الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجلس الثاني
في الكلام على قوله: كيف كان بدء الوحي (1) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قوله تعالى {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِه} [النساء: 163] .
وفيه طرف من خصائص سيدنا نوح وطرف من فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: لأي شيء لم يبتديء البخاري في أول صحيحه «بالحمد» (2)
وهو أمر مهم، وقد صح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (3) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع ناقص البركة» رواه النسائي وابن ماجه (4) .
وأجاب عنه شيخ الإسلام سراج الدين ابن الملقن بسبعة أوجه:
الأول: أن هذا الحديث ليس على شرطه فإن قرة بن عبد الرحمن وهو ممن انفرد به مسلم عن البخاري.
(1) قال ابن حجر في الفتح (1/43) : قوله «بسم الله الرحمن الرحيم كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» هكذا في رواية أبي ذر والأصيلي بغير «باب» وثبت في رواية غيرهما، فحكي عياض ومن تبعه فيه التنوين وتركه، وقال الكرماني: يجوز فيه الإسكان على سبيل التعداد للأبواب. فلا يكون له إعراب.
(2)
لفظ الحديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ بحمد الله فهو أقطع» ، وفي رواية:«بحمد الله» ، وفي رواية:«بالحمد فهو أقطع» ، وفي رواية:«أجذم» ، وفي رواية:«لا يبدأ فيه بذكر الله» ، وفي رواية:«ببسم الله الرحمن الرحيم» ، ولفظه المشهور هو ما بدأنا به، أخرجه النسائي في السنن الكبرى (6/127، رقم 10328) ، وابن ماجه في سننه (1/610، رقم 1894) ، وابن حبان في صحيحه (1/174، رقم 2) ، والدارقطني في سننه (1/229) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/208، رقم 5559) جميعاً عن أبي هريرة.
وقد مر في المجلس الأول الكلام بإسهاب عن رواياته وحكمها، وهو بهذا اللفظ حديث حسن.
(3)
هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، أسلم سنة (7هـ) عام خيبر، كان رضي الله عنه راوية الإسلام لكثرة روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكثرة ما نقله عن إخوانه من الصحابة فقد روي عنهم علماً كثيراً، قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وبلغ مسنده وعدد أحاديثه (5326) حديثاً، وكانت وفاته بقصره بالعقيق سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة تسع وخمسين.
انظر: الإصابة (7/444) .
(4)
لفظ الحديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ بحمد الله فهو أقطع» ، وفي رواية:«بحمد الله» ، وفي رواية:«بالحمد فهو أقطع» ، وفي رواية:«أجذم» ، وفي رواية:«لا يبدأ فيه بذكر الله» ، وفي رواية:«ببسم الله الرحمن الرحيم» ، ولفظه المشهور هو ما بدأنا به، أخرجه النسائي في السنن الكبرى (6/127، رقم 10328) ، وابن ماجه في سننه (1/610، رقم 1894) ، وابن حبان في صحيحه (1/174، رقم 2) ، والدارقطني في سننه (1/229) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/208، رقم 5559) جميعاً عن أبي هريرة.
وقد مر في المجلس الأول الكلام بإسهاب عن رواياته وحكمها، وهو بهذا اللفظ حديث حسن.
الثاني: أن المراد بالحمد الذكر والثناء، بدليل أنه جاء في رواية:«بذكر الله» (1) والتسمية مشتملة على ذلك، فاكتفي بها لأنها أبلغ الثناء.
الثالث: يحتمل أن البخاري حمد الله بلسانه، لأن الذي اقتضاه لفظ الحمد أن يحمد لا أن يكتبه، وقيل في الجواب غير ذلك (2) .
(1) انظر التخريج السابق.
(2)
قال ابن حجر في الفتح (1/43) : وقد أجاب من شرح هذا الكتاب بأجوبة أخر فيها نظر:
منها: أنه تعارض عنده الابتداء بالتسمية والحمدلة، فلو ابتدأ بالحمدلة لخالف العادة، أو بالتسمية لم يعد مبتدئاً بالحمدلة فاكتفي بالتسمية.
وتعقب بأنه لو جمع بينهما، لكان مبتدئاً بالحمدلة بالنسبة إلى ما بعد التسمية، وهذه هي النكتة في حذف العاطف، فيكون أولى لموافقته الكتاب العزيز، فإن الصحابة افتتحوا كتابة الإمام الكبير بالتسمية والحمد وتلوها، وتبعهم جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، من يقول بأن البسملة آية من أول الفاتحة، ومن لا يقول ذلك.
ومنها: أنه راعى قوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ? [الحجرات: 1] فلم يقدم على كلام الله ورسوله شيئا، واكتفى بها عن كلام نفسه.
وتعقب بأنه كان يمكنه أن يأتي بلفظ الحمد من كلام الله تعالى، وأيضاً فقد قدم الترجمة وهي من كلامه على الآية، وكذا ساق السند قبل لفظ الحديث، والجواب عن ذلك: بأن الترجمة والسند وإن كانا متقدمين لفظاُ، لكنهما متأخران تقديراً فيه نظر.
وأبعد من ذلك كله، قول من ادعى: أنه ابتدأ بخطبة فيها حمد وشهادة، فحذفها بعض من حمل عنه الكتاب، وكأن قائل هذا ما رأى تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخه وأهل عصره كمالك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف، وأحمد في المسند، وأبي داود في السنن، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة، ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة، أفيقال في كل من هؤلاء: إن الرواة عنهم حذفوا ذلك؟ كلا، بل يحمل ذلك من صنيعهم، على أنهم حمدوا لفظاً.
ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع عن أحمد: أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتب الحديث ولا يكتبها، والحامل له على ذلك إسراع أو غيره، أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصاً بالخطب دون الكتب، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة، حمد وتشهد كما صنع مسلم، والله سبحانه وتعالي أعلم بالصواب.
وقد استقر عمل الأئمة المصنفين، افتتاح كتب العلم بالبسملة وكذا معظم كتب الرسائل، واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعراً، فجاء عن الشعبي منع ذلك، وعن الزهري قال: مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، وعن سعيد بن جبير جواز ذلك، وتابعه على ذلك الجمهور. وقال الخطيب: هو المختار.
وقوله «باب» قال الكرماني: يجوز فيه وفي نظائره ثلاثة أوجه:
الأول: «باب» بالرفع والتنوين.
والثاني: «بابُ» بالرفع بلا تنوين على الإضافة، وعلى التقديرين هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب.
والثالث: «بابْ» بالسكون على سبيل التعداد للأبواب فلا إعراب له، قال البرماوي: ولا يخفى بُعده.
و «بدء الوحي» بالهمز مصدر «بدء» بمعنى البداية، يقال: بدو الوحي بلا همز مصدر بدا يبدي بمعنى ظهر.
و «الوحي» مصدر «وحى يحي» كوعد يعد، ويقال:«أوحى» رباعياً بمعناه، ولكن الأكثر في الاستعمال مصدر الثلاثي.
ومعنى الوحي في اللغة: الإعلام بخفاء، وقيل: بسرعة ومنه الوحا.
وأما في الشرع: فهو إعلام الله تعالى أنبياءه الشيء بكتاب أو برسالة أو ملك أو منام أو إلهام أو نحو ذلك (1) .
واستعمل الوحي في كتاب الله بمعنى الأمر نحو: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ أَنْ
(1) فصل الحافظ ابن حجر في الفتح (1/45) معنى الوحي في اللغة والشرع والمراد به هنا فقال: قوله: «بدء الوحي» قال عياض: روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء، وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور.
قلت: ولم أره مضبوطاً في شيء من الروايات التي اتصلت لنا، إلا أنه وقع في بعضها «كيف كان ابتداء الوحي» ، فهذا يرجح الأول، وهو الذي سمعناه من أفواه المشايخ.
وقد استعمل البخاري هذه العبارة كثيراً، كبدء الحيض، وبدء الأذان، وبدء الخلق.
«والوحي» لغة: الإعلام في خفاء، والوحي أيضا: الكتابة والمكتوب والبعث والإلهام والأمر والإيماء والإشارة والتصويت شيئا بعد شيء.
وقيل: أصله التفهيم، وكل ما دللت به من كلام أو كتابة أو رسالة أو إشارة فهو وحي.
وشرعاً: الإعلام بالشرع، وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه أي: الموحى، وهو: كلام الله المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد اعترض محمد بن إسماعيل التيمي على هذه الترجمة، فقال: لو قال: كيف كان الوحي لكان أحسن، لأنه تعرض فيه لبيان كيفية الوحي، لا لبيان كيفية بدء الوحي فقط.
وتعقب بأن المراد من بدء الوحي، حاله مع كل ما يتعلق بشأنه، أي: تعلق كان، والله أعلم.
آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111] .
وبمعني التسخير نحو: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] وهو اتخاذها من الجبل بيوتاً، ومن عبر عن ذلك بالإلهام أراد هدايتها لذلك، وإلا فالإلهام حقيقة إنما يكون للعاقل.
وبمعني الإشارة نحو: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَة وَعَشِياًّ} [مريم: 11] وقد يطلق الوحي بمعنى الموحى به كالقرآن والسنة، من إطلاق المصدر على المفعول قال تعالى {إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] ، وسنذكر أقسام الوحي في المجالس الآتية.
وإنما صدر البخاري رضي الله عنه كتابه بالوحي لأنه مادة الشريعة وقصده أن جميع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وحي (1)
لقوله الله سبحانه إخباراً عن نبيه صلى الله عليه وسلم {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] .
وقوله «إلى رسول الله» المراد: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإنما قال: إلى رسول الله ولم يقل إلى الرسول لكراهة ذلك، فقد قال السخاوي (2)
في القول البديع: أسند البيهقي (3) من طريق الشافعي قال: يكره للرجل ان يقول قال الرسول، ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيماً له والله الموفق.
وصرح شيخنا السيوطي (4) في خصائصه بذلك أيضاً قال: وكره الشافعي أن يقول في حقه: الرسول بل رسول الله، لأنه ليس فيه من التعظيم ما في الإضافة.
فائدة: اختلف العلماء في الرسول والنبي هل هما بمعنى واحد؟
فقيل: هما بمعنى واحد فكل رسول نبي وكل نبي رسول.
والجمهور على أن الرسول أخص من النبي فكل نبي رسول ولا عكس، إذ النبي إنسان أوحى الله إليه بشرع ولم يؤمر تبليغه، فإن أمر تبليغه فرسول أيضاً.
وإنما قال: «إلي رسول الله» ولم يقل: إلى نبي الله، لأن الرسول المتصف بالرسالة، والنبي بالنبوة، والرسالة أفضل من النبوة، لأن الرسالة تثمر هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي كالعلم والعبادة.
وذهب ابن عبد السلام (5) إلى أن النبوة أفضل من الرسالة، واحتج بأن النبوة: الوحي بمعرفة الله وصفاته، فهي متعلقة بالله من طرفها، والرسالة الأمر بالتبليغ فهي
(1) مراده من ذلك أن السنة بما تحويه من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراراته وصفاته، هي وحي من عند الله، وهذا أيضاً فيه رد المطاعن عن سنة نبينا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وصيانة للشريعة من كيد الغالين، وانتحال المبطلين الذين لا يقرون السنة ولا يأخذون بها بدعوى أنها قول بشر يخطئ وينسى، وقد غفلوا أن الله عصمه صلى الله عليه وسلم أن يخطئ في شرعه ووحيه فسبحانه القائل: ?وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى? [النجم: 3، 4] ، فالسنة بهذا وحي من الله سبحانه وتعالى.
