الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع
في النهي عن تنقيص الوضوء عن ثلاث مرات
والذي متنه: ". . هكذا الوضوء - يعني ثلاثاً ثلاثاً - فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم ". مروي من طريق عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه عن جده.
الوصل الأول: في بيان طريق هذا المتن، والكلام على صحتها:
قال الإمام الحافظ أبو داود في سننه: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعية ثلاثاً، ثم مسح بإبهامه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال:" وهكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء ".
وأخرجه البيهقي من طريق أبي داود فقال: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنا أبو بكر محمد بن بكر ثنا أبو داود. . . فذكره.
قلت: وهذا اللفظ بهذه الزيادة: " أو نقص " لا يعرف إلا بهذا الإسناد من طريق أبي عوانة عن موسى عن عمرو عن أبيه عن جده.
وأما طريقه الأخرى التي ليس فيها الزيادة المذكورة، فهي من حديث سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو عن أبيه عن جده: أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الوضوء؟.
فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال:" من زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم ".
وأخرجه من هذه الطريق:
أ - النسائي قال: أخبرنا محمود بن غيلان، قال حدثنا يعلى قال حدثنا سفيان عن موسى. . فذكره.
ب - ابن ماجه قال: حدثنا علي بن محمد، ثنا خالي يعلى عن سفيان. . فذكره.
ج - ابن خزيمة قال: أخبرنا أبو طاهر أنا أبو بكر، نا يعقوب بن إبراهيم الدروقي، حدثنا الأشجعي عن سفيان. . فذكره.
د - ابن الجارود قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدروقي. . فذكره.
هـ - البيهقي قال: أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو عثمان البصري،
والعباس بن محمد القوهياري قالا: نا محمد بن عبد الوهاب، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا سفيان. . . فذكره.
مسألة: ولما كان في الإسنادين رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وجب ذكر قول أهل العلم في هذا بشيء من الإيجاز المغني.
ولما كان أهل العلم، على ثلاثة أقوال في روايته، فقد قسمنا أقوالهم كذلك.
الأول في ذكر المضعّفين لروايته عن أبيه عن جدّه: قال يحيى بن سعيد القطان: حديثه عندنا واهٍ.
وقال سفيان بن عيينة: إنما كان يحدث عن أبيه عن جده، وكان حديثه عند الناس فيه شيء.
وقال مرة أخرى: غيره أجود منه.
وقال يحيى بن معين مرة: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كأنه ليس بذاك.
وقال أبو داود: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليس بحجة، ولا نصف حجة.
وقال ابن علية: غيره خير منه.
وقال ابن حبان: إذا روى عن أبيه عن جدّه ففيه مناكير كثيرة، لا يجوز الاحتجاج عندي بشيء رواه عن أبيه عن جدّه، لأن هذا الإسناد لا يخلو أن يكون مرسلاً أو منقطعاً.
الثاني في ذكر المصححين لها: قال محمد بن إسماعيل البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، ما تركه أحد من المسلمين.
قال البخاري: ومن الناس بعدهم.
قال الذهبي في " الميزان " بعد أن ساق كلام البخاري هذا: " ومع هذا القول ما احتج به البخاري في جامعه ".
قلت: لأنه صحيح، ولكن على غير شرطه يا إمام من تحقق السماع، وعدم الاكتفاء بمجرد المعاصرة، وما عرف من انتقاء البخاري لأصح الروايات، فإنه حيث ترك كثيراً من الروايات الصحيحة لم يتركها لضعفها، ولكن لوجود ما هو أصح منها.
وأما تشكيك الذهبي في السير بهذه الكلمات عن البخاري، فلا معنى له، مع ثبوته في كتب البخاري كما في " التاريخ الكبير " وكتب الناقلين عنه كالترمذي، والمزي وغيرهما.
