الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجلس الخامس
في بيان الهجرة والكلام على الشطر الثاني من حديث «إنما الأعمال بالنيات»
قوله: «فمن كانت هجرته» .
قال العلماء: الهجرة فعلة من الهجر ضد الوصل (1) ، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية، وتقسيم الهجرة إلى ثمانية أقسام كما أفاده العراقي:
الأولى: الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة خرج من الصحابة سراً أحد عشر نسوة منهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثانية: الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم الشرائع، ثم يرجعون إلى الأوطان، ويعلمون قومهم.
الرابعة: هجرة من أسلم من مكة ليأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى مكة.
الخامسة: هجرة ما نهي الله عنه.
السادسة: الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة مرتين، فإنهم هاجروا إلى أرض الحبشة مرتين كما هو معروف في السير، وجميع من هاجر إلى أرض الحبشة إثنان وثمانون رجلاً سوى النساء والصبيان.
السابعة: هجرة من كان مقيماً ببلاد الكفر ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام كما صرح به العلماء.
الثامنة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن.
(1) قال ابن حجر في الفتح (1/58) : الهجرة: الترك، والهجرة إلى الشيء: الانتقال إليه عن غيره.
وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه.
وقد وقعت في الإسلام على وجهين: الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقياً.
ومعنى الحديث وحكمه يتناول جميع الأقسام لأن السبب الذي قدمنا ذكره يدل على أن المراد هنا بالهجرة الهجرة من مكة إلى المدينة.
فإن قيل: هل الهجرة باقية إلى يومنا هذا أو انقطعت بفتح مكة؟
فالجواب: أن الأحاديث تعارضت في ذلك ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» (1) فهذا يدل على انقطاعها.
وقد روى أبو داود والنسائي مرفوعاً «لا تنقطع الهجرة حتى تقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (2) فهذا يدل على عدم انقطاعها، وجمع بينهما بأن الهجرة كانت إلى الإسلام فرضاً، ثم صارت بعد فتح مكة مندوباً إليها غير مفروضة، فالمنقطعة هي الفرض والباقية هي الندب، وقوله صلى الله عليه وسلم كما هو ثابت في بقية الروايات.
قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» (3) يحتمل أن تكون «من» فيه شرطية فالفاء في «هجرته» داخلة في جواب الشرط، ويحتمل أن تكون «من» موصولة، وهي مبتدأ فالفاء في «هجرته» داخلة على الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وعلى الاحتمالين لابد من التغاير بين المبتدأ والخبر والشرط والجزاء، والظاهر هما هنا الاتحاد فلابد من تأويل التغاير بينهما، فقيل في تقدير
(1) متفق عليه رواه البخاري في صحيحه (3/1025، رقم 2631) ، ومسلم في صحيحه (2/986، رقم 1353) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه (3/3، رقم 2479) ، والنسائي في السنن الكبرى (5/217، رقم 8711) ، وأبو يعلى في مسنده (13/359، رقم 7371) ، والطبراني في المعجم الكبير (19/381، رقم 895) ، والديلمي في مسند الفردوس (5/156، رقم 7802) جميعاُ عن معاوية.
ورواه الإمام أحمد في مسنده (1/192، رقم 1671) عن ابن السعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل، فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
…
فذكروا نحوه، وكذا رواه أيضاُ: الطبراني في المعجم الأوسط (1/23، رقم 59)، ورواه أيضاُ في الصغير كما في مجمع الزوائد للهيثمي (5/251) قال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات.
(3)
سبق القول أن هذا الجزء لم يذكره البخاري في حديثه هنا، وقد أسهب ابن حجر في توجيه إسقاط البخاري لهذا الجزء ورد على المعارضين، وذلك قد مر بك في المجلس السابق، ولكن المصنف الإمام السفيري جاء به هنا من باب الإفادة، ولأنه يعلم أن الإمام البخاري أخرجه تاماً في مواضع أخرى، فتنبه هداك الله.
التغاير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصداً، فهجرته إلى الله ورسوله حكماً وشرعاً، ويكون المقدر منصوباً على التمييز كقوله تعالى ?إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ? [الأنفال: 65] أي: رجالاً أو نحوه لا منصوباً على الحال لأن الحال المبينة لا تحذف، ولهذا منع بعض العلماء تعلق الجار في ?بِسْمِ اللَّهِ? بحال محذوفة أي: ابتدئ متبركاً، وقيل: تأويل التغاير أن خبر الثاني محذوف والتقدير: فهجرته إلى الله رسوله (1) .
وقيل: المراد ثواب من هاجر إلى الله ورسوله، فأقيم السبب مقام المسبب.
وقيل: المراد في الثاني ما عهد في الذهن، وفي الأول المشخص في الخارج مثل أنا أبو النجم، وشعري شعري أي: شعري الذي سمعتموه هو شعري المستقل المعهود في الأذهان فلا حاجة لتقدير محذوف.
فإن قيل: لأي شيء عدل عن الضمير إلى الظاهر حيث قال: «فهجرته إلى الله ورسوله» ولم يقل: «إليهما» مع إنه هو أخص.
فالجواب: أنه فعل ذلك إما لأن في الظاهر استلذاذاً بذكره صريحاً، ولذلك لم
(1) قد ألمح الحافظ ابن حجر في ذلك ملمحاً طيباً، وهو أن هذا الحديث فيه إتحاد الشرط مع جوابه اتحاداً بليغاً وكيف لا وقد صادر عن خير من نطق بالضاد ومن أجرى الله على لسانه الفصاحة والبلاغة صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن حجر: فإن قيل: الأصل تغاير الشرط والجزاء، فلا يقال مثلاً: من أطاع أطاع وإنما يقال مثلاً من أطاع نجا، وقد وقعا في هذا الحديث متحدين، فالجواب: أن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر، وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من السياق، ومن أمثلته قوله تعالى: ?وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً? [الفرقان: 71] ، وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس، كقولهم: أنت أنت أي: الصديق الخالص، وقولهم: هم هم أي: الذين لا يقدر قدرهم، أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب.
وقال ابن مالك: قد يقصد بالخبر الفرد بيان الشهرة وعدم التغير فيتحد بالمبتدأ لفظا كقول الشاعر:
خليلي خليلي دون ريب وربما
ألان امرؤ قولا فظن خليلا
وقد يفعل مثل هدا بجواب الشرط كقولك: من قصدني فقد قصدني، أي فقد قصد من عرف بإنجاح قاصده.
وقال غيره: إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر والشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم وإما في التحقير. انظر فتح الباري (1/59) .
يأت مثله في الجملة بعده إعراضاً عن تكرار لفظ الدنيا، وإما لئلا يجمع بين اسم الله ورسوله في ضمير واحد، بل يفردان، ولهذا جمع الخطيب بينهم في ضمير واحد حيث قال:«ومن يعصهما» قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس الخطيب قل ومن يعص الله ورسوله» (1) كما سيأتي في محله.
وقوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا» قال العلماء: «دنيا» بضم الدال على المشهور، وحكى ابن قتيبة كسرها على وزن «فُعلا» من الدنو، وهو القرب سميت بذلك لدنوها إلى الزوال وجمعها دنى ككبرى، وهي مقصورة ليس فيها تنوين بلا خلاف.
واختلف علماء الكلام في حقيقة الدنيا على قولين: أحدهما: أنها على الأرض الجواهر والأعراض الموجودة، قبل الدار الآخرة.
