الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتابعة
…
والقلب
مما لا شك فيه؛ أن اتفاق الرواة على رواية حديث، من غير اختلاف بينهم، يدل على حفظهم للحديث، وعدم خطئهم فيه؛ فإن الخطأ غالباً ما يكون في الحديث الفرد، وهو عن الجماعة أبعد.
ومما لا شلك فيه، أن معرفة كون الراوي تابع غيره فيما روى فرع من ثبوت الرواية عن كل من المتابِع والمتابَع، أما مع عد صحة الرواية إليهما، أو إلى أحدهما، فلا سبيل لإثبات المتابعة؛ إذ ما بُني على خطأ فهو خطأ (1) .
وكثيراً ما يجيء الخلل في إثبات المتابعة من هذا الباب، وذلك بأن يكون الحديث معروفاً من رواية راو معين، فيأتي بعض من لم يحفظ الحديث على وجهه، فيبدل الراوي براو آخر مشارك له في الطبقة.
كخبر مشهور عن " سالم " يجعله عن " نافع "، وآخر مشهور عن " مالك "، يجعله عن " عبيد الله بن عمر " ونحو ذلك.
فيظن من لم يفطن لذلك، أن هؤلاء جميعاً قد رووا الحديث، فيثبت بمقتضى ذلك المتابعة، ويدفع التفرد.
مثال ذلك:
حديث: " الأعمال بالنيات ".
(1) راجع: ما تقد في " فصل: ثبت العرش
…
ثم انقش ".
وهو حديث صحيح ثابت متفق عليه، والأئمة إنما صححوه من طريق واحدة، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا يصح إلا من هذا الطريق؛ هكذا قال أهل العلم وأئمته (1) .
ومع ذلك؛ فقد جاءت متابعة ليحيى بن سعيد الأنصاري، بإسناد حسن في الظاهر، فلم يعتد بها أهل العلم، وتتابعوا على إنكارها.
وذلك؛ فيما رواه محمد بن عبيد الهمداني: حدثنا الربيع بن زياد الضبي: حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، به.
أخرجه: ابن حبان في ترجمة الربيع هذا من " الثقات "(6/298- 299)، وقال:" يُغرب ".
وكذلك؛ ابن عدي في ترجمته من " الكامل "(3/997)، وقال:
" هذا لا أصل له عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم؛ لم يروه عنه غير الربيع بن زياد، وقد روى الربيع بن زياد عن غير محمد بن عمرو من أهل المدينة أحاديث لا يتابع عليها، وعند محمد بن عبيد، عن الربيع الهمداني أحاديث لا يتابع عليها ".
وكذا؛ أخرجه الخليلي في ترجمة الربيع من " الإرشاد "(2)، وقال:
(1) راجع " ما سيأتي حول هذا الحديث في " فصل: الشواهد
…
وإسناد في إسناد ".
(2)
" الإرشاد "(2/631- 632) .
" هو من غرائب حديثه، تفرد به عن محمد بن عمرو بن علقمة، والمحفوظ هذا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، وعند الربيع لهذا أخوات ".
وقال الذهبي في " تذكرة الحفاظ "(1) :
" غريب جداً من حديث محمد بن عمرو، تفرد به عنه الربيع بن زياد، وما أظن رواه عنه غير ابن عبيد، وهو صدوق ".
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة الربيع من " اللسان "(2) ، بعد أن ذكر عن ابن حبان، أنه ساق له هذا الحديث في " الثقات "، وقال " يُغْرب ".
قال الحافظ:
" وهو من غرائبه، والظاهر أنه إنما سمعه من يحيى بن سعيد، فحدث به عن محمد بن عمرو (3) على سبيل الخطأ ".
فهكذا؛ تتابع الأئمة على إنكار هذه المتابعة، وتخطئة الراوي الذي جاء بها، وعدم الاعتداد بها في دفع التفرد، على الرغم من أن أصل الحديث صحيحة، وراوي المتابعة صدوق لا بأس به، وهو لم يخالف، بل تفرد فحسب، وقد كان بإمكان الأئمة أن يتسامحوا في إثبات هذه المتابعة التي جاء بها، ومع ذلك فلم يفعلوا، بل فعلوا عكس ذلك تماماً، وأنكروا عليه
(1)" تذكرة الحفاظ "(2/774) .
(2)
" اللسان "(2/ 444 - 445) .
(3)
في المطبوع من " اللسان ": " محمد ابن إبراهيم "، وهو خطأ.
هذه المتابعة، ولم يدفعوا بها التفرد، وأصروا على تفرد يحيى الأنصاري بالحديث.
