الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتابعة.. وظن الرجل رجلين
المتابعة التي يعتد بها العلماء، ويقوون بها الرواية، هي المتابعة الحقيقية، وليس المتابعة الناتجة عن التخليط بين الرواة، من ظن الرجل رجلين، والواحد اثنين.
كأن يكون الحديث حديث رجل واحد، هو المتفرد به، إلا أنه ذُكر مرة باسمه، ومرة بكنيته، فاشتبه ذلك: هل هو واحد، أم اثنان؟
فقد ينطلي ذلك على البعض، فيظن أنهما اثنان، فيجعل كلاً منهما متابعاً للآخر، والصواب أنه رجل واحد، ذُكر مرة باسمه، ومرة بكنيته، وأنه لا متابعة.
مثال ذلك:
قال ابن أبي حاتم (1) :
" سألت أبي عن حديث؛ رواه: إسماعيل بن أبان الوراق، عن جعفر الأحمر، عن أبي خالد، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان، أنه رعف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحدث وضوءاً ".
فقال أبي: أبو خالد هذا؛ عمرو بن خالد، متروك الحديث، لا يُشتغل بهذا الحديث.
قلت لأبي: فإن الرمادي حدثنا عن إسحاق بن منصور، عن هُريم،
(1) في " العلل "(112) .
عن عمرو القرشي، عن أبي هاشم الرماني؛ هذا الحديث؟
فقال: هو عمرو بن خالد " اهـ.
مثال آخر:
حديث: يحيى بن عبدويه، عن قيس بن الربيع، عن السدي، عن زيد بن وهب، عن وابصة بن معبد، أن رجلاً صلى خلف الصف وحده، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا دخلت في الصف، أو جذبت رجلاً صلى معك! أعد الصلاة ".
أجرجه: ابن الأعرابي في " معجمه "(1) .
ويحيى بن عبدويه هذا، أثنى عليه أحمد، لكن كذبه ابن معين.
لكن؛ روى هذا الحديث أبو الشيخ الأصبهاني في " طبقاته "(2/292) وعنه أبو نعيم في " أخبار أصبهان"(2/364)، عن عقيل بن يحيى: حدثنا: الطائي ـ شيخ قدم علينا أيام أبي داود ـ: ثنا قيس، به.
وقد أدخلا هذا الحديث في ترجمة " الطائي " هذا، ولم يسمياه.
وهذا الطائي، هو نفسه يحيى بن عبدويه.
فقد حكى أبو نعيم عقبة عن أبي الشيخ، أنه قال:
" هذا الشيخ؛ أُراه يحيى بن عبدويه البغدادي؛ لأن هذا الحديث معروف به ".
(1) كما ورد في " الإرواء "(2/326) .
قلت: فلا متابعة.
ولذا؛ قال الشيخ الألباني (1) :
" وأورداه في ترجمة الطائي هذا، فقد يُتوهم أنه متابع لابد عبدويه هذا، وليس كذلك، بل هو هو ".
ثم نقل كلام أبي الشيخ، ثم قال:
" وعلى هذا يدل صنيع الحافظ في " التلخيص " (2/37) ؛ فإنه عزا الحديث لأبي نعيم في ترجمة يحيى بن عبدويه، وهو إنما أورده في ترجمة الطائي ـ كما سبق ـ، ولكنه ختمها بقول ابن حبان ـ يعني: أبا الشيخ ـ هذا، فدل ذلك على أن الحافظ يرى ما أُريه أبو الشيخ، وهو الظاهر. والله أعلم ".
مثال آخر:
حديث: حكيم بن نافع الرقي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سجدتا السهو تجزيء في الصلاة من كل زيادة ونقصان ".
أخرجه: أبو يعلى (8/68-140) والبزار (574- كشف) وابن عدي (2/639) والطبراني في " الأوسط "(5133)(7154) والخطيب في " تاريخ "(8/262) ، من طرق، عن حكيم بن نافع، به.
وقال الطبراني:
" لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة، إلا حكيم بن نافع ".
(1) في " الإرواء "(2/326-327) .
وقال ابن عدي:
" لا أعلم رواه عن هشام بن عروة، غير حكيم بن نافع ".
وحكيم هذا؛ ضعيف، وقد تفرد بهذا الحديث عن هشام بن عروة وهذا مما لا يُحْتَمَل، لأن هشام من المكثرين حديثاً وأصحاباً، فتفرد مثل هذا عنه مما يُعد منكراً؛ ولهذا عده ابن عدي من مناكيره في ترجمته.
لكن؛ جاءت له متابعة.
فقد رواه: علي بن محمد الحنظلي المنجوري، عن أبي جعفر الرازي، عن هشام بن عروة، به.
أخرجه: الخطيب في " تاريخ "(10/80) .
والمنجوري هذا؛ فيه ضعف؛ فهذه متابعة لا تصح.
لكن؛ قال ابن عدي:
" ورُوي عن أبي جعفر الرازي، عن هشان بن عروة؛ ويقال: إن " أبا جعفر " هو كنية " حكيم بن نافع " فكأن الحديث رجع إلى أنه لم يروه عن هشام غير حكيم ".