قال ابن العطار (2) : وهو الأظهر، وتطلق الدنيا على كل جزء منها، فيقال للمال دنيا، وللقماش دنيا، وللأملاك دنيا، وأراد صلى الله عليه وسلم بدنيا متاعاً من متاعها (3) .
وقوله: «أو امرأة» من عطف الخاص على العام، لدخول المرأة في مسمي الدنيا بدليل حديث:«الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» (4) .
واعترض النووي على من قال: إنه من عطف الخاص على العام، بأن لفظ «دينا» نكرة وهي لا تعم في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها.
وأجيب عن الاعتراض: بأنها في سياق الشرط فتعم.
(1) رواه مسلم في صحيحه (2/594، رقم 870) ، وأحمد في مسنده (4/256، رقم 18273) ، وابن أبي شيبة في المصنف (6/74، رقم 29574) ، والبيهقي في السنن الكبرى (1/86، رقم 406) عن عدي بن حاتم.
(2)
هو: علاء الدين علي بن محمود بن علي بن محمود بن علي بن محمود، ثلاثة على نسق، ابن العطار الحراني، سبط الشيخ زين الدين الباريني، ولد بعد الستين وسبعمائة، وتفقه على المذهب الشافعي علي يد الشيخ أبي البركات الأنصاري وغيره، وبرع في النحو والفرائض، وتصدى لنفع الناس، وتصدر بأماكن وكانت دروسه فائقة، كان جيد الحفظ، ذكر القاضي علاء الدين في تاريخ حلب أنه حفظ ربع ألفية العراقي في يوم واحد، ولو عمر لفاق الأقران لكن مات عن نيف وثلاثين سنة في شهر رمضان.
انظر: شذرات الذهب (3/341) ، وطبقات المحدثين (1/235، ترجمة: 2401) .
(3)
قال ابن حجر في الفتح (1/60) : وقال التيمي في شرحه: قوله: «دنيا» هو تأنيث الأدنى ليس بمصروف، لاجتماع الوصفية ولزوم حرف التأنيث.
وتعقب بأن لزوم التأنيث للألف المقصورة كاف في عدم الصرف، وأما الوصفية فقال ابن مالك: استعمال دنيا منكراً فيه إشكال لأنها أفعل التفضيل، فكان من حقها أن تستعمل باللام كالكبرى والحسنى، قال: إلا أنها خلعت عنها الوصفية أو أجريت مجرى ما لم يكن وصفاً قط.
(4)
رواه مسلم في صحيحه (2/1090، رقم 1467) ، والنسائي في سننه (6/69، رقم 3232) ، وابن ماجه في سننه (1/596، رقم 1855) ، وأحمد في مسنده (2/168، رقم 6567) ، وابن حبان في صحيحه (9/340، رقم 4031) عن عبد الله بن عمرو.
لكن اعترض على من يقول: بأنه من عطف الخاص على العام أيضاً من جهة أن عطف الخاص على العام من الأحكام المختصة بالواو بين سائر حروف العطف، كما نص عليه ابن مالك (1) في شرح العمدة، وابن هشام (2)
في المغني (3) ، فالصواب أن «أو» على بابها للتقسيم، وجعلت «المرأة» قسماً مقابلاً للدنيا تعظيماً لأمرها لأنها أشد فتنة، وعلى تقدير: أنها عطف الخاص على العام فالنكتة في التصريح بها مع دخولنا في الدنيا أمران: أحدهما التنبيه على زيادة التحذير، لأن الافتتان بها أشد. الثاني: أنها سبب الحديث، فحسن التصريح بها.
وقال بعضهم: ذكر الدنيا تحذير للناس منها، وإفرد المرأة زيادة في التحذير، فقد ورد «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (4) .
وفي وصية لقمان لابنه: «اتق المرأة فإنها تشيبك قبل الشيب، واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر» .
وذكر الدنيا في الحديث لأنها حقيرة لا يتبعها إلا الحقير فقد روى الترمذي وقال حسن صحيح عن سهل بن سعد (5) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً شربة ماء» (6) .
وأنشد بعضهم في هذا المعنى:
إذ كان شيء لا يساوي جميعه
…
جناح بعوض عند من أنت عبده
واشغل جزء منه كلك ما الذي
…
يكون على ذا الحال قدرك عنده
معنى «هوان الدنيا على الله تعالى» : أن سبحانه لم يجعلها مقصودة لنفسها، بل جعلها طريقاً موصلاً إلى ما هو المقصود لنفسه، ولم يجعلها دار إقامة ولا جزاء، وإنما جعلها دار بلاء، وإنه ملكها في الغالب للجهلة والكفرة، وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال، وحسبك بها هو أنه سبحانه صغرها وحقرها وأبغضها أو أبغض أهلها
(1) ابن مالك هو: العلامة حجة العرب، جمال الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجَيَّاني بفتح الجيم وتشديد التحتية ونون نسبة إلى جيان بلد بالأندلس، نزيل دمشق ولد سنة (600 أو 601هـ) كان شافعي المذهب، وقال الذهبي: صرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية وحاز قصب السبق، وكان ينظم الشعر مع ما هو عليه من الدين المتين، وصدق اللهجة، وكثرة النوافل وحسن السمت، ورقة القلب، وكمال العقل، والوقار، والتؤدة، ومن تصانيفه: الألفية في النحو تسمي الخلاصة، وكتاب تسهيل الفوائد في النحو، وكتاب الضرب في معرفة لسان العرب، وكتاب الكافية الشافية وغيرها، وكانت وفاته رحمه -الله تعالى- في ثاني عشر شعبان سنة (672هـ) .
انظر: أبجد العلوم (3/33، 34) ، وطبقات الشافعية (2/149، 150) ، وكشف الظنون (1/405، 2/1369) .
(2)
ابن هشام هو: أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري، ولد بالقاهرة سنة (708هـ) نحوي بارع، شافعي المذهب، أمام في اللغة، درَس ودرَّس، وانفرد بالفوائد، وبحث في الدقائق حتى خرج بالعجائب المستدركة، مع قدرته على توجيه الكلام التوجيه البديع، وكل ذلك واضح جلي من خلال مؤلفاته، له من المصنفات الكثير النافع منها: أوضح لمسالك إلى ألفية ابن مالك، وكتاب شذور الذهب في معرفة كلام العرب، وكتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وغيرها من كتبه التي أثرت المكتبة العربية، وكانت وفاته في سنة (762هـ) .
انظر: الدرر الكامنة (2/208)، بغية الوعاة (ص: 293) ، دائرة المعارف الإسلامية (1/295) .
(3)
انظر أيضاً شذور الذهب في معرفة كلام العرب لابن هشام (ص: 445) .
(4)
متفق عليه رواه البخاري في صحيحه (5/1959، رقم 4808) ، ومسلم في صحيحه (4/2097، رقم 2740) من حديث أسامة بن زيد.
(5)
هو: سهل بن سعد الخزرجي الأنصاري، من بني ساعدة: صحابي، ومن مشاهير الصحابة من أهل المدينة. عاش نحو مائة سنة. له في كتب الحديث 188 حديثاً، توفي في سنة: 91هـ.
(6)
رواه الترمذي في سننه (4/560، رقم2320) عن سهل بن سعد، وقال: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه.
وأخرجه أيضاً: أبو نعيم في حلية الأولياء (3/253) ، والروياني في مسنده (2/214، رقم 105)، وابن حنبل في كتاب الزهد (ص: 63، رقم 128) .
ومحبيها، ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود منها والتأهب للارتحال عنها.
