الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكانت هناك حوالي اثنتي عشرة قبيلة منتشرة في سهل متيجة، لكل قبيلة منها مشيختها أو زعامتها، ولكل قبيلة منطقتها - أو وطنها - وعلى كل وطن قائد، فكان هناك على سبيل المثال وطن (بني خليل) وعلى رأسه الشرقي، وكان هناك وطن (بني موسى) وعلى رأسه (أوشفون) وكان هناك وطن (الخشنة) وعلى رأسه (العمري)، وكذلك وطن (الست) وعلى رأسه (عبد الوادي) وكذلك أيضا (شرشال) التي اعترفت بالبركاني شيخ بني مناصر زعيما لها. وكذلك (القليعة) التي كانت تخضع لعائلة (ابن المبارك) وهو مرابط له سمعة واسعة. وكانت مدينة (البليدة) هي عاصمة (سهل المتوجة) أو (المتيجة). وعندما شعرت هذه القبائل، والمدن المجاورة بالخطر، تحالفت، وقررت المقاومة، ومن ثم ابتدأت سلسلة من الاصطدامات مع العدو، وتحولت شيئا فشيئا إلى ثورة عامة. وظهر خلال هذه الثورات زعماء مارسوا دورا أساسيا وبارزا خلال السنوات الأولى (من ليل الاستعمار الطويل). وقد يكون من الصعب الإحاطة بكافة الظواهر الثوروية خلال تلك الحقبة الحافلة بكل ظواهر الاضطراب، غير أنه ليس من العسير استقراء بعض تلك الظواهر.
ب - ثورة ابن زعمون:
كان (ابن زعمون) من قبيلة فليسة، وقد تولى قيادة قبيلته عندما احتل الإفرنسيون الجزائر، وأظهر تصميمه على منع تقدم الجيش الإفرنسي نحو (البليدة) فانضمت إليه قوات العرب في المنطقة، وعرض عليهم القضية بما في ذلك
= وشرشال وبوفريك (المرجع - مدينة الجزائر نشأتها وتطورها - علي عبد القادر حليمي - الجزائر 1972 ص 15).
مشروع الدفاع عن حريتهم ووجودهم ودينهم مع الاعتراف بالسلطة الإفرنسية في الجزائر، وكان ذلك في الشهر الأول من الاحتلال حين علم أن قائد الحملة (دوبورمون) يريد الزحف على (البليدة). ولذلك كتب إلى (دوبرمون) يطلب منه عدم التقدم إلا بعد توقيع معاهدة مع العرب تنظم العلاقة مع الإفرنسيين. ولكن (دوبورمون) قرر الذهاب إلى البليدة في يوم 25 تموز (يوليو) عام 1830 على رأس جيش من ألفي جندي مشاة وبعض مئات من الخيالة - الفرسان - ومدفعين (وقد سبقت الإشارة إلى ما نزل بهذه الحملة من الدمار). وعلى أثر ذلك أصبح (ابن زعمون) صاحب نفوذ كبير في إقليم الجزائر. بسبب كفاءته القيادية العالية التي أظهرها في قيادة قواته ضد الإفرنسيين، وبسبب ما أظهره من البطولة لإيقاف تقدم العدو، وأخذت قوته في التعاظم يوما بعد يوم. حتى إذا ما أقبل يوم 26 تشرين الثاني - نوفمبر - 1830 م، هاجم ابن زعمون مدينة البليدة بقوات ضخمة، واقتحم المدينة، ودارت معركة قاسية انتقل فيها الصراع من شارع إلى شارع ومن منزل إلى منزل، وأبيد خلالها عدد كبير من الحامية الإفرنسية (التي كانت تعمل تحت قيادة العقيد رولير) وسقط عدد من سكان المدينة (أهاليها). وعندما وصل (كلوزول) في اليوم التالي قادما من حملته الفاشلة على مدينة المدية (عاصمة إقليم تيطري) وجد المدينة (بليدة) وقد غطتها الجثث التي كان من بينها (50) جنديا إفرنسيا من جنود المدفعية، ممن قتلتهم قوات (ابن زعمون). وأصيب (كلوزول) بصدمة قاسية قرر على أثرها سحب القوات الإفرنسية الباقية من (البليدة). وعاد بفلول جيشه إلى مدينة (الجزائر).
دعمت انتصارات المجاهدين في (البليدة والمدية) من ثقة
المقاتلين بأنفسهم، وعززت إيمانهم بالنصر على قوات الغزو. وزادت قوة (ابن زعمون) بانضمام (الحاج سيدي السعدي) إليه، واضطلاعه بأعباء حشد المجاهدين ودعوته الناس لحمل السلاح والجهاد فى سبيل الله، وفي هذا الوقت ذاته، كان مصطفى بومرزاق ينظم المقاومة ويقودها للقتال في منطقة بوفريك، تاركا لابن زعمون وسيدي السعدي منطقة (الجانب الأيمن لوادي الحراش) حتى تنشر قواتها عن هذه المنطقة وتدافع عنها. وبذلك كانت القوتان تضمنان حماية (سهل المتوجة - متيجة).
قام (ابن زعمون) بقيادة قوات المجاهدين في صيف سنة (1831 م) فهاجم بها المراكز الإفرنسية الأمامية، وأشعل النيران بالمزرعة النموذجية التي أقامها الإفرنسيون قرب (وادي الحراش) وهي المعروفة باسم (حوش حسن باشا) والتي كان الإفرنسيون يعدون العدة للاحتفال بأول حصاد لها. وتطورت الأعمال القتالية التي استمرت طوال أيام عديدة حتى باتت تهدد العاصمة (الجزائر) ذاتها.
وعندئذ قرر الجنرال الإفرنسي (برتزين) مجابهة الموقف، فزح ست فرق عسكرية. بالإضافة إلى قوة الفرسان - الخيالة - بكاملها، وبعض المدفعية. وهاجم قوات (ابن زعمون) و (سيدي السعدي) عند مكان يسمى باسم (المرابط سيدي ارزين). غير أن قوات المجاهدين تجنبت الاصطدام بهذه القوة المتفوقة وانسحبت إلى الجبال المجاورة، تاركة لقوات الإفرنسيين حرية العمل في منطقة (الفراغ العسكري) ولم يجد (برتزين) أمامه إلا أن ينسحب بقواته إلى الجزائر معتقدا أنه قد نجح في وضع حد للثورة. غير أنه ما كاد يرجع حتى عادت قوات المجاهدين إلى مسرح عملياتها تحت قيادة قادتها (ابن زعمون وسيدي السعدي).
قاد (ابن زعمون) بعد ذلك قواته في خريف 1831 م وخاض