وإذا أردت الزيادة فنقول لك:
يدل على ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: ?وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً? [النساء: 113] ، والحكمة التي في الآية هي السنة، قال الشافعي في الرسالة (ص: 45) : فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفسير الحكمة بالسنة نقله الشافعي عن أئمة ارتضاهم في تفسير القرآن الكريم، وقد روي هذا التفسير تفسير الحكمة بالسنة عن الحسن وقتادة. انظر: الدر المنثور (1/193) ، والخطيب في الفقية (1/88) .
وتوجد آيات أخر تفيد أن السنة وحي من الله عز وجل وينضم إليها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تؤكد ذلك، فقد روى أبو داود في سننه (4/200، رقم 4604) ، والمروزي في السنة (1/70، رقم 244)، وأحمد في المسند (4/130) عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه
…
الحديث» .
ويوجد غيره من الأحاديث التي نشير إليها بهذا الحديث، وكلها دلالة قاطعة على أن السنة وحي أنزل من عند الله سبحانه وتعالى ولا يجادل في ذلك إلا معاند.
والعلماء قسموا الوحي إليه صلى الله عليه وسلم إلى قسمين:
الأول: وحي إعلامي، والثاني: وحي إقراري، وللوحي الإعلامي كيفيات متعددة وهي سبع:
الكيفية الأولى: أن يوحى إليه بواسطة الإلهام، فيلقي الله في قلبه المعاني، مع العلم اليقيني أن هذا من عند الله سبحانه، وهذه الكيفية هي المراد من قول الحق سبحانه وتعالى: ?وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً? [الشورى: 51]، إذ يقابلها إجمال بقية الكيفيات في قوله بعد ذلك: ?أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ?، وبهذا قال أكثر المفسرين. انظر: السنة النبوية د. عبد المهدي بن عبد القادر (ص: 26) .
الكيفية الثانية: أن يكلمه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب، فلا يرى صلى الله عليه وسلم ربه، وإنما يسمع كلامه عز وجل، مع اليقين بأنه سبحانه يكلمه، وهذا هو مفهوم من قول الله سبحانه: ?وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ? فقوله سبحانه: ?أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ? هي الكيفية المذكورة هاهنا.
وتكليم الله نبيه صلى الله عليه وسلم إما في اليقظة، كما في ليلة الإسراء والمعراج ين فرضت الصلاة، وإما في النوم كما في حديث: «رأيت ربي في أحسن صورة قال: يما يختصم الملأ الأعلى
…
الحديث» . رواه الدارمي في الرؤيا (2/51، رقم 2155) ، وأخرجه أحمد في المسند عن عدة من الصحابة منهم ابن عباس، ومعاذ راجع المسند (1/368) ، (4/66) ، (5/243) ، (5/378) .
وفي بعض الروايات ما هو أصرح من هذا ففيها أنه رأى ربه مناماً.
الكيفية الثالثة: الرؤيا الصادقة فيرى صلى الله عليه وسلم الشيء في الرؤيا فهذا من الوحي، إذ رؤيا الأنبياء وحي، وهي حق كما جاء في هذا الحديث الذي معنا من هذا الشرح، وقد جاء ذلك مصرحاً به في روايات أخر نحو ما أخرجه البخاري في الصحيح (1/238، رقم 138) عن عبيد بن عمير بن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رؤيا الأنبياء وحي» ثم قرأ: ?إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ? [الصافات: 102] .
وما ذكره السيوطي في الدر (5/280) وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رؤيا الأنبياء وحي» .
فرؤياه المنامية صلى الله عليه وسلم حق لا يعتريها تخييل أو تلبيس، وكذا جميع الأنبياء، تجد هذا جلياً واضحاً في قصة ذبح إبراهيم ولده، وكيف أن ذلك كان بناء على رؤيا منامية، وتجده أيضاً في قصة يوسف، وأن رؤياه الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين قد تحققت بعد سنوات.
قال في الفتح (8/717) : قال ابن المرابط في تفسير الرؤيا الصالحة: هي التي ليست ضغثاً، ولا من تلبيس الشيطان، ولا فيها ضرب مثل مشكل أي لا يتوقف على تأويله.
الكيفية الرابعة: أن يوحى إليه بواسطة الملك، وقد تمثل له الملك رجلا، فيكلمه بما أمر به من الوحي.
فأحياناً كان جبريل عليه السلام يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة دحية الكلبي، فيبلغه عن الله سبحانه وتعالى به.
وأخرج حديث إتيان جبريل في صورة دحية الكلبي النسائي في الكبرى (8/101، رقم 4991) ، والبزار في مسنده (9/419، رقم 4025) كلاهما من حديث أبى هريرة.
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (1/260، رقم 758) ، وفي المعجم الأوسط (1/7، رقم 7) من حديث أنس بن مالك.
وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان (5/175، رقم 6257) من حديث عائشة.
وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (2/780، رقم 18) من حديث شريح بن عبيد.
وأخرجه ابن سعد في الطبقات لكبرى (4/250) من حديث ابن عمر ولفظ الجميع: «كان جبرائيل يأتي النبي في صورة دحية الكلبي» .
ودحية صحابي جليل شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بدر، وكان جميل الهيئة.
وربما تمثل له الملك شخصاً آخر على نحو ما ورد في الحديث عند مسلم في الصحيح (1/37، رقم8) عن عمر بن الخطاب قال: «بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً» قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» قال: فأخبرني عن إمارتها؟ قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» قال: ثم انطلق، فلبثت ملياً ثم قال لي:«يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال:«فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» .
وهذه الكيفية من أهون كيفيات الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صرح بذلك في الحديث الذي معنا أيضا من رواية البخاري.
الكيفية الخامسة: أن يوحى إليه بواسطة الملك ولا يرى الملك، وإنما يعلم بمجئ الوحي بعلامات تدل عليه من دوي كدوي النحل أو كصلصلة الجرس كما في الحديث هنا، فيكلمه الملك بالوحي، وهذه أثقل الكيفيات عليه صلى الله عليه وسلم حتى أن عائشة قالت في الحديث:«ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً» .
ويدل على هذا أيضاً ما عند أحمد في المسند (1/34) من حديث عمر بن الخطاب: «كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل
…
الحديث» .
وفيما يعانية النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي له حكم متعددة، منها: ما يترتب على ذلك من المشقة من زيادة الأجر، ورفعه الدرجات، ومنها: أن يتفرغ صلى الله عليه وسلم للوحي وتتفرغ جوارحه لما سيلقى عليه.
ومن هذه الكيفية ما أخرجه البخاري في الصحيح (3/393) من حديث يعلى بن أمية أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة، وعليه جبة وعليه أثر الخلوق، وفيه أن يعلى رآه حال نزول الوحي محمر الوجه، يغط كما يغط البكر
…
الحديث.
الكيفية السادسة: أن يوحى إليه بواسطة الملك، دون أن يرى الملك، ودون أن يكلمه، وإنما يلقي الملك في قلبه صلى الله عليه وسلم ما أمر به من الوحي.
ومن هذه الكيفية ما أخرجه الحاكم (2/4) والشافعي في الرسالة (ص: 53) ، وأبو نعيم في الحلية (10/26، 27) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن روح القدس نفس في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» .
الكيفية السابعة: أن يوحى إليه بواسطة الملك، وقد ظهر الملك على صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح كما عند البخاري في الصحيح (8/610)، وفي رواية أخرى عند النسائي وابن مردوية كما في الفتح (8/611) :«له ستمائة جناح يتناثر منها تهاويل الدر والياقوت» ، وغيرهما من الروايات في أوصاف جبريل عليه السلام.
ومن هذه الكيفية رؤيتة صلى الله عليه وسلم جبريل في ليلة المعراج على صورته التي خلقه الله عليها، وفي هذه الليلة أبلغه عن الله ما أبلغه وأجابه ورافقه.
فهذه هي كيفيات الوحي الإعلامي، ورأينا أن منها ما هو بدون ملك، ومنها ما فيه ملك، ومنها ما يكون في اليقظة، ومنها ما يكون في النوم، والصفة العامة في كل هذه الكيفيات أنه صلى الله عليه وسلم يحدث عنده علم يقيني بأن هذا من الله عز وجل.
والوحي الإقراري وهو القسم الثاني من أقسام الوحي فهو: أن يجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر فيسلك فيه مسلكاً ما، فإن كان صواباً أقره الوحي، وإن كلن غير صواب نبهه الوحي، وحينئذ يكون إعلامياً، فالوحي التقريري هو: ما أقر الله سبحانه وتعالى نبيه فيه على صواب فعله من تلقاء نفسه.
وما صدر منه صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو إقرار دائر بين حالين: الأول: حال الإيحاء، والثاني حال عدم الإيحاء.
فأما الأول بأن يوحي الله إليه بالأمر ابتداء فيمثل، أو يوحي إليه انتهاء ليعرفه سبحانه ما يتفق وشريعته، ومثاله ما في حديث أسرى بدر، وهذا الحال الكثير الغالب، فكثيراً ما ابتدأه الوحي، وربما سئل عن الشيء فسكت حتى جاءه الوحي، كما في حديث المتلاعنين وهو عند البخاري في الصحيح (6/2663، رقم 6874) عن سهل بن سعد الساعدي، وسئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الروح فسكت حتى أخبره الوحي. أخرجه البخاري (1/58، رقم 125) ، وسئل عن توزيع التركة فسكت حتى نزلت آية الميراث. أخرجه البخاري (6/2666، رقم 6879) في باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول: لا أدري أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا بقياس.
وواضح من ترجمة البخاري لهذا الباب تأييداً لما قد قلناه أن هذا هو غالب حالته صلى الله عليه وسلم، ولو راجعت هذا الباب لاستقر ذلك، فراجعه إن شئت، وكل هذا أيضاً يثبت أن السنة وحي أنزل من عند الله.
الحال الثانية: حال عدم الإيحاء، وذلك يتحصل بتركه صلى الله عليه وسلم وشأنه فيتصرف صواباً فيقره الله سبحانه وتعالى على ذلك.
وهذا الحال من مستلزمات سلامة الدين، فما كان الله عز وجل ليترك خطأ يصر من رسوله المبلغ عنه، مما يترتب عليه وقوع الأمة فيه اتباعاً، وإذا كانت الحكمة من إرسال الرسل أن لا تكون للناس على الله حجة، فإن ذلك إنما يتم بعصمة هذا الرسول المبلغ عن ربه من الوقوع في أي خطأ وإلا نبهه، كما في حديث أبي قتادة أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول صلى الله عليه وسلم:«وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف قلت؟» ، قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدَّين فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك» .