فائدة: قال ابن الجوزي خلق الله تعالى ستة أشياء وملأها سماً وجعل ترياقها ستة أشياء:
الأول: خلق الدنيا وجعل المساجد ترياقها. الثاني: خلق الشهور، وجعل ترياقها شهر رمضان. الثالث: خلق الأيام وملأها سماً، وجعل ترياقها يوم الجمعة. الرابع: خلق المعاصي وملأها سماً، وجعل ترياقها التوبة. الخامس: خلق الساعات وملأها سماً، وجعل ترياقها الصلوات الخمس. السادس: خلق الأمراض وملأها سماً، وجعل ترياقها بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا أردت أن تطيب فمك، وتطهر جسمك، وترفع اسمك، وتشفي سقمك فقل بسم الله الرحمن الرحيم.
ولله دراً بقائك:
كلامك والله يا سيدي
…
ألذ وأحلى من العافية
وأشهى إلى العين من غمضها
…
وأطيب من عيشة راضية
يا هذا: الدنيا دار غرور، ولا يدوم لها سرور، ولا يؤمن فيها محذور، جديدها يبلي، وحبيبها يقلي، الدنيا قدر يغلي، وكنيف يملأ، لا يغرنكم علو الدور والقصور، فإن مآلها إلى الخراب ومآل إلى القبور، لا يغرنكم الثياب الفاخرة، والوجوه النضرة، فإن منقلبها إلى الحافرة، والعظام النخرة، وقد أحسن من قال:
أيا من قد تهاون بالمنايا
…
ومن قد غره الأمل الطويل
ألم تر إنما الدنيا غرور
…
وأن جميع ما فيها يزول
فلا يغررك من دنياك وعد
…
فليس لوعدها أبداً حصول
وقال القرطبي (1) في التذكرة وذكره ابن أبي الدنيا (2) قال: حدثنا أبو إسحاق بن الأشعث سمعت فضيل بن عياض يقول: قال ابن عباس: «يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة شمطاء زرقاء أنيابها مكشرة مشوهٌ خلقها، فتشرف على الخلائق، فيقال: هذه فيقولون: نعوذ بالله معرفة هذه، فيقال: الدنيا التي تفاخرتم عليها بها، تقاطعتم الأرحام، ولها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في جهنم فتنادي أي رب أتباعي وأشياعي فيقول الله: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها» (3) .
(1) القرطبي هو: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد الله، القرطبي: من كبار المفسرين، صالح متعبد، من أهل قرطبة، رحل إلى الشرق واستقر بمنية ابن خصيب في شمالي أسيوط بمصر، وتوفي فيها سنة: 671هـ، وكان ورعاً متعبداً، طارحاً للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية.
من كتبه: الجامع لأحكام القرآن يعرف بتفسير القرطبي، وقمع الحرص بالزهد والقناعة، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، والتذكار في أفضل الأذكار، والتذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة، والتقريب لكتاب التمهيد.
(2)
ابن أبي الدنيا: عبد الله بن محمد بن عبيد البغدادي، أحد الحفاظ المكثرين من التصانيف الحديثية والأجزاء المسندة التي تدل على سعة حفظه وعلمه وهو مشهور بمؤلفاته، وكانت وفاته رحمه الله سنة (381هـ) .
انظر: تاريخ بغداد (10/89) ، وتهذيب التهذيب (6/12، 13) ، وتذكرة الحفاظ (2/224) .
(3)
رواه من طريق ابن أبي الدنيا البيهقي في شعب الإيمان (7/383، رقم 10671) عن ابن عباس، وكذا أبو سعيد ابن درهم في الزهد وصفة الزاهدين (ص: 46، رقم 70) .
وقال تعالى ?فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ قَلِيلٌ? [التوبة: 38] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحمي عبده الدنيا، وهو يحميه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب» (1) .
وعن البراء بن عازب (2) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله خواص يسكنهم الرفيع من الجنان في أعلى عليين كانوا أعقل الناس» قلنا: يا رسول الله كيف كانوا أعقل الناس؟ قال «كان همهم المسابقة إلى الله تعالى والمسارعة إلى ما يرضيه، زهدوا في الدنيا وفي فضولها في رياستها ونعيمها، فهانت عليهم فصبروا قليلاً فاسترحوا طويلاً» (3) .
وذكر القرطبي: أن رجلاً قال: يا رسول الله أخبرني بجلساء الله يوم القيامة؟ قال: «هم الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيراً» قال: فهم أول الناس دخولاً الجنة؟ قال: «لا» قال: فمن أول الناس يدخلون؟ قال: «الفقراء يسبقون الناس إلى الجنة، فتخرج إليهم الملائكة فيقولون: ارجعوا إلى الحساب فيقولون: على ما نحاسب ما أُفيضت علينا من الأموال في الدنيا فنقبض ونبسط، وما كنا أمراء نعدل ونجور، ولكن جاءنا أمر الله فعرفناه حتى أتانا اليقين» (4) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «اتقوا الله فإنه يقول يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي فتقول الملائكة: من هم يا ربنا فيقول: الفقراء الصابرون الصادقون الراضون بقدري، أدخلوهم الجنة، فيدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، والأغنياء في الحساب يترددون» (5) .
قال العلامي في تفسيره (6)
: «إن إبليس يعرض الدنيا على من يريدها كل يوم،
(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7/321، رقم 10450) عن محمود بن لبيد، ولم نقف عليه عند غيره.
(2)
هو: البراء بن عاز ب بن الحارث الخزرجي، أبو عمارة: قائد صحابي من أصحاب الفتوح، أسلم صغيراً وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة، أولها غزوة الخندق، ولما ولي عثمان الخلافة جعله أميراً على الري بفارس سنة 24هـ، فغزا أبهر غربي قزوين وفتحها، ثم قزوين فملكها، وانتقل إلى زنجان فافتتحها عنوة، وعاش إلى أيام مصعب ابن الزبير فسكن الكوفة واعتزل الأعمال. وتوفي في زمنه سنة:71 هـ، روى له البخاري ومسلم.
(3)
رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (1/17) ، والحارث في مسنده (2/814، رقم 844) عن البراء.
(4)
رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (8/143) ، وابن المبارك في كتاب الزهد (1/80، رقم 283) عن سعيد بن المسيب مرسلا.
(5)
لم نقف عليه.
(6)
هكذا بالأصل: «العلامي» ، ويوجد في المصادر أن هناك تفسيراً يسمى بتفسير العلامي وهو مشهور بهذا الاسم إلا أنه من تصنيف القطب الشيرازي، قال في كشف الظنون (2/1235) : فتح المنان في تفسير القرآن وهو كبير في أربعين مجلداً للعلامة قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي المتوفى سنة عشر وسبعمائة وهو المعروف بتفسير العلامي، وانظر أيضاً في ذلك أبجد العلوم (2/186) .
ولم يترجم له الحافظ السيوطي في طبقات المفسرين (1/198، ترجمة: 239) وإنما ترجم لرجل آخر قال فيه: محمود بن محمد الشيرازي الشهير بابن العلائي، العالم الفاضل العلامة قطب الدين أبو الفضل كان ماهراً في التفسير وصنف: فتح المنان في تفسير القرآن، توفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
فيحتمل أن يكون قد وقع تصحيف في الأصل من ابن العلائي إلى العلامي، ويحتمل أن يكون الشيرازي نفسه مشهوراً بهذه النسبة فأطلقوا على تفسيره هذا الاسم، كما في أبجد العلوم وكشف الظنون، ومن الممكن أن يكونا شخص واحد وأخطأت المصادر في سنة الوفاة فالأول توفي سنة 710، والثاني سنة 581. والله أعلم.