وهذا؛ من أدل دليل على أنه ليس كل متابعة تجيء يعتد بها، بل ذلك راجع إلى اعتبار حفظ الراوي لها، وعدم خطئه فيها، ولو كان ممن يحتج بحديثه في الأصل.
مثال آخر:
حديث: أحمد بن صالح المصري، عن عنبسة بن خالد، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: زعم عبد الله بن عروة، أن أبا هريرة قال: سمعت سهل بن أبي خيثمة ـ الحديث في القسامة.
أخرجه: الطبراني في " الأوسط "(3539) .
وهذا إسناد ـ في الظاهر ـ حسن، ومع ذلك فقد أنكره أئمة الحديث من حديث الزهري على عنبسة هذا، منهم: أبو حاتم وأبو زرعة (1) .
وقد ذهب أبو حاتم إلى أن أصل هذا الحديث من حديث خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن عبد الله بن عروة، به.
فلا شأن للزهري بهذا الحديث.
مثال آخر:
حديث: بكير بن عمرو، عن مِشْرَح بن هاعان، عن عقبة بن عامر ـ مرفوعاً ـ:" لو كان بعدي نبي، لكان عمر ".
(1)" علل الحديث " لابن أبي حاتم (1383) .
أخرجه: الترمذي (3686) وأحمد (4/154) والحاكم (3/85) والطبراني (17/298) والخطيب في " الموضح "(2/414) .
وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث (1)، فقال:
" اضرب عليه؛ فإنه عندي منكر ".
وقال الترمذي:
" هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث مشرح بن هاعان ".
فمحصلة القولين: أن هذا الحديث خطأ، وأن المخطئ فيه مشرح هذا؛ لأنه هو المتفرد به.
ومشرح هذا؛ وإن كان من جملة الثقات، إلا أنهم تكلموا في حفظه، وقد ذكره ابن حبان في " الثقات "(5/452)، وقال:" يُخطئ ويُخالف ".
وقال في " المجروحين "(3/28) :
" يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير، لا يتابع عليها، والصواب في أمره: ترك ما انفرد من الروايات، والاعتبار بما وافق الثقات ".
قلت: وهذا من حديثه عن عقبة بن عامر، ومما تفرد به، ولم يتابع عليه من قِبَل الثقات ولا غيرهم، وقد أُنكر عليه كما سبق.
لكن؛ جاءت متابعة له من أبي عشانة واسمه: حي بن يومن، غي
(1)" المنتخب من علل الخلال "(106) بتحقيقي.
ر أنها متابعة لا تصح من جهة إسنادها، ثم إن راويها اضطرب فيها، فروى الحديث مرة أخرى عن مشرح على الصواب، لا عن أبي عشانة.
فقد رواه: يحيى بن كثير الناجي، عن ابن لهيعة، عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، به.
أخرجه: الطبراني (17/310) .
وهذا؛ لا ينفع لإثبات المتابعة لمشرح، ودفع تفرده بالحديث فابن لهيعة ضعيف الحفظ، وقد اضطرب فيه، فرواه مرة أخرى عن مشرح، عن عقبة، به.
أخرجه: أبو بكر النجاد في " الفوائد المنتقاة " ـ كما في " السلسلة الصحيحة " للشيخ الألباني (327) .
وهذا هو الصواب، فالحديث حديث مشرح.
والله أعلم.
مثال آخر:
وقد اضطرب ابن لهيعة في حديث آخر بنحو هذا الاضطراب.
وهو حديث: " أكثر منافقي أمتي قراؤها ".
فقد رواه مرة، فقال: عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه: الطبراني (17/305) .
وقال مرة أخرى: عن مشرح بن هاعان، عن عقبة.
أخرجه أحمد (4/151) والفريابي في "صفة النفاق "(30 - 31 - 32) وابن عدي (4/148) والخطيب في "التاريخ "(1/357) والذهبي في " السير "(88 / 27 - 28، 396) .
وهكذا؛ اضطرب ابن لهيعة في هذا الحديث؛ إلا أن الوجه الأخير أشبه بالصواب؛ فقد توبع عليه:
تابعه: الوليد بن المغيرة، عن مشرح، به.
أخرجه: أحمد (4/155) والفريابي (33) .
وقد استدل الإمام الذهبي ـ عليه رحمة الله ـ بهذه المتابعة على صحة هذا الوجه فقال في " السير "(8/27- 28) :
" هذا حديث محفوظ؛ قد تابع فيه الوليد بن المغيرة ابن لهيعة، عن مشرح ".
