الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث العاشر إلى الحديث العشرين، في السحور بعد الأذان
الأصل في هذه المسألة قول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).
وقد جاءت السنة ففسرت هذا، كما في حديث ابن مسعود المخرج في الصحيحين وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا - وجمع بعض الرواة كفيه - حتى يقول هذا، ومد إصبعيه السبابتين ".
وفي لفظ لمسلم: " إن الفجر ليس الذي يقول هكذا، وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه ".
وأخرج مسلم وغيره فيما يصح تفسيراً للآية من حديث سمرة رضي الله عنه قال: " لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا " وحكاه حماد بن زيد بيديه قال: يعني معترضاً.
وقال أبو داود الطيالسي في رواية النسائي: بسط يديه يميناً وشمالاً، ماداً يديه.
وأخرج الترمذي وأبو داود عن طلق بن علي مرفوعاً: كلوا واشربوا، ولا يهيدنّكم الساطع المصعد حتى يعترض لكم الأحمر ".
وهذه الأحاديث الثلاثة هي العمدة في اختيار بيان طلوع الفجر ووجوب الإمساك، وعليها الفتوى في سائر الأمصار، فقالوا: ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة. وأثبتها الأول ثم الثاني والثالث، وما دونهما من الأحاديث لا يرقى لنحوها في الصحة مما رفعوه وهي غير قليلة، وفيها حسن أيضاً، وذلك أن هذه الثلاثة قد جاءت مفسرة للآية بما يقطع الشك، فوق الذي جاء في حديث زيد بن ثابت، وأنس بن مالك عند الشيخين الأول، والآخر عند البخاري والنسائي، وتفرد البخاري بحديث عن سهل في الباب، فإنها فيه ذكر السحور داخل الوقت، لا في تعيينه وتحديده.
وكذا القول في حديثي عائشة وابن عمر، وهما في الصحيحين أيضا، فإن التعويل فيهما على الأذان الذي عند طلوع الفجر، فعلقا الأذان على الطلوع، وهو غير مفسر في حديثيهما، فكانا عامين في المسألة كالآية، فعاد المصير لما قدمنا.
لأجل هذا ذهب الأئمة الأربعة، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم للقول بهذه الأخبار، فيما نقله عنهم ابن المنذر وزاد: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس وعلماء الأمصار، وبه نقول.
وأما حديثا سهل بن سعد وعدي بن حاتم المخرجان في الصحيحين، في نظر الصحابة رضي الله عنهم للخيط الأبيض والأسود حتى يتبين لهم، فكانا بينين جداً في المسألة لولا قوله صلى الله عليه وسلم لعدي وغيره:" إن وسادك إذاً لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل " فبين قوله صلى الله عليه وسلم لهم في ذلك لمعنى الآية على بيان يياض النهار، وهو غير مفسر كسابقه، ويحتاج لمثل حديث ابن مسعود وسمرة وطلق، فحملنا العام على الخاص، والمؤول على الصريح، والمبهم على المفسر.
الوصل الثاني: في ذكر الأحاديث التي ليست الفتوى عليها، والقائلين بها إن كان:
وقد عنينا بالأحاديث المرفوع منها، دون الموقوف، كما هو شرطنا في الكتاب، وشرط سائر علماء الملة، في طرح الموقوف إذا صح لنا المرفوع من غير إعلال، وعلى ما قدمنا من الشروط المختلف في اعتبارها عند علماء الأصول.
1 -
الحديث الأول حديث أبي هريرة في إتمام الشرب للصائم إذا فجأه المؤذن:
فقد أخرج أبو داود في سننه قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد أخبرنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يدعه حتى يقضي حاجته منه ".
وأخرجه ابن جرير في التفسير قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال: ثنا روح بن عبادة قال: ثنا حماد عن محمد بن عمرو فذكره.
ثم أخرجه من طريق أحمد بن إسحاق قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا حماد عن عمّار بن أبي عمّار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وزاد: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر.
وأخرجه الدارقطني في سننه من طريق محمد بن يحيى بن مرداس ثنا
أبو داود فذكره - كلفظ أبي داود المتقدم - وقال: قال أبو داود: أسنده روح بن عبادة كما قال عبد الأعلى.
وأخرجه الحاكم قال: حدثنا أبو نصر الفقيه، ثنا الحسن بن سفيان ثنا عبد الأعلى بن حماد فذكره بمثل لفظ أبي داود وقال: صحيح على شرط مسلم، وأعاده في غير موضع، وأشار لرواية عمّار.
وعلّقه ابن حزم في " المحلّى " فقال:
ومن طريق حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ".
قال عمار: وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر.
وقال حماد عن هشام بن عروة: كان أبي يفتي بهذا.
وأما الإمام أحمد فله في هذا الخبر أسانيد.
منها من طريق غسان، ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو به.
ومنها من طريق حماد عن يونس عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
ومنها من طريق روح عن حماد عن محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً.
ومنها من طريق روح عن حماد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة مرفوعاً، بالزيادة المتقدمة.
والحديث من الطريقين الموصولين أخرجه البيهقي في " السنن " والجوهري في " الفوائد "، وما عرفت غيرهما موصولين لهذا الخبر، وظاهر كلا الطريقين الصحة، إلا كلاماً في محمد بن عمرو في روايته عن أبي سلمة خاصة. وهو وسائر الرواة في الطريقين ثقات أجلاء. فقد ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة قال: سئل يحيى بن معين عن محمد بن عمرو فقال: ما زال الناس يتقون حديثه،
قيل له: علة ذلك؟
قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
وكان هذا مراد يحيى القطان بقوله: رجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث.
والجوزجاني بقوله: ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه.
وأبي حاتم بقوله: صالح الحديث، يكتب حديثه، وهو شيخ.
وابن حبان بقوله: كان يخطئ.
وكذا ذكروا لعمار أخطاءً.
وحماد بن سلمة قد ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، وهو هنا لم يخالف غيره، لكنه اختلف عليه في هذا الخبر على ثلاثة أوجه، ورابع يأتي بعد موقوف ولفظه مختلف.
أ - عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً.
ب - عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة مرفوعاً.
ج - عن يونس عن الحسن مرسلاً.
د - عن حميد عن أبي رافع أو غيره عن أبي هريرة موقوفاً.
وهذا مما يعلّ به هذا الخبر. لا سيما الإرسال، والوقف إن صح.
ثم رأيتني في ذلك بحمد الله متابعاً للعارفين بهذا الشأن غير متفرد، وذلك فيما حكاه عبد الرحمن في العلل قال: سألت أبي عن حديث رواه روح بن عبادة عن حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه " قلت لأبي: وروى روح أيضاً عن حماد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وزاد: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر؟
قال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أما حديث عمار فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح. انتهى.
قلت: وهو في تضعيف طرق محمد بن عمرو، له الوجه الذي قدمناه، وكذا الاختلاف.
وأما في ترجيحه الوقف، فلم أدر ما وجه تحكمه فيه، فلعل له فيه روايات عنده. مع التنبيه أن ابن حزم علقه موقوفاً عن أبي هريرة بضعف.
ثم استدركت، فإن مذهب أبي حاتم وجماعة من الحفاظ معه كثيرون الاقتصار على أقل ما في الروايات، يحكمون بذلك دائماً حيث لا مرجّح.
وقد ذكر شمس الدين ابن القيم لهذا الخبر علة قالها ابن القطان، وهي معلولة، قال: هذا الحديث أعله ابن القطان بأنه مشكوك في اتصاله قال: لأن أبا داود قال: أنبأنا عبد الأعلى بن حماد أظنه عن حماد عن محمد بن عمرو. . . انتهى.
قلت: ومع كون هذا القول الذي حكاه ابن القطان غير موجود في النسخ التي بأيدينا لأبي داود، فإنه مع فرض ثبوته - في نسخة عنده - غير قادح، لأنه قد ثبت ذلك عند غيره من غير شك في ذكره، فلا معنى لإعلاله بهذا.
ثم إن الحديث قد صححه غير واحد، وتوقف فيه آخرون، في القديم والحديث. وله شاهد عن أبي أمامة يأتي. وعن جابر.
* ذكر المفتين بهذا الخبر والمؤولين له:
قد قدمنا فيما علق ابن حزم أن الزبير كان يفتي بهذا الخبر، وكذا أبو هريرة إن صح. ولفظه: أنه سمع النداء والإناء على يده فقال: أحرزتها ورب
الكعبة. وهو قول سائر من يجيز الأكل لبعد هذا الوقت، كما سيأتي في الأحاديث بعده.
وقد رده أهل العلم - إن صح - بأوجه، ممن لم يفتوا به.
قال في عون المعبود:
" قال البيهقي: - إن صح هذا - يحمل عند الجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم قاله حين كان المنادي ينادي قبل طلوع الفجر، بحيث يقع شربه قبل طلوع الفجر.
وقال صاحب فتح الودود: من يتأمل في هذا الحديث، وكذا حديث:" كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر "، وكذا ظاهر قوله تعالى:(حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) يرى أن المدار هو تبيين الفجر، وهو يتأخر عن أوائل الفجر بشيء، والمؤذن لانتظاره يصادف أوائل الفجر، فيجوز الشرب حينئذٍ إلى أن يتبين، لكن هذا خلاف المشهور بين العلماء، فلا اعتماد عليه عندهم، والله أعلم.
وقال علي القاري: قوله صلى الله عليه وسلم: " حتى يقضي حاجته " هذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع.
وقال ابن الملك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، أما إذا علم أنه قد طلع أو شك فيه، فلا.
وقال القاري أيضاً: لعل هذا كان في أول الأمر. انتهى ما في العون.
قلت: وعندي جواب عنه، وهو أن يكون المراد بالحديث كالمراد من حديث عائشة وابن عمر المتقدم في عدم الامتناع عن الطعام والشراب عند
أذان بلال، ويكون هو المقصود بالأذان هنا، ثم رأيت من تقدمني لهذا الجواب، وستأتي لهذا الجواب بعد مناقشة في موضعها عند ذكر الحديث الرابع إن شاء الله تعالى.
2 -
الحدبث الثاني عن أبي أمامة بنحوه لكن عند الإقامة:
أخرجه ابن جرير في التفسير قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال سمعت أبي قال: أخبرنا الحسين بن واقد: وحدثنا ابن حميد قال ثنا يحيى بن وضاح قال: ثنا الحسين: قالا جميعاً عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة، والإناء في يد عمر، قال: أشربها يا رسول الله؟
قال: نعم، فشربها.
لم أقف عليه عند غير ابن جرير، وهو حديث ضعيف. خلافاً لمن حسنه من المعاصرين.
فأبو غالب: صدوق يخطئ.
والحسين وإن كان ثقة، فإن له أوهاماً، ثم هو مدلس على ما ذكر سبط ابن العجمي، نقلاً عن أبي يعلى الخليلي، وقد عنعن هنا، فالسند ضعيف. وممن وصفه بالتدليس الدارقطني، كما ذكره الحافظ في التقريب.
وأما ابن رجب في شرح العلل فقال إنه يدلس في روايته عن أيوب بن خوط، ولم يذكر غيره، فإن صح هذا الاقتصار من ابن رجب، كان الحديث حسناً، على مضض.
(تنبيه):
اعلم أن الذي أوردناه في تأويل خبر أبي هريرة السابق، هو بعينه لا يصلح في هذا الخبر، إلا الوجه الأخير، وأن القائلين بذاك الخبر، لا يلزمهم القول بهذا، للفارق بين وقتي الأذان للإقامة، فخرجت فتاوى من ذكرناهم عن القول بالذي هنا.
3 -
الحديث الثالث مثل حديث أبي هريرة، وهو عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:
أخرجه الإمام أحمد في مسنده قال: ثنا موسى حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير قال: سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن الرجل يريد الصيام والإناء على يده ليشرب منه فيسمع النداء؟
قال جابر: كنا نتحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليشرب.
وتابع موسى الوليد بن مسلم.
أخرجه أبو الحسين الكلابي عن ابن لهيعة به.
وأبو الزبير قد صرح في هذا الخبر بالتحديث، فبقي الحديث في عهدة ابن لهيعة على الخلاف المشهور المعروف فيه، فيكون الحكم على الحديث كل بحسب ما يرى في عبد الله، من الحسن أو الضعف. والمأمول تحسينه بشاهده.
(نكتة):
ويكون الكلام على هذا الحديث، هو الكلام على حديث أبي هريرة، مع زيادة بيان أن قول جابر هنا " كنا نتحدث " مشعر أنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وأنه له فيه واسطة عن صحابي، وهو غير مؤثر في الحديث، لكن لا يبعد أن يكون الصحابي أبا هريرة، فيرجع عندها هذا الحديث للحديث الأول. والله أعلم.
4 -
الحديث الرابع عن أنس، ووقته بعد الأذان وقبل الإقامة:
أخرج عبد الرزاق في مصنفه حديثه فقال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سحرنا يا أنس، إني أريد الصيام فأطعمني شيئاً، فجئته بتمر وإناء فيه ماء، بعدما أذن بلال، فقال: يا بلال انظر إنساناً يأكل معي.
فدعوت زيد بن ثابت فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني شربت شربة من
سويق وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنا أريد الصيام ".
فتسحر معه، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم خرج فأقيمت الصلاة.
وكان معمر يؤخر السحور، ويسفر، حتى يقول الجاهل: ما له صوم.
ومن طريقه أخرجه الإمام أحمد في المسند، فقال: حدثنا عبد الرزاق فذكره، إلا قوله: " وكان معمر
…
" قال: " وذلك في السحر " مكان " سحرنا يا أنس " ومن طريقه أخرجه النسائي في الكبرى فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبد الرزاق، بمثل لفظ أحمد.
وأخرجه ابن حزم فقال: حدثنا حمام ثنا ابن مفرج، ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن قتادة عن أنس: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تسحر هو وزيد بن ثابت، وهو عليه السلام يريد الصوم، ثم صلى الركعتين، ثم خرج إلى المسجد فأقيمت الصلاة.
قلت: هذا حديث رجاله رجال الشيخين، ثم له طريق آخر، بنحو هذا السياق أخرجه الحافظ البزار في مسنده قال: حدثنا عبدة بن عبد الله، ثنا زيد بن الحباب، ثنا مطيع بن راشد، حدثني توبة العنبري أنه سمع أنس بن مالك يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" انظر من في المسجد فادعه "، فدخلت - يعني المسجد - فإذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فدعوتهما، فأتيته بشيء فوضعته بين يديه، فأكل وأكلوا، ثم خرجوا، فصلى بهم صلاة الغداة.
قال البزار: لا نعلم أسند توبة عن أنس إلا هذا، وحديثاً آخر، ولا رواهما عنه إلا مطيع.
قال الهيثمي: إسناده حسن، وكذا قال في " المجمع "، وسكت عليه الحافظ ابن حجر.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة بهذا اللفظ كما أورده الحافظ في " المطالب العالية ".
قلت: وهذا الحديث غير مفسر كما ترى، إلا أن يكون الهيثمي أحال فيه على حديث أنس السابق فترجم له (باب الحث على السحور).
لكن العجب من الهيثمي كيف أغفل في المجمع ذكر حديث أنس مع هذا، فذكره في المجمع معزواً للبزار فقط، ودون العزو لأحمد ولا ذكرٍ لسياقه.
وأما إيراد ابن حجر له في المختصر، فإنه عد منه أنه حديث آخر، لأن
شرطه في المختصر أن لا يورد الحديث إذا كان في المسند. ولعله اغتر بعدم عزو شيخه له.
وليس من مانع أن يكونا واحداً، ولا من تأثير على أي الأمرين.
وصرف رواية البزار إن أفردت غير مستبعد عن أحاديث الصيام، وصرفها عن كونها كانت قبل الأذان ممكن، لأنه لا يمنع أن يكون الراوي أغفل ذكر الأذان بعد تناولهما الطعام واقتصر على ذكر الإقامة.
وأما رواية عبد الرزاق، فلا صارف لها ألبتَّة، مع ذكر السحور، وأن بلالاً كان أذن للفجر، فهي في السحور بعد الأذان.
لكنها غير محتاجة للجواب عنها بما قدمنا، وذلك أن التصريح وقع هنا، بأن المؤذن هو بلال، وقد ثبت عند الشيخين وغيرهما من حديث عائشة وابن عمر كما قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم " فلم يعد في الحديث حجة لمن يجيز الأكل بعد طلوع الفجر المذكور بالآية، والذي كان يؤذن له ابن مكتوم، من هذا الخبر.
فإن قلت: فما يمنع أن يكون أذن ابن أم مكتوم أيضاً، ولم يذكره الراوي، كما جوزت إغفال ذكره بعد تناولهم الطعام، حيث وقع في الحديث ذكر صلاتهم، دون ذكر أذان ابن أم مكتوم.
قلت: حملاً على الأحاديث الصحيحة من باب، ومن باب آخر اعتمادا على فقه الراوي، ومن ثالث على الحمل على المقتضى.
أما الأول فهو الواجب عند توجيه الحديث الفرد الذي شذ ظاهره، إلى معنى الأحاديث المصححة الصريحة، وكذا في كل مبهم أو محتمل إذا صح المفسر أو المعين. حتى لا تتناقض الأحاديث، فمفهوم المخالفة من حديث عائشة وابن عمر مفيد لمنع تناول الطعام بعد أذان ابن أم مكتوم، فلذلك
منعنا حصول أذان ابن أم مكتوم حتى لا تتناقض الأخبار ولا تتهاتر. وحملاً على ظاهر لفظ الرواية.
وأما الثاني: فالمقصود به أن الفقيه لا يصح عنده أن يذكر أذان بلال عند طعامهم، ويكون ابن أم مكتوم هو الذي أذن، للفارق بين الأذانين، واختلاف الحكمين، أفترى هذا يخفى على أنس.
وأما الوجه الثالث في عدم ذكر أنس لأذان ابن أم مكتوم بعد، لأنه مفهوم من مقتضى السياق، والبلاغة الإيجاز كما تقرر عند أكثر البلاغيين، سيما باستعمال فاء الفصيحة في ذكر السياق كما هنا، وهذا كثير جداً في القرآن والحديث، لا تكاد تخلو منه قصة.
فإن قلت: لكن جاء في بعض الروايات أن ابن أم مكتوم هو الذي كان يؤذن أولاً، وجمع العلماء بين الخبرين بأن هذا كان يسبق مرة، وذاك أخرى، فيحتمل أن يكون هذا الخبر حصل عندما كان بلال يؤذن للفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويمنع الطعام، على رأي الجمهور.
قلنا: هذا قول ضعيف، وأكثر حفاظ الدنيا مجمعون على أن الحديث الذي فيه تقديم ذكر ابن أم مكتوم على ذكر بلال هو حديث مقلوب أخطأ فيه الرواة، وبسط هذا معلوم في موضعه.
وقد جاء حديث مفسر جداً في هذا، موافق لما قدمناه من حديث عائشة وابن عمر، وفيه تفسير حديث ابن مسعود وسمرة وطلق، وهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أريد أن أبيت عندك الليلة فأصلي بصلاتك.
قال: لا تستطيع صلاتي.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل فيستر بثوب وأنا محوّل عنه، فاغتسل، ثم
فعلت مثل ذلك، ثم قام يصلي وقمت معه، حتى جعلت أضرب برأسي الجدران من طول صلاته، ثم أذن بلال للصلاة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعلت؟
قال: نعم.
قال: يا بلال إنك لتؤذن إذا كان الصبح ساطعاً في السماء، وليس ذلك الصبح، إنما الصبح هكذا معترضاً.
ثم دعا بسحور فتسحر.
قلت: لكن في إسناده رشدين بن سعد.
5 -
الحديث الخامس حديث بلال رضي الله عنه، ووقته بعد الأذان وقبل الإقامة.
ولبلال حديثان: أحدهما في الأكل قبل الصلاة، والثاني يأتي بعد في إباحة الطعام حتى طلوع الشمس.
أخرج حديث بلال الإمام أحمد في المسند قال: حدثنا يحيى بن آدم، وأبو أحمد قالا: ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل المزني عن بلال بن رباح رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أوذنه بالصلاة، - قال أبو أحمد: وهو يريد الصيام - فدعا بقدح فشرب وسقاني، ثم خرج إلى المسجد للصلاة فقام يصلى بغير وضوء، يريد الصوم.
وأخرجه ابن جرير فى التفسير قال: " حدثنى محمد بن أحمد الطوسي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق فذكره.
وأخرجه الطبراني في الكبير من وجهين قال: حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا إسرائيل فذكره.
وقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم الديباجي التستري ثنا حماد بن بحر
التستري، ثنا محمد بن الحسن المزني، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عن عبد الله به.
وقد أخرجه ابن جرير من هذه الطريق قال: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح قال ثنا يونس عن أبيه فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف لأن فيه أبا إسحاق السبيعي، مدلس واختلط بأخرة، وقد عنعن في سائر طرق الحديث، وقول الشيخ الهيثمي في المجمع " رجالهما رجال الصحيح "، صحيح، ولكنه لا يعد صحة ولا تحسيناً مع وجود هاتين العلتين، وإن كانت الثانية أقل تأثيراً من الأولى لكثرة الراوين عنه لهذا الخبر، فإنه يبعد أن يكون جميعهم قد سمع منه هذا الخبر بعد الاختلاط.
لكن للحديث طريق أخرى قوَّى بها بعض الناس هذا الخبر، وهي منقطعة، أخرجها الإمام أحمد قال: ثنا وكيع ثنا جعفر بن برقان عن شداد مولى عياض بن عامر عن بلال أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصلاة فوجده يتسحر في مسجد بيته.
وهذه الطريق عند الطبراني لكن لفظها عنده: " لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا " وأشار بيده ثم فتحها، هكذا ذكره.
وهكذا أخرجه أبو داود في سننه، ثم قال:" شداد مولى عياض، لم يدرك بلالا ".
قلت: فتبين انقطاع هذا الإسناد. مع أنه ليس في المتن شاهد قط للتسحّر، بل ولا للصيام، لذلك ترجم له أبو داود في كتاب الصلاة، باب في الأذان قبل دخول الوقت.
نعم لفظ أحمد فيه ذكر السحور فلعلهما حديثين، أو أن بعض الرواة مرة كان يحدث بهذا ومرة بهذا.
وارجع لما قدمناه من الأجوبة عن مثل هذا الخبر.
6 -
الحديث السادس عن ابن عمر ووقته كسابقه.
أخرج أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدثنا قيس عن زهير بن أبي ثابت الأعمى، عن تميم بن عياض عن ابن عمر قال: كان علقمة بن علاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة.
بمال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رويداً يا بلال يتسحر علقمة - وهو يتسحر برأس.
وأخرجه الطبراني من طريق قيس بن الربيع المذكور.
وقد سكت الحافظ ابن حجر في المطالب، والبوصيري في الإتحاف على هذا الخبر، وقال الهيثمي: قيس بن الربيع، وثقه شعبة وسفيان، وفيه كلام.
ومن طريق قيس أيضاً أخرجه عبد بن حميد في مسنده اللفظ، وسكت عليه أيضاً العسقلاني والبوصيري، والحق أن الحديث ضعيف، وأن قيساً ضعيف أيضاً.
قال البخاري: حدثنا علي قال: كان وكيع يضعفه.
وقال مرة: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن قيس. وقد حدث عنه عبد الرحمن ثم تركه.
وقال أبو داود: أتي قيس من قبل ابنه، كان ابنه يأخذ أحاديث الناس فيدخلها في فُرَج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك.
وقال البخاري: أنا لا أكتب حديث قيس ولا أروي عنه.
وذكره أبو زرعة في الضعفاء.
وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: ضعيف.
وقال يحيى بن معين: قيس بن الربيع ليس بشىء.
وقال أحمد بن حنبل: ولي قيس بن الربيع فلم يحمد.
وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب في الرواية عنهم.
وقال الترمذي: يضعف في الحديث.
وقال النسائي: متروك الحديث، كوفي.
وقال الدارقطني: ضعيف.
هذا وما زلت أتناول الأسفار، وأطوي الصفحات، علّي أقف على تميم بن عياض، فأبى الطرف أن يغض على الذي يشتهيه، وكرهت مزيد تبديد الزمان في التنقيب، مع الحكم بضعف الخبر، دون معرفة حال تميم.
ولقصة علقمة بن علاثة حديث عن علي هو الآتي بعد حديثين.
7 -
الحديث السابع عن يزيد بن أبي زياد مولى آل علي، ووقته بعد الأذان الأول، فهو بيِّن لا يحتاج جواباً عنه، ثم هو ضعيف.
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه قال: عن ابن جريج عن يزيد بن أبي زياد مولى آل علي، أن ناساً من ثقيف قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلهم المقبرة، وذلك في رمضان، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بسحورهم بعد أذان بلال، بعد طلوع الفجر الأول، وأسفر جداً، فأكلوا وأكل معهم بلال، ثم صاموا جميعاً. . . . ".
قلت: فهذا مرسل لا يقبله إلا من يحتج بالمرسل، فيزيد لم ير من الصحابة إلا أنساً. ثم أن يزيد الأكثرون على ضعفه، وإن روى له مسلم مقروناً، وعلق له البخاري حديثاً أو حديثين.
قال شعبة: كان رفاعاً.
وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالحافظ.
وقال مرة: حديثه ليس بذاك.
وقال ابن معين: لا يحتج بحديثه.
وقال مرة: ليس بالقوي.
وقال أبو زرعة: لين يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي.
وقال الجوزجاني: سمعتهم يضعفون حديثه.
وقال العجلي: جائز الحديث، وكان بأخرة يلقن.
قلت: فمثل هذا يكون حديثه للاعتبار، كما يفعل مسلم رحمه الله.
ثم للحديث علّة ثالثة وهي تدليس ابن جريج، وقد عنعن.
8 -
الحديث الثامن عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، وهو كسابقه.
أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه قال: عن ابن جريج عن سعيد بن جهمان عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا قتادة في حاجة له، فجأءه بعد ما أسفر جداً، يقول: بعد الفجر الأول، فقدم إليه النبي صلى الله عليه وسلم سحوراً فقال: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصبحت.
فقال: تسحروا، وطبَّق النبي صلى الله عليه وسلم يجيف الباب حتى لا يتبين الإسفار، فلما فرغ، فوجده قد أسفر جداً، يقول: بعد الفجر الأول.
قلت: وهذا ضعيف، فيه عنعنة ابن جريج، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد المذكور في الحديث لم أعرفه، إلا أن يكون عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بإسقاط الياء الأولى، فيكون هو عامل عمر بن عبد العزيز، المذكور في التاريخ الكبير للبخاري، ولم يذكر البخاري أن سعيداً ممن روى عنه.
والحاصل أن الخبر لا يصح على كل حال.