انظر في ترجمة قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي طبقات الشافعية الكبرى (10/386، ترجمة: 1410) ، والدرر الكامنة (6/100، ترجمة: 2271) .
فيقول: من يشتري شيئًا يضره ولا ينفعه، وبهيمة لا تسره؟ فيقول أصحابها وعشاقها: نحن، فيقول: إنها معيبة فيقولون: لا بأس فيقول ثمنها ليس بالدراهم ولا بالدنانير، ولكن بنصيبكم من الجنة، فإني أشتريتها بأربعة أشياء بلعنة الله وغضبة وسخطه وعذابه، وبعت الجنة بها، فيقولون رضينا ذلك، فيقول: أريد أن أريح بأن توطنوا قلوبكم على أن لا تدعوها أبداً، فيقولون: نعم، فيبيعهم إياها على ذلك، ثم يقول: بئست التجارة» .
وينبغي لكل أحد أن يرضى بما أعطاه الله من الرزق في الدنيا وقسمه له، ويشكر على ذلك ويراه كثيراً عليه، فإن فعل ذلك استراح وعظمت نعم الله في عينه، وإذا زاد من شكره وأجره، جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«قال الله سبحانه تعالى: يا بني آدم وعزتي وجلالي لئن رضيت بما قسمت لك أرحتك، وأنت محمود، وإن لم ترض بما قسمت لك سلطت عليك الدنيا تركض فيها كركض الوحوش ثم لا يكون لك إلا ما قسمت لك وأنت مذموم» نقله الدميري في الوحش (1) .
ويكفي في ذمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنها حيث قال: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما أولاه عالم أو متعلم» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب (2) .
ولا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر» (3)
لأن هذا محمول على ما كان من الدنيا يقرب من
(1) لم نقف عليه.
(2)
رواه الترمذي في سننه (4/561، رقم 2322) ، وابن ماجه في سننه (2/1377، رقم 4112) عن أبي هريرة.
(3)
رواه الشاشي في مسنده (1/387، رقم 383) ، والديلمي في مسند الفردوس (5/10، رقم 7288) عن ابن مسعود.
والحديث ضعيف جداً فيه: إسماعيل بن أبان الغنوي الكوفي الخياط، ترجم له الذهبي في الميزان (1/368، ترجمة: 825) وقال: كذبه يحيى بن معين، وقال أحمد بن حنبل: كتبنا عنه عن هشام بن عروة، ثم روى أحاديث موضوعة عن فطر وغيره فتركناه، وقال البخاري: ترك أحمد والناس حديثه، قلت: ومن مناكيره
…
فساق هذا الحديث، ثم قال: وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات وهو، صاحب حديث السابع من ولد العباس يلبس الخضرة، وروى أحمد بن زهير عن ابن معين قال: وضع أحاديث على سفيان لم تكن.
الله، ويعين على عبادته، فإنه محمود بكل لسان، محبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب، بل يراعى فيه ويحب، كما أشار إلى ذلك في الحديث بقوله:«فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر» .
وأما المباح لعنة الله من الدنيا فهو ما كان مبعداً عن الله، وشاغلاً عنه كما قال بعض السلف: كل ما شغلك عن الله من مال ولد فهو شؤم عليك، وهو الذي نبه الله سبحانه عليه بقوله ?اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ? [الحديد: 20] .
وفي فتاوى ابن عبد السلام الموصلية: أن الدنيا التي لعنت: هي الحرمة التي أخذت بغير حقها أو صرفت لغير مستحقها، فلا يلهينك يا هذا عن اكتساب دار القرار، والاغترار بشيء من زخرف هذه الدار، فوالله ما هي بدار مقام، بل دار إن أضحكت اليوم أبكت، وإن سرت أعقب سرورها ردى، وإن أخصبت أجدبت، وإن جمعت فرقت، وإن ضمت شتت، وإن غمرت دمرت، وإن وهبت سلبت، وإن ولت عزلت، وإن وصلت قطعت، دار الهموم والأحزان، والغموم والأشجان، والبين والفراق، والشقاء والشقاق، والرحلة والانتقال والزوال، قليلة الصفاء، وبيلة الجفاء، عديمة الوفاء، لا ثقة لعهدها، ولا وفاء لوعدها، ولا وصل لبعدها، محبها ثعبان، وعاشقها سكران، قد سترت معائبها، وكتمت مصائبها، وأخفت نوائبها، وخدعت بباطلها، وغيرت ببراطيلها، ونصبت شباكها، ووضعت إشراكها، وأبدت ملامح، وسترت قبائح الفعال، ونادت: الوصال أيها الرجال، فمن رام وصالها وقع في حبالها، وبدله سوء حالها، وشدة وبالها، فعض يديه ندماً، وبكى بعد الدموع دماً، وأسلمه ما طلب إلى سوء المنقلب، وجهد في الفرار فما أمكنه الهرب، فتيقظ لنفسك يا هذا قبل الهلاك، وأطلق نفسك من أسرها قبل ن يعسر الفكاك، وأقبل على ما فيه عظيم نجاحك، وما هو في الدارين سبب صلاحك، من عبادة الله، ومداومة ذكره، وملازمة حمده على ذلك وشكره، وافعل الخير ما وجدت سبيلاً، فقد انتظر المقام المهول، ولقد أحسن من يقول:
سألت عن الدنيا الدنيئة قيل له
…
هي الدار فيها الدائرات تدور
فإن أضحكت أبكت وإن أحسنت أساءت
…
وإن عدلت يوماً ما فسوف تجور
وقال آخر:
يا خاطب الدنيا الدنيئة إنها
…
شرك الردى وقرارة الأكدار
دار إذا ما أضحكت في يومها
…
أبكت غداً بعداً لها من دار
وقد جاء أخبار في الزهد من هذه الدنيا الفائتة، وفضل الفقراء، وما يعطي الله الفقير الصابر.
فائدة: سبب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ما نقله المفسرون وغيرهم عن ابن عباس (1) وغيره: إذ قريش خافوا لما أسلمت الأنصار أن يعظم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه صار له شيعة وأنصاراً وأصحاباً من غيرهم، بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، وخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأن يحاربهم بالصحابة، فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها، ليتشاورا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم إبليس في صورة شيخ جليل عليه «بت» أي: طيلسان فقالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، فلما سمعت باجتماعكم أردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً فقالوا: ادخل فدخل فقال أبو البحتري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمداً وتحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه، وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه، حتى يملك فيه فصرخ الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي هذا، والله لأن حبستموه يخرج أمره إلى أصحابه فيوشك أن ينقلبوا عليكم ويقاتلوكم، قالوا: صدق الشيخ النجدي فقال هشام بن عمرو: وأما أنا فأرى أن تحملوه على بعير فتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع إذا غاب عنكم واسترحتم، فقال إبليس: ما هذا برأي تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاؤكم فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم،
ألم ترو حلاوة منطقه، وطلاوة لسانه، وأخذه القلوب ما تسمع من حديثه، والله لأن فعلتم ذلك فيذهب ويستميل إلى قلوب قوم، ثم يسير بهم إليكم فيخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ، فقال
(1) رواية ابن عباس في ذلك أخرجها أحمد في مسنده (1/348، رقم 3251) ، والطبري في تفسيره (9/227) ، وعبد الرزاق في المصنف (5/389) ، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في المعجم الكبير (11/407، رقم 12155) ، والخطيب في تاريخ بغداد (13/191) .