ثم تأمل قول البخاري: " يحتجون " وقوله " وما تركه أحد " فليست هذه الألفاظ من معالي عبارات التصحيح، بل ولا أوسطها، لأن ترك الترك أقل
القبول. بل لا يبلغ الاحتجاج أحياناً، ولذلك زاد " الاحتجاج " حتى يشعر باختلاف درجة التوثيق عند الناقل عنهم ".
وهذا الذي تلفظ به البخاري رحمه الله من أدق العبارات، وكيف لا يكون كذلك وهو إمام الدنيا في هذا الشأن، وذلك أننا بالرجوع لعباراتهم لا نجد إلا هذا المعنى الذي ذكره الإمام البخاري.
فقد قال الإمام أحمد في رواية: عمرو بن شعيب له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا.
وقال مرة: أراه قد سمع من أبيه.
وقال ثالثة: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، " وإذا شاءوا تركوه ".
فهذه الألفاظ عن أحمد قد حواها قوله: " ما تركه أحد منهم ".
وأما قوله " يحتجون " فهو المروي عن إسحاق فإنه قال: " إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ثقة، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر ".
وقال ابن المديني: سمع أبوه شعيب من جده عبد الله، وعمرو بن شعيب عندنا ثقة وكتابه صحيح.
وممن صحح حديثه عن أبيه عن جدّه:
أبو بكر بن زياد النيسابوري قال: " صح سماع عمرو عن أبيه شعيب، وصح سماع شعيب من جدّه عبد الله ".
الثالث: في ذكر المصححين عند عدم التفرد، أو بقيد، وذكر المنتقين لحديثه.
قال يحيى بن معين في رواية: يكتب حديثه.
وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات، وإنَّما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جدّه، وقالوا: إنما سمع أحاديث يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر، وعامة هذه المناكير التي تروى عنه إنما هي عن المثنى بن الصباح وابن لهيعة والضعفاء، وهو ثقة في نفسه، إنما تكلم فيه بسبب كتاب عنده ".
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي أي أحب إليك عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، أو بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: عمرو أحب إلي.
وقال مرة عنه: عمرو ليس بقوي، يكتب حديثه، وما روى عنه الثقات فيذاكر به.
وقال ابن عدي: روى عنه أئمة الناس وثقاتهم، وجملة من الضعفاء، إلا أن أحاديثه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه، لم يدخلوها في صحاح ما خرجوا، وقالوا: هي صحيفة.
وقال أبو بكر بن الأثرم: سئل أبو عبد الله عن عمرو بن شعيب، فقال: أنا أكتب حديثه، ربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء، ومالك يروي عن رجل عنه.
قلت: إشارة الإمام أحمد لرواية مالك عن رجل عنه، أراد بها أن مالكاً يوثقه، لأن مالكاً لا يحدث إلا عن ثقةٍ عنده.
وقال الدارقطني: لعمرو ثلاثة أجداد: الأدنى منهم: محمد، والأوسط: عبد الله، والأعلى: عمرو بن العاص.
وسمع - يعني شعيباً - من جدّه عبد الله، فإذا بينه وكشفه فهو صحيح حنيئذ، ولم يترك حديثه أحد من الأئمة.
ولم يسمع من جدّه عمرو.
قلت: والذي يؤكد سماع شعيب من عبد الله بن عمرو، ما رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي عن شعيب: أن رجلاً أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبد الله بن عمر، فقال: اذهب إلى ذلك فاسأله قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه. .
وفيه: فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه، فقال عبد الله: اذهب إلى ابن عباس فسله.
قال شعيب: فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله، فقال كما قال ابن عمرو، فرجع إلى عبد الله بن عمرو، وأنا معه فأخبره. . ".
وقد قال الحاكم في هذا الموضع: وقد أكثرت في هذا الكتاب الحجج في تصحيح روايات عمرو بن شعيب - يعني عن أبيه عن جده - إذا كان الراوي عنه ثقة، ولا يذكر عنه أحسن من هذه الروايات، وكنت أطلب الحجة في سماع شعيب عن عبد الله بن عمرو فلم أصل إليها إلى هذا الوقت.
