الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتابعة
…
والإقران
قد يكون الحديث حديث رجل واحد، هو المتفرد به، فيأتي بعض من يروي الحديث عنه، فيقرن معه رجلاً آخر أو أكثر، والصواب أن الحديث ليس من حديث من قرن معه، بل هو حديثه، ليس من حديث غيره.
فمن لا يفطن لذلك، يظن أن الحديث من رواية هؤلاء جميعاً، فيدفع التفرد، ويثبت المتابعة، وليس الأمر كذلك.
مثال ذلك:
حديث: أبي أمية الطرسوسي، عن عاصم، عن ابن جريج، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ليس منا من لم يتغن بالقرآن ".
هذا الحديث؛ سيأتي (1) أن أبا عاصم أخطأ في متنه، وأن الصواب بهذا الإسناد متن:" ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به ".
إلا أن أبا أمية الطرسوسي أخطأ على أبي عاصم في هذا الحديث خطأ آخر، حيث جعله من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ـ كلاهما ـ، عن أبي هريرة، والصواب: أنه حديث أبي سلمة وحده عنه،
(1) انظر: المثال الأول من " فصل
…
شاهد اللفظ
…
وشاهد المعنى ".
ليس هو من حديث سعيد.
قال أبو علي النيسابوري (1) :
" قول أبي أمية: " عن سعيد بن المسيب " وهم منه في هذا الحديث ".
وقال الخطيب عقبه:
" روى هذا الحديث عبد الرزاق بن همام، وحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وحده ".
قلت: وكذلك أخرجه أحمد (2/285) من طريق محمد بن بكر البرساني، عن ابن جريج، مثل رواية عبد الرزاق وحجاج بن محمد.
وقال الدارقطني (2) :
" وقع في إسناده وهم من أبي أمية، وهو قوله: " عن سعيد بن المسيب " مع أبي سلمة ".
مثال آخر:
حديث: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها، افتت بـ {قل هو الله أحد} حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة
أخرى معها ـ الحديث.
أخرجه: الترمذي (2901) عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن الدراوردي، به.
(1)" تاريخ بغداد "(1/395) .
(2)
في " العلل "(9/240) .
وقد علقه البخاري في نفسه في " الصحيح "(2/255)، فقال: " وقال عبيد الله بن عمر،
عن ثابت
…
" ـ فذكره.
ورواه عنه؛ مصعب بن عبد الله الزبيري.
أخرج حديثه: أبو يعلى (6/83) وابن حبان (794) والطبراني في " الأوسط "(898) .
وكذلك؛ رواه محرز بن سلمة، عن الدراوردي.
أخرج حديثه: البيهقي (2/61) .
وكذلك؛ إبراهيم بن حمزة.
أخرج حديثه: ابن خزيمة (537) والبيهقي.
وهذا الحديث؛ مما تفرد به عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله بن عمر، هكذا قال غير واحد من أهل العلم.
قال الترمذي:
" هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه، من حديث عبيد الله بن عمر، عن ثابت ".
وقال الطبراني:
" لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا عبد العزيز "(1) .
(1) وهو في " الفتح " لابن حجر (2/257) .
وقال الدارقطني:
" غريب من حديث عبيد الله، عن ثابت؛ تفرد به عبد العزيز الدراوردي، عنه ".
وقال ابن خزيمة:
" غريب غريب ".
لكن؛ رواه يحيى بن أبي طالب، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد العزيز بن محمد وسليمان بن بلال ـ كلاهما ـ، عن عبيد الله بن عمر ".
ذكر ذلك: المزي في " تحفة الأشراف "(1/147) .
فهذا الوجه؛ يوهم أن الدراوردي لم يتفرد به عن عبيد الله بن عمر، وإنما وافقه عليه سليمان بن بلال.
وليس الأمر كذلك؛ فإن هذه الرواية خطأ، أخطأ فيها يحيى بن أبي طالب هذا، وليس لذكر:" سليمان بن بلال " هاهنا معنى، وإنما هو حديث الدراوردي فقط.
وذلك لأمور:
الأول: أن البخاري رواه ـ كما تقدم ـ عن إسماعيل بن أبي أويس بالإسناد، ولم يذكر:" سليمان بن بلال "؛ والبخاري أتقن من مئتين من مثل يحيى بن أبي طالب وذويه.
الثاني: أن الأئمة قد صرحوا بأن عبد العزيز الدراوردي قد تفرد به عن
عبيد الله، منهم: الدارقطني، والطبراني، والترمذي، وغيرهم، وقد سبق كلامهم.
الثالث: أن الحديث قد رواه غير ابن أبي أويس، عن الدراوردي فقط، منهم: مصعب الزبيري، ومحرز بن سلمة، وإبراهيم ابن حمزة ـ كما سبق ـ ولم يقل واحد منهم:" وعن سليمان بن بلال ".
والله أعلم.
مثال آخر:
حديث: عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِي، عن المستورد بن شداد، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره.
رواه عن ابن لهيعة: جماعة، منهم:
قتيبة بن سعيد، وحسن بن موسى الأشيب، وموسى بن داود، ومحمد بن حمير، وأسد بن موسى.
أخرجه: أبو داود (148) والترمذي (40) وابن ماجه (446) وأحمد (4/229) والطبراني (20/306) والبغوي في " شرح السنة "(1/419) .
وقال الترمذي:
" هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة ".
لكن؛ رواه أحمد بن عبد الرحمن بن أخي أبن وهب، عن عمه عبد الله بن وهب، فقال:
" حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد ـ به. ".
فقرن مع ابن لهيعة: الليث ابن سعد، وعمرو بن الحارث.
أخرجه: البيهقي (1/76) وابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل "(ص 31 - 32) .
فظاهر هذه الرواية؛ يوهم أن ابن لهيعة لم يتفرد بهذا الحديث، وإنما هو متابع من قِِبل هذين اللذين قرنا معه.
وليس الأمر كذلك؛ فإن هذه الرواية خطأ، ليس لليث ولا لعمرو شأن بهذا الحديث، وإنما أخطأ ابن أخي ابن وهب حيث قرنهما معه في هذا الحديث.
وابن وهب؛ كان يجمع بين هؤلاء في بعض الأحاديث التي اتفقوا على روايتها، فظن ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن أن هذا الحديث من تلك؛ وليس كذلك، بل هذا مما تفرد به ابن لهيعة.
ويدل على ذلك أمور:
الأول: أن ابن أخي ابن وهب، تكلموا فيه؛ وقال ابن يونس ـ وهو من أعلم الناس بالمصريين ـ:" لا تقوم بحديثه حجة ".
الثاني: أنه خالفه ثقتان، روياه عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وحده، مثل رواية الناس.
وهذان الثقتان، هما: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وبحر بن نصر،
أخرج حديثهما البيهقي (1/76) .
فرواية ابن أخي ابن وهب بمقتضى هذا، تكون شاذة أو منكرة.
الثالث: قول الترمذي " لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة "، يدل على أن الحديث حديثه، ليس حديث غيره (1) .
ومما يؤكد خطأ ابن أخي ابن وهب: أنه رواه مرة أخرى، عن هؤلاء الثلاثة، فاضطرب فيه، حيث رواه عنهم بإسناد آخر، فقال: عنهم، عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرجه: أبو يعلى الخليلي في " الإرشاد "(1/399- 414) .
والله أعلم.
(1) وراجع " التلخيص الحبير "(1/105) .