قلت: فعاد الحديث إلى حديث مشرح، وقد عرفتَ حاله في المثال السابق.
مثال آخر:
حديث: حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود
ـ مرفوعاً ـ: " من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خموش، أو خدوش، أو كدوح في وجهه "، فقال: يا رسول الله، وما الغنى؟ قال:" خمسون درهماً، أو قيمتها من الذهب ".
أخرجه: أبو داود (1626) والترمذي (650) والنسائي (5/97) وابن ماجه (1840)
وأحمد (1/388-441) .
فهذا؛ مما تفرد به حكيم بن جبير هذا، وتكلم فيه شعبة وغيره من أجل هذا الحديث.
لكن؛ رواه يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، عن زُبيد اليامي، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
أخرجوه أيضاً؛ إلا أحمد.
فهذه الرواية؛ فيما متابعة لحكيم من زبيد.
إلا أن النقاد ـ عليهم رحمة الله تعالى ـ لم يعتدوا بتلك المتابعة، وأصروا على الحكم بتفرد حكيم بالحديث، وحكموا على هذه المتابعة بالخطأ والنكارة، وصرح بعضهم بأن الخطأ فيه من يحيى بن آدم، وهو وإن كان من الثقات، إلا أنه ليس من
المبرزين من أصحاب الثوري (1) .
قال عباس الدوري (2) :
" سمعت يحيى ـ وسألته عن حديث حكيم بن جبير، حديث ابن مسعود: " لا تحل الصدقة لمن كان عند خمسون درهماً " ـ " يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى بن معين: نعم، يرويه يحيى بن آدم، عن سفيان، عن زبيد، ولا نعلم أحداً يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم؛ لو كان هذا هكذا لحدث به الناس جميعاً عن سفيان، ولكنه منكر ـ هذا الكلام قاله يحيى أو نحوه ".
وقال أبو بكر الأثرم (3) :
(1) الفسوي (1/717) .
(2)
" تاريخه "(1671) و " الكامل "(2/634) .
(3)
" الكامل "(2/636) .
قلت لأحمد: حديث حكيم بن جبير في الصدقة، رواه زبيد أيضاً؟
فقال: كذا قال يحيى بن آدم
…
".
وقال الإمام النسائي (1) :
" لا نعلم أحداً قال في هذا الحديث: " عن زبيد " غير يحيى بن آدم، ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم ضعيف ".
وقال ابن حبان (2) ؛ معلقاً على بعض رواياته:
" ليس له طريق يُعرف ولا رواية، إلا من حديث حكيم بن جبير ".
وقد جاء لحكيم متابع آخر، من طريق غير محفوظ أيضاً:
فقد رواه: محمد بن مصعب القرقساني، عن حماد بن سلمة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
قال الإمام الدارقطني (3) :
" ووهم ـ يعني: القرقساني ـ في قوله: " عن أبي إسحاق "، وإنما رواه إسرائيل عن حكيم بن جبير "(4) .
قلت: فعاد الحديث إلى حكيم بن جبير؛ فلا متابعة.
مثال آخر:
حديث: " ماء زمزم لما شرب له ".
(1)" تحفة الأشراف "(7/85) .
(2)
" المجروحين "(1/247) .
(3)
" العلل "(5/216) ، وراجع " تهذيب السنن " للمنذري (1559) .
(4)
وراجع " المجروحين "(1/247) .
أخرجه: أحمد (3/357- 372) وابن ماجه (3062) والعقيلي (2/303) وابن عدي (4/1455) والطبراني في " الأوسط "(849)(9027) والبيهقي (5/148) وغيرهم.
من طريق: عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا الحديث؛ يرويه: عبد الله المؤمل، وقد تفرد به بهذا الإسناد، لم يتابع عليه من وجه يصح؛ قال ذلك غير واحد من الحفاظ؛ كالعقيلي، والبيهقي، وابن عدي، والطبراني، وابن حجر، وغيرهم.
وقد رواه: البيهقي في " السنن الكبرى "(5/202) من طريق فيه نظر، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر، به، فذكر متابعة ابن طهمان لابن مؤمل.
قال الحافظ ابن حجر (1) :
" وقيل: إن راويها سقط عليه " عبد الله بن المؤمل "، ومن ثم قال البيهقي: إن ابن المؤمل تفرد به، وقد جرت عادة كثير من الحفاظ إطلاق التفرد مع أن مرادهم فيه تفرد الثقة ".