ورواه محمد بن إسحاق في مغازيه كما في تفسير ابن كثير (2/303) .
وأورده الحافظ السيوطي في الدر المنثور (4/50) وعزاه إلى عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والخطيب عن ابن عباس.
أبو جهل: فوالله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره إني أرى أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش شاباً نسبياً، ثم يعطى كل واحد منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يطيقون حرب قريش كلها، وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا ديته، فتودي قريش ديته، فقال إبليس: صدق هذا الفتى القول ما قال لا أرى غيره، فتفرقوا على قول أبي جهل فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله له عند ذلك بالهجرة إلى المدينة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه فنام في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وقال: تسجى ببردي هذا الأخضر فإنه لم يخلص إليك منهم أمر لكرهم، وكان صلى الله عليه وسلم ينام في برده هذا إذا نام، فكان علي رضي الله عنه أول من جعل نفسه فداءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما أشار إلى ذلك بقوله:
وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى
…
ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به
…
فنجاه الإله ذو الطول من المكر
وخلف علياً بمكة حتى يدفع الودائع إلى أهلها فإنه صلى الله عليه وسلم كانت توضع الودائع عنده لصدقه وأمانته، فلما أمره الله بالخروج للهجرة قال لجبريل: من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق، ثم احتاط الكفار وقت العتمة بدار النبي صلى الله عليه وسلم يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما علم بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من تراب وخرج عليهم، وقد أخذ الله أبصارهم فلم يره منهم أحد وجعل ينثر التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ قوله تعالى ?إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداًّ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداًّ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ? [يس: 8، 9] ولم يبق منهم رجل وقد وضع على رأسه تراباً.
وكان خروجه مهاجراً في شهر ربيع الأول، ويقال: في صفر يوم الاثنين، وصحب معه أبو بكر رضي الله عنه واستأجر عبد الله بن أريقط دليلاً وهو على شركه، ثم أسلم بعد ذلك وصحب، واستأجروا عامر بن فهيره خادماً وأما الكفار الذين أحاطوا بالدار فلما أصبحوا دخلوا على علي قالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري فعلموا أنه ذهب فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه استمر سائراً هو ومن معه، فجعل أبو بكر يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك؟ قال: يا رسول
الله أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لآمن عليك، فمشى صلى الله عليه وسلم على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رأى أبو بكر أنها حفيت حمله على كاهله وجعل يسير به سيراً شديداً حتى وصل جبل ثور، وهو جبل بأسفل مكة فصعد عليه حتى أتى به الغار فأنزله عند بابه ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيناً لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئاً فكنسه، فوجد فيه ثقوباً فيها حيات وأفاعي فشق إزاره وسد تلك الثقوب خوفاً أن يخرج منها شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي ثقب كبير فسده أبو بكر بقدمه، وفي رواية فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع رأسه في حجر أبي بكر ونام فجعلت الحيات والأفاعي تلسع رجل أبي بكر رضي الله عنه وهو لا يتحرك مخافة أن يتنبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلت دموعه تتساقط على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتبه وقال:«مالك يا أبا بكر؟» فقال: لذغت فداك أبي وأمي، فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده من الألم، وقال: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكنيته أي: طمأنينته على أبي بكر.
وقيل: إنه لما صعد الجبل لم ير فيه مكاناً يختفون فيه قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فانفتح في الجبل غار بقدرة الله فدخل ذلك الغار، ثم أمر الله العنكبوت فنسج على بابه في الحال، وأمر حمامتين وحيتين فعششتا على بابه.
قال السهيلي: وحمام الحرم من نسلهما، وأنبت الله في الحال على باب الغار شجرة يقال لها «الرآءة» مثل قامة الإنسان ولها زهر أبيض فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخل لم يبق نسج العنكبوت على بابه، وبيض الحمام، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ما قالوا، فعلم أن الله عز وجل صدهم عن نبيه.
وجاء في الحديث: إن الكفار لما وقفوا على باب الغار، وقال أبو بكر يا رسول الله لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالهما.
قال الطبري: في هذا دليل على أن باب الغار كان من أعلى، وإلى ذلك أشار صاحب البرده بقوله:
وما حوى الغار من خير ومن كرم
…
وكل طرف من الكفار عنه عمي
فالصدق في الغار والصديق لم يريا
…
وهم يقولون ما بالغار من آدم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على
…
خير البرية لم تنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة
…
من الدروع وعن عال من الأطم
ففي هذه إشارة إلى حماية النبي صلى الله عليه وسلم من أعدائه من الكفار وقعت بأضعف الأشياء مغنية عن أقوى الأشياء، وقعت بنسج العنكبوت وهو أضعف الأشياء قال تعالى ?وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ? [العنكبوت: 41] مغنية عن الدروع التي قال الله عنها: ?وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ? [الأنبياء: 80] .
قال العلماء: نسج العنكبوت على جماعة غير النبي صلى الله عليه وسلم، الأول: شخص من الصحابة يقال له: «عبد الله بن أنيس» بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل قتل شخص من الكفار يقال خالد بن نبيح الهذلي، فذهب إليه وهو بالغرفة فقتله ثم احتمل رأسه ودخل في غار فنسجت عليه العنكبوت، وجاءوا لطلبه فلم يجدوا شيئاً، فلما وصلوا إلى باب الغار نسج العنكبوت فانصرفوا راجعين، ثم خرج وسار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأه النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أفلح الوجه» قال: وجهك يا رسول الله، ووضع الرأس بين يديه، وأخبره الخبر فدفع إليه عصى كانت بيده وقال:«تُخص بهذه في الجنة» فكانت عنده إلى أن حضرته الوفاة ووصى أهله أن يدفنوها في كفنه ففعلوا، وكانت مدة غيبته ثمان عشرة ليلة.
الثاني: داود عليه السلام نسجت عليه مرتين حين كان جالوت يطلبه.
الثالث: زيد بن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب (1)
لما انتهت إليه الخلافة وبايعه عليها خلق كثير حاربه والى العراق وهو يوسف بن عمر فظفر به وصلبه على خشبة عرياناً، ووجهه لغير القبلة، فدارت خشبته إلى القبلة وأرسل الله تعالى العنكبوت فنسج على عورته لبركة آبائه وإسلامه، وأقام مصلوباً أربع سنوات، ثم أحرقوا خشبته وجسده رضي الله عنه وكان ظهوره وخلافته في أيام هشام بن عبد الملك فقال له طائفة كثيرة من أهل الكوفة تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نبايعك فقال: لا، فقالوا: إذاً نرفضك، فمن ذلك اليوم سموا الرافضة.
فائدة: أسند الثعلبي (2) وغيره عن علي بن أبي طالب قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيوت يورث الفقر.
وقال أبو الليث السمرقندي (3) : تركه في الإصطبل يهزل الدوآب.
