد، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أُبي بن كعب
(1) ذكر ابن الأثير في "النهاية " بلفظ: " الدبار " بالباء الموحدة، وقال " هو: الهلاك ".
ـ موقوفاً.
هكذا جاء عنده: " أبي بن كعب "، منسوباً (1)
والله التوفيق (2) .
(1) وراجع " السلسلة الصحيحة "(1351) .
وقد وقع بعض الأفاضل في مثل هذا الخطأ، في تعليقه على بعض الكتب، وقد بين الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ خطأه، وصححه في " السلسلة الصحيحة "(1/478) ، فجزاه الله خيراً.
(2)
انظر: مثالاً آخر في " الكامل "(2/633) .