وجزم بذلك في " التلخيص "(2)، فقال:
" قلت: لا يصح عن إبراهيم؛ إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل ".
(1) في " جزئه " في هذا الحديث (ص 25) .
(2)
" التلخيص "(2/510) .
قلت: صدق الحافظ ـ رحمه الله تعالى ـ في قوله: " لا يصح عن إبراهيم "، أما أنه أخذه من ابن المؤمل، فهذا أمر وارد، ولكنه بعيد هنا؛ لأنه لو كان كذلك لرواه أصحابه الثقات ـ أو بعضهم ـ عنه.
والحاصل؛ أن متابعة إبراهيم لابن المؤمل لا تصح، فيبقى ابن المؤمل متفرداً بالحديث؛ وبهذا يَسْلَم حكم البيهقي بتفرده به، ولا يصح تعقب ابن التركماني له برواية ابن طهمان، لاسيما؛ وأنه لم يتفرد بقوله هذا، بل سبقه به غير واحد من الحفاظ، وقد
سبقت الإشارة إليهم.
وقد جاءت متابعة أخرى لابن المؤمل؛ وهي لا تصح أيضاً:
فقد رواه: عبد الرحمن بن المغيرة، عن حمزة الزيات، عن أبي الزبير، به.
أخرجه الطبراني في " الأوسط "(3815)، وقال:
" لم يرو هذا الحديث عن حمزة الزيات، إلا عبد الرحمن بن المغيرة ".
…
قال الحافظ ابن حجر (1) :
" ومن طريق حمزة هذه؛ رويناها في " الأوسط " للطبراني؛ وأخطأ فيه راويه؛ إنما هو: عن عبد الله بن المؤمل، فهو المتفرد به ".
مثال آخر:
حديث: عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما:" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته ".
(1) في " جزئه "(ص 25) .
فهذا الحديث؛ حديث ابن دينار، عن ابن عمر، هو المتفرد به عنه، لا يصح إلا من هذا الوجه.
هكذا؛ قال الأئمة، عليهم رحمة الله تعالى.
وقد رواه بعضهم، فقال: عن نافع عن ابن عمر؛ فخطأه الأئمة في ذلك.
فقد رواه: يحيى بن سليم الطائفي ـ وهو صدوق في حفظه ضعف ـ عن عبيد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر.
قال الترمذي (1) :
" وهم فيه يحيى بن سليم، والصحيح: هو عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ هكذا روى عبد الوهاب الثقفي وعبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار،
عن ابن عمر" اهـ.
وقال أبو يعلى الخليلي (2) :
" أخطأ فيه يحيى؛ لأن هذا رواه عبيد الله وغيره، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ وليس هو من حديث نافع ".
وقال ابن رجب (3) :
" لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى من هذا الوجه ـ يعني: عن ابن دينار ـ، ومن رواه من غيره فقد وهم وغلط".
(1) في آخر " الجامع "(5/759) ، وكذلك في " العلل الكبير "(ص 181- 182) .
(2)
في " الإرشاد "(1/386-387) وانظر " الأوسط " للطبراني (1319) .
(3)
في " شرح العلل "(2/629) .
ورُوي من وجه آخر عن نافع، وهو خطأ أيضاً:
فقد رواه: سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به.
قال أبو حاتم الرازي (1) :
" نافع؛ أخذ هذا الحديث عن عبد الله بن دينار؛ ولكن هكذا قال ".
ورواه أبو حاتم الرازي، عن قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه الخليلي في " الإرشاد "(2/572) .
وقال الخليلي:
" وهذا مما نُقِمَ على أبي حاتم؛ فليس هذا من حديث نافع عن ابن عمر؛ إنما هو عند سفيان: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ورواه عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ ونافع هاهنا خطأ، وقد حدث به غير أبي حاتم، عن
قبيصة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ على الصواب ".
وذكر الحافظ ابن حجر في " النكت "(2) رواية قَبيصة هذه، ثم قال:" وقد وهم فيه قبيصة؛ فقد خرجه الشيخان في " الصحيحين " من حديث الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما، على المحفوظ ".
(1) في " العلل "(1107) .
(2)
" النكت على كتاب ابن الصلاح "(2/671- 672) .
قال:
" وعلى تقدير أن يكون محفوظاً، فقد سقط منه " عبد الله بن دينار " بين نافع وابن عمر؛ كما أشار إليه أبو حاتم قبل " اهـ.
قلت: وهذا من الأخطاء التي تتوارد عليها الأذهان، ويتفق على الخطأ فيها الرواة، لكونها جارية على الجادة المعهودة.