وقال الزركشي من علماء الشافعية: إنه يجوز قتله، لأنه من ذوات السموم،
(1) هو: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الإمام، أبو الحسين العلوي الهاشمي القرشي، ويقال له زيد الشهيد، مولده في سنة: 79هـ، عده الجاحظ من خطباء بني هاشم، وقال أبو حنيفة: ما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أسرع جواباً ولا أبين قولاً، كانت إقامته بالكوفة، وقرأ على واصل بن عطاء رأس المعتزلة واقتبس منه علم الاعتزال، وأشخص إلى الشام، فضيق عليه هشام بن عبد الملك، وحبسه خمسة أشهر، وعاد إلى العراق ثم إلى المدينة، فلحق به بعض أهل الكوفة يحرضونه على قتال الأمويين، ورجعوا به إلى الكوفة سنة 120هـ، فبايعه أربعون ألفاً على الدعوة إلى الكتاب والسنة، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، والعدل في قسمة الفيء، ورد المظالم، ونصر أهل البيت. وكان العامل على العراق يومئذ يوسف بن عمر الثقفي، فكتب إلى الحكم بن الصلت وهو في الكوفة أن يقاتل زيداً، ففعل، ونشبت معارك انتهت بمقتل زيد في الكوفة في عام: هـ 122هـ، وحمل رأسه إلى الشام فنصب على باب مشق. ثم أرسل إلى المدينة فنصب عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وليلة، وحمل إلى مصر فنصب على الجامع، فسرقه أهل مصر ودفنوه.
قال في الأعلام: ووقف المجمع العلمي في ميلانو مؤخراً على مجموع في الفقه رواه أبو خالد الواسطي عن زيد بن علي، فإن صحت النسبة كان هذا الكتاب أول كتاب دوِّن في الفقه الإسلامي، ومثله: تفسير غريب القرآن، ولابد من التثبت من صحت نسبته إليه، وإلى صاحب الترجمة نسبة الطوائف: الزيدية.
(2)
الثعلبي هو: أبو إسحاق، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي: مفسر، من أهل نيسابور، له اشتغال بالتاريخ، ومن تصانيفه: العرائس في قصص الأنبياء، وقد نقل عنه المصنف في هذا الشرح في بعض المواضع وقد بينا وجه الحق فيها، وله أيضاً تفسيره المسمي الكشف والبيان في تفسير القرآن، وكانت وفاته سنة (427هـ) .
انظر: الأعلام (1/212) .
(3)
هو: نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي، فقيه، مفسر، صوفي، توفى رحمه الله تعالى سنة (373هـ)، وقيل: سنة (375هـ)، وقيل: سنة (393هـ)، وكانت وفاته في الحادي عشر من جمادى الآخرة. من مصنفاته التي تركها: تفسير القرآن، بستان العارفين، تنبيه الغافلين، خزانة الفقه على مذهب أبي حنيفة النعمان.
انظر: معجم المؤلفين (13/91) ، وتذكرة الحفاظ (3/169) ، وهدية العارفين (2/490) .
وورد في حديث ضعيف «العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه» (1) .
فائدة لطيفة: روى أبو نعيم في الحلية في ترجمة مجاهد أنه قال في قوله تعالى ?أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ? [النساء: 78] أنه قال: كان فيمن كان قبلكم امرأة وكان لها أجير فولدت جارية، وقالت لأجيرها: اقتبس لنا ناراً، فخرج فوجد بالنار رجلاً فقال: ما ولدت هذه المرأة؟ فقال: جارية، فقال: أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة رجل ويتزوجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت، فقال الأجير في نفسه: فأنا والله ما أريد هذه بعد أن تبغي بمائة رجل، لأقتلها وأخذ شفرة ودخل وشق بطن الصبية وخرج على وجهه، فركب البحر فخيط بطن الصبية وعولجت، فشفيت وشبت، فكانت تبغي ساحلاً من سواحل البحر فأقامت هناك تبغي، ولبث الرجل ما شاء الله ثم قدم ذلك الرجل ساحل البحر ومعه مال كثير فقال لامرأة من أهل ساحل البحر: اختاري لي امرأة في القرية أتزوج بها، فقالت: هاهنا امرأة من أجمل الناس ولكنها تبغي، قال: آتيني بها، فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير وقال لي: كذا، فقلت: كذا، فقالت: إني تركت البغاء ولكن إذا أراد تزوجته قال: فتزوجها فوقعت منه موقعاً، فبينما هو يوم عندها إذا أخبرها بأمره فقالت: أنا تلك الجارية وأرته الشق في بطنها، وقد كنت أبغي فما أدري بمائة أو أكثر أوأقل، قال: فإنه قال لي: يكون موتها بالعنكبوت، قال: نبني لها برجاً في الصحراء وشيده، فبينما هو يوماً في ذلك البرج إذا عنكبوت في السقف، فقال: هذا عنكبوت، فقالت: هذا يقتلني، لا يقتله أحد
(1) أخرجه ابن عدي في الكامل (6/313، ترجمة 1799 مسلمة بن علي أبو سعيد الخشني الشامي) وهذا الرجل هو آفة الحديث التي من أجلها عد ضعيفاً كما بين المصنف.
قال ابن عدي: قال يحيى بن معين: مسلمة بن علي ليس بشيء، وعن حماد قال: قال البخاري: مسلمة بن علي أبو سعيد الخشني الشامي منكر الحديث عن الأوزاعي، وقال النسائي مسلمة بن علي الخشني متروك الحديث، وذكر جملة من أحاديثه ومنها هذا الحديث وقال في آخر ترجمته: ولمسلمة غير ما ذكرت من الحديث وكل أحاديثه ما ذكرته وما لم أذكره كلها أو عامتها غير محفوظة.
وترجم له الذهبي في الميزان (6/423، ترجمة 8533) وقال: واه حدث عن يحيى بن الحارث الذماري وجماعة، تركوه، قال دحيم: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: لا يشتغل به، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك.
غيري فحركته فسقط فأتته، فوضعت إبهام رجلها عليه فساخ سم بين ظفرها ولحمها واسودت رجلها وماتت، فنزلت هذه الآية ?أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ? (1) .
قال العلماء: أقام النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام وأبو بكر رضي الله عنه كل وقت من هذه الأيام الثلاثة عنده حزن خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا أو كما قال، وقد أشار إلى ذلك أبو بكر بقوله:
قال النبي ولم يجزع يوقرني
…
ونحن في سدف من ظلمة الغار
لا تخش شيئًا فإن الله ثالثنا
…
وقد توكل لنا منه بإظهار
بعد الثالث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الغار.
فائدة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول حكاه ابن الجوزي عن الكلبي.
وقيل: خرج منه ليلة الاثنين أربع ليال خلون من ربيع الأول قاله ابن الملقن عن ابن سعد في الطبقات (2) .
وساروا والدليل أمامهم حتى مروا بمكان يقال له قديد يوم الثلاثاء، وهناك خيمة منصوبة لامرأة يقال لها: أم معبد واسمها عاتكة (3)
، وهي جالسة في خيمتها وعندها شاة ضعيفة مهزولة تخلفت عن المراعي لشدة هزالها، وذهب زوجها ببقية الأغنام إلى المرعي فاستضافها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي لا تعرفه، فقال لها: يا أم معبد هل عندك من لبن؟ فقالت: لو كان ما أحوجتكم إلى الطلب، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في هذه الشاة لبن؟ فقالت: إنها هزيلة تختلف عن المرعى لذلك، فقال: أتأذنين لي في حلابها؟ قالت: والله ما ضربها من فحل قط فشأنك وإياها، فدعا بها فمسح رسول
(1) انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (3/289) .
(2)
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (1/232) ذكره من قول عبد الملك بن وهب بلاغاً.