ولقد كان معلوماً لدى الصحابة أن إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم إقرار من الله سبحانه وتعالى، وأنه لو حدث أمر يخالف الإسلام لجاء الوحي فأنكر عليهم ذلك، ولقد كانوا أن الوحي قريب وكثير، فلن يترك أمراً مخالفاً يمر، فما أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم دون وحي فإنما هو من الإسلام وإلا جاء الوحي.
ومجمل القول أن السنة وحي من الله عز وجل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا الوحي منه إعلامي وله كيفيات متعددة، ومنه إقراري يقر الله نبيه على تصرف تصرفه صواباً، وقد كان الوحي يراقب تصرفات الأمة أيضاً، فينبه على ما ارتكبوه من أخطاء يظنونها صواباً أو لم يعرفوا مخالفتها، أما ما عرفت مخالفته ووقع فيه فاعله مدركاً تقصيره وعالماً حكمه فهذا ليس داخلاً في دائرة الوحي، وهذا من رحمة الله بالأمة.
قال الشاطبي في الموافقات (4/52) : كل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر فهو كما أخبر، وهو حق وصدق معتمد عليه فيما أخبر به عنه سواء علينا أنبني عليه في التكليف حكم أم لا، كما أنه إذا شرع حكماً أو أقر أو نهى فهو كما أخبر به الملك عن الله، وبين ما نفث في روعه وألقي في نفسه، أو رآه رؤية كشف، أو اطلاع على مغيب على وجه خارق للعادة، أو كيف ما كان، فذلك معتبر يحتج به، وينبني عليه في الاعتقادات والأعمال جميعاً، لأنه صلى الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة وما ينطق عن الهوي. انظر في هذا الموضوع بإسهاب: السنة النبوية (26 – 33) تأليف الدكتور: عبد المهدي بن عبد القادر بن عبد الهادي.
(2)
السخاوي هو: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي الأصل، القاهري المولد، الشافعي المذهب، نزيل الحرمين الشريفين، ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة وحفظ القرآن العظيم وهو صغير وصلى به في شهر رمضان، وحفظ عمدة الأحكام والتنبيه والمنهاج وألفية ابن مالك وألفية العراقي وغالب الشاطبية والنخبة لابن حجر وغير ذلك وكلما حفظ كتابا عرضه على مشايخه، وبرع في الفقه والعربية والقراءات والحديث والتاريخ، وشارك في الفرائض والحساب والتفسير وأصول الفقه وغيرها. ومسموعاته كثيرة جداً لا تكاد تنحصر، وأخذ عن جماعة لا يحصون يزيدون على أربعمائة نفس، وأذن له غير واحد بالافتاء والتدريس والاملاء وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني ولازمه أشد الملازمة وحمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره، وأخذ عنه أكثر تصانيفه وقال عنه: هو أمثل جماعتي وأذن له، وكان بينه وبين النبي عشرة أنفس وحج بعد وفاة شيخه ابن حجر مع والديه ولقي جماعة من العلماء وأخذ عنهم كالبرهان الزمزي وغيره، ثم حج سنة سبعين وجاور وحدث هناك بأشياء من تصانيفه وغيرها ثم حج في سنة خمس وثمانين وجاور سنة ست وسبع وأقام منهما ثلاثة أشهر، وفي يوم الأحد وقت العصر الثامن والعشرين من شهر شعبان سنة ثمانمائة واثنين حال مجاورته الأخيرة بها وعمره إحدى وسبعون سنة وصلي عليه بعد صلاة الصبح يوم الاثنين ثاني تاريخه بالروضة الشريفة ووقف بنعشه تجاه الحجرة الشريفة ودفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك.
انظر: شذرات الذهب (4/15) ، والنور السافر (1/18) .
(3)
البيهقي: هو الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، أحد أعلام المحدثين الفقهاء، توفي سنة (458هـ) .
انظر: طبقات الشافعية (4/214) ، وتذكرة الحفاظ (3/1132) ، والبداية والنهاية (12/94) .
(4)
هو: أبو الفضل، جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد الطولوني، المصري، الشافعي، عالم مشارك في العلوم ولد ونشأ في القاهرة يتيما، فقيه، محدث، أصولي، مفسر، له تصانيف كثيرة ورائعة منها: جمع الجوامع، والجامع الكبير، والإتقان وغيرها الكثير كانت وفاته سنة (911هـ) ، والسيوطي من شيوخ المصنف الذين نقل عنهم كثيراً.
انظر: الضوء اللامع (4/65) ، وشذرات من ذهب (8/51) ، والبدر الطالع (1/328) .
(5)
هو: الشيخ عز الدين عبد العزيز عبد السلام الدمشقي السلمي، كان شيخاً للإسلام عالماً ورعاً زاهداً، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، قرأ الفقه على ابن عساكر، والأصول على الشيخ الآمدي، وولي خطابه دمشق فتعرض على سلطان في خطبته لأمر كان فحصل له تشويش انتقل بسببه إلى مصر فأكرمه ملك مصر وولاه خطابة الجامع العتيق والقضاء بها، واستقر بتدريس الصالحية بالقاهرة، وكان الحافظ زكي الدين مدرساً بالكاملية فامتنع من الفتوى مع وجوده، وكان كل منهما يأتي مجلس الآخر واستفاد منه ولم يزل مدرساً بالصالحية إلى أن مات في عاشر جمادي الأولى سنة ستين وستمائة.
انظر: طبقات الفقهاء (1/267) ، وشذرات الذهب (3/301) ، طبقات الشافعية (2/109، ترجمة: 412) ، وطبقات الشافعية الكبرى (8/209، ترجمة: 1183) ، وطبقات المفسرين (1/242، ترجمة: 290) .
متعلقة بالله من أحد طرفيها، والرسالة الأمر بالتبليغ، فهي متعلقة بالله من أحد طرفيها وبالعباد من الطرف الآخر، والمتعلق بالله من الطرفين أفضل من المتعلق به من أحدهما.
ورد عليه بأن الرسالة أخص من النبوة، كما أن الرسول أخص من النبي فهي مشتملة على النبوة وزيادة.
فائدة أخرى: مبنية على الفرق بين الرسول والنبي أفادها علماء الحديث وهي: ما إذا وقع في الرواية قال رسول الله، أو عن رسول الله هل يجوز تغييره إلى قال النبي، أو عن النبي، وكذا لو ورد قال النبي، أو عن النبي هل يجوز يجوز تغييره إلى قال رسول الله، أو عن رسول؟
اختلف علماء الحديث في ذلك فقال ابن الصلاح (1) : والظاهر أنه لا يجوز وإن جازت الرواية بالمعنى، لاختلاف معنى النبي والرسول.
وقال النووي (2)
: الصواب الجواز لأنه لا يختلف به هنا معنى، وبه قال أحمد بن حنبل، وقد نبه العراقي (3) في ألفيته على ما ذكرنا فقال (4)
:
(1) ابن لصلاح هو: الإمام الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين، أبو عمرو عثمان ابن الشيخ صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي، الشهرزوري، الشافعي، صاحب كتاب علوم الحديث، وشرح مسلم وغير ذلك. وسمع من ابن سكينة وابن طبرزد والمؤيد الطوسي وخلائق، ودرس بالصلاحية ببيت المقدس، ثم قدم دمشق وولي دار الحديث الأشرفية، وتخرج به الناس، وكان من أعلام الدين، أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، مشاركاً في عدة فنون متبحراً في الأصول والفروع، يضرب به المثل، سلفياً زاهداً حسن الاعتقاد، وافر الجلالة، مات في خامس عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
انظر: طبقات الحفاظ (1/503، ترجمة: 1107) ، وطبقات المحدثين (1/202، ترجمة: 2136) ، وشذرات الذهب (3/221) ، ووفيات الأعيان (3/243، ترجمة: 411) .
(2)
النووي هو: أبو زكريا، محيى الدين، يحيى بن شرف الدين بن مري بن حسن الحزامي الحوزاني الشافعي، علامة الفقه والحديث، مولده ووفاته في نوا من قى حوران بسوريا، له مصنفات كثيرة منها: تهذيب الأسماء واللغات، وشرح مسلم، ورياض الصالحين، والأذكار، توفي سنة (676هـ) .
انظر: طبقات الشافعية (5/165) ، والنجوم الزاهرة (7/278) ، ومفتاح السعادة (1/398) .
(3)
العراقي هو: الحافظ الإمام الكبير الشهير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي ولد بمنشأة المهراني بين مصر والقاهرة في جمادى الأولي سنة (725هـ) ، اشتغل بالعلوم وأحب الحديث، فأكثر من السماع وتقدم في فن الحديث بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة كالسبكي والعلائي والعز بن جماعة والعماد بن كثير وغيرهم، وله تصانيف رائعة منها: ألفيتة في علوم الحديث، ونظم الاقتراح، والمغني عن حمل الأسفار في تخريج أحاديث كتاب إحياء علوم الدين للغزالى، وتفسير غريب القرآن، وكانت وفاته رحمه الله تعالى في شهر شعبان سنة (806هـ) .
انظر: شذرات الذهب (4/55) ، وطبقات الحفاظ (1/543) ، وطبقات المفسرين (1/309) .
(4)
لقد شرح الحافظ السخاوي في فتح المغيث (2/299) هذين البيتين فقال: «إن رسول» وقع في الرواية بأن قيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم «نبي» أي: بلفظ النبي «أبدلا» وقت التحمل والأداء والكتابة، «فالظاهر» كما قال ابن الصلاح «المنع» منه والتقيد بما في الرواية «كعكس فغلا» بأن يبدل الرواية فيه بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن جازت الرواية بالمعنى لأن المعنى هنا مختلف يعني بناء على القول بعدم تساوي مفهومهما، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل فيما رواه عنه ابنه عبد الله إذا سمع من لفظ المحدث رسول الله ضرب من كتابه نبي الله، وكتب ذلك بدله، لكن قال الخطيب: إن ذلك ليس على وجه اللزوم بل على الاستحباب في اتباع المحدث في لفظه.
«وقد رجى جوازه ابن حنبل» نفسه حيث قال: إذ سأله ابن صالح إنه يكون في الحديث رسول الله، فيجعل الإنسان بدله النبي؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، وكذا جوزه حماد بن سلمة، بل قال لعفان وبهز لما جعلا يغيران «النبي» يعني الواقع في الكتاب «برسول الله» يعني الواقع من المحدث: أما أنتما فلا تفقهان أبداً.
«والإمام النووي» أيضاً «صوبه» أي: الجواز، «وهو جلي» واضح، بل قال بعض المتأخرين: إنه لا ينبغي أن يختلف فيه، وقول ابن الصلاح: إن المعنى فيهما مختلف لا يمنعه، فإن المقصود إسناد الحديث إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حاصل بكل واحد من الصفتين، وليس الباب باب تعبد في اللفظ، لا سيما إذا قلنا إن الرسالة والنبوة بمعنى واحد، وعن البدر بن جماعة أنه لو قيل بالجواز في إبدال النبي بالرسول خاصة لما بعد، لأن في الرسول معنى زائد على النبي وهو الرسالة، إذ كل رسول نبي ولا عكس، وبيانه أن النبوة من النبأ وهو الخبر، فالنبي في العرف هو المنبأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفاً فإن أمر تبليغه إلى غيره فهو رسول، وإلا فهو نبي غير رسول، وحينئذ فالنبي والرسول اشتركا في أمر عام وهو النبأ وافترفا في الرسالة، فإذا قلت: فلان رسول تضمن أنه نبي رسول، وإذا قلت: فلان نبي لم يستلزم أنه رسول.