وقد رواه بعضهم، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمرو.
رواه هكذا: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، عن أبيه، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، به.
أخرجه: الطبراني في " الأوسط "(50) .
وقال: " لم يتفرد عن سفيان، عن عمرو بن دينار؛ إلا يحيى بن حمزة، تفرد به ولده عنه؛ ورواه الناس، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار ".
قال الحافظ (1) :
" وهو وهم؛ والمحفوظ من حديث الثوري، عن عبد الله بن دينار، كما تقدم. والله أعلم ".
قلت: وقد وقع يحيى بن حمزة في حديث آخر في مثل هذه الخطأ، فراجعه في كتابي
" ردع الجاني "(ص 124) .
ولعل وقوع ذلك بسبب التصحيف، فإن تصحيف " عبد الله " إلى " عمرو " سهل؛ لاسيما وأنهما مشهوران بالرواية عن ابن عمر، وبرواية
(1) في " النكت "(2/672) .
الثوري عنهما.
وقد أبدل أحدهما بالآخر في حديث " البيعان بالخيار "، وقد سبق الكلام فيه في موضعه (1) .
مثال آخر:
حديث: صدقة بن موسى الدقيقي، عن فرقد السبخي، عن إبراهيم عن علقمة، عن ابن مسعود
ـ مرفوعاً ـ: " كل معروف صَنَعْتَه إلى غني أو فقير، فهو صدقة ".
أخرجه: الطبراني في " الكبير "(10/110) وكذا في " مكارم الأخلاق "(112) وابن عدي (4/1395) والبزار (1582) والدارقطني في " الأفراد "(213/ب ـ أطرافه) وأبو نعيم في " الحلية "(3/49) .
وقال ابن عدي ـ في ترجمة صدقة ـ:
" وهذا الحديث عن فرقد؛ لا أعلم يرويه عنه غير صدقة بن موسى ".
وقال البزار:
" وهذا الحديث، لا نعلمه يُروى عن عبد الله، إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد ".
وقال الدارقطني:
" غريب من حديث فرقد السبخي عن إبراهيم، تفرد به: صدقة بن موسى الدقيقي ".
(1) راجع: " فصل: المتابعة.. والتصحيف ".
وقال أبو نعيم:
" غريب من حديث فرقد، تفرد به عن فرقد: صدقة بن موسى "(1) .
فأنت ترى الأئمة قد تتابعوا على أن صدقة بن موسى الدقيقي هو المتفرد بهذا الحديث عن فرقد السبخي، وقد اتفقوا على ذلك، واجتمعت عليه كلمتهم.
لكن؛ رواه أبو نعيم في " الحلية "(7/194) ، من طريق مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، عن شعبة، عن فرقد، به.
وقال أبو نعيم:
" غريب؛ تفرد به مسلم عن شعبة، ولا أعرف لشعبة عن فرقد غيره ".
قلت: وهو خطأ قطعاً، ويدل عليه أمور:
الأول: اتفاق الأئمة على أن هذا الحديث مما تفرد به صدقة الدقيقي عن فرقد.
الثاني: أن شعبة لا يروي عن فرقد السبخي، إلا ما جاء في هذا الموضع؛ كما ذكر أبو نعيم.
الثالث: أن المعروف عن شعبة بغير هذا الإسناد؛ فقد رواه جماعة من أصحاب شعبة، فقالوا:
" عن شعبة، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة ".
وقد ذكره أبو نعيم قبل هذا، وقال:" مشهور عن شعبة ".
(1) وراجع " العلل " للدارقطني (5/152) و " السلسلة الصحيحة "(2040) .
ولا أستبعد أن يكون " صدقة " تصحف إلى " شعبة "؛ فإن مسلم بن إبراهيم الفراهيدي يروي عن صدقة، كما يروي عن شعبة.
وإن صح هذا؛ فالخطأ في هذا الحديث ممن دون مسلم الفراهيدي في الإسناد. والله أعلم.
ومن لطيف ما جاء في ذلك:
قال البرذعي (1) :
" شهدت أبا زرعة، وذكر له صالح جزرة رجلاً ـ سماه له، أُنسيت اسمه ـ، فقال له صالح: روى شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس: " أبردوها بماء زمزم "، فوقع على أبي زرعة الضحك العظيم مما قال؛ وذاك أن هذا ليس من حديث شعبة، إنما رواه همام ".
قلت: وحديث همام؛ أخرجه البخاري (4/146) .
وبالله التوفيق.
(1) في " سؤالاته لأبي زرعة "(2/577-578) .