المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ بدايات المقاومة - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ٣

[بسام العسلي]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الأول

- ‌ الموقف في دار الخلافة العثمانية

- ‌ محمد علي باشا في مصر

- ‌ معركة نافاران

- ‌الفصل الثاني

- ‌ ذريعة الاستعمار (البراغماتية)

- ‌ عشية ليل الاستعمار

- ‌ بدايات المقاومة

- ‌أ - فئات من المجاهدين

- ‌ب - ثورة ابن زعمون:

- ‌ج - سيدي السعدي والجهاد

- ‌د - ثورة الآغا محيي الدين بن المبارك

- ‌هـ - بومزراق - باي تيطري:

- ‌و- الحاج أحمد (باي قسنطينة):

- ‌ز - حمدان خوجة والصراع السياسي:

- ‌ حمدان عثمان خوجة:

- ‌ أحمد بوضربة:

- ‌ المفتي الحنفي سيدي محمد بن العنابي:

- ‌ الإدارة الإفرنسيةوتكوين وحدات خاصة

- ‌ الإدارة الإفرنسية(من التردد إلى التصميم)

- ‌الفصل الثالث

- ‌ في النظرية الاستعمارية

- ‌ في الجهاد والمقاومة

- ‌قرءات

- ‌ 1 -قصة اليهودي ومروحة دوفال

- ‌ 2 -نداء (دوبرمون) إلى أهل الجزائرعشية الغزوة الصليبية الإفرنسية

- ‌ 3 -معاهدة الاستلام التي وقعها داي الجزائر(حسين باشا) يوم 4 تموز (يوليو) 1830 م

- ‌ 4 -من تقرير اللجنة الإفريقية(سنة 1833)

- ‌ 5 -رسائل وثائقية(للحاج أحمد باي قسنطينة)

- ‌المراجع الرئيسية للبحث

- ‌الفهرس

الفصل: ‌ بدايات المقاومة

3 -

‌ بدايات المقاومة

ظهر تصميم الشعب الجزائري واضحا منذ البداية لمقاومة الهجمة الاستعمارية الإفرنسية، وتجلى ذلك في الأعمال القتالية التي خاضها الجزائريون مع الإفرنسيين منذ الاشتباكات الأولى، وهذا ما شهد به كل المراقبين الذين رافقوا الحملة، وكذلك أولئك الذين كتبوا (تاريخ الحملة) من الإفرنسيين وسواهم وقد يكون من المناسب التوقف قليلا عند أحد مؤرخي الحملة الإفرنسية وقادتها، وهو (كلوزول)(1) الذي يصف

(1) كلوزول: (BERTRAND CLAUSES OU CLAUZEL) ماريشال فرنسا، من مواليد ميروبواكس (MIREPOIX)(1772 - 1842 م) قائد الجيش الإفرنسي، ثم حاكم الجزائر، وهو الذي استولى على مسكره سنة 1835 م. وكان كلوزول من قادة نابليون بونابرت، ثم اتفق مع (بورمون) على خيانة سيدهما بونابرت، والتآمر مع الإنكليز ضده. مما ساعد إنكلترا - والحلفاء على النصر، وإعادة الملكية، واشتهر بالغدر والخيانة، ومن أقواله:(أن المعاهدات والمحالفات هي مجرد أوراق تمزق إن اقتضت الحاجة لذلك، وإذا ما ضربت فرنسا بما بينها وبين الجزائر من اتفاقيات عرض الحائط، فالذنب ذنب داي الجزائر الذي أهان فرنسا) وكان من أشهر المحرضين على الاحتفاظ بالجزائر.

ص: 85

معركة (اسطاوالي) بما يلي: (قامت القوات الجزائرية يوم 10 حزيران - يونيو - 1830 بهجوم شامل على امتداد الجبهة - وكان لا بد من القتال للدفاع عن كل شبر من الأرض، وخوض الصراع خطوة فخطوة. حتى أمكن في النهاية صد العرب عن الوصول إلى الهدف الذي يريدونه.