ولكن قد نازع ابن الجزري في قولهم: كل رسول نبي حيث قال: هو كلام يطلقه من لا تحقيق عنده، فإن جبريل عليه السلام وغيره من الملائكة المكرمين بالرسالة رسل لا أنبياء، قلت: ولذا قيد الفرق بين الرسول والنبي بالرسول البشري، وحديث البراء في تعليم ما يقال عند النوم، إذ رد النبي صلى الله عليه وسلم إبداله لفظ النبي بالرسول فقال:«لا ونبيك الذي أرسلت» تمنع القول بجواز تغيير النبي خاصة بل الاستدلال به لمجرد المنع ممنوع بأن ألفاظ الأذكار توقيفية فلا يدخلها القياس، بل يجب المحافظة على اللفظ الذي جاءت به الرواية، إذ ربما كان فيه خاصية وسر لا يحصل بغيره، أو لعله أراد أن يجمع بين الوصفين في موضع واحد، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم نبي مرسل فهو إذن أكمل فائدة، وذلك يفوت بقوله:«وبرسولك الذي أرسلت» وأيضاً فالبلاغة مقتضية لذلك لعدم تكرير اللفظ لوصف واحد فيه، زاد بعضهم: أو لاختلاف المعنى لأن برسولك يدخل جبريل وغيره من الملائكة الذين ليسوا بأنبياء.
إن رسول نبي أبدلا
…
فالظاهر المنع كعكس فعلا
قد رجي جوازه ابن حنبل
…
والنووي صوبه وهو جلي
ونظير هذه مسألة ذكرها الحليمي وهي: ما إذا قال الكافر: آمنت بمحمد النبي فإنه يصح إيمانه، بخلاف ما إذا قال: بمحمد الرسول، قال: لأن النبي لا يكون إلا لله، والرسول قد يكون لغيره، وهذا موافق لما قاله ابن الصلاح.
قال ابن الملقن: وهو غريب.
وقوله «صلى الله عليه وسلم» فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن يكتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ويسلم عليه عقب كتابته، كما يستحب أن يصلي ويسلم عقب ذكره.
فائدة: علامة كون الإنسان من أهل السنة كثرة صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر العلماء: أن الملائكة تصلي عليه على الدوام، وأن مهر آدم على حوآء كان الصلاة عليه، فإن الله لما خلق حوآء أراد آدم القرب منها، فطلبت منه المهر فقال: يا رب ماذا أعطيها؟ قال: يا آدم صلي على صفيّ محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل ذلك.
وإن بكاء الصبي مدة صلاة عليه، فقد ورد في خبر:«لا تضربوا أطفالكم على بكائهم سنة، فإن أربعة أشهر منها يشهد أن لا إله إلا الله، وأربعة أشهر يصلي عليّ، وأربعة أشهر يدعو للوالدين» (1) .
(1) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (11/337، ترجمة: 6171) علي بن إبراهيم بن الهيثم بن المهلب أبو الحسن البلدي) وأخرج الحديث من طريقه عن نافع رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا الحديث منكر جداً، ورجال إسناده كلهم مشهورون بالثقة سوى أبي الحسن البلدي.
وترجم لأبي الحسن الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (4/191، ترجمة: 506) وقال نقلاً عن الذهبي: اتهمه الخطيب، ونقل الحافظ رواية الخطيب بإسنادها ثم نقل إنكار الخطيب للحديث ثم قال: قلت هو موضوع بلا ريب.
وذكره في الموضوعات الحافظ السيوطي في اللالئ المصنوعة في الأأحاديث الموضوعة (1/99) .
وفي حديث آخر: «بكاء الصبي في المهد أربعة أشهر توحيد، وأربعة أشهر صلاة على نبيكم، وأربعة أشهر استغفار لأبويه» (1) .
وفي حديث آخر: «فإذا استسقى نبع الله له ضرع أمه عيناً من الجنة فيشرب فيجزيه عن الطعام والشراب» (2) .
وذكروا: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تزكية للأعمال ورفع للدرجات، ومغفرة للذنوب، وكفاية الدنيا والآخرة، ومحق للخطايا، ونجاة من الأهوال، ويحصل بها رضا الله ورحمته، وأمان من سخطه، ووجوب الشفاعة، والدخول تحت ظل العرش، ورجحان الميزان، وورد الحوض، والأمان من العطش، والعتق من النار، والجواز على الصراط، ورؤية المقعد المقرب من الجنة قبل الموت، وكثرة الأزواج في الجنة، وتقوم مقام الصدقة للمعسر، وينمو المال ببركتها، تقضى بها مائة حاجة من الحوائج بل وأكثر، وهي عبادة وأحب الأعمال إلى الله، وتزين المجالس، وتنفي الفقر وضيق العيش، وتنفع الإنسان وولده وولد ولده، وتقرب إلى الله وإلى رسوله، وتنصر على الأعداء، وتطهر القلوب من النفاق، وتوجب محبة الناس ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وتمنع صاحبها من الغيبة، وتنفع عند الهم والكرب والشدائد والفقر والغرق والطاعون، وهي من أبرك الأعمال وأفضلها، وأكثرها نفعاً في الدنيا.
وتستحب في مواضع سنذكرها في محلها منها:
كلما ذكر، بل ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة عليه تجب كلما ذكر، واختار هذا القول الحليمي (3)
من الشافعية والطحاوي (4) من الحنفية، واللخمي (5) من المالكية وابن بطه (6) من الحنابلة، والصحيح عند إمامنا الشافعي (7)
: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا تجب إلا في الصلاة في التشهد الأخير، وهي فيه ركن من أركان الصلاة، وأما خارج الصلاة فإنها
(1) ذكره في الموضوعات بمعناه الحافظ السيوطي في اللالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (1/99) .
(2)
لم نقف عليه بهذا اللفظ، وعلامات الوضع تلوح عليه كسابقيه.
(3)
هو: العلامة البارع رئيس أهل الحديث بما وراء النهر، القاضي أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، من أصحاب الوجوه، كان من أذكياء زمانه، ومن فرسان النظر له يد طولى في العلم والأدب، أخذ عن القفال وغيره، وله تصانيف مفيدة، ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ومات في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة.
انظر: طبقات الحفاظ (1/408، ترجمة: 923) .
(4)
هو: أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر: فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، ولد ونشأ في «طحا» من صعيد مصر سنة: 239هـ، وتفقه على مذهب الشافعي، ثم تحول حنفياً، ورحل إلى الشام سنة 268 هـفاتصل بأحمد بن طولون، فكان من خاصته، وهو ابن أخت المزني، من تصانيفه: شرح معاني الآثار، في الحديث، وريالة تحت عنوان: بيان السنة، وكتاب: الشفعة، والمحاضر والسجلات، ومشكل الآثار طبع في أربعة أجزاء، في الحديث وأحكام القرآن، والمختصر في الفقه، وشرحه كثيرون، والاختلاف بين الفقهاء الجزء الثاني منه في دار الكتب وهو كبير لم يتمه، وتاريخ كبير منه مجلدات مخطوطة في اسطنبول باسم: مغاني الأخيار في أسماء الرجال ومعاني الآثار، ومناقب أبي حنيفة، وكانت وفاته بالقاهرة سنة: 321هـ.
(5)
هو: عبد المعطي بن محمود بن عبد المعطي ابن عبد الخالق، أبو محمد، ابن أبي الثناء اللخمي الاسكندري: فقيه مالكي، صوفي ضرير، ولد وعاش بالأسكندرية سنة: 563هـ، وكان له فيها رباط مشهور به. توفي بمكة ودفن بالمعلى سنة: 638هـ، له كتب أملاها، منها: شرح الدلالة على فوائد الرسالة للقشيري، وشرح منازل السائرين للهروي، وشرح الرعاية للمحاسبي.
(6)
هو: عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله العكبري، المعروف بابن بطة: عالم بالحديث، فقيه من كبار الحنابلة، من أهل عكبرا ولد بها ابن بطة سنة: 304هـ، وتوفي أيضاً بها سنة: 387هـ، رحل إلى مكة والثغور والبصرة وغيرها في طلب الحديث، ثم لزم بيته أربعين سنة، فصنف كتبه وهي تزيد على مائة، منها: الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة، ويسمى أيضاً: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، وله: الإنكار على من قضى بكتب الصحف الأولى، والتفرد والعزلة.
(7)
هو: أبو عبد الله، محمد بن إدريس بن العباس بن العباس بن شافع الهاشمي، أحد أئمة أهل السنة الأربعة، وإليه ينسب المذهب الشافعي، ولد في غزة بفلسطين سنة (150هـ) ، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وزار بغداد مرتين، وهو صاحب المذهبين القديم والجديد، من آثاره: كتاب الأم، وإختلاف الحديث، وتوفي بمصر سنة (204هـ) .
انظر: الأعلام (6/26) ، وتذكرة الحفاظ (1/329) .
تستحب.
واختلف القائلون بالوجوب كلما ذكر، هل هو على العين فيجب على كل فرد، أو على الكفاية فإذا صلى واحد من الحاضرين سقط عن الباقين، والأكثر قالوا: على العين.
قال ابن حجر: وتمسك القائلون بالوجوب كلما ذكر بأحاديث تدل على إبعاد تاركها وشقاوته وبخله وجفاه وغير ذلك، وهي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلي عليً، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، وغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة» (1) .
وروي البخاري في الأدب المفرد، والطبري (2) في تهذيبه، والدارقطني في الأفراد عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رقي المنبر، فلما رقي الدرجة الأولي قال:«آمين» ، ثم رقي الثانية فقال:«آمين» ، ثم رقي الثالثة فقال:«آمين» فقالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: «آمين» ثلاث مرات قال: «لما رقيت الدرجة الأولي جاءني جبريل فقال: شقى عبد أدرك رمضان فانسلخ منه ولم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: شقى عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين» قال السخاوي: هو حديث حسن (3) .
وذكر في كتاب شرف المصطفى لأبي سعيد الواعظ (4)
: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على خير الناس، وشر الناس، وأبخل الناس، وأكسل الناس، وألئم الناس، وأسرق الناس» قيل: يا رسول بلي، قال: «خير الناس من انتفع به الناس، وشر الناس من يسعي بأخيه المسلم، وأكسل الناس من أرق في ليلة فلم يذكر الله بلسانه وجوارحه، وألئم الناس من إذا ذكرت عنده فلم يصلي علي، وأبخل الناس من بخل
(1) أخرجه الترمذي في سننه (5/550، رقم 3545) عن أبي هريرة، وقال الترمذي عقبه: وفي الباب عن جابر وأنس، وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وربعي بن إبراهيم هو أخو إسماعيل بن إبراهيم وهو ثقة، وهو ابن علية، ويروي عن بعض أهل العلم قال:«إذا صلى الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس» .
