الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي الْبَدَنِ، حَتَّى إِنَّ أَمْرًا وَاحِدًا إِذَا قِيسَ إِلَى أَبْدَانٍ مُخْتَلِفَةِ الْعَادَاتِ، كَانَ مُخْتَلِفَ النِّسْبَةِ إِلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَبْدَانُ مُتَّفِقَةً فِي الْوُجُوهِ الْأُخْرَى، مِثَالُ ذَلِكَ أَبْدَانٌ ثَلَاثَةٌ حَارَّةُ الْمِزَاجِ فِي سِنِّ الشَّبَابِ، أَحَدُهَا: عُوِّدُ تَنَاوُلَ الْأَشْيَاءِ الْحَارَّةِ، وَالثَّانِي: عُوِّدُ تَنَاوُلَ الْأَشْيَاءِ الْبَارِدَةِ، وَالثَّالِثُ عُوِّدَ تَنَاوُلَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَوَسِّطَةِ.
فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَتَى تَنَاوَلَ عَسَلًا لَمْ يَضُرَّ بِهِ، وَالثَّانِي: مَتَى تَنَاوَلَهُ أَضَرَّ بِهِ، وَالثَّالِثُ: يَضُرُّ بِهِ قَلِيلًا، فَالْعَادَةُ رُكْنٌ عَظِيمٌ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ، وَمُعَالَجَةِ الْأَمْرَاضِ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ الْعِلَاجُ النَّبَوِيُّ بِإِجْرَاءِ كُلِّ بَدَنٍ عَلَى عَادَتِهِ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[فصل هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَغْذِيَةِ الْمَرِيضِ بِأَلْطَفِ مَا اعْتَادَهُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَغْذِيَةِ الْمَرِيضِ بِأَلْطَفِ مَا اعْتَادَهُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ
وَفِي " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ عائشة أَيْضًا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «عَلَيْكُمْ بِالْبَغِيضِ النَّافِعِ التَّلْبِينِ» )، قَالَتْ:«وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اشْتَكَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ تَزَلِ الْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ حَتَّى يَنْتَهِيَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ» . يَعْنِي يَبْرَأُ أَوْ يَمُوتُ.
وَعَنْهَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قِيلَ لَهُ إِنَّ فُلَانًا وَجِعٌ لَا يَطْعَمُ الطَّعَامَ، قَالَ:
(عَلَيْكُمْ بِالتَّلْبِينَةِ فَحَسُّوهُ إِيَّاهَا " وَيَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا تَغْسِلُ بَطْنَ أَحَدِكُمْ كَمَا تَغْسِلُ إِحْدَاكُنَّ وَجْهَهَا مِنَ الْوَسَخِ» )
التَّلْبِينُ: هُوَ الْحِسَاءُ الرَّقِيقُ الَّذِي هُوَ فِي قِوَامِ اللَّبَنِ، وَمِنْهُ اشْتُقَّ اسْمُهُ، قَالَ الهروي: سُمِّيَتْ تَلْبِينَةً لِشَبَهِهَا بِاللَّبَنِ لِبَيَاضِهَا وَرِقَّتِهَا، وَهَذَا الْغِذَاءُ هُوَ النَّافِعُ لِلْعَلِيلِ، وَهُوَ الرَّقِيقُ النَّضِيحُ لَا الْغَلِيظُ النِّيءُ، وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَعْرِفَ فَضْلَ التَّلْبِينَةِ فَاعْرِفْ فَضْلَ مَاءِ الشَّعِيرِ، بَلْ هِيَ مَاءُ الشَّعِيرِ لَهُمْ، فَإِنَّهَا حِسَاءٌ مُتَّخَذٌ مِنْ دَقِيقِ الشَّعِيرِ بِنُخَالَتِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَاءِ الشَّعِيرِ أَنَّهُ يُطْبَخُ صِحَاحًا، وَالتَّلْبِينَةُ تُطْبَخُ مِنْهُ مَطْحُونًا، وَهِيَ أَنْفَعُ مِنْهُ لِخُرُوجِ خَاصِّيَّةِ الشَّعِيرِ بِالطَّحْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْعَادَاتِ تَأْثِيرًا فِي الِانْتِفَاعِ بِالْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ، وَكَانَتْ عَادَةُ الْقَوْمِ أَنْ يَتَّخِذُوا مَاءَ الشَّعِيرِ مِنْهُ مَطْحُونًا لَا صِحَاحًا، وَهُوَ أَكْثَرُ تَغْذِيَةً وَأَقْوَى فِعْلًا وَأَعْظَمُ جَلَاءً، وَإِنَّمَا اتَّخَذَهُ أَطِبَّاءُ الْمُدُنِ مِنْهُ صِحَاحًا لِيَكُونَ أَرَقَّ وَأَلْطَفَ، فَلَا يَثْقُلُ عَلَى طَبِيعَةِ الْمَرِيضِ، وَهَذَا بِحَسَبِ طَبَائِعِ أَهْلِ الْمُدُنِ وَرَخَاوَتِهَا، وَثِقَلِ مَاءِ الشَّعِيرِ الْمَطْحُونِ عَلَيْهَا. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ مَاءَ الشَّعِيرِ مَطْبُوخًا صِحَاحًا يَنْفُذُ سَرِيعًا، وَيَجْلُو جَلَاءً ظَاهِرًا وَيُغَذِّي غِذَاءً لَطِيفًا. وَإِذَا شُرِبَ حَارًّا كَانَ جَلَاؤُهُ أَقْوَى، وَنُفُوذُهُ أَسْرَعَ وَإِنْمَاؤُهُ لِلْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ أَكْثَرَ وَتَلْمِيسُهُ لِسُطُوحِ الْمَعِدَةِ أَوْفَقَ.
وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِيهَا: ( «مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ» ) يُرْوَى بِوَجْهَيْنِ. بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ، وَبِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَالْأَوَّلُ: أَشْهَرُ وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا مُرِيحَةٌ لَهُ، أَيْ تُرِيحُهُ وَتُسَكِّنُهُ مِنَ الْإِجْمَامِ، وَهُوَ الرَّاحَةُ. وَقَوْلُهُ " تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ " هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْغَمَّ وَالْحُزْنَ يُبَرِّدَانِ الْمِزَاجَ، وَيُضْعِفَانِ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ لِمَيْلِ الرُّوحِ الْحَامِلِ لَهَا إِلَى جِهَةِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَنْشَؤُهَا، وَهَذَا الْحِسَاءُ يُقَوِّي الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ بِزِيَادَتِهِ فِي مَادَّتِهَا، فَتُزِيلُ أَكْثَرَ مَا عَرَضَ لَهُ مِنَ الْغَمِّ وَالْحُزْنِ.
وَقَدْ يُقَالُ - وَهُوَ أَقْرَبُ - إِنَّهَا تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ بِخَاصِّيَّةٍ فِيهَا مِنْ