(3)
ترجم لها ابن حبان في الثقات (3/325، ترجمة: 1067) ونسبها فقال: أم معبد الخزاعية التي نزل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمها: عاتكة بنت خالد بن خليف ويقال بنت خالد بن خلف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس الكعبية من خزاعة.
وانظر ترجمتها في الاستيعاب (4/1876، ترجمة: 4023) ، وفي الإصابة لابن حجر (8/305، ترجمة: 12259) وحديث الهجرة المروي عنها.
الله صلى الله عليه وسلم ضرع الشاة وظهرها فحلب في الإناء، وكان إناء يفي رهطاً فشرب من لبنها وسقى أصحابه، ثم حلب في الإناء أيضاً وتركه عندها، واستمرت البركة في تلك الشاة ببركتة صلى الله عليه وسلم ومن نسلها ما هو باق إلى زماننا هذا.
وأما زوجها قال السهيلي: لا يعرف اسمه وقد ورد بأن اسمه: أكتم بن أبي الجون، فإنه جاء من المرعى وقت المساء، بعد أن سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عندها لبناً في الإناء فقال لها: من أين هذا ولا حلوب عندك؟ قالت: يا أبا معبد مر بنا رجل ظاهر الوضاءة، متبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد، يخلو الشعر في عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما، وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر، ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنوؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود، محشود لا عابث ولا مفند، قال هذه والله صفة صاحب قريش، ولو رأيته لاتبعته ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، ثم هاجرت بعد ذلك هي وزوجها فأسلما وكان أهلها يفرحون بنزول الرجل المبارك (1) .
ثم لما فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم أم معبد وكان كفار مكة قد جعلوا لمن يقتل أو يأسر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر دية كل واحد منهما، فبلغ ذلك سراقة بن مالك بن جعشم، وكذا قد بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ساروا على طريق السواحل،
(1) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (1/231) وما هاهنا مستفاد من رواية أبو معبد الخزاعي التي عند ابن سعد.
ولأم معبد رواية فيها حديث الهجرة تاماً، فيه قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها وأوصافه نحو ما هاهنا بألفاظ متقاربة، رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (8/288) ، ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (6/252، رقم 3485) .
والحديث أيضاً مروي عن حبيش صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أخو عاتكة أم معبد، قال ابن عبد البر في الاستيعاب (4/1876) ذكر أبو جعفر العقيلي
…
فساق حديث أم معبد في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال عقبه: وقد روي حديث أم معبد هذا بكماله عنها في رواية العقيلي هذه، وروي عن أبي معبد زوجها، وعن حبيش ابن خالد أخيها بمعنى واحد والألفاظ متقاربة.
فطمع في المال فأخذ رمحه وركب فرسه وتتبعهم، فلما دنى منهم وأحسن به رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليه، فعثرت فرسه وسط عنها، ثم ركبها وسار حتى قرب منهم وسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت قوائم فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين فنزل عنها وزحف فلم تستطع النهوض فطلب الأمان فدعا له رسول صلى الله عليه وسلم ثم زجرها فنهضت، فلما استوت قائمة فركبها وسار نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع في نفسه ما لقي من الحبس عنهم وما اتفق لفرسه أنه سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصر على أعدائه، فلما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرض عليهم الزاد والمتاع فلم يقبلوا منه شيئًا بل قالوا: أُخف عنا، ثم رجع سراقة إلى قومه إلى قومه بني مدلج، وأخبرهم بما اتفق له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: لابد وإن يظهر أمره فسمع بذلك أبو جهل فأنشد يقول:
بني مدلج إني أخاف سفهيكم
…
سراقة يستغوي بنصر محمد
عليكم أن لا يفرق جمعكم
…
فيصبح شتى بعد عز وسودد
فأجاب سراقة:
أبا حكم والات لو كنت شاهداً
…
لأمر جوادي أن تسيخ قوائمه
عجبت ولن تشك بأن محمد
…
نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه
عليك بكف الناس عنه فإنني
…
أري أمره يوماً ستبدوا معالمه
بأمر تود النصر فيه بأنها
…
لو أن جميع الناس طراً تسالمه
وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مضى إلى المدينة وكان المسلمون من أهل المدينة قد سمعوا خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة، وكان المسلمون كل يوم يخرجون إلى مكان يقال له: الحرة، ينتظرونه حتى يشتد الحر، ثم يرجعون فلما كان يوم قدومه وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة يوماً خلت من ربيع الأول، خرجوا ثم رجعوا إلى بيوتهم بعد ما طال انتظارهم وإذا يهودي صعد على جبل لحاجة فنظر من فوق فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فنادى بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرونه قد أقبل فخرجوا إليه سراعاً وتلقوه، فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف، ولبث عندهم
بضع عشر ليلة كما [رواه البخاري من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير](1)، وقيل: غير ذلك.
وأسس لهم المسجد الذي ذكر في القرآن أنه أسس على التقوى وصلى فيه، ثم ركب راحلته فسار يمشي ومعه الناس، وكلما مر على طائفه من أهل المدينة يقولون له: أقم عندنا فإننا أصحاب عدد وعدد ومتعة، وهو راكب ناقته وهم يحجزونها، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلوا سبيلها فإنها مأموره، حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت على باب المسجد ثلاث مراراً بركت أول مرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل، ثم قامت وسارت غير بعيد، ثم رجعت إلى مبركها أول مرة ثم تحلحلت ثم عادت إليه فنزل عنها صلى الله عليه وسلم فقال حين بركت به: هذا إن شاء الله هو المنزل ثم اشتراه من اليتيمين بعشرة دنانير، ثم بناه مسجداً، وكان ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر
…
هذا أبر بنا وأطهر
اللهم إن الأجر أجر الآخرة
…
فارحم الأنصار والمهاجرة
فائدة: وقال ابن سيد الناس (2)
قال عبد الله بن سلام (3) : ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فانجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه
(1) ما بين [] في الأصل: «كما رواه أنس من طريق البخاري» وهو خطأ، وما أثبت من صحيح البخاري فقد رواه معلقاً من قول ابن شهاب الزهري كما أثبت. انظر: صحيح البخاري
(3/1421، رقم 3694) .
قال ابن حجر في الفتح (7/243) : قوله: «قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب» هو متصل إلى ابن شهاب بالإسناد المذكور أولاً، وقد أفرده الحاكم من وجه آخر عن يحيى بن بكير بالإسناد المذكور ولم يستخرجه الإسماعيلي أصلاً، وصورته مرسل لكنه وصله الحاكم أيضاً من طريق معمر عن الزهري قال أخبرني عروة أنه سمع الزبير به، وأخرجه موسى بن عقبة عن بن شهاب به وأتم منه.
قلت: والحديث من طريق معمر أيضاً عند عبد الرزاق في المصنف (5/395) .
والحديث رواه موصولاً أيضاً من طريق آخر: الطبري في التاريخ (1/571) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
فذكره بنحوه.
(2)
ابن سيد الناس هو: فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس الشافعي الإمام الحافظ اليعمري الأندلسي الأشبيلي الأصل المصري المعروف بابن سيد الناس، ولد في ذي القعدة –وقيل: في ذي الحجة- سنة إحدى وسبعين وستمائة بالقاهرة، وسمع الكثير، وتفقه على مذهب الشافعي، وأخذ علم الحديث عن والده وابن دقيق العيد، ولازمه سنين كثيرة وتخرج عليه وقرأ عليه أصول الفقه، وقرأ النحو على ابن النحاس، وولى دار الحديث بجامع الصالح، وخطب بجامع الخندق، وكانت وفاته فجأة في حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ودفن بالقرافة، وصنف كتباً نفيسة: منها السيرة الكبرى سماها: عيون الأثر في مجلدين، واختصره في كراريس وسماه: نور العيون، وشرح قطعة من كتاب الترمذي إلى كتاب الصلاة في مجلدين، وصنف في منع بيع أمهات الأولاد مجلداً ضخما يدل على علمه الكثير.