لقد كانت الأرض مقطعة بالخنادق المتتالية، وكان لا بد من صدهم عند كل خندق. لقد أخفى العرب مدافعهم خلف السياج وبين الأنقاض والجدران المتهدمة والغياض الكثيفة. وأقاموا كمائنهم هنا بزمر صغيرة يتراوح عدد أفرادها بين ستة أو ثمانية من القناصة - مهرة الرماة - فكانوا يعيقون تقدم قواتنا بكفاءة. ولم يكن أمرا نادرا أن تجد النساء وحتى الأطفال عند بطاريات المدفعية وهم يعملون على تلقيم الأسلحة التي كان الرجال يستخدمونها للرمي بدقة عالية وبحذر كبير. وبذلك كانت تتضاعف قدرتهم القتالية). (واعتبارا من هذه اللحظة انطلق الجنود الإفرنسيين لعمليات انتقام وحشية. فعملوا على قتل الجرحى والإجهاز عليهم، وتشويه القتلى، وكان الجنود الجزائريون يفضلون الاشتباك بالسلاح الأبيض - الخناجر أو المدى - والموت بنتيجة ذلك عن الاستسلام للإفرنسيين). وعندما وصلت القوات الإفرنسية إلى ضواحي الجزائر، بدون مقاومة تذكر، انطلقت القوات الإفرنسية لأعمال التدمير المثيرة والإبادة الوحشية والتي وصفها (كلوزول) بقوله: (عند الوصول إلى المنازل الريفية، كانت قواتنا قد اجتاحتها ودمرتها وقتلت كل السكان الذين اختبؤوا فيها أو لجؤوا إلى الغياض المجاورة. وكان لا بد لمن يقع بصره على مشاهد الإبادة من أن يشيح بوجهه نفورا منها. ولم يحاول أحد إيقاف هذه الفوضى أو

ص: 86

الأعمال الفظيعة التي ارتكبت تقريبا تحت إشراف القادة الكبار. ولم تمض أكثر من 24 ساعة على هذه الأعمال حتى استطاع

الجيش الإفرنسي إقامة معسكره فوق أرض مدينة هي من أجمل بلدان الدنيا).

وفي مجال الحديث عن المقاومة، ذكر (كلوزول) ما يلي:(لم تقتصر مقاومة الجزائريين عند الدفاع عن القصر، بل إنهم قاوموا بضراوة في القصبة وعند باب عزون. وتميزت المقاومة داخل القلعة بالعناد والتنظيم، فكان المقاتلون يحتلون فورا مكان من يقتل، ولم يتخل سدنة الأسلحة عن أسلحتهم ومدافعهم إلا بعد أن أصبحت هذه الأسلحة معدومة الفائدة - ومدمرة - وكان المقاتلون يحاولون سد الثغرات التي تحدثها المدافع بأكياس الصوف، كما كانوا يعملون على وضع مدافع جديدة في أمكنة المدافع المدمرة ويستأنفون رماياتهم. واستمروا في ذلك حتى أصبح من المحال متابعة المقاومة. غير أنه كان من الصعب عليهم التخلي عن مواقعهم وأسلحتهم قبل العمل على تدميرها بأنفسهم)(1).

وفي معرض الحديث عن المقاومة تضمن تقرير القنصل السويدي (في 10 آب - أغسطس - 1830)(2) ما يلي: (قام الماريشال الكونت دوبورمون بجولة وصل بها حتى - بليدا - القرية الصغيرة الواقعة في سفوح جبال الأطلس وعلى بعد مسافة غير بعيدة عن

(1) LA RESISTANCE ARMEE ALGERIENNE PP. 17 - 19

(2)

REVUE D'HISTOIRE ET DE CIVILISATION DU MAGHREB.

(FACULTE DES LETTRES D'ALGER) JANVIER I968 NO : 4 P.P42. 44.