والحديث عند أحمد في مسنده (2/254، رقم 7444) ، وابن حبان في صحيحه (3/189، رقم 908) .
(2)
هو: محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر: المؤرخ المفسر الإمام. ولد في آمل بطبرستان 224هـ، واستوطن بغداد وتوفي بها سنة: 310هـ، وكان أسمر، أعين، نحيف الجسم، فصيحاً، قد عليه القضاء فامتنع، والمظالم فأبى، له: أخبار الرسل والملوك، وجامع البيان في تفسير القرآن، ويعرف بتفسير الطبري في 30 جزءاً، واختلاف الفقهاء، والمسترشد في علوم الدين، وجزء في الاعتقاد والقراءات وغير ذلك، وهو من ثقات المؤرخين، قال ابن الأثير: أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ، وفي تفسيره ما يدل على علم غزير وتحقيق، وكان مجتهدا في أحكام الدين لا يقلد أحداً، بل قلده بعض الناس وعملوا بأقواله وآرائه.
(3)
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص 224) عن جابر.
(4)
هو: مشهور بالخراز واسمه أحمد بن عيسى الخراز، أبو سعيد، من مشايخ الصوفية، بغدادي، نسبته إلى خرز الجلود، قيل: إنه أول من تكلم في علم الفناء والبقاء. له تصانيف في علوم القوم منها: كتاب الصدق، أو الطريق إلى الله.
ومن كلامه: إذا بكت أعين الخائفين، فقد كاتبوا الله بدموعهم.
مات سنة 277هـ، وقيل: 286هـ.
بالتسليم على الناس، وأسرق الناس من سرق صلاته» قيل: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ فقال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها» (1) .
وفي شرف المصطفى أيضاً: أن عائشة (2) رضي الله عنها كانت تخيط شيئاً في وقت السحر، فسقطت الإبرة من يدها، وطفئ السراج، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فأضاء البيت بضوءه صلى الله عليه وسلم ووجدت الإيرة فقالت: ما أضوء وجهك يا رسول الله، قال:«ويل لمن لا يراني يوم القيامة» قالت: ومن لا يراك يوم القيامة؟ قال: «البخيل» قالت: ومن البخيل؟ قال: «الذي لا يصلي علي إذا سمع باسمي» (3) .
وفي حلية الأولياء لأبي نعيم (4) : أن رجلاً مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعه ظبية قد اصطادها، فأنطق الله الظبية -سبحانه الذي أنطق كل شيء- فقالت: يا رسول الله: إن لي أولاداً، وأنا أرضعهم وإنهم جياع، فأمر هذا أن يخليني حتى أذهب فأرضع أولادي وأعود، قال:«فإن لم تعودي» قالت: إن لم أعد فيلعنني الله كمن تذكر بين يديهم ولم يصلوا عليك، أو كنت كمن صلى ولم يدع، فقال صلى الله عليه وسلم:«أطلقها وأنا ضامنها» فذهبت الظبية، ثم عادت فنزل جبريل فقال: يا محمد الله يقرئك السلام ويقول لك: وعزتي وجلالي أنا أرحم بأمتك من هذه الظبية بأولادها، وأنا أردهم إليك كما رجعت الظبية إليك» (5) .
(1) لم نقف عليه بهذا اللفظ.
(2)
ستأتي ترجمتها في المجلس السادس من كلام المصنف.
(3)
لم نقف عليه بهذا اللفظ.
(4)
أبو نعيم هو: أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم: حافظ، مؤرخ، من الثقات في الحفظ والرواية، ولد سنة: 336هـ في أصبهان، وكانت وفاته بها سنة430هـ، من تصانيفه: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ومعرفة الصحابة، وطبقات المحدثين والرواة، ودلائل النبوة، وذكر أخبار أصبهان، وكتاب الشعراء.
(5)
لم نجده في الحلية، ووقع في دلائل النبوة لأبي نعيم (ص 320) قصة كلام الظبية وليس فيه أن جبريل نزل بعد عود الظبية وكلام رب العزة على نحو ما في هذه الرواية، رواه أبو نعيم فيه عن أبي كثير بن أرقم.
ورواه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (8/295) من حديث أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحراء فإذا مناد يناديه يا رسول الله فالتفت فلم ير أحداً، ثم التفت فإذا ظبية موثوقة فقالت: أدن مني يا رسول الله فدنا منها فقال: «حاجتك؟» فقالت: إن لي خشفين في هذا الجبل فخلني حتى أذهب فأرضعهما ثم أرجع إليك، قال:«وتفعلين؟» قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل، فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها، ثم رجعت فأوثقها، وانتبه الأعرابي، فقال: ألك حاجة يا رسول الله؟ قال: «نعم تطلق هذه» فأطلقها فخرجت تعدو وهي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه أغلب بن تميم وهو ضعيف.
وذكر الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى (2/101) القصة بهذا اللفظ عن أم سلمة وعزاها إلى الطبراني في الكبير وأبي نعيم.
أما الرواية التي رواها أبو نعيم في الدلائل عن أبي كثير بن زيد بن أرقم فهي أشد وأنكر ضعفاً من رواية أم سلمة لذا لم نأت بلفظها، ففي سنده: يعلى بن إبراهيم الغزالي، ترجم له الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (6/311) وقال: لا أعرفه له خبر باطل عن شيخ واه، فساق الحديث بإسناد أبي نعيم إلى أبي كثير بن زيد بن أرقم ثم قال عقبه: هذا موضوع.
وعن جابر (1) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسب العبد من البخل إذا ذكرت عنده أن لا يصلي علي» رواه الديلمي (2) من طريق الحاكم (3)
في غير المستدرك (4) .
وعن قتادة (5) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي عليّ» (6) .
وفي حديث أنس بن مالك (7) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ذكرت بين يديه ولم يصل عليّ صلاة تامة فليس مني ولا أنا منه» ثم قال: «اللهم صل من وصلني، واقطع من لم يصلني» (8) .
قال السخاوي: وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يصل على فلا دين له» أخرجه محمد بن نصر المروزي (9) وفي سنده من لم يسم (10) .
(1) هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري، السلمي، يكنى: أبا عبد الله، وأبا عبد الرحمن، وأبا محمد أقوال أحد المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله ولأبيه صحبة، وكان مع من شهد العقبة، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد والغزوات كلها عدا بدر، يقال: أنه مات سنة ثلاث وسبعين، ويقال: إنه عاش أربعا وتسعين سنة.
انظر: الإصابة (1/434) ، وتهذيب التهذيب (2/40-42) ، وتهذيب الكمال (4/443) ، وتذكرة الحفاظ (1/43) .
(2)
هو: شهردار بن شيروية بن شهردار الديلمي الهمذاني، أبو منصور: من رجال الحديث، من أهل همذان، يتصل نسبه بالضحاك بن فيروز الديلمي الصحابي، مولده سنة: 483هـ، له: مسند الفردوس اختصر به كتاب فردوس الأخيار لوالده، وكانت وفاته سنة: 558هـ.
(3)
محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم الضبي، الطهماني النيسابوري، الشهير بالحاكم، ويعرف بابن البيع، أبو عبد الله، مولده سنة: 321هـ، بنيسابور، من أكابر حفاظ الحديث والمصنفين فيه، رحل إلى العراق سنة 341 هـ، وحج، وجال في بلاد خراسان وما وراء النهر، وأخذ عن نحو ألفي شيخ، وولي قضاء نيسابور سنة 359 ثم قلد قضاء جرجان فامتنع، وكان ينفذ في الرسائل إلى ملوك بني بويه، فيحسن السفارة بينهم وبين السامانيين، وهو من أعلم الناس بصحيح الحديث وتمييزه عن سقيمه، صنف كتباً كثيرة جداً، قال ابن عساكر: وقع من تصانيفه المسموعة في أيدي الناس ما يبلغ ألفاً وخمسمائة جزء. منها: تاريخ نيسابور، قال فيه السبكي: وهو عندي من أعود التواريخ على الفقهاء بفائدة، ومن نظره عرف تفنن الرجل في العلوم جميعها، والمستدرك على الصحيحين، والاكليل، والمدخل، في أصول الحديث، وتراجم الشيوخ، والصحيح، في الحديث، وفضائل الشافعي، وتسمية من أخرجهم البخاري ومسلم، ومعرفة أصول الحديث وعلومه وكتبه المطبوع باسم: معرفة علوم الحديث. وكانت وفاته بنيسابور سنة: 405هـ.
(4)
لم نجده في مسند الفردوس من حديث جابر وفيه عن غيره بلفظ متقارب.
(5)
هو: قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر، الأمير المجاهد، أبو عمر الأنصاري الظفري البدري، من نجباء الصحابة وهو أخو أبي سعيد الخدري لأمه، وهو الذي وقعت عينه على خده يوم أحد فأتى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فغمزها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفه فردها، فكانت أصح عينيه، له أحاديث، روى عنه أبو سعيد وابنه عمر ومحمود بن لبيد وغيرهم، وكان على مقدمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما سار إلى الشام وكان من الرماة المعدودين، عاش خمساً وستين سنة، توفي في سنة ثلاث وعشرين بالمدينة ونزل عمر يومئذ في قبره.
انظر: سير أعلام النبلاء (2/331، ترجمة: 66) ، وتقريب التهذيب (1/454، ترجمة: 5521) ، ومشاهير علماء الأمصار (1/27، ترجمة: 126) .
(6)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (2/217، رقم 3121) عن قتادة مرسلاً.
قال المناوي في فيض القدير (6/7) : ورواه عنه أيضا النميري وعبد الرزاق في جامعه، قال القسطلاني: ورواته ثقات.
(7)
هو: أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين، مات سنة (92هـ) وقيل:(93هـ) وقد جاوز المائة رضي الله عنه.
انظر: تقريب التهذيب (ص 115) .
(8)
رواه بهذا اللفظ دون الزيادة التي في آخره الديلمي في مسند الفردوس (3/634، رقم 5986) .
والمشهور عن أنس في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مارواه النسائي في السنن الكبرى (6/21، رقم 9889) بلفظ: «من ذكرت عنده فليصل علي، ومن صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً» .
وأخرجه أيضا النسائي في عمل اليوم والليلة (ص 165، رقم 61) ، والطبراني في المعجم الأوسط (3/153، رقم 2767) ، وأبو يعلى في المسند (7/75، رقم 4002) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء (4/347) .
فائدة: ذكر الحافظ ابن حجر طرفاً من أحاديث فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في فتح الباري (11/168) ثم قال: وفي الباب أحاديث كثيرة ضعيفة وواهية، وأما ما وضعه القصاص في ذلك فلا يحصى كثرة، وفي الأحاديث القوية غنية عن ذلك.
(9)
هو: محمد بن نصر المروزي، الفقيه أبو عبد الله الحافظ، روى عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وعبدان بن عثمان، وأبي كامل الجحدري، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه إسماعيل، ومحمد بن إسحاق الرشادي، وعبد الله بن محمد بن علي البلخي، وخلق كثيرون.