قلت: فإن صح هذا، فلا متابعة، بل هو راوٍ واحد، ذُكر مرة باسمه، ومرة بكنيته؛ لاسيما وأنهم لم يذكروا هشام بن عروة في شيوخ أبي جعفر الرازي، واسمه: عيسى بن ماهان.
فمن قوى الحديث بمجموع الروايتين، مع وجود هذا الاحتمال، فقد أبعد النُّجعة جداً.
لاسيما؛ وأن رواية أبي جعفر الرازي ـ إن صح أنه غيره؛ أي: أنه
عيسى بن ماهان ـ لم تصح إليه، لأنها من رواية مضعَّف عنه، ثم إن أبا جعفر ضعيف أيضاً، وتفرد ضعيف عن ضعيف عن مثل هشام بن عروة، بهذا الإسناد المشهور، مما يُستكر، إذ يستبعد أن يخفى مثل هذا على أصحاب هشام، ولا يحفظه إلا الضعفاء.
مثال آخر:
حديث: الحسين بن محمد، عن دُوَيد، عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة ـ مرفوعاً ـ:" الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له ".
أخرجه: أحمد في " المسند "(6/71) ، وأيضاً؛ الخلال في " علله "(1) من طريق حنبل، عن أحمد، عن الحسين، به.
ونقل عن أحمد، أنه قال:
" هذا حديث منكر "
فهذا الحديث؛ هكذا رواه الإمام أحمد، وسمى فيه شيخ الحسين:" دُوَيْداً ".
وقد رواه ابن أبي الدنيا في " ذم الدنيا "(182) ، عنه البيهقي في " الشعب "(10638) من طريق أخرى، عن الحسين بن محمد أيضاً، عن أبي سليمان النصيبي، عن أبي إسحاق، به.
فلم يسم شيخه في هذا الرواية، بل كناه بـ " أبي سليمان النصيبي ".
وقد ذهب بعض أفاضل العصر إلى أن " دُوَيداً " هو " دويد بن نافع "
(1) من " المنتخب له " لابن قدامة (رقم: 5) بتحقيقي.
المترجم في " التهذيب، وأن " أبا سليمان النصيبي " هذا غيره، فهو متابع له، وعليه؛ أثبت الحديث عن أبي إسحاق السبيعي؛ لمتابعة كل منهما للآخر ـ في ظنه ـ ثم أعله بعد ذلك بعنعنة أبي إسحاق واختلاطه.
ولسنا نوافق ذلك الفاضل على شيء مما ذهب إليه في ذلك كله؛ فليس " دُويد " هذا هو " ابن نافع "، ولا " النصيبي " متابعاً له، بل هو " دويد " نفسه، ذُكر مرة باسمه، ومرة بكنيته ونسبه.
وعليه؛ فهو متفرد به عن أبي إسحاق، لم يتابعه أحد، فلا يصح الحديث عن أبي إسحاق؛ لأن " دويداً " هذا مجهول وقد تفرد به عن أبي إسحاق في جلالة قدره وكثرة أصحابه، وهذا معنى إنكار الإمام أحمد ـ عليه رحمة الله تعالى.
وقد ذكر الدارقطني في " المؤتلف "(2/1008-1009) : " دويد بن نافع "، وقال:" يروي عن الزهري وضبارة بن عبد الله بن أبي السليك، روى عنه بقية بن الوليد ".
ثم ذكر بعده: " دويد، لم يُنْسب، يروي عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة: الدنيا دارة ما لا دار له، ولها يجمع ما لا عقل له ".
وقال: " وله أحاديث نحو هذا في الزهد ".
فصنيع الدارقطني؛ يدل على أن " دويداً " صاحبنا، ليس هو " دويد بن نافع "، بل هو آخر غير منسوب، وهو لا يعرف.
ويدل عليه؛ أنهم لم يذكروا في ترجمة " ابن نافع " له رواية عن أبي إسحاق، ولا للحسين رواية عنه.
وذكر ابن ماكولا (1) :
" دُويد بن سليمان
…
روى عنه حسين بن محمد المروزي ".
وهذا؛ يفيد أن " دويداً " الذي يروي عنه الحسين بن محمد، ليس بابن نافع، وإنما هو " ابن سليمان ".
فالذي يترجح، أن " دويداً " صاحب هذا الحديث، هو نفسه " أبو سليمان النصيبي "؛ فالحسين يروي الحديث عنهما جميعاً، والحديث واحد، وشيخهما واحد، والراوي يُذكر مرة باسمه، ومرة بكنيته.
ثم وجدت الحافظ ابن حجر قال (2) :
" دويد؛ هو داود بن سليمان النصيبي ".
وهذا يؤكد ما حققته، وهو يدل على أن " دويداً " لقب، وأن اسمه:" داود بن سليمان "(3) .
وبالله التوفيق.
(1) في " الإكمال "(3/386) .
(2)
في " نزهة الألباب "(1077) .
(3)
راجع: تعليقي على " المنتخب "
" والسلسلة الضعيفة "(1933) .