ثم روى الحديث السابق وقال: هذا الحديث رواته ثقات حفاظ، وهو كالآخذ باليد في صحة سماع شعيب عن جدّه عبد الله بن عمرو.
ونقل الذهبي كلامه، ولم يتعقبه بشيء.
" ملخص القول في قبول رواية عمرو المذكورة ".
قال الحافظ ابن حجر: عمرو بن شعيب ضعّفه ناس مطلقاً، ووثقه الجمهور، وضعّف بعضهم روايته عن أبيه عن جدّه حسْب.
وقال شيخه العراقي في شرح الألفية له: وقد اختلف العلماء في الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، الأقوى أنها حجة مطلقاً إذا صح السند إليه.
وقال من قبلهما ابن الصلاح؛ والصحة قول أكثر أهل الحديث.
وقد قدمنا ذكر من أطلق الصحة من قبل، وهؤلاء الثلاثة الشيوخ من المحققين لعلم المصطلح، الناس جميعاً من بعدهم عيال عليهم في الاختيار
بين أقوال السلف والأئمة السابقين، سيما وقد تبين أن حجتهم في ذلك قائمة.
هذا، وفي المقام أشياء كثيرة مبسوطة مذكورة في مواضعها يطول ذكرها، قد أعفانا من ذكرها اشتراط الإيجاز.
مسألة: في الكلام على صحة سند الحديث، وأن الرواة قبل عمرو ثقات:
فأما موسى فثقة عابد من رجال الشيخين.
وأما أبو عوانة، فهو وضاح اليشكري، ثقة ثبت من رجال الشيخين.
وأما مسدد، فحافظ كبير مسند، ثقة من رجال البخاري.
وقد ثبتت رواية كل واحد من هؤلاء الثلاثة عمن بعده، فاتصل الحديث، ووثق رجاله.
مسألة: في بيان أن مخالفة سفيان لأبي عوانة، لا تضر.
هذا إن صح إطلاق المخالفة، فأهل الاصطلاح لا يسمون مثل هذا بالمخالفة، وإنما يعبرون عنه بزيادة الثقة فقط.
لأن أبا عوانة إنما زاد هذا اللفظ " أو نقص ".
وعند أهل الاصطلاح أن الزيادة من الثقة مقبولة، وبعضهم يذكر لذلك قيوداً، لكنها ليست في هذا الحديث، فالواجب قبولها عند هؤلاء أيضاً.
الوصل الثاني: في بيان أن فتوى أهل العلم على خلاف الحديث المذكور:
قال الزرقاني: ومن الغرائب ما حكاه أبو حامد الاسفرائيني عن بعض العلماء أنه لا يجوز النقص عن الثلاثة كأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور.
قال الزرقاني: وهو محجوج بالإجماع.
قلت: فقد استفدنا من قول الزرقاني أن الإجماع على خلافه.
والإجماع على خلاف الحديث منقول عن النووي أيضاً.
الوصل الثالث: في بيان مذاهب العلماء وذكر حججهم في دفع
القول بظاهر الحديت:
أ - أما القائلون بضعف رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، فغير محتاجين للجواب عنه.
ب - وكذا القائلون باشتراط المتابع وعدم التفرد، فالحديث فرد لا متابع له في النقص.
ج - وأما الذين يصححون الحديث فطرفان:
منهم من يعتبر الوهم فيه من أبي عوانة، كابن المواق، وغيره. فهم يصححون الحديث دون هذه الزيادة، ويعتبرونها من الأوهام، أو منكرة كما نقل عن مسلم.
ومنهم من يصرفه عن ظاهره بتأويل: كأن يحمل على نقص غسل بعض الأعضاء بالكلية، قاله السيوطي. أو يحمل بأنه ظلم نفسه بما فوتها من الثواب الذي يحصل بالتثليث. حكاه الشوكاني في " النيل ".
قال الشوكاني: وأما توجيه الاعتداء فمشكل.