قال محمد بن عثمان بن سلم سمعته يقول: ولدت سنة اثنتين ومائتين، وكان أبي مروزيا وولدت أنا ببغداد، ونشأت بنيسابور، وقال الإدريسي: سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن إسحاق الدبوسي، حدثنا أبي قال: رأيت محمد بن نصر بسمرقند وكان بحراً في الحديث، قال: وسمعت الفقيه أبا بكر الشاشي يقول: لو لم يصنف محمد بن نصر إلا كتاب القسامة لكان من أفقه الناس فكيف وقد صنف غيره، وقال عبد الله بن محمد بن مسلم: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: كان محمد بن نصر المروزي عندنا إماماً.
قال الخطيب: صنف الكتب الكثيرة ورحل إلى الأمصار في طلب العلم وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام، واتفقوا على أنه مات سنة أربع وتسعين ومائتين.
وقال ابن حبان: كان أحد الأئمة في الدنيا ممن جمع وصنف، وكان من أعلم أهل زمانه بالاختلاف وأكثرهم صيانة في العلم، وكان مولده سنة مائتين قبل وفاة الشافعي بأربع سنين.
انظر: تهذيب التهذيب (9/432، ترجمة: 800) ، وتاريخ بغداد (3/315، ترجمة: 1416) ، وطبقات الفقهاء (1/192) ، وطبقات الشافعية (2/84، ترجمة: 29) .
(10)
هذا الحديث فيه غلط في متنه فكلمة «عليَّ» مدرجة فيه، والصواب أنها ليست فيه، فالمروزي رواه في تعظيم قدر الصلاة (2/899، رقم 936) فقال: حدثنا عبد الله بن المسندي قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: «من لم يصل فلا دين له»
وقال: حدثنا الحسين بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن عاصم عن زر قال كنا عند عبد الله رضي الله عنه جلوساً إذ جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله أي درجات الإسلام أفضل فقال: «الصلاة من لم يصل فلا دين له» .
وعن عائشة مرفوعاً ولم أقف على سنده قال: «لا يرى وجهي ثلاثة أنفس: العاق لوالديه، وتارك سنتي، ومن لم يصل عليّ إذا ذكرت بين يديه» (1) .
ففي الأحاديث المذكورة تحذير من ترك الصلاة عليه ما يذكر، وإخبار بحصول الشقاء، وأن من ترك الصلاة عليه أبخل الناس، ولا دين له، ولا يرى وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم وأنشد بعضهم فقال:
من لم يصل عليه إن ذكر اسمه
…
فهو البخيل وزده وصف جبان
وإذا الفتى صلى عليه مرة
…
من سائر الأقطار والبلدان
صلى عليه الله عشراًً فليزد
…
عبد ولا يجنح إلى نقصاني
جججج
والشافعي والجمهور أجابوا عن هذه الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وأن الأمر فيها للندب لا للوجوب، وقالوا: إن الصلاة عليه لكلٍ تستحب في مواضع منها: كلما ذكر، ومنها: عند كتابة اسمه كما تقدم، فقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من صلى عليّ في كتابه لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» (2) .
قال ابن العربي (3) بعده في رواية أخرى: «لم تزل الملائكة تكتب له الحسنات ما دام اسمي في ذلك الكتاب» (4) .
(1) لم نقف عليه.
(2)
أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (2/232، رقم 1835) ، والرافعي في التدوين (4/107) عن أبي هريرة.
قال العجلوني في كشف الخفاء (2/338) : رواه الطبراني في الأوسط وابن أبي شيبة والمستغفري في الدعوات بسند ضعيف.
قال السيوطي في تدريب الراوي (2/75) : وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً فهو مما يحسن إيراده في هذا المعنى، ولا يلتفت إلى ذكر ابن الجوزي له في الموضوعات، فإن له طرقاً تخرجه عن الوضع وتقتضي أن له أصلاً في الجملة، فأخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة، وأبو الشيخ الأصبهاني والديلمي من طريق أخرى عنه، وابن عدي من حديث أبي بكر الصديق، والأصبهاني في ترغيبه من حديث ابن عباس، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان من حديث عائشة.
(3)
ابن العربي هو أبو بكر، أبو بكر بن بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، من حفاظ الحديث، ومن علماء المالكية، ولد بإشبيلية، ورحل إلى المشرق، وبرع رحمه الله في الفقه، والحديث، والأصول، وعلوم القرآن، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين من تصانيفه: شرح على الترمذي، وأحكام القرآن. توفي سنة (543هـ) .
انظر: شذرات الذهب (4/141) ، وتذكرة الحفاظ (4/86) .
(4)
لم نقف على هذه الرواية.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى في كتاب كتب الله تعالى له على مر الأيام فضل الصلاة» (1) .
وحكى ابن الملقن أن بعض أصحاب الحديث رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقيل له: بماذا؟ قال: بصلاتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي بكر الصديق (2)
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كتب عني علماً فكتب معه صلاة عليّ، لم يزل في أجر ما قريء ذلك الكتاب» أخرجه الدارقطني (3) وغيره (4) .
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة يجيئ أصحاب الحديث ومعهم المحابر فيقول الله لهم: أنتم أصحاب الحديث طال ما كنتم تكتبون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم انطلقوا إلى الجنة» أخرجه الطبراني عن الديري عن عبد الزراق عن معمر بن راشد عن الزهري (5) عن أنس (6) .
وعن سفيان ابن عيينة (7) قال حدثنا خلف صاحب الخلقان قال: كان صديق يطلب معي الحديث، فمات فرأيته في المنام، وعليه ثياب خضر جديده يجول فيها فقلت له: ألست كنت تطلب معي الحديث؟ فما هذا الذي أري؟ فقال: كنت أكتب معكم الحديث فلا يمر حديث فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا كتبت في أسفله صلى الله عليه وسلم فإني بهذا الذي ترى.
وإذا كتب الإنسان اسم النبي ينبغي أن يكتب معه صلى الله عليه وسلم، ويجمع بين الصلاة والسلام، ولا يقتصر على الصلاة فقط، بأن يكتب صلي الله عليه فقط، ولا يكتب وسلم فقط.
حكي ابن عساكر (8)
عن من حدثه عن أبي العباس بن عبد الدايم قال -وكان كثير النقل لكتب العلم على اختلاف فنونه- أنه حدثه في لفظه قال: كنت إذا كتبت في كتب الحديث وغيرها النبي أكتب لفظ الصلاة دون التسليم، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام
(1) لم نقف عليه.
(2)
هو: أبو بكر الصديق رضي الله عنه أفضل الأمة وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثانيه في الغار، وصديقه الأشفق، ووزيره الأحزم، عبد الله بن أبي قحافة، واسم أبى قحافة: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر وهو قريش بن مالك بن النضر.
وأم أبى بكر: أم الخير بنت صخر بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم.
استخلف في اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خطبهم اليوم الثاني من بيعته، وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقام له الأمر في السر والإعلان، فمضى أبو بكر رضي الله عنه على منهاج نبيه، باذلا نفسه وماله في إظهار دين الله والذب عن حرماته، والقيام بواجباته تجاه الدين إلى أن حلت المنية به ليلة الإثنين لسبع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوماً، وله يوم مات اثنتان وستون سنة ودفن بجنب رسول الله ليلاً.
انظر: تذكرة الحفاظ (1/2، ترجمة: 1) ، والثقات (2/151) ، ومعرفة الثقات (2/387، ترجمة: 2092) .
(3)
هو: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدارقطني الشافعي، ولد في سنة: 306هـ، إمام عصره في الحديث، وأول من صنف القراءات وعقد لها أبواباً، ولد بدار القطن من أحياء بغداد، ورحل إلى مصر، فساعد ابن حنزابة وزير كافور الأخشيدي على تأليف مسنده، وعاد إلى بغداد فتوفي بها سنة: 385هـ، من تصانيفه: كتاب السنن، والعلل الواردة في الأحاديث النبوية، والمجتبى من السنن المأثورة، والمؤتلف والمختلف، والضعفاء، وأخبار عمرو بن عبيد.
(4)
أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/270، رقم 564) من طريق أبي داود النخعي عن أيوب بن موسى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن أبيه عن جده به.
وأخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة أبو داود النخعي فأخرج الحديث من طريقه (3/249)
وقال في آخر ترجمته: اجتمعوا على أنه يضع الحديث.
(5)
ستأتي ترجمته في المجلس الثامن من كلام المصنف.
(6)
أخرجه من هذا الطريق أيضاً: السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء (ص 152) إلا أن فيه قتادة بدل الزهري.
(7)
ستأتي ترجمته في أول المجلس الثالث من هذا الكتاب.
(8)
ابن عساكر هو: ابن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم، ثقة الدين ابن عساكر بالدمشقي: المؤرخ الحافظ الرحالة، كان محدث الديار الشامية، ورفيق السمعاني في رحلاته، مولده سنة: 499هـ، ووفاته: سنة 571هـ بدمشق.
له: تاريخ دمشق الكبير، يعرف بتاريخ ابن عساكر، وهو تاريخ رائع ومن أوسع التواريخ التي صنفت كان مخطوطا ويسر الله من طبعه، واختصره البعض، ولابن عساكر كتب أخرى كثيرة، منها: الإشراف على معرفة الأطراف، في الحديث، وتبيين كذب المفتري في ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري، وكشف المغطى في فضل الموطا، وتبيين الامتنان في الأمر بالإختتان، وأربعون حديثاً من أربعين شيخاً من أربعين مدينة، وتاريخ المزة، ومعجم الصحابة، ومعجم النسوان، وتهذيب الملتمس من عوالي مالك بن أنس، ومعجم أسماء القرى والأمصار، ومعجم الشيوخ والنبلاء يقع في 46 ورقة في شيوخ أصحاب الكتب الستة في الظاهرية.
فقال لي: تحرم نفسك أربعين حسنة قلت: وكيف يا رسول الله؟ قال: إذا جاء ذكري تكتب صلى الله عليه، ولا تكتب وسلم، وهي أربعة أحرف كل حرف بعشر حسنات، قال: وعدهن صلى الله عليه وسلم بيده.
وكما قال ابن الصلاح ينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك مرة حرم حظاً عظيماً.
ويتجنب أن يكتب «صلعم» مكان صلى الله عليه وسلم كما يفعله الكسالى والجهلة وعوام الطلبة، يأخذون من كل كلمة حرفاً الصاد من صلي، واللام من الله، والعين من عليه، والميم من وسلم، ويجمعونها «صلعم» .
ولنا عوده إلى الكلام على بقية المواضع والأوقات التي تستحب فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإلى ذكر مسائل نفيسة متعلقة بذلك في مجلس آخر.
فائدة: من أكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة وغيرها ولو كان مسرفاً ثم استغاث به في الشدة فإنه يغيثه صلى الله عليه وسلم.