ص: 87

الجزائر. ولقد أراد بهذه الطريقة، وبما عرف عنه من أساليب رقيقة، اكتساب ثقة المواطنين العرب ومحبتهم، واعتقد أنه يستطيع بذلك إقامة علاقات مع العرب المقيمين في الجبال والسهول المحيطة بالمدينة. وانطلق الماريشال لهذه الزيارة ومعه هيئة أركانه وقوة (1200) جندي من المشاة، ومئات الفرسان (الخيالة) ومدفعي ميدان. وكان سيندم حتما لو لم يصطحب معه هذه القوة لحراسته لمجابهة المبادرة التي استقبله بها سكان (بليدا) وما يجاورها. إذ تظاهر سكان (بليدا) باستقباله استقبالا حسنا، وعامله أهل القرى معاملة حسنة، لكنه ما أن بدأ رحلة العودة إلى الجزائر، حتى انقض عليه آلاف العرب ورجال القبائل، وأرغموه على التوقف وشق طريقه في ست مرات متتالية، والقتال قتالا تراجعيا طوال الرحلة. وفقد أثناء هذه الاشتباكات أحد معاونيه، وعددا من ضباطه والمئات من رجاله في هذه المحاولة العقيمة لكسب ثقة الرجال المعتصمين في صياصي جبالهم وأعاليها. والذين رفضوا عبر التاريخ الخضوع لأية أمة. مما يؤكد أنه من المحال إقامة علاقات بين المسلمين والمسيحيين؟ وقد يكون من الصعب الآن معرفة نوايا الإفرنسيين تجاه الجزائر بحسب ما يقع تحت أبصارنا ففي حين يظهر الإفرنسيون وهم في عجلة من أمرهم عند نقل الغنائم والكنوز والثروات والمدافع إلى فرنسا مما يشير إلى احتمال عودتهم سريعا إلى بلادهم، فإنهم يشقون الطرق العريضة والمستقيمة، وينظمون الساحات العامة والمسارح والملاهي الخ

مما يحمل على الاعتقاد بأن إقامة الفاتحين ستستمر طويلا في هذه البلاد).

لم تكن هذه المقاومة إلا رد فعل أولي تجاه الأعمال الوحشية للغزاة البرابرة والتي وصفها مؤرخ فرنسي بقوله: (لم تعرف مدينة

ص: 88

في العالم ما عرفته الجزائر من الفوضى يوم اجتاحتها القوات الإفرنسية. فقد اختفت الحلق والسلاسل والعقود والصواري والأخشاب والسنانير من الميناء، واقتلعت الأبواب من المحلات العامة. ونهبت الأموال والأثاث والحلي من المنازل. وكثر الاعتداء على الأشخاص والأعراض) (1) هذا في حين كانت القوات الإفرنسية تنطلق في الشوارع لتوزيع المنشورات على المحلات العامة، ولتعلق على الجدران تلك الإعلانات:(لتؤكد للسكان احترام السلطات الإفرنسية للدين الإسلامي والنساء والممتلكات، وأن المسلمين هم الذين سيتولون باستمرار إدارة أمورهم)(2) غير أنه لم يمض أكثر من شهرين على هذا التعهد، حتى أمر القائد العام بمصادرة ممتلكات الأتراك وأراضي الأوقاف، وأسرع القائد (روفيجو)(3) فأمر بتحويل أجمل مسجد في مدينة الجزائر إلى كنيسة، وقام الجنود الإفرنسيين باقتحام المسجد على حين كان في داخله أربعة آلاف مسلم، وأعملوا فيهم القتل بالحراب وهم يؤدون الصلاة داخل المسجد الذي لم يلبث أن تحول إلى (كاتدرائية الجزائر). ولم يكن من الغريب أن يستقبل الجزائريون العزل قوات الغزاة البرابرة - بمزيج من مشاعر الغضب

(1) - GABRIEL (ESQUER): LA PRISE D'ALGER 1830 - PARIS - 1929 EDITION P: 411.

(2)

- REVUE D'HISTOIRE ET DE CIVILISATION. ALGER. JANVIER 1968 N° 4 OP. 42.

(3)

روفيجو: (RENE SAVARY: DUC DE ROVIGO) جنرال إفرنسي (1774 - 1833) برز اسمه في معركة أوسترالانكا: (OSTROLENKA) وهي المدينة البولونية التي انتصر فيها الإفرنسيون على الروس سنة 1807، وأصبح وزيرا للشرطة في عهد الإمبراطورية الأولى وهو مؤلف كتاب مذكرات (MEMOIRE)

