الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شاهد اللفظ.. وشاهد المعنى
مما لا شك فيه؛ أن الشاهد إذا كان لفظه مثل لفظ المشهود له، يكون أقوى في الشهادة مما لو وافقه في المعنى فقط، دون اللفظ.
فكثيراً؛ ما يكون الشاهد أخص من المشهود له، بينما الموافقة في اللفظ يؤمن معها ذلك.
ومما ينبغي أن يتنبه له هنا: أنه قد يكون حديثان في الباب، يتفقان في المعنى دون اللفظ، فيأتي بعض من لم يحفظ الحديث على وجهه، فيروي أحد الحديثين بإسناد الحديث الآخر، فيظهر لمن لا يفطن لذلك، وكأن الحديثين يتفقان في اللفظ أيضاً.
مثال ذلك:
حديث: أبي عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
هذا الحديث؛ أخرجه: البخاري (13/501) ؛ وانتُقد عليه.
قال الدارقطني (1) :
"هذا يقال: إن أبا عاصم وهم فيه.
والصواب: ما رواه الزهري ومحمد بن إبراهيم ويحيى بن أبي كثير
(1) في "التتبع"(ص170-171) ، وكذا في "العلل"(9/240-241) .
ومحمد بن عمرو وغيرهم، عن أبي سلمة، هن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أذن الله لشيء إذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به"؛ وقول أبي عاصم وهم.
وقد رواه عقيل ويونس وعمرو بن الحارث وعمرو بن دينار وعمرو بن عطية وإسحاق بن راشد ومعمر وغيرهم، عن الزهري، بخلاف ما رواه أبو عاصم، عن ابن جريج باللفظ الذي قدمنا ذكره.
وإنما روى ابن جريج هذا اللفظ الذي ذكره أبو عاصم عنه، بإسناد آخر؛ رواه عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي نهيك، عن سعد؛ قاله ابن عيينة عنه" اهـ.
وقال الخطيب (1) :
"روى هذا الحديث: عبد الرزاق بن همام وحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وحده (2) ، وكذلك رواه الأوزاعي، وعمرو بن الحارث، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر بن راشد، وعقيل بن خالد، ويونس بن زيد، وعبيد الله بن أبي زياد، وإسحاق بن راشد، ومعاوية بن يحيى الصدفي، والوليد بن محمد الموقري،
عن الزهري؛ واتفقوا كلهم ـ وابن جريج منهم ـ على أن لفظه: "ما أذن الله لسيء ما أذن انبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن".
(1) في "التاريخ"(1/295) .
(2)
يعني: بلفظ: "ما أذن الله لشيء
…
"، كما سيأتي.
وهو في "المصنف"(2/482) وأخرجه أيضاً أحمد في "المسند"(2/285) عن عبد الرزاق ومحمد بن بكر البرساني بهذا اللفظ.
قال: "وأما المتن الذي ذكره أبو عاصم؛ فإنما يُروى عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم " اهـ.
وقال أبو علي النيسابوري (1) :
"قول أبي عاصم فيه: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، وهم من أبي عاصم؛ لكثرة من رواه عنه هكذا".
وقد أخطأ أبو أمية الطرسوسي فيه خطأ آخر عن أبي عاصم؛ إلا أنه في الإسناد، وقد تقدم في موضعه (2) .
مثال آخر
حديث: رواه: الحسين بن عيسى البسامي، عن علي بن الحسن بن شقيق، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحسب المال، والكرم التقوى".
أخرجه: القضاعي في "مسند الشهاب"(20) .
وهذا اللفظ؛ ليس يُعرف بهذا الإسناد، وإنما الذي يُعرف بهذا الإسناد لفظه:
"إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه هذا المال".
هكذا يرويه؛ غير واحد، عن الحسين بن واقد.
أخرجه: النسائي (6/64) وأحمد (5/353-361) وابن حبان
(1)"تاريخ بغداد"(1/395) .
(2)
انظر: المثال الأول من "فصل: المتابعة..والإقران".
(699)
(700) والحاكم (2/163) والدارقطني (3/304) والبيهقي (7/135) والخطيب (1/318) والقضاعي (982) .
وأما اللفظ الأول؛ فهو يعرف بإسناد آخر، يرويه: سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه: الترمذي (3271) وابن ماجه (4219) وأحمد (5/10) والحاكم (2/163)(4/425) والدارقطني (3/302) والبيهقي (7/135-136) والطبراني (7/219) وأبو نعيم في "الحلية"(6/190) والبغوي في "شرح السنة"(13/125) وابن الجوزي في "الواهيات"(1002) .