انظر: شذرات الذهب (6/108)، والحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ (ص: 16) ، وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (ص: 350) .
(3)
هو: عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، أبو يوسف، صحابي، قيل: إنه من نسل يوسف بن يعقوب، أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان اسمه:«الحصين» فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وشهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية، ولما كانت الفتنة بين علي ومعاوية، اتخذ سيفاً من خشب، واعتزلها، وأقام بالمدينة إلى أن مات، له 25 حديثاً، وكانت وفاته سنة: 43هـ.
ليس بوجه كذاب، فأول ما سمعته يقول:«أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (1) قال: أشرقت المدينة بقدومه صلى الله عليه وسلم وسرى السرور إلى القلوب بحلوله بها.
وعن أنس بن مالك قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول لله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء.
قال البراء بن عازب: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسنذكر كم كان له باب في زمانه، وكم كان طوله وعرضه وارتفاعه، وغيره إن شاء الله تعالى.
وأنزل الله تعالى في مشاورة قريش في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ?وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ? [الأنفال: 30] والمكر: التدبير، والمعنى: ويدبرون ويدبر الله خير المدبرين (2) .
(1) الحديث رواه الترمذي في سننه (4/652، رقم 2485) عن عبد الله بن سلام، قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
والحديث عند: ابن ماجه في سننه (1/423، رقم 1334) ، وأحمد في مسنده (5/451، رقم 23835) ، والحاكم في المستدرك (3/14، رقم 4282) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وابن أبي شيبة في المصنف (7/257، رقم 35847) ، والدارمي في سننه (1/405، رقم 1460) ، والطبراني في المعجم الأوسط (5/313، رقم 5410)، وعبد بن حميد في مسنده (ص: 179، رقم 496) ، والقضاعي في مسند الشهاب (1/418، رقم 719) ، وابن قانع في معجم الصحابة (2/132) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (1/235) ، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (9/433، رقم 404) ، والبيهقي في السنن الكبرى (2/502، رقم 4422) وفي شعب الإيمان (6/424، رقم 8749) .
(2)
إلى هنا انتهى السفيري من شرح هذا الحديث، ولم يتعرض بالشرح لقوله:«فهجرته إلى ما هاجر إليه» وحتى يتم المعنى وتعم الفائدة نستكمل الشرح من فتح الباري ففيه من الفوائد التي لا غنى عنها في هذا المقام.
يقول ابن حجر: قوله: «فهجرته إلى ما هاجر إليه» يحتمل أن يكون ذكره بالضمير ليتناول ما ذكر من المرأة وغيرها، وإنما أبرز الضمير في الجملة التي قبلها وهي المحذوفة لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله وعظم شأنهما، بخلاف الدنيا والمرأة، فإن السياق يشعر بالحث على الإعراض عنهما.
وقال الكرماني: يحتمل أن يكون قوله: «إلى ما هاجر إليه» متعلقاً بالهجرة، فيكون الخبر محذوفاً والتقدير قبيحة أو غير صحيحة مثلاً، ويحتمل أن يكون خبر فهجرته والجملة خبر المبتدأ الذي هو من كانت، انتهي.
وهذا الثاني هو الراجح لأن الأول يقتضي أن تلك الهجرة مذمومة مطلقاً، وليس كذلك، إلا أن حمل على تقدير شيء يقتضي التردد أو القصور عن الهجرة الخالصة كمن نوى بهجرته مفارقة دار الكفر، وتزوج المرأة معا فلا تكون قبيحة ولا غير صحيحة، بل هي ناقصة بالنسبة إلى من كانت هجرته خالصة، وإنما أشعر السياق بذم من فعل ذلك بالنسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة، فأما من طلبها مضمومة إلى الهجرة فإنه يثاب على قصد الهجرة لكن دون ثواب من أخلص، وكذا من طلب التزويج فقط لا على صورة الهجرة إلى الله، لأنه من الأمر المباح الذي قد يثاب فاعله إذا قصد به القربة كالإعفاف.
ومن أمثلة ذلك ما وقع في قصة إسلام أبي طلحة فيما رواه النسائي عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت تزوجتك. فأسلم فتزوجته.
وهو محمول على أنه رغب في الإسلام ودخله من وجهه وضم إلى ذلك إرادة التزويج المباح فصار كمن نوى بصومه العبادة والحمية، أو بطوافه العبادة وملازمة الغريم.
واختار الغزالي فيما يتعلق بالثواب أنه إن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، أو الديني أجر بقدره، وإن تساويا فتردد القصد بين الشيئين فلا أجر، وأما إذا نوى العبادة وخالطها بشيء مما يغاير الإخلاص، فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان ابتداؤه لله خالصاً لم يضمره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب أو غيره. والله أعلم.
واستدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحكم، لأن فيه العمل يكون منتفياً إذا خلا عن النية، ولا يصح نية فعل الشيء إلا بعد معرفة الحكم، وعلى أن الغافل لا تكليف عليه، لأن القصد يستلزم العلم بالمقصود والغافل غير قاصد.
وعلى أن من صام تطوعاً بنية قبل الزوال أن لا يحسب له إلا من وقت النية وهو مقتضى الحديث، لكن تمسك من قال بانعطافها بدليل آخر.
ونظيره حديث: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها» أي: أدرك فضيلة الجماعة أو الوقت، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى، وعلى أن الواحد الثقة إذا كان في مجلس جماعة ثم ذكر عن ذلك المجلس شيئا لا يمكن غفلتهم عنه، ولم يذكره غيره أن ذلك لا يقدح في صدقه، خلافاً لمن أعل بذلك، لأن علقمة ذكر أن عمر خطب به على المنبر، ثم لم يصح من جهة أحد عنه غير علقمة.
واستدل بمفهومه على أن ما ليس بعمل لا تشترط النية فيه، ومن أمثلة ذلك: جمع التقديم، فإن الراجح من حيث النظر أنه لا يشترط له نية، بخلاف ما رجحه كثير من الشافعية وخالفهم شيخنا شيخ الإسلام وقال: الجمع ليس بعمل، وإنما العمل الصلاة.
ويقوي ذلك أنه عليه الصلاة والسلام جمع في غزوة تبوك ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين معه، ولو كان شرطاً لأعلمهم به، واستدل به على أن العمل إذا كان مضافاً إلى سبب ويجمع متعدده جنس أن نية الجنس تكفي، كمن أعتق عن كفارة ولم يعين كونها عن ظهار أو غيره، لأن معنى الحديث: أن الأعمال بنياتها، والعمل هنا القيام بالذي يخرج عن الكفارة اللازمة وهو غير محوج إلى تعيين سبب، وعلى هذا لو كانت عليه كفارة -وشك في سببها- أجزأه إخراجها بغير تعيين. وفيه زيادة النص على السبب، لأن الحديث سيق في قصة المهاجر لتزويج المرأة، فذكر الدنيا القصة زيادة في التحذير والتنفير.
وقال شيخنا شيخ الإسلام: فيه إطلاق العام وإن كان سببه خاصاً، فيستنبط منه الإشارة إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.