ص: 89

والاحتقار. وهو الأمر الذي وصفه أحد المؤرخين بقوله: (دخلت الجيوش الإفرنسية مدينة الجزائر، فوجدتها صامتة يسودها سكون رهيب، وظهر لها إنها خالية من سكانها. وكانت ذهول الإفرنسيين لهذه المقابلة كبيرا ظهرت آثاره على وجوههم وتحركاتهم. ولم يحاول - الإفرنسيون - إخفاء دهشتهم لما تركته هذه المدينة الخرساء من انطباعات غريبة في نفوسهم، مع أن المدينة لم تكن خالية تماما، فهنا تشهد تاجرا يقع أمام دكانه المغلق، وهناك تلمح أشباح نساء فوق سطوح المنازل، وفي ملتقى الطرق، كانت جماعات قليلة من الجزائريين والأتراك تدخن في صمت ثقيل. ولئن كانت هذه المناظر كلها تمثل للفرنسيين مشاهد (للفرجة) فإن الجزائريين لم يعيروا الإفرنسيين أدنى اهتمام، وكأنهم لم ينتبهوا فعلا لوجودهم - وأن هذا الاحتقار الواضح، الذي قوبل به جنود الاحتلال الإفرنسي هو الذي جعل هؤلاء المنتصرين يستغربون من هذا الوضع ويتعجبون

) (1).

هكذا استقبلت الجزائر المجاهدة قوات الغزو البربرية بمزيج من المقاومة السلبية والإيجابية، غير أن هذه المقاومة لم تكن إلا البدايات المبكرة، وكانت هذه البدايات المبكرة هي الأساس الثابت للتطورات المستمرة والمتعاظمة.

وفي الواقع، فقد يكون من الصعب فصل المقاومة السلبية عن المقاومة الإيجابية، فهما متداخلتان ومتشابكتان إلى حد كبير لأنهما تعبير عن (الرفض الكامل للإسعمار الإفرنسي) وإذا كان المجاهدون قد استطاعوا التعبير عن غضبهم ورفضهم بالرصاصة، فقد لجأ المجاهدون ممن لم يجدوا الرصاصة، أو لم يتمكنوا

(1) تاريخ الجزائر - مسعود - ص 130 - 131.

ص: 90

لعوامل كثيرة من استخدامها فقد استخدموا أسلوب (الصمت القاتل) كتعبير ثابت عن الغضب والرفض لهذا الواقع الذي فرضته قوة الاستعمار البربرية (وكلمة البربرية هنا تعبير عن الوحشية ورد على الأسلوب الذي استخدمه غلاة الاستعمار ودهاقنته في وصف المقاومة العربية الإسلامية). وقد أخذت المقاومة منذ البداية، على ما هو واضح، اتجاهان متباينة، واتبعت أساليب مختلفة. فكان منها مقاومة التجار والعلماء وزعماء المدن، وكان منها مقاومة شعبية دينية قادها المرابطون. ورؤساء القبائل تحت راية (الجهاد في سبيل الله) والدفاع (عن الأعراض والمحرمات والأرض والشرف والوطن). وكان منها أيضا مقاومة تندرج تحت (راية الجهاد في سبيل الله) أيضا غير أنها تجد لها حوافزها (الخصوصية) وتمثلها فئة النزوع إلى العهد التركي الإسلامي. وقد حاولت السلطة الاستعمارية إضعاف المقاومة عن طريق مهاجمة (الوحدة الدينية للمسلمين) واتهام المسلمين بالتعصب في إطار دفعهم للاتجاه الذي تريده فرنسا الاستعمارية وترضى عنه على أنه (لا تعصب). وضمن هذا الإطار حاولت تفسير مقاومة معلمي الجزائر أحيانا بأنها نتيجة تعصب المسلمين ضد اليهود (سادة المجتمع الجزائري الجدد تحت حماية الاستعمار) وأحيانا أخرى بأنها (نزوع إلى عودة الحكم الإسلامي) ممثلا (بحكم الأتراك العثمانيين). ويمكن التوقف قليلا عند التفسير الإفرنسي لظاهرة المقاومة.

لقد انهارت المقاومة الرسمية في الجزائر خلال عشرين يوما اعتبارا من بداية العدوان، غير أن هذا الانهيار كان هو البداية لشكلين من أشكال المقاومة المسلحة. الشكل الأول هو الذي تولى قيادته الحكام الرسميون (ويمثلهم الحاج أحمد باي قسنطينة الذي

ص: 91

استمر في قيادة جهاد الناحية الشرقية حتى سنة 1837) والشكل الثاني هو المقاومة الشعبية التي برزت بصورة خاصة في الناحيتين الوسطى والغربية من الجزائر. ويدحض ذلك مقولات التفسير الإفرنسية الخاطئة للمقاومة. أن سبب المقاومة الحقيقي هو في (رفض مبدأ الاستعمار ذاته) والذي جاءت الممارسات الاستعمارية ذاتها لتدعم فكرة الرفض والمقاومة للاستعمار.