قلت: فالظاهر، أن بعض الرواة دخل عليه لفظ حديث سمرة في الباب في لفظ هذا الحديث. والله أعلم.
ولعل ذلك؛ من الحسين بن عيسى هذا، أو من أحد ممن دونه.
فقد رواه: الإمام أحمد (5/361) عن علي بن الحسن بن شقيق؛ بالإسناد، بلفظ حديث بريدة على الصواب، وليس بلفظ حديث سمرة، كما وقع عند القضاعي.
والحسين هذا؛ لم أعرفه؛ اللهم أن يكون "البسامي" مصحفاً من "البسطامي"، فإن كان كذلك، فهو صدوق، كما قال أبو حاتم، وأدخله ابن حبان في "الثقات".
ومهما يكن من أمر؛ فإنه لا يقارن بأحمد بن حنبل في تثبته وإتقانه، فكيف إذا كان الحديث مشهوراً عن بريدة باللفظ الآخر، وليس باللفظ الذي جاء به الحسين هذا؟ ! وقد يكون الخطأ ممن دون الحسين.
وبهذا؛ يعلم خطأ المعلق على "مسند الشهاب"، حيث اعتبر الحديث بلفظه الأول محفوظاً بالإسنادين، فجعل أحدهما شاهداً باللفظ الثاني (1) .
مثال آخر:
قال ابن أبي حاتم (2) :
"سألت أبي عن حديث؛ رواه: قبيصة، عن الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوصي امرءاً بأمه"؟
قال أبي: هذا خطأ ـ يعني: أنه غلط في المتن ـ، يريد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وأبواي يبكيان.
وإنما روى ذلك الحديث "أوصي امرءاً بأمه": سفيان، عن منصور، عن عبيد الله بن علي، عن خداش أبي سلامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبي: فهذا الذي أراد قبيصة؛ دخل له حديث في حديث" (3) اهـ.
مثال آخر:
حديث: "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب".
فهذا الحديث؛ قد رواه بعضهم بإسناد حديث:
"نهى عن بيع الولاء وعن هبته".
(1) وراجع: "الإرواء"(1870) .
(2)
في "العلل"(1982) .
(3)
راجع: "الإرواء"(3/322-323) .
فقال: "عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر".
وإنما الصواب: أن هذا الإسناد إسناد حديث "نهى عن بيع الولاء وعن هبته"، وأما حديث "الولاء لحمة.."، فهو يعرف بغير هذا الإسناد، عن الحسن البصري مرسلاً.
وقد أشار إلى ذلك أبو زرعة الرازي ـ كما في "العلل"(1645) ـ وابن عدي في "الكامل"(6/2036-2037) والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/292-293) و "معرفة السنن والآثار"(7/507)(1) .
مثال آخر:
حديث: محمد بن محمد بن حيان التمار، عن أبي الوليد الطيالسي، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت:" ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه ".
قال الحاكم في " معرفة علوم الحديث "(ص 59) :
" هذا إسناد تداوله الأئمة الثقات، وهو باطل من حديث مالك، وإنما أريد بهذا الإسناد: " ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله، فينتقم لله بها ".
ولقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه، من هو؟ فلم أقف عليه، اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن حيان البصري، على أنه صدوق مقبول ".
(1) وراجع: "إرواء الغليل"(1668) .
مثال آخر:
حديث: شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ـ مرفوعاً ـ:" المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة.. ".
أخرجه: ابن عدي (4/1427) ؛ وقال:
" هذا ـ بهذا اللفظ ـ؛ لا يُروى إلا عن شريك، من رواية يحيى بن إسحاق عنه؛ وإنما رواه الناس: عن الأعمش، بلفظ آخر، وهو: " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن " اهـ.
قلت: واللفظ الأول؛ إنما يعرف بإسناد آخر، عن علي بن أبي طالب، موقوفاً عليه، غير مرفوع.
أخرجه: الطحاوي في " المشكل "(5/441) والبيهقي (2/19)، من طريق: شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي.
ثم قال البيهقي:
" ورُوي عن شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ـ مرفوعاً ـ؛ وليس بمحفوظ "(1)
(1) راجع: " فتح الباري " لابن رجب (3/534) .
وانظر مثالاً آخر في " علل ابن عمار الشهيد "(ص 96-97) .