فقد حكى ابن الملقن عن أبي الليث عن سفيان الثوري (1)
أنه قال: كنت أطوف فإذا أنا برجل لا يرفع قدماً ولا يضع قدماً إلا ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا هذا إنك قد تركت التسبيح والتهليل، وأقبلت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهل عندك من هذا شيء؟ فقال: من أنت عافاك الله؟ فقلت: أنا سفيان الثوري، فقال: لولا إنك غريب في أهل زمانك لما أخبرتك عن حالي، ولا أطلعتك على سري، ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجين إلى بيت الله الحرام، حتى إذا كنت في بعض المنازل مرض والدي، فقمت لأعالجه، فبينما أنا ذات ليلة عند رأسه إذ مات، فأسود وجهه، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والدي فاسود وجهه، فجذبت الإزار على وجهه، فغلبتني عيناي فنمت، فإذا أنا برجل لم أر أجمل منه وجهاً، ولا أنظف منه ثوباً، ولا أطيب منه ريحاً، يرفع قدماً ويضع أخرى، حتى دنا من والدي، فكشف الإزار عن وجهه، فمد يده الشريفة على وجهه، فعاد وجهه أبيض ثم ولي راجعاً، فتعلقت بثوبه، فقلت: يا عبد الله من أنت الذي مَنَّ الله على والدي بك في دار الغربة؟ فقال: أو ما تعرفني أنا محمد بن عبد الله، وصاحب القرآن، أما إن والدك كان مسرفاً على نفسه، ولكن كان يكثر الصلاة عليّ فلما نزل به ما نزل فاستغاث بي، وأنا غياث من يكثر الصلاة عليّ، فانتبهت فإذا وجهه أبيض.
(1) هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، روى عن أبيه، وزياد بن علاقة، وحبيب بن أبي ثابت، وأيوب وجعفر الصادق وخلق، وعنه: ابن المبارك ويحيى القطان وخلق وآخرهم موتا من الثقات علي ابن الجعد.
قال شعبة وغير واحد: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان، وقال ابن مهدي: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، وقال شعبة: إن سفيان ساد الناس بالعلم والورع.
ولد سنة سبع وتسعين، ومات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة.
انظر: طبقات الحفاظ (1/95، ترجمة: 188) ، والتاريخ الكبير (4/92، ترجمة: 2077) ، والجرح والتعديل (4/222، ترجمة: 972) ، وتهذيب التهذيب (4/99) .
قال السخاوي في القول البديع: وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله سيارة من الملائكة، إذا سمعوا حلق الذكر قال بعضهم: اقعدوا فإذا دعا القوم أمنوا على دعائهم، فإذا صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم صلوا معهم حتى يفرغوا، ثم يقول بعضهم لبعض: طوبى لهؤلاء يرجعون مغفور لهم» رواه أبو القاسم التميمي في ترغيبه (1) .
وحكي أن أبا العباس أحمد بن منصور يوم مات رآه رجل من أهل شيراز، وهو واقف بجامعها في المحراب، وعليه حلة وعلى رأسه تاج كامل بالجواهر، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي وأكرمني وتوجني وأدخلني الجنة، فقال له: بماذا؟ قال: بكثرة صلاتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النميري.
وقول البخاري: «وقول الله تعالى» يجوز فيه الجر عطفاً على محل الجملة التي هي كيف كان بدء الوحي، والرفع عطفاً على لفظ البدء قاله الكرماني.
قال البرماوي: وضعف بأن كلام الله لا يكيف، ثم قال: قلت: يصح على تقدير مضاف، أي: كيف نزول قول الله أو كيف فهم قول الله أو نحو ذلك.
أو أن المراد بكلام الله تعالى المنزل المتلو لا مدلوله، وهو الصفة القديمة القائمة بذاته.
وذكر البخاري هذه الآية الكريمة وهي قوله {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] لأن عادته أن يبتذل للترجمة بما وقع له من قرآن وسنة مسندة وغيرها، وأراد: أن الوحي سنة الله وأنبيائه.
ومعنى الآية: إنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء وحي رسالة لا وحي إلهام فقط (2)
..
(1) ذكره الهندي في كنز العمال (حديث رقم 1876) معزواً إلى ابن النجار عن أبي هريرة.
(2)
فسر ابن حجر هذه الآية وتحدث عن وجه مناسبتها للحديث فقال: قوله: «وقول الله» هو بالرفع على حذف الباب عطفاً على الجملة، لأنها في محل رفع، وكذا على تنوين باب، وبالجر عطفاً على كيف، وإثبات باب بغير تنوين، والتقدير باب معنى قول الله كذا، أو الاحتجاج بقول الله كذا، ولا يصح تقدير كيفية قول الله، لأن كلام الله لا يكيف قاله عياض، ويجوز رفع «وقول الله» على القطع وغيره.
قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
…
الآية? قيل: قدم ذكر نوح فيها لأنه أول نبي أرسل، أو أول نبي عوقب قومه، فلا يرد كون آدم أول الأنبياء مطلقاً.
ومناسبة الآية للترجمة واضح من جهة: أن صفة الوحي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين.
ومن جهة: أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد حسن عن علقمة بن قيس صاحب ابن مسعود قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة. انظر الفتح (1/46) .
وسبب نزول هذه الآية: أن الكفار أنكروا الوحي فنزلت رداً عليهم.
وخص نوحاً بالذكر ولم يذكر آدم مع إنه أبو البشر، وأول الأنبياء، بل هو أول المسلمين، فإنه نبي مرسل وإن رسالته بمنزلة التربية والإرشاد للأولاد، لأن نوحاً أول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك، وأول من عُذب أمته لردهم دعوته، وأُهلك أهل الأرض بدعائه، وأول مشرع عند بعض العلماء، وأول نبي عوقب قومه، فخصصه بالذكر تهديداً لقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلاماً لهم أنكم ستعاقبون إذا خالفتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله «نوح» ونوح لفظ أعجمي معرب، ومعناه بالسريانية: الساكن، وهو لقب لهذا النبي صلى الله عليه وسلم.
واسم «نوح» عبد الغفار، وقيل: يشكر.
واختلف العلماء في سبب تلقيبه «بنوح» فقيل: لقب بذلك لكثرة نوحه على نفسه في طاعة ربه كما أخرجه ابن أبي حاتم عن يزيد الرقاشي.
وقيل: لأنه مر بكلب فناح لذلك فقال: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب، فناح لذلك ولقب بنوح.
وقيل: لأنه رأى كلباً ميتاً فكرهه، فأوحي الله إليه: هذا خلقنا فاخلق أنت مثله، فصار يبكي وينوح، قاله البوني.
وقيل: إنه رأى كلباً له أربعة أعين فاستقبحه فقال له الكلب: يا نوح أتعيب لصنعتي، فلو كان الأمر إلىّ لم أكن كلباً، وأما الصانع فهو الذي لم يلحقه عيب فصار يبكي وينوح قاله في العقائق.
ففي هذا إشارة إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يستقبح شيئاً من مخلوقات الله تعالى فإن الله لم يخلق شيئاً من العالم سدىً.
حكى الكمال الدميري (1)
عن القزويني (2) أن رجلاً رأي خنفساء فقال: ماذا يريد الله تعالى من خلق هذه؟ أحسن شكلها أم أطيب ريحها؟ فابتلاه الله بقرحه عجز عنها
(1) الدميري هو: بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز، أبو البقاء، تاج الدين السلمي الدميري القاهري، فقيه انتهت إليه رياسة المالكية في زمنه، مصري نسبته إلى ميرة قرية قرب دمياط ومولده بها سنة: 734هـ،. أفتى ودرس وناب في القضاء بمصر، واستقل به سنة 791 - 792، وتوجه مع القضاة إلى الشام لحرب الظاهر وعاد الظاهر، فعزله بعد أن طعن في صدره وشدقه، وكان محمود السيرة لين الجانب، كثير البر، انتفع به الطلبة ولاسيما بعد صرفه عن القضاء.
له كتب منها: الشامل على نسق مختصر خليل في الفقه، وقام بشرحه بعد ذلك، والمناسك في مجلدة، وشرح في ثلاثة مجلدات، وشرح مختصر خليل في الفقه، وشرح مختصر ابن الحاجب في الأصول، وشرح ألفية ابن مالك، والدرة الثمينة منظومة في نحو 3000 بيت، وشرحها، اطلع السخاوي على بعض هذه الكتب بخطه، وكانت وفاته سنة: 805هـ.
(2)
هو: الإمام العلامة قاضي القضاة جلال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني ثم الدمشقي، ولد سنة 666هـ، حدث وأفتى ودرس وولي الخطابة ثم القضاء بدمشق، ثم انتقل إلى قضاء مصر ثم عاد إلى قضاء الشام صنف: تلخيص المفتاح في المعاني والبيان، وشرحه المسمى: الإيضاح، وصنف في الأصول كتاباً حسناً، توفى بدمشق سنة 739هـ.
الأطباء حتى ترك علاجها، فسمع يوماً صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب فقال: هاتوه ينظر في أمري، فقالوا: ما تصنع بطرقي، وقد عجز عنك حذاق الأطباء؟ فقال: لابد لي منه، فلما أحضروه ورأى القرحة استدعى بخنفساء فضحك الحاضرون، فتذكر الرجل العليل القول الذي سبق منه فقال: احضروا ما طلب فإن الرجل على بصيرة، فاحضروا له الخنفساء ورد رمادها على قرحته فبريء بإذن الله تعالى، فقال للحاضرين ما وقع منه قال: إن الله أراد أن يعرفني أن أحسن المخلوقات أعز الأدوية.
وخص نوح -صلوات الله وسلامة- عليه بخصائص منها: أنه لم يسم أحد من الأنبياء باسمه.
ومنها: أنه كان أول أنبياء الشريعة، وأول داع إلى الله وأول من عُذبت أمته لعدم الإيمان به، وأهلك الله الأرض بدعوته، كما قال تعالى حكاية عنه {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَاّ فَاجِراً كَفَّاراً} [نوح: 26، 27] .
ومنها: السفينة التي ركبها في الطوفان، وسنذكر قصة السفينة وكم كان طولها وعرضها، ومن أي شيء كانت، وكم أقام فيها في الكلام على عاشوراء.
ومنها: أنه كان أطول الأنبياء عمراً كما صرح به النووي في تهذيب الأسماء واللغات، ولهذا يقال له كبير الأنبياء، وشيخ المرسلين عاش ألفاً وخمسمائه سنة قاله الكسائي والثعالبي، أو مائه وخمسين سنة قاله كعب الأحبار، وقيل: غير ذلك، وباقي الأنبياء لم يبلغوا هذا العمر.
أما آدم فقيل: إنه عاش تسعمائه وستين سنة، لكن قال النووي في تهذيبه: اشتهر في كتب التاريخ أنه عاش ألف سنة، ولازالت أعمار الأنبياء في القصر والتناقص، فمنهم من عاش ثلاثمائه، ومنهم من عاش دون ذلك، وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه عاش ثلاثاً وستين سنة، وهكذا أعمار غالب أمته ما بين الستين إلى السبعين كما ورد في الترمذي:«أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (1) ، وفي
(1) أخرجه الترمذي في سننه (4/566، رقم 2331)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه في سننه (2/1415، رقم 4236) ، والحاكم في المستدرك (2/463، رقم 3598)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وابن حبان في صحيحه (7/246، رقم 2980) ، والطبراني في المعجم الأوسط (6/85، رقم 5872) ، وأبو يعلى في مسنده (10/390، رقم 5990) ، والديلمي في مسند الفردوس (1/412، رقم 1668) ، والأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان (4/304، رقم 687) عن أبي هريرة.