لقد كان الحكم الإسلامي، عبر تاريخه الطويل، مناقضا للتعصب، ولم يثر التعصب الإسلامي إلا نتيجة (التعصب الصليبي) وكان المسلمون هم حماة اليهود منذ فتح الشام وحتى خروجهم من الأندلس، وخلال هذه المرحلة التاريخية المتطاولة شارك اليهود المسلمين انتصاراتهم بقدر ما استثمروا قدراتهم، وتعرضوا أيضا لما يتعرض له المسلمون عند مجابهة (مأساة انهيار الأندلس الإسلامية). غير أن اصطناع الإفرنسيين لليهود في الجزائر، واندفاع اليهود لدعم الصليبية المسيحية ضد المسلمين هي التي شملت (اليهودية والاستعمار الإفرنسي الصليبي) بشعور واحد مبعثه الغضب ضد هذا الواقع المفروض بقوة السلاح.

لقد أظهرت الطائفة اليهودية في الجزائر ميلا واضحا إلى الإفرنسيين، كما أظهر هؤلاء لليهود عطفا أوضح، واعتمدوا عليهم في إدارة العهد الجديد نظرا لمعرفته بالبلاد. وقد مارس اليهودي (ديني) وكيل التموين دورا بارزا في حمل القائد العام الإفرنسي على حماية اليهود ودعمهم واستخدامهم. فعينت الإدارة الإفرنسية منذ اليوم التالي للاحتلال اليهودي (سرور) رئيسا للمترجمين غير الإفرنسيين. وقد أصبح (بكري) صاحب نفوذ كبير حتى أن الجيش

ص: 92

كان لا يفعل شيئا إلا باستشارته. وبذلك حصل على امتيازات كبيرة له ولطائفته. وهكذا أبرز الإفرنسيون الجالية اليهودية ودعموها على حساب العرب المسلمين، على الرغم من إقرار الإدارة الإفرنسية بغدر هذه الطائفة وتنكرها للجميل. إذ أكدوا في مرات كثيرة استعدادهم لبيع الجيش الإفرنسي في سبيل مصالحهم، وأصبحوا مرابين ومورطين غير أوفياء بالعهود - كعادتهم -. ويذكر أن اليهود اتهموا امرأة أحد الأتراك بإخفاء السلاح في بيتها، حتى إذا ما تبين للإفرنسيين كذب هذا الاتهام، عاد اليهود إليها وطلبوا منها دفع (600) قطعة ذهبية حتى لا تتعرض للمعاملة السيئة، فأعطتهم ما يريدون وشكت أمرها إلى الإفرنسيين فتم اعتقال اليهود وسجنوا.

وفي اليوم الأول من الاحتلال اتصل (بكري) بالأتراك، وحذرهم من الخطر الذي يتهددهم، ووعدهم بالحماية مقابل أن يدفعوا له مبالغ حددها لهم. كما اتصل بقومه ووعدهم أن الإفرنسيين لن يفعلوا شيئا بدون موافقته. وكان يطمح إلى أن يكون رئيس الطائفة اليهودية - كما كان زمن الإدارة العثمانية -. واتصل أيضا بمحافظي الشرطة وطلب منهم تسليم كل القضايا الخاصة باليهود إليه، وقد فعل ذلك بدون علم الهيئة المركزية (المجلس البلدي) ورئيس الشرطة. وقد أفاد اليهود من دعم الإفرنسيين لهم، فعملوا على تهجير كثير من أغنياء العرب من المدينة، وقد تدخل أعضاء الهيئة المركزية لدى رئيس الشرطة لمنع هجرة العائلات الغنية من المدينة.

وهناك من يذهب إلى أن ثورة العرب ضد الإفرنسيين - حتى في الأرياف - كانت تعود إلى النفوذ الذي أصبح عليه اليهود في الإدارة الجديدة. غير أن الأمثولات السابقة ذاتها، ومسيرة الأحداث التالية، تؤكدان أن الغضب على اليهود، وتسلطهم، إنما يعود لمبدأ

ص: 93

الاحتلال ذاته والذي أخل بتكوين المجتمع العربي الإسلامي وذلك باعتماده على أقلية عميلة (أوليغاركية) اسهمت بتنفيذ المخطط الاستعماري الذي كان من أعماله، انتزاع التجارة من قبضة أبناء البلاد واحتلال المنازل والمساجد والأملاك الخاصة والاعتداء على الأعراض وغير ذلك من انتهاك للمحرمات التي دفعت حتى تلك الفئة من (المعتدلين) والتي اعتقدت في البداية أنه بالمستطاع التعايش مع المستعمرين في بعض الحدود، دفعت تلك الفئة للتنكر للاستعمار والانضمام إلى صفوف المقاومة ومنظماتها.

أما بالنسبة لعلاقة الجزائر بالأتراك العثمانيين (من حيث مزاعم الإفرنسيين بعمل الجزائر لإعادة الحكم الإسلامي) فما هي إلا محاولة عرفها الجزائريون قبل سواهم من كل شعوب العالم العربي - الإسلامي. وهدفها دفع الجزائر للتهرب من (الحكم الإسلامي) على اعتبار أن كل ما ينزل بالجزائر هو بسبب تمسكها بالحكم الإسلامي، ولم تكن عملية الهجوم الشامل على الدين الإسلامي فكرا، وعبادة، ومقدسات أكثر من أداة لتحطيم مواقع الصمود الجزائرية. فكان رد الفعل الطبيعي هو المزيد من الإصرار العنيد على التمسك بالإسلام والالتزام بشريعته. أما بالنسبة لطبيعة العلاقة مع الإمبراطورية التركية - العثمانية، فلا مجال للحديث عنها هنا، غير أنه بالمستطاع القول أن هذه العلاقة ما كانت في يوم من الأيام أكثر من (تحالف مقدس) ضد (تحالف صليبي) حيث جمع الجهاد بين مسلمي الجزائر ومسلمي الأتراك. وقد كان في الجزائر، يوم وقع العدوان وفقا لما سبق ذكره، ستة آلاف تركي، قتل منهم ألف وخمسمائة وبقي (3500) من العزاب وألف من المتزوجين (آباء الكراغلة). وهذا العدد لا يشكل في كل الأحوال قوة احتلال

ص: 94

للجزائر إذا ما ذكر أن عدد المقاتلين الذين حشدوا في الجزائر هو (بين 50 و70) ألفا. من أبناء الجزائر، وعلاوة على ذلك، فقد كان حكام الجزائر يلتمسون تجنيد المقاتلين من الأناصول لدعم قدراتهم القتالية في حروبهم التي لم تكن تتوقف، وعلاوة على ذلك كله، فكثيرا ما كان أهل الجزائر يثورون على حاكمهم التركي عندما كان هذا الحاكم يجأر بالظلم، أو يسلك سلوكا يتنافى مع قواعد الشرع. ويظهر من خلال ذلك، أو من خلال الشواهد الكثيرة أنه لا مجال للمقارنة أبدا بين الحكم التركي العثماني في الجزائر والذي كان يعمل لمصلحة العرب المسلمين، وبين هذا الحكم الأجنبي (الصليبي) الذي جعل من أهدافه محاربة المسلمين. ويكون من الطبيعي أن يشعر الإفرنسيون بوضععهم الغريب عند مقارنة حكمهم بحكم الأتراك المسلمين فيوجهون الاتهام إلى الإسلام كعامل أساسي في التحريض ضد الاستعمار الإفرنسي الصليبي. ومن الطبيعي بعد ذلك كله، أن تكون العلاقات بين الأتراك المسلمين والجزائر الإسلامية علاقة وطيدة صهرتها في سداها ولحمتها دماء الشهداء من الطرفين وهم يسقطون معا تحت راية (الجهاد في سبيل الله) على امتداد أكثر من ثلاثة قرون ..

على كل حال، لم تكن (طائفة اليهود) سوى فئة مستخدمة لتنفيذ المخطط الاستعماري، ولم تكن (فئة الأتراك - الكراغلة) أكثر من فئة أيضا حاول المخطط الاستعماري الإفادة منها واستثمارها 0 وكذلك الأمر بالنسبة (لما أطلق عليه اسم حضر الجزائر، وهم الفئة المنحدرة من العرب الأندلسيين) حيث حاولت السلطات الاستعمارية استخدامهم مرحليا لتمزيق الجزائر إلى (ملوك الطوائف) يضرب

ص: 95