رواية: «وجعل أمته آخر الأمم وأقصر الأمم أعماراً حتى لا يطول مكثهم تحت التراب، ولا يجتمع عليهم الذنوب الكثيرة» (1) .
قال: ويدل على ذلك ما روي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن ربه عز وجل قال: «إني مننت عليك بسبعة أشياء: أولها: أني لم أخلق في السماوات والأرض أكرم علي منك، والثاني: أن مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي كلهم مشتاقون إليك، والثالث: لم أعط أمتك مالاً كثيراً حتى لا يطول عليهم الحساب، والرابع: لم أطول أعمارهم حتى لا تجتمع عليهم الذنوب الكثيرة، والخامس: لم أعطهم من القوة كما أعطيت من قبلهم حتى لا يدَّعوا الربوبية كما ادعت الأمم السابقة، والسادس: أخرجهم في آخر الزمان حتى لا يطول مكثهم تحت التراب، والسابع: لا أعاقب أمتك كما عاقبت بني إسرائيل إذا أصابهم دم الحيض في ثيابهم أمرت بقطعه، ولا يجوز الغسل منه، وإذا أذنبوا ذنباً وجدوه مكتوباً على أبوابهم» (2) .
ومن خصائص نوح: أنه عاش هذا العمر الطويل فلم تنقص له قوة.
ومنها: أنه لم يبالغ أحد من الرسل في الدعوة مثل ما بالغ، فكان يدعو قومه ليلاً ونهاراً سراً وإعلاناً كما قال تعالى حكاية عنه {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَاّ فِرَاراً} [نوح: 5، 6] ولم يلق نبي من الضرب والشتم وأنواع الأذى والجفاء ما لقي.
ومنها: أنه جعل ثاني النبي صلى الله عليه وسلم في الميثاق وفي الوحي قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} [الأحزاب: 7]، وقال:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] .
ومنها: أنه أول من تنشق عنه الأرض بعد نبينا صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أن الله حفظه ومن معه في الفلك من الغرق، وأجراه فوق الماء وسماه عبداً
(1) لم نقف على هذه الرواية.
(2)
لم نقف عليه.
شكوراً فقال: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] .
وأكرمه بالسلام والبركة فقال: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48] .
قال بعض العلماء: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة.
ومنها: أنه من قال حين يمسي: سلام على نوح في العالمين، لا تضرة تلك الليلة حية ولا عقرب، والسر في ذلك: أنه لما صنع السفينة وأمر أن يصنع فيها من كل زوجين اثنين، حضرت الحية والعقرب وقالا: احملنا معك فقال: لا لأنكما سبب الضر للناس، فقالا: احملنا ونحن نحلف لك أن لا نضر أحداً ذكرك في ليل أو نهار، فحلفها على ذلك. نبه على ذلك الدميري واستدل عليه بأحاديث.
وكان له من الأولاد ثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج.
ويقال: لما حضرته الوفاة دعا ابنه ساماً فقال: يا بني أوصيك عن اثنين أو أنهاك عن اثنين فأما اللذان أنهاك عنهما فالإشراك بالله والكبر، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الشرك والكبر.
وقيل: قال له: فأما اللذان أنهاك عنهما فالشرك بالله والاتكال على غير الله، وكفى بالعبد خزياً أن يتكل في حاجة على غير الله، وأما اللذان أوصيك بهما فإني رأيتهما يكثران الولوج على الله تعالى قول لا إله إلا الله، وقول سبحان الله، فإن لا إله إلا الله لو جمعت السموات السبع والأرض السبع لخرقتها حتى تبلغ إلى ربها، ولو جعلت لا إله إلا الله في كفة ميزان وجيىء بالسماوات السبع وما فيها لرجحت لا إله إلا الله، وأوصيك بسبحان الله فإنها صلاة الخلق، وبها يرزقون، فلما فرغ من وصيته أتاه ملك الموت فقال: له السلام عليك يا نبي الله فارتعد نوح منه، وقال: وعليك السلام أيها الشخص من أنت؟ فقد ارتاع قلبي منك، فقال: أنا ملك الموت قد أتيت لقبض روحك، فتغير وجهه وتلجلج لسانه، فقال له ملك الموت: ما هذا الجزع يا نوح؟ أو لم تشبع من الدنيا طول عمرك؟ فقال نوح: يا ملك الموت ما شبهت ما مضى في عمري إلا بدار لها بابان، دخلت من هذا الباب، وخرجت من الآخر، قال: فالتفت نوح عن يمينه وشماله فلم يرى أحداً من أولاده، فناوله ملك الموت كأساً فيه شراب، وقال له: اشرب هذا حتى يسكن روعك فتناوله نوح عليه السلام فلما استوفى الشراب خر
ميتاً.
لطيفه: سبب مجيىء أولاد حام سود أن نوحاً أمر أن لا يقرب ذكراً أنثى ما دام في السفينة، فأصاب حام امرأته في السفينة، فدعا الله نوح أن يغير نطفته، فجاء بالسودان.
وقوله «والنبيين» قريء بالهمز وتركه، وهو جمع نبي، و «النبيء» بالهمز مأخوذ من النبأ بمعنى الخبر، لأنه مخبر عن الله، وبلا همز وهو الأكثر، فقيل: إنه مخفف المهموز أي: قلبت الهمز ياء، وأدغمت الياء في الياء.
وقيل: إنه أصل مأخوذ من النبوة بمعنى الرفعة، لأنه مرفوع الرتبة عند الله على سائر الخلق.
قال العلماء: وأول الأنبياء آدم عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم فقد نطق القرآن والحديث بأنه خاتم النبيين قال تعالى {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] .
وعن العرياض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طنيته» رواه أحمد والبيهقي والحاكم وقال صحيح الإسناد (1) .
وقوله «لمنجدل» يعني طريحاً ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه.
لطيفه: ذكر ابن الجوزي (2) في مولده: أن الله تعالى قال لنور محمد صلى الله عليه وسلم من أنا؟ فمن حلاوة الكلمة اهتز العرش فخرج منه قطرات كالمطر المترادف، فكان مائة ألف قطرة، وأربعة وعشرين ألف قطرة، فكل قطرة قطرت منه خلق الله منها نبياً هذا في البداية مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي يسعون في خدمته، وفي الآخرة يكونون تحت رآيته، يطلبون شفاعته (3) قال بعضهم:
(1) أخرجه أحمد في مسنده (4/127، رقم 17190) ، والبيهقي في شعب الإيمان (2/134، رقم 1385) ، والحاكم في المستدرك (2/656، رقم 4175) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد عن العرباض بن سارية.
والحديث أخرجه أيضاً: ابن حبان في صحيحه (14/312، رقم 6404) ، والطبراني في مسند الشاميين (2/340، رقم 1455) ، واأبو نعيم في حلية الأولياء (6/90) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (1/149) ، والبخاري في التاريخ الكبير (6/68) ، وعبد الله بن أحمد في السنة (2/398، رقم 865) ، والديلمي في مسند الفردوس (1/76، رقم 230) .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/223) : رواه أحمد بأسانيد والبزار والطبراني بنحوه، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان.
(2)
هو: الإمام العلامة الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن القرشي التميمي البكري البغدادي، المعروف: بابن الجوزي له مؤلفات عظيمة يقول الإمام الذهبي: ما علمت أحداً من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل. ولد سنة 510 هـ بالبصرة وتوفي في ليلة السابع من شهر رمضان سنة 597هـ.
(3)
هذا الكلام يحتاج إلى نقل صحيح فالمقام مقام الحديث عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولم نقف على رواية في ذلك والله تعالى أعلى وأعلم وهو أجل وأحكم.
لبست رداء الفخر في صلب آدم
…
فما تنتهي إلا إليك المفاخر
ولله بدر في السماء منور
…
وأنت لنا بدر على الأرض زاهر
وأما عدد الأنبياء والمرسلين فقد جاء في رواية مسند أحمد في حديث أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء منها قال: قلت: يا رسول الله كم عدد الأنبياء قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، الرسل من ذلك ثلاثمائه وخمسة عشر جماً غفيراً» (1)
وكلهم خلقوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكن قال العلماء: الأولى أن لا يقتصر على عدد في التسمية، فقد قال الله تعالى: ?مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ? [غافر: 78] ، ولأنه لا يأمن في ذكر العدد أن يدخل فيهم من ليس منهم، إن ذكر عدد أكثر من عددهم، ويخرج منهم من هو منهم إن ذكر عدداً أقل من عددهم، وكلهم -صلوات الله عليهم وسلامه- كانوا مخبرين مبلغين عن الله تعالى صادقين ناصحين، وهم معصومون من الكبائر والصغائر، قبل النبوة وبعدها، عمداً سهواً.
وفي إرسال الرسل حكمة أي: مصلحة وعاقبة حميدة فإن الله تعالى أرسلهم مبشرين لأهل الإيمان والطاعة بالجنة والثواب، ومنذرين لأهل الشرك والطغيان بالنار والعقاب، ومبينين للناس ما يحتاجون إليه من أمور الدين والدنيا، فإن العقل لا يستقل بمعرفة كل ما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين والدنيا، فقد خلق الله الأجسام النافعة والضارة ولم يجعل للمعقول والمحسوس الاستقلال بمعرفتها، فكان من فضل الله ورحمته إرسال الرسل لبيان ذلك، كما قال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
فائدة: لولا النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلق الله نبياً من الأنبياء ولا شيئاً من الأشياء، فإن الله لما
(1) أخرجه أحمد في المسند (5/178، رقم 21586) عن أبي ذر.
وأخرجه أيضاً: الطيالسي في مسنده (ص 65، رقم 478) ، والطبراني في المعجم الكبير (8/217، رقم 7871) ، وابن حبان في صحيحه (2/76، رقم 361) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (1/32) ، وهناد بن السري في الزهد (2/516، رقم 1065) ، والبيهقي في شعب الإيمان (3/291، رقم 3576) .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/159) : رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على علي بن يزيد وهو ضعيف.
خلق آدم عليه السلام قال له: ارفع رأسك فرفع آدم رأسه فرأى نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم شبحاً تحت العرش، فقال آدم: يارب ما هذا الشبح النور؟ فقال: هذا الشبح سرادق نور خلق من ذريتك اسمه في السماء أحمد وفي الأرض محمد، لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماءً ولا أرضاً ولا طولاً ولا عرضاً، قال: يارب لم سميته في السماء أحمد وفي الأرض محمد؟ قال: سميته في السماء أحمد لأن أحمد من حمدي، وسميته في الأرض محمد لأني جعلت كل من يحمدني يحمده (1) .
* * *
(1) لم نقف عليه بهذا اللفظ، ولكن وجدنا معناه في حديث آخر عند الطبراني في المعجم الأوسط (6/313، رقم 6502) عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أذنب آدم بالذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فأوحى الله إليه وما محمد ومن محمد؟ فقال: تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت، أنه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه يا آدم إنه آخر النبيين من ذريتك، وإن أمته آخر الأمم من ذريتك، ولولا هو يا آدم ما خلقتك» .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/253) : رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم.