المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 27] - البحر المحيط في التفسير - ط الفكر - جـ ٥

[أبو حيان الأندلسي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الأعراف

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 27]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 28]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 29 الى 54]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 56]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى 85]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 86 الى 87]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 88 الى 116]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 117 الى 139]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 140 الى 143]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 144 الى 154]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 155 الى 156]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 157 الى 163]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 164 الى 170]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 171 الى 187]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 188]

- ‌[سُورَةُ الأعراف (7) : الآيات 189 الى 206]

- ‌سورة الأنفال

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 1 الى 12]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 13 الى 14]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 15 الى 38]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 39 الى 40]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 41 الى 67]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 68 الى 69]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 70 الى 71]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 72]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 73]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 74]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 75]

- ‌سورة التّوبة

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 30]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 31 الى 33]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 34 الى 60]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 61 الى 72]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 73 الى 92]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 93 الى 121]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 122 الى 129]

الفصل: ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 27]

[الجزء الخامس]

‌سورة الأعراف

[سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 27]

بسم الله الرحمن الرحيم

المص (1) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4)

فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَاّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9)

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)

قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24)

قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27)

ص: 5

كَمَ اسْمٌ بَسِيطٌ لَا مُرَكَّبٌ مِنْ كَافِ التَّشْبِيهِ وَمَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ حُذِفَ أَلِفُهَا لِدُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهَا وَسَكَنَتْ كَمَا قَالُوا لِمَ تَرْكِيبًا لَا يَنْفَكُّ كَمَا رُكِّبَتْ فِي كَأَيِّنٍ مَعَ أَيٍّ وَتَأْتِي اسْتِفْهَامِيَّةً وَخَبَرِيَّةً وَكَثِيرًا مَا جَاءَتِ الْخَبَرِيَّةُ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَأْتِ تَمْيِيزُهَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا مَجْرُورًا بِمِنْ وَأَحْكَامُهَا فِي نَوْعَيْهَا مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ النَّحْوِ. الْقَيْلُولَةُ نَوْمُ نِصْفِ النَّهَارِ وَهِيَ الْقَائِلَةُ قَالَهُ اللَّيْثُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ وَلَمْ يَكُنْ نَوْمٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ:

قَالَ: يَقِيلُ قَيْلُولَةً وَقَيْلًا وَقَائِلَةً وَمَقِيلًا اسْتَرَاحَ وَسَطَ النَّهَارِ. الْعَيْشُ الْحَيَاةُ عَاشَ يَعِيشُ عَيْشًا وَمَعَاشًا وَعِيشَةً وَمَعِيشَةً وَمَعِيشًا- قَالَ رُؤْبَةُ:

إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ الْمَعِيشِ

وَجَهْدَ أَيَّامٍ نَتَفْنَ رِيشِي

ص: 6

غَوَى يَغْوِي غَيًّا وَغَوَايَةً فَسَدَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَفَسَدَ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَمِنْهُ غَوَى الْفَصِيلُ أَكْثَرَ مِنْ شُرْبِ لَبَنِ أُمِّهِ حَتَّى فَسَدَ جَوْفُهُ وَأَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ، وَقِيلَ أَصْلُهُ الْهَلَاكُ وَمِنْهُ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. «1»

الشَّمَائِلُ جَمْعُ شِمَالٍ وَهُوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ وَجَمْعُهُ فِي الْقِلَّةِ عَلَى أَشْمُلٍ قَالَ الشَّاعِرُ:

يَأْتِي لَهَا مِنْ أَيْمُنٍ وَأَشْمُلِ وَشِمَالٌ يُطْلَقُ عَلَى الْيَدِ الْيُسْرَى وَعَلَى نَاحِيَتِهَا، وَالشَّمَائِلُ أَيْضًا جَمْعُ شَمَالٍ وَهِيَ الرِّيحُ وَالشَّمَائِلُ أَيْضًا الْأَخْلَاقُ يُقَالُ هُوَ حَسَنُ الشَّمَائِلِ. ذَأَمَهُ عَابَهُ يَذْأَمُهُ ذَأْمًا بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهَا أَلِفًا قَالَ الشَّاعِرُ:

صَحِبْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ

فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَعْتُ نَفْسِي أَذِيمُهَا

وَفِي المثل لن يعدم الْحَسْنَاءُ ذَأْمًا. وَقِيلَ: أَرَدْتَ أن تديمه فَمَدَحْتَهُ، وَقَالَ اللَّيْثُ ذَأَمْتَهُ حَقَّرْتَهُ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: ذَأَمَهُ وَذَمَّهُ، دَحَرَهُ أَبْعَدَهُ وَأَقْصَاهُ دُحُورًا قَالَ الشَّاعِرُ:

دَحَرْتُ بَنِي الْحَصِيبِ إِلَى قُدَيْدٍ

وَقَدْ كَانُوا ذَوِي أَشَرٍ وَفَخْرِ

وَسْوَسَ تَكَلَّمَ كَلَامًا خَفِيًّا يُكَرِّرِهُ وَالْوَسْوَاسُ صَوْتُ الْحُلِيِّ شُبِّهَ الْهَمْسُ بِهِ وَهُوَ فِعْلٌ لَا يَتَعَدَّى إِلَى مَنْصُوبٍ نَحْوُ وَلْوَلَتْ وَوَعْوَعَ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: رَجُلٌ مُوَسْوِسٌ، بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَلَا يُقَالُ: مُوَسْوَسٌ بِفَتْحِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقَالُ مُوَسْوَسٌ لَهُ وَمُوَسْوَسٌ إِلَيْهِ. وَقَالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ صَيَّادًا:

وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الْفَلَقْ

لَمَّا دَنَا الصَّيْدُ دَنَا مِنَ الْوَهَقْ

يَقُولُ لَمَّا أَحَسَّ بِالصَّيْدِ وَأَرَادَ رَمْيَهُ وَسَوَسَ في نفسه أيخطىء أَمْ يُصِيبُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَسْوَسَ وَوَرْوَرَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، نَصَحَ بَذَلَ الْمَجْهُودَ فِي تَبْيِينِ الْخَيْرِ وَهُوَ ضِدُّ غَشَّ وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِاللَّامِ نَصَحْتُ زَيْدًا وَنَصَحْتُ لِزَيْدٍ وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ يَتَعَدَّى لِوَاحِدٍ بِنَفْسِهِ وَلِآخَرَ بِحَرْفِ الْجَرِّ وَأَصْلُهُ نَصَحْتُ لِزَيْدٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ نَصَحْتُ لِزَيْدٍ الثَّوْبَ بِمَعْنَى خِطْتُهُ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ. ذَاقَ الشَّيْءَ يَذُوقُهُ ذَوْقًا مَسَّهُ بِلِسَانِهِ أَوْ بِفَمِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَكْلِ. طَفِقَ، بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا، وَيُقَالُ: طَبَّقَ بِالْبَاءِ وَهِيَ بِمَعْنَى أَخَذَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ. خصف العل وَضَعَ جِلْدًا عَلَى جِلْدٍ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِسَيْرٍ وَالْخَصْفُ الْخَرْزُ. الرِّيشُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ لِلطَّائِرِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي مَعَانٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي تَفْسِيرِ الْمُرَكَّبَاتِ وَاشْتَقُّوا مِنْهُ قَالُوا راشه يريشه، وقيل

(1) سورة مريم: 19/ 59.

ص: 7

الرَّيْشُ مَصْدَرُ رَاشَ. النَّزْعُ الْإِزَالَةُ وَالْجَذْبُ بِقُوَّةٍ.

المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ إِلَّا قَوْلُهُ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ إِلَى قَوْلِهِ: مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مَدَنِيٌّ وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ إِلَى قَوْلِهِ: وَإِذْ نَتَقْنَا وَاعْتِلَاقُ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَا قَبْلَهَا هُوَ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى قَوْلَهُ وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ «1» وَاسْتَطْرَدَ مِنْهُ لِمَا بَعْدَهُ وَإِلَى قَوْلِهِ آخِرَ السُّورَةِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ

«2» وَذَكَرَ ابْتِلَاءَهُمْ فِيمَا آتَاهُمْ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ ذَكَرَ مَا يَكُونُ بِهِ التَّكَالِيفُ وَهُوَ الْكِتَابُ الْإِلَهِيُّ وَذِكْرُ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ كَمَا أَمَرَ فِي قَوْلِهِ وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوَائِلَ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ وَذَكَرَ مَا حَدَسَهُ النَّاسُ فِيهَا وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى شَيْءٍ مِنَ تَفْسِيرِهِمْ يُعَيِّنُ مَا قَالُوا وَزَادُوا هُنَا لِأَجْلِ الصَّادِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَفْصِلُ رَوَاهُ أَبُو الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوِ الْمُصَوِّرُ قَالَهُ السُّدِّيُّ: أَوِ اللَّهُ الْمَلِكُ النَّصِيرُ قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَوْ أَنَا اللَّهُ الْمَصِيرُ إِلَيَّ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَوِ الْمَصِيرُ كِتَابٌ فَحَذَفَ الْيَاءَ وَالرَّاءَ تَرْخِيمًا وَعَبَّرَ عَنِ المصير بالمص قَالَهُ التِّبْرِيزِيُّ. وَقِيلَ عَنْهُ: أَنَا اللَّهُ الصَّادِقُ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ «3» قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ قَالَ: وَاكْتَفَى بِبَعْضِ الْكَلَامِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ لَوْلَا أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ شَحَنُوا بِهَا كُتُبَهُمْ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ لَضَرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهَا صَفْحًا فَإِنَّ ذِكْرَهَا يَدُلُّ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ مِنْ تَأْوِيلَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ وَأَصْحَابِ الْأَلْغَازِ وَالرُّمُوزِ.

وَنَهْيُهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ فِي صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنْهُ أَيْ مِنْ سَبَبِهِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ وَتَبْلِيغِهَا لِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِكِتَابٍ وَلَا اعْتَقَدَ صِحَّةَ رِسَالَةٍ وَتَكْلِيفَ النَّاسِ أَحْكَامَهَا وَهَذِهِ أُمُورٌ صَعْبَةٌ وَمَعَانِيهَا يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَسْنَدَ النَّهْيَ إِلَى الْحَرَجِ وَمَعْنَاهُ نَهْيُ الْمُخَاطَبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحَرَجِ، وَكَانَ أَبْلَغَ مِنْ نَهْيِ الْمُخَاطَبِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّ الْحَرَجَ لَوْ كَانَ مِمَّا يُنْهَى لَنَهَيْنَاهُ عَنْكَ فَانْتَهِ أَنْتَ عَنْهُ بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ وَلِأَنَّ فِيهِ تَنْزِيهَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَنْهَاهُ فيأتي التركيب فلا تخرج مِنْهُ لِأَنَّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ يُنَاسِبُ أَنْ يُسَرَّ بِهِ وَيَنْشَرِحَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ وَتَشْرِيفِهِ حَيْثُ أَهَّلَهُ لِإِنْزَالِ كِتَابِهِ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ سَفِيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فَلِهَذِهِ الْفَوَائِدِ عَدَلَ عَنْ أَنْ يَنْهَاهُ وَنَهَى الْحَرَجَ وَفُسِّرَ الْحَرَجُ هُنَا بِالشَّكِّ وَهُوَ تَفْسِيرٌ قَلِقٌ وَسُمِّيَ الشَّكُّ حَرَجًا لِأَنَّ الشَّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ كَمَا أَنَّ الْمُتَيَقِّنَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ وَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ

(1) سورة الأنعام: 6/ 155.

(2)

سورة الأنعام: 6/ 165.

(3)

سورة الشرح: 94/ 1.

ص: 8

ابْنِ عَبَّاسٍ فَيَكُونُ مِمَّا تَوَجَّهَ فِيهِ الْخِطَابُ إِلَيْهِ لَفْظًا وَهُوَ لِأُمَّتِهِ مَعْنًى أَيْ فَلَا يَشُكُّوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: الْحَرَجُ هُنَا الضِّيقُ أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ مِنْ تَبْلِيغِ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا تَقُومَ بِحَقِّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِأَنْ يُكَذِّبُوكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً «1» وَقِيلَ: الْحَرَجُ هُنَا الْخَوْفُ أَيْ لَا تَخَفْ منهم وإن كذبوك وتمالؤوا عَلَيْكَ قَالُوا: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَقِيلَ عَلَى التَّبْلِيغِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْمَعْنَى. وَقِيلَ عَلَى التَّكْذِيبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، وَقِيلَ عَلَى الْإِنْزَالِ، وَقِيلَ عَلَى الْإِنْذَارِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا التَّخْصِيصُ كُلُّهُ لَا وَجْهَ لَهُ إِذِ اللَّفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْجِهَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ سَبَبِ الْكِتَابِ وَلِأَجْلِهِ وَذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَّبْلِيغَ وَالْإِنْذَارَ وَتَعَرُّضَ الْمُشْرِكِينَ وَتَكْذِيبَ الْمُكَذِّبِينَ وَغَيْرَ ذلك وفَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ اعْتِرَاضٌ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَلِتُنْذِرَ مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ الْحَوْفِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ إِنَّ اللَّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ أُنْزِلَ وَقَالَهُ قَبْلَهُمُ الْفَرَّاءُ وَلَزِمَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ اعْتِرَاضًا بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: التَّقْدِيرُ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ كَيْ تُنْذِرَ بِهِ فَجَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ فِي صَدْرِكَ وَكَذَا عَلَّقَهُ بِهِ صَاحِبُ النَّظْمِ فَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَبُو الْبَقَاءِ الْوَجْهَيْنِ إِلَّا أَنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ قَالَ: (فَإِنْ قُلْتَ) : بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: لِتُنْذِرَ (قُلْتُ) : بِأُنْزِلَ أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ لِإِنْذَارِكَ بِهِ أَوْ بِالنَّهْيِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُخِفْهُمْ أَنْذَرَهُمْ وَلِذَلِكَ إِذَا أَيْقَنَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ شَجَّعَهُ الْيَقِينُ عَلَى الْإِنْذَارِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْيَقِينِ جَسُورٌ مُتَوَكِّلٌ عَلَى عِصْمَتِهِ انْتَهَى. فَقَوْلُهُ أَوْ بِالنَّهْيِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّهْيِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ فَلَا يكن وكان عِنْدَهُمْ فِي تَعْلِيقِ الْمَجْرُورِ وَالْعَمَلِ فِي الظَّرْفِ فِيهِ خِلَافٌ وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ تَدُلُّ كَانَ النَّاقِصَةُ عَلَى الْحَدَثِ أَمْ لَا فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْحَدَثِ جَوَّزَ فِيهَا ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ، وَأَعْرَبَ الْفَرَّاءُ وغيره المص مبتدأ وكِتابٌ خَبَرَهُ وَأَعْرَبَ أَيْضًا كِتابٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أي هذا كتاب وذِكْرى هُوَ مَصْدَرُ ذَكَرَ بِتَخْفِيفِ الْكَافِ وَجَوَّزُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفٌ عَلَى كِتَابٍ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهُوَ ذِكْرَى، وَالنَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلَى لِتُنْذِرَ أَيْ وَتَذْكُرَ ذِكْرَى أَوْ عَلَى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ نَصْبٌ فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ مَعْطُوفًا عَلَى الْمَعْنَى كَمَا عُطِفَتِ الْحَالُ عَلَى مَوْضِعِ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا وَيَكُونُ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ وَكَمَا تَقُولُ جِئْتُكَ لِلْإِحْسَانِ وَشَوْقًا

(1) سورة الكهف: 18/ 6.

ص: 9

إِلَيْكَ، وَالْجَرُّ عَلَى مَوْضِعِ النَّاصِبَةِ لِتُنْذِرَ الْمُنْسَبِكِ مِنْهَا وَمِنَ الْفِعْلِ مَصْدَرٌ التَّقْدِيرُ لِإِنْذَارِكَ بِهِ وَذِكْرَى.

وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ مِنْ بِهِ وَهُوَ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ وَتَعَاوُرُ النَّصْبِ وَالْجَرِّ هُوَ عَلَى مَعْنًى وَتَذْكِيرٌ مَصْدَرُ ذَكَّرَ الْمُشَدَّدِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: النُّفُوسُ قِسْمَانِ جَاهِلَةٌ غَرِيقَةٌ فِي طَلَبِ اللَّذَّاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَشَرِيفَةٌ مُشْرِقَةٌ بِالْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ، مُسْتَشْعِرَةٌ بِالْحَوَادِثِ الرُّوحَانِيَّةِ فَبُعِثَتِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ فِي حَقِّ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لِلْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ لَمَّا غَرِقُوا فِي بَحْرِ الْغَفْلَةِ وَرَقْدَةِ الْجَاهِلِيَّةِ احْتَاجُوا إِلَى مُوقِظٍ وَمُنَبِّهٍ، وَفِي حَقِّ الْقِسْمِ الثَّانِي لِتَذْكِيرٍ وَتَنْبِيهٍ لِأَنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ بِمُقْتَضَى جَوَاهِرِهَا الْأَصْلِيَّةِ مُسْتَشْعِرَةً بِالِانْجِذَابِ إِلَى عَالَمِ الْقُدْسِ وَالِاتِّصَالِ بِالْحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا غَشِيَهَا مِنْ غَوَاشِي عَالَمِ الْحِسِّ فَيَعْرِضُ نَوْعُ ذُهُولٍ فَإِذَا سَمِعَتْ دَعْوَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَاتَّصَلَ بِهَا أَرْوَاحُ رُسُلِ اللَّهِ تَذَكَّرَتْ مَرْكَزَهَا وَأَبْصَرَتْ مَنْشَأَهَا وَاشْتَاقَتْ إِلَى مَا حَصَلَ هُنَاكَ مِنَ الرُّوحِ وَالرَّاحَةِ وَالرَّيْحَانِ. فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى رَسُولِهِ لِيَكُونَ إِنْذَارًا فِي حَقِّ طَائِفَةٍ، وَذِكْرَى فِي حَقِّ أُخْرَى وَهُوَ كَلَامٌ فَلْسَفِيٌّ خَارِجٌ عَنْ كَلَامِ الْمُتَشَرِّعِينَ وَهَكَذَا كَلَامُ هَذَا الرَّجُلِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ.

اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ أَمَرَ الْأُمَّةَ بِاتِّبَاعِهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يَشْمَلُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ لِقَوْلِهِ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «1» وَنَهَاهُمْ عَنِ ابْتِغَاءِ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَالْأَصْنَامِ وَالرُّهْبَانِ وَالْكُهَّانِ وَالْأَحْبَارِ وَالنَّارِ وَالْكَوَاكِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي مِنْ دُونِهِ عَائِدٌ عَلَى رَبِّكُمْ. وَقِيلَ عَلَى مَا وَقِيلَ عَلَى الْكِتَابِ وَالْمَعْنَى لَا تَعْدِلُوا عَنْهُ إِلَى الْكُتُبِ الْمَنْسُوخَةِ. وَقِيلَ أَرَادَ بِالْأَوْلِيَاءِ الشَّيَاطِينَ شَيَاطِينَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَيُضِلُّونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ. وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ: ابْتَغُوا مِنَ الِابْتِغَاءِ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ. وَلَا تَبْتَغُوا مِنَ الِابْتِغَاءِ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِطَابَ هُوَ لِجَمِيعِ النَّاسِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَحَكَاهُ: التَّقْدِيرُ قُلِ اتَّبِعُوا فَحَذَفَ الْقَوْلَ لِدَلَالَةِ الْإِنْذَارِ الْمُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ وَانْتَصَبَ قَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لمصدر محذوف وما زَائِدَةٌ أَيْ يَتَذَكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا أَيْ حَيْثُ يَتْرُكُونَ دِينَ اللَّهِ وَيَتَّبِعُونَ غَيْرَهُ وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ محذوف

(1) سورة النجم: 53/ 4.

ص: 10

وَالنَّاصِبُ لَهُ وَلَا تَتَّبِعُوا أَيِ اتِّبَاعًا قَلِيلًا. وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الْفَارِسِيِّ: إِنَّ مَا مَوْصُولَةٌ بِالْفِعْلِ وَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ انْتَهَى. وَتَمَّمَ غَيْرُهُ هَذَا الْإِعْرَابَ بِأَنْ نَصَبَ قَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ زَمَانًا قَلِيلًا نُذَكِّرُكُمْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَدَّعُونَ الذِّكْرَ إِنَّمَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِي زمان قليل وما يذكرون فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالظَّرْفُ قَبِلَهُ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ وَأَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَا نَافِيَةٌ. وَقَرَأَ حَفْصٌ وَالْأَخْوَانِ تَذَكَّرُونَ بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ يَتَذَكَّرُونَ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِتَاءِ الْخِطَابِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ وَقَرَأَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَةٍ بِتَاءَيْنِ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ بِيَاءٍ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ.

وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ كَمْ هُنَا خَبَرِيَّةٌ التَّقْدِيرُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهَا وَأَعَادَ الضَّمِيرَ فِي أَهْلَكْنَاهَا عَلَى مَعْنَى كَمْ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَأَهْلَكْنَاهَا جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ وَأَجَازُوا أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ أَهْلَكْنَاهَا تَقْدِيرُهُ وَكَمْ مِنْ قرية أهلكنا أَهْلَكْنَاهَا وَلَا بُدَّ فِي الْآيَةِ مِنْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مُضَافٍ لِقَوْلِهِ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ وَكَمْ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ أَهْلَكْنَا أَهْلَهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّرَ عِنْدَ قَوْلِهِ فَجاءَها أَيْ فَجَاءَ أَهْلَهَا لِمَجِيءِ الْحَالِ مِنْ أَهْلِهَا بِدَلِيلِ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إِهْلَاكُ الْقُرَى بِالْخَسْفِ وَالْهَدْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى حَذْفِ الْمُضَافِ قَبْلَ قَوْلِهِ فَجاءَها. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَكَمْ من قرية أهلكناهم فجاءهم فَيُقَدَّرُ الْمُضَافُ وَكَمْ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ صِفَةً لِلْقَرْيَةِ مَحْذُوفَةً أَيْ مِنْ قَرْيَةٍ عَاصِيَةٍ وَيَعْقُبُ مَجِيءَ الْبَأْسِ وُقُوعُ الْإِهْلَاكِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَجَوُّزٍ إِمَّا فِي الْفِعْلِ بِأَنْ يُرَادَ بِهِ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا أَوْ حَكَمْنَا بِإِهْلَاكِهَا فَجاءَها بَأْسُنا وَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْمَدْلُولَانِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَهْلَكْنَاهَا بِالْخِذْلَانِ وَقِلَّةِ التَّوْفِيقِ فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ فِي الْفَاءِ بِأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ تَكُونُ لِتَرْتِيبِ الْقَوْلِ فَقَطْ فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ قُرًى كَثِيرَةٍ أَنَّهُ أَهْلَكَهَا ثُمَّ قَالَ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهَا مَجِيءُ الْبَأْسِ.

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّ الْإِهْلَاكَ هُوَ مَجِيءُ الْبَأْسِ وَمَجِيءُ الْبَأْسِ هُوَ الْإِهْلَاكُ فَلَمَّا تَلَازَمَا لَمْ يُبَالِ أَيَّهُمَا قَدَّمَ فِي الرُّتْبَةِ، كَمَا تَقُولُ شَتَمَنِي فَأَسَاءَ وَأَسَاءَ فَشَتَمَنِي لِأَنَّ الْإِسَاءَةَ وَالشَّتْمَ شَيْءٌ وَاحِدٌ.

وَقِيلَ: الْفَاءُ لَيْسَتْ لِلتَّعْقِيبِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ: تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَذَا ثُمَّ كَذَا وَانْتَصَبَ بَيَاتًا عَلَى الْحَالِ وَهُوَ مَصْدَرٌ أَيْ فَجاءَها بَأْسُنا بَائِتِينَ أَوْ قَائِلِينَ وَأَوْ هُنَا لِلتَّنْوِيعِ أَيْ جَاءَ مَرَّةً لَيْلًا كَقَوْمِ لُوطٍ وَمَرَّةً وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ كَقَوْمِ شُعَيْبٍ وَهَذَا فِيهِ نَشْرٌ لِمَا لَفَّ فِي قَوْلِهِ فَجاءَها وَخَصَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ بِهَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِأَنَّهُمَا وَقْتَانِ لِلسُّكُونِ وَالدَّعَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ فَمَجِيءُ الْعَذَابِ فِيهِمَا أَقْطَعُ

ص: 11

وَأَشَقُّ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ الْمَجِيءُ فِيهِ عَلَى غَفْلَةٍ مِنَ الْمُهْلَكِينَ، فَهُوَ كَالْمَجِيءِ بَغْتَةً وَقَوْلُهُ أَوْ هُمْ قائِلُونَ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَنَصَّ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ إِذْ دَخَلَ عَلَى جُمْلَةِ الْحَالِ وَاوُ الْعَطْفِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ وَاوِ الْحَالِ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ جَاءَ زيد ماشيا أو وَهُوَ رَاكِبٌ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : لَا يُقَالُ جَاءَ زَيْدٌ هُوَ فَارِسٌ بِغَيْرِ وَاوٍ فَمَا بَالُ قَوْلِهِ تَعَالَى:

أَوْ هُمْ قائِلُونَ (قُلْتُ) : قَدَّرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ الْوَاوَ مَحْذُوفَةً وَرَدَّهُ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ: لَوْ قُلْتَ جَاءَنِي زَيْدٌ رَاجِلًا أَوْ هُوَ فَارِسٌ أَوْ جَاءَنِي زَيْدٌ هُوَ فَارِسٌ لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إِلَى وَاوٍ لِأَنَّ الذِّكْرَ قَدْ عَادَ إِلَى الْأَوَّلِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إِذَا عُطِفَتْ عَلَى حَالٍ قَبْلَهَا حُذِفَتِ الْوَاوُ اسْتِثْقَالًا لِاجْتِمَاعِ حَرْفَيْ عَطْفٍ لِأَنَّ وَاوَ الْحَالِ هِيَ وَاوُ الْعَطْفِ اسْتُعِيرَتْ لِلْوَصْلِ فَقَوْلُكَ جَاءَ زَيْدٌ رَاجِلًا أَوْ هُوَ فَارِسٌ كَلَامٌ فَصِيحٌ وَارِدٌ عَلَى حَدِّهِ وَأَمَّا جَاءَنِي زَيْدٌ هُوَ فَارِسٌ فَخَبِيثٌ انْتَهَى.

فَأَمَّا بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ الَّذِي اتَّهَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَهُوَ الْفَرَّاءُ، وَأَمَّا قَوْلُ الزَّجَّاجِ فِي التَّمْثِيلَيْنِ لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إِلَى الْوَاوِ لِأَنَّ الذِّكْرَ قَدْ عَادَ إِلَى الْأَوَّلِ فَفِيهِ إِبْهَامٌ وَتَعْيِينُهُ لَمْ يَجُزْ دُخُولُهَا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي فَانْتِفَاءُ الِاحْتِيَاجِ لَيْسَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لِامْتِنَاعِ الدُّخُولِ وَفِي الثَّانِي لِكَثْرَةِ الدُّخُولِ لَا لِامْتِنَاعِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ وَالصَّحِيحُ إِلَى آخِرِهَا فَتَعْلِيلُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ وَاوَ الْحَالِ لَيْسَتْ حَرْفَ عَطْفٍ فَيَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِهَا اجْتِمَاعُ حَرْفَيْ عَطْفٍ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْعَطْفِ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ حَالًا حَتَّى يَعْطِفَ حَالًا عَلَى حَالٍ فَمَجِيئُهَا فِي مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَالًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ وَاوَ عَطْفٍ وَلَا لُحِظَ فِيهَا مَعْنَى وَاوِ عَطْفٍ تَقُولُ جَاءَ زَيْدٌ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فَجَاءَ زَيْدٌ لَيْسَ بِحَالٍ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَإِنَّمَا هَذِهِ الْوَاوُ مُغَايِرَةٌ لِوَاوِ الْعَطْفِ بِكُلِّ حَالٍ وَهِيَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْوَاوِ كَمَا تَأْتِي لِلْقَسَمِ وَلَيْسَتْ فِيهِ لِلْعَطْفِ إِذَا قَلْتَ وَاللَّهِ لَيَخْرُجَنَّ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَخَبِيثٌ فَلَيْسَ بِخَبِيثٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ إِذَا كَانَ فِيهَا ضَمِيرُ ذِي الْحَالِ فَإِنَّ حَذْفَ الْوَاوِ مِنْهَا شَاذٌّ وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ الْفَرَّاءَ وَلَيْسَ بِشَاذٍّ بَلْ هُوَ كَثِيرٌ وُقُوعُهُ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ نَثْرِهَا وَنَظْمِهَا وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ رَمْلِ بِيرِينَ وَمَهَا فِلَسْطِينَ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثْرَةَ مَجِيءِ ذَلِكَ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ وَقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ الزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ.

فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:

دَعْوَاهُمْ تَضَرُّعُهُمْ إِلَّا إِقْرَارَهُمْ بِالشِّرْكِ. وَقِيلَ دَعْوَاهُمْ دُعَاؤُهُمْ. قَالَ الْخَلِيلُ: يَقُولُ اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوَى الْمُسْلِمِينَ وَمِنْهُ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ. وَقِيلَ: ادِّعَاؤُهُمْ أَيِ ادَّعُوا مَعَاذِيرَ تُحَسِّنُ حَالَهُمْ وَتُقِيمُ حُجَّتَهُمْ فِي زَعْمِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَتَحْتَمِلُ الْآيَةُ أَنْ يَكُونَ

ص: 12

الْمَعْنَى فَمَا آلَتْ دَعَاوِيهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِي حَالِ كُفْرِهِمْ إِلَى اعْتِرَافٍ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَمَا كَانَ نَصْرُهَا

قُتَيْبَةَ إِلَّا عَضَّهَا بِالْأَبَاهِمِ

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ فَمَا كَانَ اسْتِغَاثَتَهُمْ إِلَّا قَوْلُهُمْ هَذَا لِأَنَّهُ لَا مُسْتَغَاثَ مِنَ اللَّهِ بِغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ دَعْواهُمْ بِالْكَعْبِ قَالُوا ودعواهم اسْمُ كَانَ وَإِلَّا أَنْ قَالُوا الْخَبَرُ وَأَجَازُوا الْعَكْسَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِي نُصُوصَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ لَا يَجُوزَ إِلَّا هُوَ فَيَكُونُ دَعْواهُمْ الاسم وإِلَّا أَنْ قالُوا الْخَبَرُ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ وَلَا مَعْنَوِيَّةٌ تُبَيِّنُ الْفَاعِلَ مِنَ الْمَفْعُولِ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ وَتَأْخِيرُ الْمَفْعُولِ نَحْوُ: ضَرَبَ مُوسَى عِيسَى وَكَانَ وَأَخَوَاتُهَا مُشَبَّهَةٌ فِي عَمَلِهَا بِالْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ، فَكَمَا وَجَبَ ذَلِكَ فِيهِ وَجَبَ ذَلِكَ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ كَانَ وَدَعْوَاهُمْ وَإِلَّا أَنْ قَالُوا لَا يَظْهَرُ فِيهِمَا لَفْظٌ يُبَيِّنُ الِاسْمَ مِنَ الْخَبَرِ وَلَا مَعْنَى فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ السَّابِقُ هُوَ الِاسْمَ وَاللَّاحِقُ الْخَبَرَ.

فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ أَيْ نَسْأَلُ الْأُمَمَ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ وَعَنْ مَا بَلَّغَهُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ لِقَوْلِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ «1» ، وَيُسْأَلُ الرُّسُلُ عَمَّا أَجَابَ به من أرسلوا إليه كَقَوْلِهِ، يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ «2» وَسُؤَالُ الْأُمَمِ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ يُعْقِبُ الْكُفَّارَ وَالْعُصَاةَ عَذَابًا وَسُؤَالُ الرُّسُلِ تَأْنِيسٌ يُعْقِبُ الْأَنْبِيَاءَ ثَوَابًا وَكَرَامَةً. وَقَدْ جَاءَ السُّؤَالُ مَنْفِيًّا وَمُثْبَتًا بِحَسَبِ الْمَوَاطِنِ أَوْ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّاتِ كَسُؤَالِ التَّوْبِيخِ وَالتَّأْنِيسِ وسؤال الاستعلام البحث مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى إِذْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

وَقِيلَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ الْمَلَائِكَةُ وَهَذَا بَعِيدٌ.

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ أَيْ نَسْرُدُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ قِصَّةً قِصَّةً بِعِلْمٍ مِنَّا لِذَلِكَ وَاطِّلَاعٍ عَلَيْهِ وَما كُنَّا غائِبِينَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بَلْ عِلْمُنَا مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ حَيْثُ يُقِرُّونَ بِالظُّلْمِ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ وَيَقُصُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ. قَالَ وَهْبٌ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ أَتَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ كَذَا أَتَذْكُرُ حِينَ قُلْتَ كَذَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِ مَا فَعَلَهُ وَقَالَهُ فِي دُنْيَاهُ وَفِي قَوْلِهِ بِعِلْمٍ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِبْطَالٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ لَا عَلِمَ لِلَّهِ.

وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ اخْتَلَفُوا هَلْ ثَمَّ وزن وميزان حقيقة

(1) سورة القصص: 28/ 65.

(2)

سورة المائدة: 5/ 109.

ص: 13

أَمْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ إِظْهَارِ الْعَدْلِ التَّامِّ وَالْقَضَاءِ السَّوِيِّ وَالْحِسَابِ الْمُحَرِّرِ فَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى إِنْكَارِ الْمِيزَانِ وَتَقَدَّمَهُمْ إِلَى هَذَا مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُمْ، وَعَبَّرَ بِالثِّقَلِ عَنْ كَثْرَةِ الْحَسَنَاتِ وَبِالْخِفَّةِ عَنْ قِلَّتِهَا، وَقَالَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ بِالْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ عَمُودٌ وَكِفَّتَانِ وَلِسَانٌ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ الْخَلَائِقُ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ وَإِظْهَارًا لِلنَّصَفَةِ وَقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ كَمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ فَيَعْتَرِفُونَ بِهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِهَا أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْأَشْهَادُ، وَأَمَّا الثِّقَلُ وَالْخِفَّةُ فَمِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَوْزُونَ هِيَ الصَّحَائِفُ الَّتِي أُثْبِتَتْ فِيهَا الْأَعْمَالُ، فَيُحْدِثُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا ثِقَلًا وَخِفَّةً وَمَا وَرَدَ فِي هَيْئَتِهِ وَطُولِهِ وَأَحْوَالِهِ لَمْ يَصِحَّ إِسْنَادُهُ وَجُمِعَتِ الْمَوَازِينُ بِاعْتِبَارِ الْمَوْزُونَاتِ وَالْمِيزَانُ وَاحِدٌ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لِكُلِّ أَحَدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِيزَانٌ عَلَى حِدَةٍ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الْحَسَنَاتِ بِالْمَوَازِينِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مَنْ ثَقُلَتْ كِفَّةُ مَوَازِينِهِ أَيْ مَوْزُونَاتِهِ فيكون موازين جميع مَوْزُونٍ لَا جَمْعَ مِيزَانٍ، وَكَذَلِكَ وَمَنْ خَفَّتْ كِفَّةُ حَسَنَاتِهِ والْوَزْنُ.

مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ ظَرْفُ الزَّمَانِ وَالتَّقْدِيرُ وَالْوَزْنُ كَائِنٌ يَوْمَ أَنْ نَسْأَلَهُمْ وَنَقُصَّ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَوْمُ القيامة والْحَقُّ صفة للوزن وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ ظَرْفًا لِلْوَزْنِ مَعْمُولًا لَهُ والْحَقُّ خَبَرٌ وَيَتَعَلَّقُ بِآياتِنا بِقَوْلِهِ يَظْلِمُونَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى يُكَذِّبُونَ أَوْ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى يَجْحَدُونَ وَجَحَدَ تَعَدَّى بِالْبَاءِ قَالَ: وَجَحَدُوا بِها «1» وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ أَطَاعَ وَمَنْ عَصَى وَلِلْكُفَّارِ فَتُوزَنُ أَعْمَالُ الْكُفَّارِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ وَلَا يُحَاسَبُونَ لِقَوْلِهِ وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً «2» وَإِنَّمَا تُوزَنُ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ طَائِعِهِمْ وَعَاصِيهِمْ.

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ تَقَدَّمَ مَعْنَى مَكَّنَّاكُمْ فِي قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْأَنْعَامِ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ «3» وَالْخِطَابُ رَاجِعٌ لِلَّذِينِ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ «4» وَمَا بَيْنَهُمَا أُورِدَ مَوْرِدَ الِاعْتِبَارِ وَالْإِيقَاظِ بِذِكْرِ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ فِي الدُّنْيَا وما يؤول إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ وَالْمَعَائِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهَا مَفْعِلَةً وَمَفْعُلَةً بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا قَالَهُمَا سِيبَوَيْهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعِيشَةٌ بِفَتْحِ عَيْنِ الْكَلِمَةِ وَالْمَعِيشَةُ مَا يُعَاشُ بِهِ مِنَ المطاعم والمشارب وغير هما مِمَّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى ذَلِكَ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ تَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الْآلَاتِ. وَقِيلَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ التَّقْدِيرُ أسباب معايش

(1) سورة النمل: 27/ 14. [.....]

(2)

سورة الفرقان: 25/ 23.

(3)

سورة الأنعام: 6/ 6.

(4)

سورة الأعراف: 7/ 3.

ص: 14

كَالزَّرْعِ وَالْحَصْدِ وَالتِّجَارَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ وَسَمَّاهَا مَعَايِشَ لِأَنَّهَا وَصْلَةٌ إِلَى مَا يُعَاشُ بِهِ، وَقِيلَ الْمَعَائِشُ وُجُوهُ الْمَنَافِعِ وَهِيَ إِمَّا يُحْدِثُهُ اللَّهُ ابْتِدَاءً كَالثِّمَارِ أَوْ مَا يُحْدِثُهُ بِطَرِيقِ اكْتِسَابٍ مِنَ الْعَدُوِّ وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ الشُّكْرَ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مَعايِشَ بِالْيَاءِ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْيَاءَ فِي الْمُفْرَدِ هِيَ أَصْلٌ لَا زَائِدَةٌ فَتُهْمَزُ وَإِنَّمَا تُهْمَزُ الزَّائِدَةُ نَحْوُ: صَحَائِفُ فِي صَحِيفَةٍ، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْأَعْمَشُ وَخَارِجَةُ عَنْ نَافِعٍ وَابْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَةٍ: مَعَائِشَ بِالْهَمْزَةِ وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ لَكِنَّهُمْ رَوَوْهُ وَهُمْ ثِقَاتٌ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وَشَذَّ هَذَا الْهَمْزُ، كَمَا شذ في منائر جَمْعِ مَنَارَةٍ وَأَصْلُهَا مَنْوَرَةٌ وَفِي مَصَائِبَ جَمْعِ مُصِيبَةٍ وَأَصْلُهَا مُصْوِبَةٌ وَكَانَ الْقِيَاسُ مَنَاوِرَ وَمَصَاوِبَ. وَقَدْ قَالُوا مَصَاوِبَ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا قَالُوا فِي جَمْعِ مَقَامَةٍ مَقَاوِمَ وَمَعُونَةٍ مَعَاوِنَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: جَمِيعُ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ تَزْعُمُ أَنَّ هَمْزَهَا خَطَأٌ وَلَا أَعْلَمُ لَهَا وَجْهًا إِلَّا التَّشْبِيهَ بِصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ وَلَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ الْمَازِنِيُّ: أَصْلُ أَخْذِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَنْ نَافِعٍ وَلَمْ يَكُنْ يَدْرِي مَا الْعَرَبِيَّةُ وَكَلَامُ العرب التصحيح فِي نَحْوِ هَذَا انْتَهَى. وَلَسْنَا مُتَعَبِّدِينَ بِأَقْوَالِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: رُبَّمَا هَمَزَتِ الْعَرَبُ هَذَا وَشَبَهَهُ يتوهّمون أنها فعلية فَيُشَبِّهُونَ مُفْعِلَةً بِفَعِيلَةٍ انْتَهَى. فَهَذَا نَقْلٌ مِنَ الْفَرَّاءِ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ رُبَّمَا يَهْمِزُونَ هَذَا وَشَبَهَهُ وَجَاءَ به نقل الْقِرَاءَةِ الثِّقَاتُ ابْنُ عَامِرٍ وَهُوَ عَرَبِيٌّ صُرَاحٌ وَقَدْ أَخَذَ الْقُرْآنَ عَنْ عُثْمَانَ قَبْلَ ظُهُورِ اللَّحْنِ وَالْأَعْرَجُ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ قُرَّاءِ التَّابِعِينَ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالْعِلْمِ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَلَّ أَنْ يُدَانِيَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، وَالْأَعْمَشُ وَهُوَ مِنَ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَالْحِفْظِ وَالثِّقَةِ بِمَكَانٍ، وَنَافِعٌ وَهُوَ قَدْ قَرَأَ عَلَى سَبْعِينَ مِنَ التَّابِعِينَ وَهُمْ مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالضَّبْطِ وَالثِّقَةِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، فَوَجَبَ قَبُولُ مَا نَقَلُوهُ إِلَيْنَا وَلَا مُبَالَاةَ بِمُخَالَفَةِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَأَمَّا قَوْلُ المازني أصل أخذ هذه الْقِرَاءَةِ عَنْ نَافِعٍ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهَا نُقِلَتْ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ وَعَنِ الْأَعْرَجِ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْأَعْمَشُ وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ نَافِعًا لَمْ يَكُنْ يَدْرِي مَا الْعَرَبِيَّةُ فَشَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا الْعَرَبِيَّةُ وَهِيَ هَذِهِ الصِّنَاعَةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى التَّكَلُّمِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ فَهُوَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِذْ هُوَ فَصِيحٌ مُتَكَلِّمٌ بِالْعَرَبِيَّةِ نَاقِلٌ لِلْقِرَاءَةِ عَنِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ وَكَثِيرٌ من هولاء النُّحَاةِ يُسِيئُونَ الظَّنَّ بِالْقُرَّاءِ ولا يجوز لهم وَإِعْرَابُ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ كَإِعْرَابِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ.

وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ لَمَّا تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْسِيمِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى طَائِعٍ وَعَاصٍ فَالطَّائِعُ مُمْتَثِلٌ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مُجْتَنِبٌ مَا نَهَى عَنْهُ وَالْعَاصِي بِضِدِّهِ أَخَذَ يُنَبِّهُ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ كَانَ فِي الْبَدْءِ الْأَوَّلِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لِلْمَلَائِكَةِ بالسجدة فَامْتَثَلَ مَنِ امْتَثَلَ وَامْتَنَعَ مَنِ امْتَنَعَ، وَأَنَّهُ أَمَرَ تَعَالَى آدَمَ وَنَهَى فَحَكَى عَنْهُ مَا

ص: 15

يَأْتِي خَبَرُهُ فَنَبَّهَ أَوَّلًا عَلَى مَوْضِعِ الِاعْتِبَارِ وَإِبْرَازِ الشَّيْءِ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ إِلَى الْوُجُودِ وَالتَّصْوِيرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْغَرِيبَةِ الشَّكْلِ الْمُتَمَكِّنَةِ مِنْ بَدَائِعِ الصَّانِعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ لجميع بني آدم ويكون عَلَى قَوْلِهِ ثُمَّ قُلْنَا إما أَنْ تَكُونَ فِيهِ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَمْ تُرَتِّبْ وَيَكُونُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ أَوْ تَكُونُ ثُمَّ فِي ثُمَّ قُلْنا لِلتَّرْتِيبِ في الأخبار لا في الزَّمَانِ وَهَذَا أَسْهَلُ مَحْمَلٍ فِي الْآيَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ فِي الزَّمَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِ، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ آدَمُ وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ بَنُوهُ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْخِطَابُ فِي الْجُمْلَتَيْنِ لِآدَمَ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُخَاطِبُ الْعَظِيمَ الْوَاحِدَ بِخِطَابِ الْجَمْعِ، وَقِيلَ الْخِطَابُ فِي الْأُولَى لِآدَمَ وَفِي الثَّانِيَةِ لِذُرِّيَّتِهِ فَتَحْصُلُ الْمُهْلَةُ بَيْنَهُمَا وثُمَّ الثَّالِثَةُ لِتَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ، وَرَوَى هَذَا الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: خَلَقْنَاكُمْ لِآدَمَ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ لِبَنِيهِ يَعْنِي فِي صُلْبِهِ عِنْدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ ثُمَّ قُلْنَا فَيَكُونُ التَّرْتِيبُ وَاقِعًا عَلَى بَابِهِ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ لِبَنِي آدَمَ، فَقِيلَ: الْخِطَابُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنِ اخْتَلَفَ مَحَلُّ الْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ فَرَوَى الْحَارِثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَلَقْنَاكُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي الْأَرْحَامِ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْهُ خَلَقْنَاكُمْ فِي أَصْلَابِ الرَّجُلِ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ، وَقَالَهُ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالْأَعْمَشُ، وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ خَلَقْنَاكُمْ نُطَفًا فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَتَرَائِبِ النِّسَاءِ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النُّطَفِ فِي الْأَرْحَامِ، وَقَالَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ حَاكِيًا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ خَلَقْنَاكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ وَصَوَّرْنَاكُمْ فِيهَا بَعْدَ الْخَلْقِ شَقَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ قُلْنا للترتيب في الإخبار، وَقِيلَ الْخِطَابُ لِبَنِي آدَمَ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ التَّقْدِيرُ وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَرْوَاحَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَا أَجْسَامَكُمْ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْمُعْتَمَدِ وَيَكُونُ ثُمَّ فِي ثُمَّ قُلْنا لِتَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَبَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَا أَبَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا فَثُمَّ عَلَى هَذَا لِلتَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ وَالْمُهْلَةِ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهَا، وَقِيلَ هُوَ مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ يُخَاطِبُ الْعَيْنَ وَيُرَادُ بِهِ الْغَيْرُ فَيَكُونُ الْخِطَابُ لِبَنِي آدَمَ وَالْمُرَادُ آدَمُ كَقَوْلِهِ وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ «1» فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ «2» وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً «3» هُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْمُرَادُ أَسْلَافُهُمْ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

إِذَا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا

وَزَادَتْ عَلَى مَا وَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ

فَأَنْتُمْ بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُمْ

عُرُوشَ الَّذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ

(1) سورة البقرة: 2/ 49.

(2)

سورة البقرة: 2/ 55.

(3)

سورة البقرة: 2/ 72.

ص: 16

وَهَذِهِ الْوَقْعَةُ كَانَتْ لِآبَائِهِمْ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ «1» فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَقَوْلُهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ جُمْلَةٌ لَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى مَا أَخْرَجَهُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ نَفْيِ سُجُودِ إِبْلِيسَ كَقَوْلِهِ أَبى وَاسْتَكْبَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا إِبْلِيسَ فِي الْبَقَرَةِ.

قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ الظَّاهِرُ أَنَّ لَا زَائِدَةٌ تُفِيدُ التَّوْكِيدَ وَالتَّحْقِيقَ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَيْ لِأَنْ يَعْلَمَ وَكَأَنَّهُ قِيلَ لِيَتَحَقَّقَ عِلْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تُحَقِّقَ السُّجُودَ وَتَلْزَمَهُ نَفْسُكَ إِذْ أَمَرْتُكَ وَيَدُلُّ عَلَى زِيَادَتِهَا قَوْلِهِ تَعَالَى مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ وَسُقُوطُهَا فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى زِيَادَتِهَا فِي أَلَّا تَسْجُدَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَبَّخَهُ وَقَرَّعَهُ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ وَإِنْ كَانَ تَعَالَى عَالِمًا بِمَا مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّوْبِيخِ كَمَا قُلْنَا وَأَنْشَدُوا عَلَى زِيَادَةِ لَا قَوْلَ الشَّاعِرِ:

أَفَعَنْكَ لَا بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ

غَابٌ يُقَسِّمُهُ ضِرَامٌ مُثْقَبُ

وَقَوْلُ الْآخَرِ:

أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلَ وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ

نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الْجُودَ قائله

وَأَقُولُ لَا حُجَّةَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَكُونَ فِيهِ لَا زَائِدَةً لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً وَحُذِفَ الْمَعْطُوفُ وَالتَّقْدِيرُ أَفَعَنْكَ لَا عَنْ غَيْرِكَ وَأَمَّا الْبَيْتُ الثَّانِي فَقَالَ الزَّجَّاجُ لَا مَفْعُولَةٌ وَالْبُخْلُ بَدَلٌ مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ العلاء: الرِّوَايَةُ فِيهِ لَا الْبُخْلِ بِخَفْضِ اللَّامِ جَعَلَهَا مُضَافَةً إِلَى الْبُخْلِ لِأَنَّ لَا قَدْ يُنْطَقُ بِهَا وَلَا تَكُونُ لِلْبُخْلِ انْتَهَى. وَقَدْ خَرَّجْتُهُ أَنَا تَخْرِيجًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَنْتَصِبَ الْبُخْلُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنْ أجله ولا مَفْعُولَةٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا فِي أَنْ لَا تَسْجُدَ لَيْسَتْ زَائِدَةً وَاخْتَلَفُوا، فَقِيلَ يُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ يَصِحُّ مَعَهُ الْمَعْنَى وَهُوَ مَا مَنَعَكَ فَأَحْوَجَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ، وَقِيلَ يَحْمِلُ قَوْلُهُ مَا مَنَعَكَ مَعْنًى يَصِحُّ مَعَهُ النَّفْيُ، فَقِيلَ مَعْنَى مَا مَنَعَكَ مَنْ أَمَرَكَ وَمَنْ قَالَ لَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ.

قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ مُطَابِقٍ لِلسُّؤَالِ لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ إِذْ مَعْنَاهُ مَنَعَنِي فَضْلِي عَلَيْهِ لِشَرَفِ عُنْصُرِي عَلَى عُنْصُرِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي عِنْدَهُ أَنَّ النَّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ وإذا كان كذلك فالناشىء مِنَ الْأَفْضَلِ لَا يَسْجُدُ للمفضول، قالو: وَذَلِكَ أَنَّ النَّارَ جِسْمٌ مُشْرِقٌ عُلْوِيٌّ لَطِيفٌ خَفِيفٌ حَارٌّ يَابِسٌ مُجَاوِرٌ لِجَوَاهِرِ السّموات

(1) سورة البقرة: 2/ 34.

ص: 17

مُلَاصِقٌ لَهَا، وَالطِّينُ مُظْلِمٌ كَثِيفٌ ثَقِيلٌ بَارِدٌ يَابِسٌ بعيد عن مجاورة السموات، وَالنَّارُ قَوِيَّةُ التَّأْثِيرِ وَالْفِعْلِ وَالطِّينُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْقَبُولُ وَالِانْفِعَالُ، وَالْفِعْلُ أَشْرَفُ مِنَ الِانْفِعَالِ وَالنَّارُ مُنَاسِبَةٌ لِلْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ وَهِيَ مَادَّةُ الْحَيَاةِ وَالطِّينُ بِبَرْدِهِ وَيُبْسِهِ مُنَاسِبٌ لِلْمَوْتِ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْمَخْلُوقُ مِنَ الْأَفْضَلِ أَفْضَلُ فَلَا يُؤْمَرُ الْأَفْضَلُ بِخِدْمَةِ الْمَفْضُولِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُمِرَ مَثَلًا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِخِدْمَةِ مَنْ هُوَ دُونَهُمَا فِي الْعِلْمِ لَكَانَ ذَلِكَ قَبِيحًا فِي الْعَقْلِ ثُمَّ قَالُوا أَخْطَأَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيْثُ فَضَّلَ النَّارَ عَلَى الطِّينِ وَهُمَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَيْثُ هُمَا جَمَادٌ مَخْلُوقٌ وَالطِّينُ أَفْضَلُ مِنَ النار وُجُوهٍ، أَحَدِهَا أَنَّ مِنْ جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزَانَةَ وَالسُّكُونَ وَالْوَقَارَ وَالْأَنَاةَ وَالْحِلْمَ وَالْحَيَاءَ وَالصَّبْرَ وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِآدَمَ عليه السلام بَعْدَ السَّعَادَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ فِي التَّوْبَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالتَّضَرُّعِ فَأَوْرَثَهُ الْمَغْفِرَةَ وَالِاجْتِبَاءَ وَالْهِدَايَةَ وَمِنْ جَوْهَرِ النَّارِ الْخِفَّةُ وَالطَّيْشُ وَالْحِدَّةُ وَالِارْتِفَاعُ وَالِاضْطِرَابُ وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِإِبْلِيسَ بَعْدَ الشَّقَاوَةِ الَّتِي سَبَقَتْ إِلَى الِاسْتِكْبَارِ وَالْإِصْرَارِ فَأَوْرَثَهُ الْهَلَاكَ وَاللَّعْنَةَ وَالْعَذَابَ قَالَهُ الْقَفَّالُ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا عَشْرَةً يَظْهَرُ بِهَا فَضْلُ التُّرَابِ عَلَى النَّارِ ثُمَّ قَالُوا: لَا يَدُلُّ مَنْ كَانَتْ مَادَّتُهُ أَفْضَلَ عَلَى أَنَّهُ تَكُونُ صُورَتُهُ أَفْضَلَ إذا الْفَضِيلَةُ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا تَرَاهُ تَعَالَى يُخْرِجُ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَأَنَّ الْحَبَشِيَّ الْمُؤْمِنَ خَيْرٌ مِنَ الْقُرَشِيِّ الْكَافِرِ وَإِذَا كَانَتِ الْمُقَدِّمَةُ غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ لَمْ يَنْتِجْ وَالْمُقَدِّمَتَانِ أَنْ تَقُولَ إِبْلِيسُ نَارِيُّ الْمَادَّةِ وَكُلُّ نَارِيِّ الْمَادَّةِ أَفْضَلُ مِنْ تُرَابِيِّ الْمَادَّةِ فَإِبْلِيسُ أَفْضَلُ مِنْ تُرَابِيِّ الْمَادَّةِ وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ مَمْنُوعَةٌ فَلَا تَنْتِجْ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخْطَأَ فَمَنْ قَاسَ الدِّينَ بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إِبْلِيسَ، وَقَالَا: وَمَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَخْطَأَ قِيَاسُهُ وَذَهَبَ عِلْمُهُ أَنَّ الرُّوحَ الَّذِي نُفِخَ فِي آدَمَ لَيْسَ مِنْ طِينٍ وَاسْتَدَلَّ نُفَاةُ الْقِيَاسِ عَلَى إِبْطَالِهِ بِقِصَّةِ إِبْلِيسَ وَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ فَهُوَ فَاسِدٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْقِيَاسِ حَيْثُ لَا نَصَّ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ إِذْ أَمَرْتُكَ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَيَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِ لِذَمِّ إِبْلِيسَ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ فِي الْحَالِ وَلَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَسْتَوْجِبِ الذَّمَّ فِي الْحَالِ وَلَا مُطْلَقًا.

قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. لَمَّا كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنَ السجود لسبب ظهور شفوقه عَلَى آدَمَ عِنْدَ نَفْسِهِ قَابَلَهُ اللَّهُ بِالْهُبُوطِ الْمُشْعِرِ بِالنُّزُولِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ وَالضَّمِيرُ فِي مِنْها لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُفَسِّرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْجَنَّةِ وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْ سُكَّانِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لَا فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ وَخُلِقَ آدَمُ

ص: 18

مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُهْبِطَ أَوَّلًا وَأُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَصَارَ فِي السَّمَاءِ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَظَافَرَتْ أَنَّهُ أَغْوَى آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنْ خَارِجِ الْجَنَّةِ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالْهُبُوطِ مِنَ السَّمَاءِ، مَعَ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَالْحَيَّةِ وَهَذَا كُلُّهُ بِحَسَبِ أَلْفَاظِ الْقِصَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى، وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى السَّمَاءِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَاهْبِطْ مِنْها مِنَ السَّمَاءِ الَّتِي هِيَ مَكَانُ الْمُطِيعِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ مَقَرُّ الْعَاصِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ كَانَ لَهُ مُلْكُهَا أَمَرَهُ أَنْ يَهْبِطَ مِنْهَا إِلَى جَزَائِرِ الْبِحَارِ فَسُلْطَانُهُ فِيهَا فَلَا يَدْخُلُ الْأَرْضَ إِلَّا كَهَيْئَةِ السَّارِقِ يَخَافُ فِيهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ نَقْلٍ، وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا لِأَنَّهُ افْتَخَرَ أَنَّهُ مِنَ النَّارِ فَشُوِّهَتْ صُورَتُهُ بِالْإِظْلَامِ وَزَوَالِ إِشْرَاقِهِ قَالَهُ أَبُو رَوْقٍ، وَقِيلَ:

عَائِدٌ عَلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَيَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحِ نَقْلٍ، وَقِيلَ يَعُودُ عَلَى الْمَنْزِلَةِ وَالرُّتْبَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا فِي مَحَلِّ الِاصْطِفَاءِ وَالتَّقْرِيبِ إِلَى مَحَلِّ الطَّرْدِ وَالتَّعْذِيبِ وَمَعْنَى فَمَا يَكُونُ لَكَ لَا يَصِحُّ لَكَ أَوْ لَا يَتِمُّ أَوْ لَا يَنْبَغِي بَلِ التَّكَبُّرُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مَعْطُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى التَّقْدِيرُ فِيهَا وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَقِيلَ الْمَعْنَى مَا لِلْمُتَكَبِّرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَكَرَّرَ مَعْنَى الْهُبُوطِ بِقَوْلِهِ فَاخْرُجْ لِأَنَّ الْهُبُوطَ مِنْهَا خُرُوجٌ وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِصَغَارِهِ وَذِلَّتِهِ وَهُوَ أَنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى تَكَبُّرِهِ قُوبِلَ بِالضِّدِّ مِمَّا اتَّصَفَ بِهِ وَهُوَ الصَّغَارُ الذي هُوَ ضِدُّ التَّكَبُّرِ وَالتَّكَبُّرُ تَفَعُّلٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ خُلِقَ كَبِيرًا عَظِيمًا وَلَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي تَعَاطَى الْكِبْرَ وَمِنْ كَلَامِ عُمَرَ وَمَنْ تَكَبَّرَ وَعَدَا طَوْرَهُ رَهَصَهُ اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ.

قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْبَعْثِ وَعِلْمِهِ بِأَنَّ آدَمَ سَيَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ وَنَسْلٌ يُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ ثُمَّ يَمُوتُونَ وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُنْظَرُ فَيَكُونُ طَلَبُهُ الْإِنْظَارَ بِأَنْ يُغْوِيَهُمْ وَيُوَسْوِسَ إِلَيْهِمْ فَالضَّمِيرُ فِي يُبْعَثُونَ عَائِدٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى إِذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ وَحِكْمَةُ اسْتِنْظَارِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْغَوَايَةِ وَالْفِتْنَةِ إِنَّ فِي ذَلِكَ ابْتِلَاءَ الْعِبَادِ بِمُخَالَفَتِهِ وَطَوَاعِيَتِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِعْظَامِ الثَّوَابِ بالمخالفة وإدامة العقاب الطواعية وَأَجَابَهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ مِنَ الْمُنْظَرِينَ أَيْ مِنَ الْمُؤَخَّرِينَ وَلَمْ يَأْتِ هُنَا بِغَايَةٍ للانتظار وجاء مغيا فِي الْحِجْرِ وَفِي ص بِقَوْلِهِ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ «1» وَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْحِجْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَعْنَى مِنَ الْمُنْظَرِينَ مِنَ الطَّائِفَةِ الَّتِي تَأَخَّرَتْ أَعْمَارُهَا كَثِيرًا حَتَّى جَاءَتْ آجَالُهَا عَلَى اخْتِلَافِ أَوْقَاتِهَا فَقَدْ شَمِلَ تِلْكَ الطَّائِفَةَ إِنْظَارٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَحْيَاءً مُدَّةَ الدَّهْرِ، وَقِيلَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِثْلُ قوم يونس.

(1) سورة ص: 38/ 81.

ص: 19

قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلْقَسَمِ وَمَا مصدرية ولذلك تلقيت الالية بِقَوْلِهِ: لَأَقْعُدَنَّ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَإِنَّمَا أَقْسَمَ بِالْإِغْوَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ تَكْلِيفًا مِنْ أَحْسَنِ أَفْعَالِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ تَعْرِيضًا لِسَعَادَةِ الْأَبَدِ، فَكَانَ جَدِيرًا أَنْ يُقْسِمَ بِهِ انْتَهَى، وَقِيلَ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِ أَيْ بِسَبَبِ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ وَعَبَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْهَا بِأَنْ يُرَادَ بِهَا مَعْنَى الْمُجَازَاةِ قَالَ: كَمَا تَقُولُ فَبِإِكْرَامِكَ لِي يَا زَيْدُ لَأُكْرِمَّنَكَ قَالَ وَهَذَا أَلْيَقٌ بِالْقِصَّةِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، (فَإِنْ قُلْتَ) : بِمَ تَعَلَّقَتِ الْبَاءُ فَإِنَّ تَعْلِيقَهَا بِلَأَقْعُدَنَّ تَصُدُّ عَنْهُ لَامُ الْقَسَمِ لَا تَقُولُ وَاللَّهِ بِزَيْدٍ لَأَمُرَنَّ (قُلْتُ) : تَعَلَّقَتْ بِفِعْلِ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ فَبِما أَغْوَيْتَنِي أَقْسَمَ بِاللَّهِ لَأَقْعُدَنَّ أَيْ بِسَبَبِ إِغْوَائِكَ أُقْسِمُ انْتَهَى، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ اللَّامَ تَصُدُّ عَنْ تَعَلُّقِ الْبَاءِ بِلَأَقْعُدَنَّ لَيْسَ حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَقِيلَ: مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ كَأَنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أَغْوَاهُ وَقَالَ بِأَيِّ شَيْءٍ أَغْوَيْتَنِي ثُمَّ ابْتَدَأَهُ مُقْسِمًا فَقَالَ: لَأَقْعُدُنَّ لَهُمْ وَضَعُفَ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، وَذَلِكَ شَاذٌّ أَوْ ضَرُورَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ عَمَّا تَسْأَلُ فَهَذَا شَاذٌّ وَالضَّرُورَةُ كَقَوْلِهِ:

عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ وَمَعْنَى أَغْوَيْتَنِي أَضْلَلْتَنِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرُونَ أَوْ لَعَنْتَنِي قَالَهُ الْحَسَنُ أَوْ أَهْلَكْتَنِي قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، أَوْ خَيَّبْتَنِي قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَقِيلَ: أَلْقَيْتَنِي غَاوِيًا، وَقِيلَ: سَمَّيْتَنِي غَاوِيًا لِتَكَبُّرِي عَنِ السُّجُودِ لِمَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَقِيلَ: جَعَلْتَنِي فِي الْغَيِّ وَهُوَ الْعَذَابُ، وَقِيلَ: قَضَيْتَ عَلَيَّ مِنَ الْأَفْعَالِ الذَّمِيمَةِ، وَقِيلَ: أَدْخَلْتَ عَلَيَّ دَاءَ الْكِبْرِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَبِسَبَبِ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ وَهُوَ تَكْلِيفُهُ إِيَّاهُ مَا وَقَعَ بِهِ فِي الْغَيِّ كَمَا ثَبَتَتِ الْمَلَائِكَةُ مَعَ كَوْنِهِمْ أَفْضَلَ مِنْهُ وَمِنْ آدَمَ نَفْسًا وَمَنَاصِبَ وَعَنِ الْأَصَمِّ أَمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ فَحَمَلَنِي الْأَنَفُ عَلَى مَعْصِيَتِكَ وَالْمَعْنَى فَبِسَبَبِ وُقُوعِي فِي الْغَيِّ لِأَجْتَهِدَنَّ فِي إِغْوَائِهِمْ حَتَّى يَفْسَدُوا بِسَبَبِي كَمَا فَسَدْتُ بِسَبَبِهِمْ انْتَهَى، وَهُوَ وَالْأَصَمُّ فَسَّرَا عَلَى مَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ فِي نَفْيِ نِسْبَةِ الْإِغْوَاءِ حَقِيقَةً وَهُوَ الْإِضْلَالُ إِلَى اللَّهِ وَكَذَلِكَ مَنْ فَسَّرَ أَغْوَيْتَنِي مَعْنَى أَلْفَيْتَنِي غَاوِيًا وَهُوَ فِرَارٌ مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِي الْمَلَائِكَةِ إِنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ نَفْسًا وَمَنَاصِبَ هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: قَاتَلَ اللَّهُ الْقَدَرِيَّةَ لَإِبْلِيسُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ يريد في أنه على أَنَّ اللَّهَ يَهْدِي وَيُضِلُّ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ كِبَارِ الْفُقَهَاءِ يُرْمَى بِالْقَدَرِ فَجَلَسَ إِلَى طَاوُسٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ لَهُ طَاوُسٌ: تَقُومُ أَوْ تُقَامُ فَقَامَ الرَّجُلُ فَقِيلَ لَهُ: أَتَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ فَقِيهٌ، فَقَالَ: إِبْلِيسُ أَفْقَهُ مِنْهُ قَالَ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي، وَهَذَا يَقُولُ أَنَا أُغْوِي نَفْسِي وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ مِنْ تَكَاذِيبِ الْمُجْبِرَةِ وَذَكَرَهَا ثُمَّ قَالَ كَلَامًا قَبِيحًا يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَعَبَّرَ بِالْقُعُودِ عَنِ الثُّبُوتِ

ص: 20

فِي الْمَكَانِ وَالثَّابِتُ فِيهِ قَالُوا: وَانْتَصَبَ صِراطَكَ عَلَى إِسْقَاطِ عَلَى قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وشبه بِقَوْلِ الْعَرَبِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ أَيْ عَلَى الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَإِسْقَاطُ حَرْفِ الْجَرِّ لَا يَنْقَاسُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُقَالُ قَعَدْتُ الْخَشَبَةَ تُرِيدُ قَعَدْتُ على الخشبة قالوا أو عَلَى الظَّرْفِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِيهِ.

كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ

وَهَذَا أَيْضًا تَخْرِيجٌ فِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ صِراطَكَ ظَرْفُ مَكَانٍ مُخْتَصٌّ وَكَذَلِكَ الطَّرِيقُ فَلَا يَتَعَدَّى إِلَيْهِ الْفِعْلُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ فِي، وَمَا جَاءَ خِلَافَ ذَلِكَ شَاذٌّ أَوْ ضَرُورَةٌ وَعَلَى الضَّرُورَةِ أَنْشَدُوا:

كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ

وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الطَّرَاوَةِ مِنْ أَنَّ الصِّرَاطَ وَالطَّرِيقَ ظَرْفٌ مُبْهَمٌ لَا مُخْتَصٌّ رَدَّهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُضَمَّنَ لَأَقْعُدَنَّ مَعْنَى مَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ الصِّرَاطُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وَالتَّقْدِيرُ لَأَلْزَمَنَّ بِقُعُودِي صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ وَهَذَا الصِّرَاطُ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمُوصِلُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَضْعُفُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ طَرِيقُ مَكَّةَ خُصُوصًا عَلَى الْعَقَبَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِعَقَبَةِ الشَّيْطَانِ يُضِلُّ النَّاسَ عَنِ الْحَجِّ وَمَعْنَى قُعُودِهِ أَنَّهُ يَعْتَرِضُ لَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْإِسْلَامِ كَمَا يَعْتَرِضُ الْعَدُوُّ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَقْطَعَهُ عَلَى السَّابِلَةِ

وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ نَهَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَقَالَ أَتَتْرُكُ دِينَ آبَائِكَ فَعَصَاهُ وَأَسْلَمَ فَنَهَاهُ عَنِ الْهِجْرَةِ، وَقَالَ: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَكَ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ فَنَهَاهُ عَنِ الْجِهَادِ وَقَالَ: تُقْتَلُ وَتَتْرُكُ وَلَدَكَ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ» .

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ. الظَّاهِرُ أَنَّ إِتْيَانَهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ كِنَايَةٌ عَنْ وَسْوَسَتِهِ وَإِغْوَائِهِ لَهُ وَالْجِدِّ فِي إِضْلَالِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يُمْكِنُ وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْجِهَاتُ يَأْتِي مِنْهَا الْعَدُوُّ غَالِبًا ذَكَرَهَا لَا أَنَّهُ يَأْتِي مِنَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ حَقِيقَةً، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الْآخِرَةُ أُشَكِّكُهُمْ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا بَعْثَ وَمِنْ خَلْفِهِمْ الدُّنْيَا أُرَغِّبُهُمْ فِيهَا وَزَيَّنَهَا لَهُمْ وَعَنْهُ أَيْضًا وَعَنِ النَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ عَكْسُ هَذَا، وعنه وَعَنْ أَيْمانِهِمْ الْحَقُّ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ الْبَاطِلُ وَعَنْهُ أَيْضًا: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ الْحَسَنَاتُ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ السَّيِّئَاتُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَوَّلَانِ حَيْثُ يُنْصَرُونَ وَالْآخَرَانِ حَيْثُ لَا يُنْصَرُونَ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ الْأَوَّلَانِ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ وَالْآخَرَانِ الْآخِرَةُ وَالدُّنْيَا، وَقِيلَ: الْأَوَّلَانِ بِفُسْحَةِ الْأَمَلِ وَبِنِسْيَانِ الْأَجَلِ وَالْآخَرَانِ فِيمَا تَيَسَّرَ وَفِيمَا تَعَسَّرَ، وَقِيلَ الْأَوَّلَانِ فِيمَا

ص: 21

بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ فَلَا يُطِيعُونَ وَفِيمَا مَضَى مِنْهَا فَلَا يَنْدَمُونَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَالْآخَرَانِ فِيمَا مَلَكَتْهُ أَيْمَانُهُمْ فَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي مَعْرُوفٍ وَمِنْ قَبْلِ فَقْرِهِمْ فَلَا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مَحْظُورٍ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ حَاكِيًا عَنْ مَنْ سَمَّاهُ هُوَ حُكَمَاءُ الْإِسْلَامِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمُ الْقُوَّةُ الْخَيَالِيَّةُ وَهِيَ تَجْمَعُ مِثْلَ الْمَحْسُوسَاتِ وَصُوَرِهَا وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ فِي الْبَطْنِ الْمُقَدَّمِ مِنَ الدِّمَاغِ وَمِنْ خَلْفِهِمُ الْقُوَّةُ الْوَهْمِيَّةُ وَهِيَ تَحْكُمُ فِي غَيْرِ الْمَحْسُوسَاتِ بِالْأَحْكَامِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْمَحْسُوسَاتِ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ فِي الْبَطْنِ الْمُؤَخَّرِ مِنَ الدِّمَاغِ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ قُوَّةُ الشَّهْوَةِ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ فِي الْبَطْنِ الْأَيْمَنِ مِنَ الْقَلْبِ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ قُوَّةُ الْغَضَبِ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ فِي الْبَطْنِ الْأَيْسَرِ مِنَ الْقَلْبِ فَهَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَةُ هِيَ الَّتِي يَتَوَلَّدُ عَنْهَا أَحْوَالٌ تُوجِبُ زَوَالَ السَّعَادَةِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالشَّيَاطِينُ الْخَارِجَةُ مَا لَمْ تَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعِ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى إِلْقَاءِ الْوَسْوَسَةِ فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ وَهُوَ وَجْهُ تَحْقِيقٍ انْتَهَى، وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ مَنَاحِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْمُتَشَرِّعِينَ قَالَ: وَعَلَى هَذَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ لِأَنَّ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ لَيْسَتَا بِمَقَرِّ شَيْءٍ مِنَ الْقُوَى الْمُفْسِدَةِ لِمَصَالِحِ السَّعَادَةِ الرُّوحَانِيَّةِ انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَقُلْ مِنْ فَوْقِهِمْ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ تَحْتِهِمْ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ مِنْ تَحْتِهِمْ فِيهِ تَوَحُّشٌ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:(فَإِنْ قُلْتَ) : كَيْفَ قِيلَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ بحرف الابتداء وعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ بِحِرَفِ الْمُجَاوَزَةِ، (قَلْتُ) : الْمَفْعُولُ فِيهِ عُدِّيَ إِلَيْهِ الْفِعْلُ تَعْدِيَتَهُ إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ كَمَا اخْتَلَفَتْ حُرُوفُ التَّعْدِيَةِ فِي ذَلِكَ اخْتَلَفَتْ فِي هَذَا وَكَانَتْ لُغَةً تُؤْخَذُ وَلَا تُقَاسُ وَإِنَّمَا يُفَتَّشُ عَنْ صِحَّةِ مَوْقِعِهَا فَقَطْ فَلَمَّا سَمِعْنَاهُمْ يَقُولُونَ: جَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَلَى يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَعَلَى شِمَالِهِ قُلْنَا مَعْنَى عَلَى يَمِينِهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ تُمَكِّنُ الْمُسْتَعْلِي مِنَ الْمُسْتَعْلَى عَلَيْهِ وَمَعْنَى عَنْ يَمِينِهِ أَنَّهُ جَلَسَ مُتَجَافِيًا عَنْ صَاحِبِ الْيَمِينِ مُنْحَرِفًا عَنْهُ غَيْرَ مُلَاصِقٍ لَهُ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي الْمُتَجَافِي وَغَيْرِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي فِعَالٍ وَنَحْوِهُ مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ قَوْلَهُمْ رَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ وَعَلَى الْقَوْسِ وَمِنَ الْقَوْسِ لِأَنَّ السَّهْمَ يَبْعُدُ عَنْهَا وَيَسْتَعْلِيهَا إِذَا وُضِعَ عَلَى كَبِدِهَا للرمي ويبتدىء الرَّمْيُ مِنْهَا فَكَذَلِكَ قَالُوا: جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ بِمَعْنَى فِي لِأَنَّهُمَا ظَرْفَانِ لِلْفِعْلِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَقَعُ فِي بَعْضِ الْجِهَتَيْنِ كَمَا تَقُولُ جِئْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ تُرِيدُ بَعْضَ اللَّيْلِ انْتَهَى، وَهُوَ كَلَامٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَقُولُ إِنَّمَا خَصَّ بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْخَلْفِ بِحَرْفِ الِابْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ أَمْكَنُ فِي الْإِتْيَانِ لِأَنَّهُمَا أَغْلَبُ مَا يَجِيءُ الْعَدُوُّ منهما فَيَنَالُ فُرْصَتَهُ وَقَدَّمَ بَيْنَ الْأَيْدِي عَلَى الْخَلْفِ لِأَنَّهَا الْجِهَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى إِقَدَامِ الْعَدُوِّ وَبَسَالَتِهِ فِي مُوَاجَهَةِ قِرْنِهِ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْهُ

ص: 22

وَالْخَلْفُ مِنْ جِهَةٍ غَدْرٌ وَمُخَاتَلَةٌ وَجَهَالَةُ الْقِرْنِ بِمَنْ يَغْتَالُهُ وَيَتَطَلَّبُ غِرَّتَهُ وَغَفْلَتَهُ وَخَصَّ الْأَيْمَانَ وَالشَّمَائِلَ الْحَرْفَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمُجَاوَزَةِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِأَغْلَبِ مَا يَأْتِي مِنْهُمَا الْعَدُوُّ وَإِنَّمَا يَتَجَاوَزُ إِتْيَانُهُ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي هِيَ أَغْلَبُ فِي ذَلِكَ وَقُدِّمَتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الشَّمَائِلِ لِأَنَّهَا الْجِهَةُ الَّتِي هِيَ الْقَوِيَّةُ فِي مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ، وَبِالْأَيْمَانِ الْبَطْشُ وَالدَّفْعُ فَالْقِرْنُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ جِهَتِهَا أَبْسَلُ وَأَشْجَعُ إِذْ جَاءَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى فِي الدَّفْعِ وَالشَّمَائِلُ جِهَةٌ لَيْسَتْ فِي الْقُوَّةِ وَالدَّفْعِ كَالْأَيْمَانِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ شَاكِرِينَ مُوَحِّدِينَ وَعَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مُؤْمِنِينَ لِأَنَّ ابْنَ آدَمَ لَا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ إِلَّا بِأَنْ يُؤْمِنَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: ثَابِتِينَ عَلَى طَاعَتِكَ وَلَا يَشْكُرُكَ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الْمَنْفِيَّةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي خَبَرِ الْقَسَمِ مَعْطُوفَةً عَلَى جَوَابِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافَ إِخْبَارٍ لَيْسَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ أَخْبَرَ أَنَّ سِعَايَتَهُ وَإِتْيَانَهُ إِيَّاهُمْ مِنْ جَمِيعِ الوجوه يفعل ذلك وهو هَذَا الْإِخْبَارُ مِنْهُ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّظَنِّي لِقَوْلِهِ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ «1» أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْعِلْمِ قَوْلَانِ وَسَبِيلُ الْعِلْمِ إِمَّا رُؤْيَتُهُ ذَلِكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ اسْتِفَادَتُهُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ «2» أَوْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِإِخْبَارِ اللَّهِ لَهُمْ أَوْ بِقَوْلِهِمْ أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها «3» أَوْ بِإِغْوَاءِ آدَمَ وَذُرِّيَّتُهُ أَضْعَفُ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ قُوَى ابْنِ آدَمَ تِسْعَةَ عَشَرَ قُوَّةً وَهِيَ خَمْسُ حَوَاسٍّ ظَاهِرَةٍ وَخَمْسٌ بَاطِنَةٌ وَالشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ، وَسَبْعٌ سَابِقَةٌ وَهِيَ الْجَاذِبَةُ وَالْمُمْسِكَةُ وَالْهَاضِمَةُ وَالدَّافِعَةُ وَالْقَاذِفَةُ وَالنَّامِيَةُ وَالْمُوَلِّدَةُ وَكُلُّهَا تَدْعُو إِلَى عَالَمِ الْجِسْمِ إِلَى اللَّذَّاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَالْعَقْلُ قُوَّةٌ وَاحِدَةٌ تَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ وَالْعَقْلُ إِذْ ذَاكَ ضَعِيفٌ أَقْوَالٌ سِتَّةٌ.

قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْجَنَّةِ وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي فَاهْبِطْ مِنْها وَهَذِهِ ثَلَاثُ أَوَامِرَ أَمْرٌ بِالْهُبُوطِ مُطْلَقًا، وَأَمْرٌ بِالْخُرُوجِ مُخْبِرًا أَنَّهُ ذُو صَغَارٍ، وَأَمْرٌ بِالْخُرُوجِ مُقَيَّدًا بِالذَّمِّ وَالطَّرْدِ، وَقَالَ قتادة: مَذْؤُماً لَعِينًا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ:

مَلُومًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْفِيًّا، وَقِيلَ: ممقوتا ومَدْحُوراً مُبْعَدًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَوْ مِنَ الْخَيْرِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ مِنَ التَّوْفِيقِ أَوْ مِنْ خَوَاصِّ الْمُؤْمِنِينَ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَالْأَعْمَشُ: مَذُومًا بِضَمِّ الذَّالِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ فَتَحْتَمِلُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَأَمَ الْمَهْمُوزُ سَهَّلَ الْهَمْزَةَ وَحَذَفَهَا وَأَلْقَى حَرَكَتَهَا عَلَى الذَّالِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَامَ غَيْرِ الْمَهْمُوزِ يَذِيمُ كَبَاعَ يَبِيعُ فَأَبْدَلَ الْوَاوَ بِيَاءٍ كَمَا قَالُوا في مكيل مكول،

(1) سورة سبأ: 34/ 20.

(2)

سورة سبأ: 34/ 13.

(3)

سورة البقرة: 2/ 30.

ص: 23

وَانْتَصَبَ مَدْحُوراً عَلَى أَنَّهُ حَالٌ ثَانِيَةٌ عَلَى مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مَذْؤُماً أو صفة لقوله مَذْؤُماً.

لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ لَمَنْ بِفَتْحِ اللَّامِ الِابْتِدَاءِ وَمَنْ مَوْصُولَةً ولَأَمْلَأَنَّ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ مَنْ تَبِعَكَ وَذَلِكَ الْقَسَمُ الْمَحْذُوفُ وَجَوَابُهُ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ مَنِ الْمَوْصُولَةِ، وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ وَعِصْمَةُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ بِكَسْرِ اللَّامِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْرِيجِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى لِأَجْلِ مَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ انْتَهَى، فَظَاهِرُ هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ اللَّامَ تَتَعَلَّقُ بِلَأَمْلَأَنَّ وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَا بَعْدَ لَامِ الْقَسَمِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَعْنَى لِمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمُ الْوَعِيدُ وَهُوَ قَوْلُهُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ عَلَى أَنَّ لَأَمْلَأَنَّ فِي مَحَلِّ الِابْتِدَاءِ ولَمَنْ تَبِعَكَ خَبَرُهُ انْتَهَى فَإِنْ أَرَادَ ظَاهِرَ كَلَامِهِ فَهُوَ خَطَأٌ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَأَمْلَأَنَّ جُمْلَةٌ هِيَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ فَمِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا جُمْلَةً فَقَطْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُبْتَدَأَةً وَمِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا جَوَابًا لِلْقَسَمِ يَمْتَنِعُ أَيْضًا لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ وَمِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا مُبْتَدَأَةً لَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ لَهَا مَوْضِعٌ وَلَا مَوْضِعَ لَهَا بِحَالٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ دَاخِلًا عَلَيْهَا عَامِلٌ غَيْرُ دَاخِلٍ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ، وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ: اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ مِنَ الذَّأْمِ وَالدَّحْرِ وَمَعْنَاهُ اخْرُجْ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأَجْلِ أَتْبَاعِكَ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّوَامِحِ فِي شَوَاذِّ الْقِرَاءَاتِ وَمَعْنَى مِنْكُمْ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ فَغَلَبَ الْخِطَابُ عَلَى الْغَيْبَةِ كَمَا تَقُولُ أَنْتَ وَإِخْوَتُكَ أُكْرِمُكُمْ.

وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ. أَيْ وَقُلْنَا يَا آدَمُ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْبَقَرَةِ. إِلَّا أَنَّ هُنَا فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَفِي الْبَقَرَةِ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما «1» ، قَالُوا: وَجَاءَتْ عَلَى أَحَدِ مَحَامِلِهَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ وَحُذِفَ رَغَدًا هُنَا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ وَأُثْبِتَ هُنَاكَ لِأَنَّ تِلْكَ مَدَنِيَّةٌ وَهَذِهِ مَكِّيَّةٌ فَوُفِّيَ الْمَعْنَى هُنَاكَ بِاللَّفْظِ.

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ أَيْ فَعَلَ الْوَسْوَسَةَ لِأَجْلِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُهُ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ فَمَعْنَاهُ أَلْقَى الْوَسْوَسَةَ إِلَيْهِ، قَالَ الْحَسَنُ: وَصَلَتْ وسوسته

(1) سورة البقرة: 2/ 35.

ص: 24

لَهُمَا فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لَهُ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا قول ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ لَفْظُ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: كَانَ فِي السَّمَاءِ وَكَانَا يَخْرُجَانِ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: مِنْ بَابِ الْجَنَّةِ وَهُمَا بِهَا، وَقِيلَ: كَانَ يَدْخُلُ إِلَيْهِمَا فِي فَمِ الْحَيَّةِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَلْهَمَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ:

أَوْرَدَ عَلَيْهِمَا الْخَوَاطِرَ الْمُزَيَّنَةَ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يُخَالِفَانِ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلٍ وَمُحَاوَرَةٍ وَقَسَمٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ لَامُ كَيْ قَصَدَ إبداء سوآتهما وتنحطّ مرتبتهما بذلك ويسوؤهما بِكَشْفِ مَا يَنْبَغِي سَتْرُهُ وَلَا يَجْتَنِبَانِ نَهْيَ اللَّهِ فَيَكُونُ هُوَ وَهُمَا سَوَاءً فِي الْمُخَالَفَةِ هُوَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأَبَى، وَهُمَا نُهِيَا فَلَمْ يَنْتَهِيَا، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهَا لَامُ الصَّيْرُورَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلِمٌ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَيَقْصُدُهَا، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَهْجَنًا فِي الطِّبَاعِ مُسْتَقْبَحًا فِي الْعُقُولِ انْتَهَى، وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزَالِيِّ فِي أَنَّ الْعَقْلَ يُقَبِّحُ وَيُحَسِّنُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَادُ مَدْلُولُ سَوْءَاتِهِمَا نَفْسِهِمَا وَهُمَا الْفَرْجُ وَالدُّبُرُ قِيلَ: وَكَانَا لَا يَرَيَانِهِمَا قَبْلَ أَكْلِ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا أَكَلَا بَدَتَا لَهُمَا، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ يَرَى سوأة صَاحِبِهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ كَنَّى بِسَوْءَاتِهِمَا عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِمَا وذكر السوأة لِأَنَّهَا أَقْبَحُ مَا يَظْهَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وُورِيَ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ أُورِيَ بِإِبْدَالِ الْوَاوِ هَمْزَةً وَهُوَ بَدَلٌ جَائِزٌ، وَقَرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ مَا وُرِيَ بِوَاوٍ مَضْمُومَةٍ مِنْ غَيْرِ وَاوٍ بَعْدَهَا عَلَى وَزْنِ كُسِيَ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ مِنْ سَوَّتِهِمَا بِالْإِفْرَادِ وَتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ بِإِبْدَالِهَا وَاوًا وَإِدْغَامِ الْوَاوِ فِيهَا، وَقَرَأَ الْحَسَنُ أَيْضًا وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَشَيْبَةُ بْنُ نَصَّاحٍ مِنْ سَوَّاتِهِمَا بِتَسْهِيلِ الهمزة وتشديد الواو، وقرىء مِنْ سَوَاتِهِمَا بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ وَحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حَذَفَهَا وَأَلْقَى حَرَكَتَهَا عَلَى الْوَاوِ فَمَنْ قَرَأَ بِالْجَمْعِ فَهُوَ مِنْ وَضْعِ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ مِثْلَيْنِ وَمَنْ قَرَأَ بِالْإِفْرَادِ فَمِنْ وَضْعِهِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ عَوْرَةٍ هِيَ الدُّبُرُ وَالْفَرْجُ وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ: فَهِيَ جَمْعٌ وَإِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ أَيْ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا لِشَيْءٍ إِلَّا كَرَاهَةَ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ وَيُقَدِّرُهُ الْكُوفِيُّونَ إِلَّا أَنْ تَكُونَا وَإِضْمَارُ الِاسْمِ وَهُوَ كَرَاهَةٌ أَحْسَنُ مِنْ إِضْمَارِ الْحَرْفِ وَهُوَ لَا، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى وَأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ تَلْمَحُ مَرْتَبَتَهَا انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: لَا حُجَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْبَشَرِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ فِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا شَهْوَةً فِي طَعَامٍ انْتَهَى، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَالضَّحَّاكُ وَيَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ حَكِيمٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيَدُلُّ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ

ص: 25

هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلى «1» وَمِنَ الْخَالِدِينَ مِنَ الَّذِينَ لَا يَمُوتُونَ وَيَبْقُونَ فِي الْجَنَّةِ سَاكِنِينَ.

وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ لَمْ يَكْتَفِ إِبْلِيسُ بِالْوَسْوَسَةِ وَهُوَ الْإِلْقَاءُ فِي خُفْيَةٍ سِرًّا وَلَا بِالْقَوْلِ حَتَّى أَقْسَمَ عَلَى أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُمَا وَالْمُقَاسَمَةُ مُفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْفِعْلِ فَتُقْسِمُ لِصَاحِبِكَ وَيُقْسِمُ لَكَ تَقُولَ قَاسَمْتُ فلانا خالفته وَتَقَاسَمَا تَحَالَفَا وَأَمَّا هُنَا فَمَعْنَى وَقَاسَمَهُمَا أَقْسَمَ لَهُمَا لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ يُشَارِكَاهُ فِيهَا. وَهُوَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَقَاسَمَهُمَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمْ

أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نشورها

وفاعل قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى أَفْعَلَ نَحْوُ بَاعَدْتُ الشَّيْءَ وَأَبْعَدْتُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَقَاسَمَهُمَا أَيْ حَلَفَ لَهُمَا وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ إِذْ قَبُولُ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَإِقْبَالِهِ عَلَى مَعْنَى الْيَمِينِ كَالْقَسَمِ وَتَقْرِيرِهِ وَإِنْ كَانَ بَادِيَ الرَّأْيِ يَعْنِي أَنَّهَا مِنْ وَاحِدٍ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمَا أُقْسِمُ لَكُمَا أَنِّي لَمِنَ النَّاصِحِينَ وَقَالَا لَهُ أَتُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّكَ لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقَاسَمَةً بَيْنَهُمْ أَوْ أَقْسَمَ لَهُمَا بِالنَّصِيحَةِ وَأَقْسَمَا لَهُ بِقَبُولِهَا أَوْ أَخْرَجَ قَسَمَ إِبْلِيسَ عَلَى وَزْنِ الْمُفَاعَلَةِ لِأَنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهَا اجْتِهَادَ الْمُقَاسِمِ انْتَهَى، وقرىء وقاسمهما بالله ولَكُما مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نَاصِحٌ لَكُمَا أَوْ أَعْنِي أَوْ بِالنَّاصِحِينَ عَلَى أَنَّ أَلْ مَوْصُولَةٌ وَتُسُومِحَ فِي الظَّرْفِ وَالْمَجْرُورِ مَا لَا يُتَسَامَحُ في غير هما أَوْ عَلَى أَنَّ أَلْ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ لَا مَوْصُولَةً أَوْجُهٌ مَقُولَةٌ.

فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أَيِ اسْتَنْزَلَهُمَا إِلَى الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِغُرُورِهِ أَيْ بِخِدَاعِهِ إِيَّاهُمَا وَإِظْهَارِ النُّصْحِ وَإِبِطَانِ الْغِشِّ وَإِطْمَاعِهِمَا أَنْ يَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ خَالِدَيْنِ وَبِإِقْسَامِهِ أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُمَا جَعَلَ مَنْ يَغْتَرُّ بِالْكَلَامِ حَتَّى يُصَدِّقَ فَيَقَعُ فِي مُصِيبَةٍ بِالَّذِي يُدْلِي مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ فَيَنْقَطِعُ بِهِ فَيَهْلِكُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أصلان أحد هما أَنَّ الرَّجُلَ يُدْلِي دَلْوَهُ فِي الْبِئْرِ لِيَأْخُذَ الْمَاءَ فَلَا يَجِدُ فِيهَا مَاءً، وُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَيُقَالُ: دَلَّاهُ أَيْ أَطْمَعَهُ الثَّانِي جَرَّأَهُمَا عَلَى أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ دَلَلْهُمَا مِنَ الدَّالِّ وَالدَّلَالَةِ وَهُمَا الْجَرَاءَةُ انْتَهَى، فَأُبْدِلَ مِنَ الْمُضَاعَفِ الْأَخِيرِ حَرْفُ عِلَّةٍ، كَمَا قَالُوا: تَظَنَّيْتُ وَأَصْلُهُ تَظَنَّنْتُ وَمِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: خَدَعَ الشَّيْطَانُ آدَمَ فَانْخَدَعَ وَنَحْنُ مَنْ خَدَعَنَا بِاللَّهِ عز وجل انْخَدَعْنَا لَهُ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ.

فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أَيْ وَجَدَا طَعْمَهَا آكِلِينَ مِنْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فَأَكَلا مِنْها «2» وَتَطَايَرَتْ عَنْهُمَا مَلَابِسُ الْجَنَّةِ فَظَهَرَتْ لَهُمَا عَوْرَاتُهُمَا وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا كَانَا قَبْلَ ذَلِكَ

(1- 2) سورة طه: 20/ 120.

ص: 26

لَا يَرَيَانِهَا مِنْ أَنْفُسِهِمَا وَلَا أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ عَلَيْهِمَا ظُفُرٌ كَاسٍ فَلَمَّا أَكَلَا تبلس عنهما فبدت سوآتهما وَبَقِيَ مِنْهُ عَلَى الْأَصَابِعِ قَدْرُ مَا يَتَذَكَّرَانِ بِهِ الْمُخَالَفَةَ فَيُجَدِّدَانِ النَّدَمَ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ عَلَيْهِمَا نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَانْقَشَعَ بِالْأَكْلِ ذَلِكَ النُّورُ وَقِيلَ كَانَ عَلَيْهِمَا نُورٌ فَنَقَصَ وَتَجَسَّدَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي أَظْفَارِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ تَذْكِرَةً لَهُمَا لِيَسْتَغْفِرُوا فِي كُلِّ وقت وأبناؤهما بعد هما كَمَا جَرَى لِأُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ حِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ الْبَرَصَ إِلَّا لُمْعَةً أَبْقَاهَا لِيَتَذَكَّرَ نِعَمَهُ فَيَشْكُرَ. وَقَالَ قوم: لم يقصد بالسوأة الْعَوْرَةَ وَالْمَعْنَى انْكَشَفَ لَهُمَا معايشهما وما يسؤوهما وَهَذَا الْقَوْلُ يَنْبُو عَنْهُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ وَيُخَالِفُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: أَكَلَتْ حَوَّاءُ أوّل فَلَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ ثُمَّ آدَمُ فَكَانَ الْبُدُوُّ.

وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أَيْ جَعَلَا يُلْصِقَانِ وَرَقَةً عَلَى وَرَقَةٍ وَيُلْصِقَانِهِمَا بعد ما كَانَتْ كِسَاهُمَا حُلَلُ الْجَنَّةِ ظَلَّا يَسْتَتِرَانِ بِالْوَرَقِ كَمَا قِيلَ:

لِلَّهِ دَرِّهِمْ مِنْ فِتْيَةٍ بَكَّرُوا

مِثْلَ الْمُلُوكِ وَرَاحُوا كَالْمَسَاكِينِ

وَالْأَوْلَى أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِما عَلَى عَوْرَتَيْهِمَا كَأَنَّهُ قِيلَ يَخْصِفانِ على سوآتهما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، وَعَادَ بِضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّ الْجَمْعَ يُرَادُ بِهِ اثْنَانِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى فِعْلُ الظَّاهِرِ وَالْمُضْمَرِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْمُضْمَرِ الْمُتَّصِلِ الْمَنْصُوبِ لَفْظًا أَوْ مَحَلًّا فِي غَيْرِ بَابِ ظَنَّ وَفَقَدَ وَعَلِمَ وَوَجَدَ لَا يَجُوزُ زَيْدٌ ضَرَبَهُ وَلَا ضَرَبَهُ زَيْدٌ وَلَا زَيْدٌ مَرَّ بِهِ زَيْدٌ فَلَوْ جَعَلْنَا الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِما عَائِدًا عَلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ لَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَعَدِّي يَخْصِفُ إِلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ مَحَلًّا وَقَدْ رُفِعَ الضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ وَهُوَ الْأَلِفُ فِي يَخْصِفَانِ فَإِنْ أُخِذَ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ مُرَادٍ جَازَ ذَلِكَ وَتَقْدِيرُهُ يَخْصِفَانِ عَلَى بَدَنَيْهِمَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَرَقُ الَّذِي خَصَفَا مِنْهُ وَرَقُ الزَّيْتُونِ، وَقِيلَ: وَرَقُ شَجَرِ التِّينِ، وَقِيلَ: وَرَقُ الْمَوْزِ وَلَمْ يَثْبُتْ تَعْيِينُهَا لَا فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ وَطَفِقا بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ يَخْصِفانِ مِنْ أَخْصَفَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ من خصف أن يخصفات أَنْفُسَهُمَا، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْأَعْرَجُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ وَثَّابٍ يَخْصِفانِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْخَاءِ وَالصَّادِ وَشَدِّهَا، وَقَرَأَ الْحَسَنُ فِيمَا رَوَى عَنْهُ مَحْبُوبٌ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ فَتَحَ الْخَاءَ، وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ بريدة وعن يعقوب، وقرىء يَخْصِفانِ بِالتَّشْدِيدِ مِنْ خَصَّفَ عَلَى وَزْنِ فَعَّلَ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ يَخْصِفانِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ.

ص: 27

وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ لَمَّا كَانَ وَقْتُ الْهَنَاءِ شُرِّفَ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ فِي النِّدَاءِ فَقِيلَ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ وَحِينَ كَانَ وَقْتُ الْعِتَابِ أَخْبَرَ أَنَّهُ نَادَاهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَعَالَى كَلَّمَهُمَا بِلَا وَاسِطَةٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ آدَمَ مَا فِي تَارِيخِ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ

أَنَّهُ عليه السلام سُئِلَ عَنْ آدَمَ فَقَالَ: نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ

، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ النِّدَاءَ كَانَ بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مُوسَى عليه السلام هُوَ الَّذِي خُصَّ مِنْ بَيْنِ الْعَالَمِ بِالْكَلَامِ وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ الَّذِي خَصَّكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ خَصَّهُ بِكَلَامِهِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ وَأَمَّا آدَمُ فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا فِي قَوْلِهِ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ إِنَّ مِنْهُمْ مُحَمَّدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ فِي الْأَرْضِ فَيَكُونُ مُوسَى مُخْتَصًّا بِكَلَامِهِ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: النِّدَاءُ لِآدَمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَمْ يُرْوَ قَطُّ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ حَوَّاءَ وَالنِّدَاءُ هُوَ دُعَاءُ الشَّخْصِ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ أَوْ بِنَوْعِهِ أَوْ بِوَصْفِهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ هُنَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالْجُمْلَةُ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ قَائِلًا: أَلَمْ أَنْهَكُمَا وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْعِتَابُ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُمَا وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مَوْضِعِ الْغَفْلَةِ فِي قَوْلِهِ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَلَا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ حَيْثُ كَانَ مُبَاحًا لَهُ الْأَكْلُ قَارًّا سَاكِنًا أُشِيرَ إِلَى الشَّجَرَةِ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْقُرْبِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الْأَشْجَارِ فَقِيلَ: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ وَحَيْثُ كَانَ تَعَاطِي مُخَالَفَةِ النَّهْيِ وَقُرْبُ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَاضْطِرَابُ حَالِهِ فِيهَا وَفَرَّ عَلَى وَجْهِهِ فِيهَا قِيلَ: أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا فَأُشِيرَ إِلَى الشَّجَرَةِ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْبُعْدِ وَالْإِنْذَارِ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَأَقُلْ لَكُما إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقُلْنا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى «1» وَهَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي نَسِيَهُ آدَمُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُحْمَلُ النِّسْيَانُ عَلَى بَابِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَيَّنَ الْعَدَاوَةَ حَيْثُ أَبَى السُّجُودَ وَقَالَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ

رُوِيَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِآدَمَ: أَلَمْ يَكُنْ لَكَ فِيمَا مَنَحْتُكَ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَقَالَ بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ يَحْلِفُ كَاذِبًا قال فو عزّتي لَأُهْبِطَنَّكَ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ لَا تَنَالُ إِلَّا كَدًّا فَأُهْبِطَ وَعُلِّمَ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ وَأُمِرَ بِالْحَرْثِ فَحَرَثَ وَسَقَى وحصد ودرس وذر وَعَجَنَ وَخَبَزَ

، وَقَرَأَ أُبَيٌّ أَلَمْ تُنْهَيَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَقِيلَ لَكُمَا.

قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَسَمَّيَا ذَنْبَهُمَا وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا مَغْفُورًا ظُلْمًا وَقَالَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ عَلَى عَادَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي اسْتِعْظَامِهِمُ الصَّغِيرَ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ اعتراف من

(1) سورة طه: 20/ 117. [.....]

ص: 28

آدَمَ وَحَوَّاءَ عليهما السلام وَطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ وَالسَّتْرِ وَالتَّغَمُّدِ بِالرَّحْمَةِ فَطَلَبَ آدَمُ هَذَا وَطَلَبَ إِبْلِيسُ النَّظِرَةَ وَلَمْ يَطْلُبِ التَّوْبَةَ فَوُكِلَ إِلَى رَأْيِهِ، قَالَ الضَّحَّاكُ: هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ، وَقِيلَ: سَعِدَ آدَمُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ اعْتَرَفَ بِالْمُخَالَفَةِ وَنَدِمَ عَلَيْهَا، وَلَامَ نَفْسَهُ وَسَارَعَ إِلَى التَّوْبَةِ وَلَمْ يَقْنَطْ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَشَقِيَ إِبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ لَمْ يُقِرَّ بِالذَّنْبِ، وَلَمْ يَنْدَمْ، وَلَمْ يسلم نَفْسَهُ بَلْ أَضَافَ إِلَى رَبِّهِ الْغَوَايَةَ، وَقَنَطَ مِنَ الرحمة، ولَنَكُونَنَّ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ إِنْ كقوله وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ «1» التَّقْدِيرُ وَاللَّهِ إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لَنَا وَأَكْثَرُ مَا تَأْتِي إِنَّ هَذِهِ وَلَامُ التَّوْطِئَةِ قَبْلَهَا كَقَوْلِهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ «2» ثُمَّ قَالَ: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ.

قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا فِي الْبَقَرَةِ.

قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ. هَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ «3» أَيْ بِالْحَيَاةِ إِلَى حِينِ الْمَوْتِ وَلِذَلِكَ جَاءَ قَالَ بِغَيْرِ وَاوِ الْعَطْفِ إِذِ الْأَكْثَرُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً أَوْ كَالتَّفْسِيرِيَّةِ أَنْ تُعْطَفَ عَلَى الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا فَتَقُولَ قَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَقَالَ كَذَا وَتَقُولَ زَيْدٌ قَائِمٌ وَعَمْرٌو قَاعِدٌ وَيَقِلُّ فِي كَلَامِهِمْ قَالَ فُلَانٌ كَذَا قَالَ كَذَا وَكَذَلِكَ يَقِلُّ زَيْدٌ قَائِمٌ عَمْرٌو قَاعِدٌ وَهُنَا جَاءَ قالَ اهْبِطُوا الْآيَةَ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ لَمَّا كَانَتْ كَالتَّفْسِيرِ لِمَا قَبْلَهَا وَتُمِّمَ هُنَا الْمَقْصُودُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ بِقَوْلِهِ وَمِنْها تُخْرَجُونَ أَيْ إِلَى الْمُجَازَاةِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى «4» . وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَابْنُ ذَكْوَانَ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ هنا وفي الجاثية والزخرف وأوّل الروم وَعَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِي أَوَّلِ الرُّومِ خِلَافٌ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ وَفِيهَا سَتْرُ السَّوْءَاتِ وَجَعَلَ لَهُ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرًّا وَمَتَاعًا ذَكَرَ مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَى بَنِيهِ وَمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللِّبَاسِ الَّذِي يُوَارِي السَّوْءَاتِ وَالرِّيَاشِ الَّذِي يُمْكِنُ بِهِ اسْتِقْرَارُهُمْ فِي الْأَرْضِ وَاسْتِمْتَاعُهُمْ بِمَا خَوَّلَهُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَالثَّلَاثُ بَعْدَهَا فِيمَنْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ يَتَعَرَّى فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَذَكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّهَا كَانَتْ عَادَةَ ثَقِيفٍ وَخُزَاعَةَ وبني عامر بن

(1) سورة المائدة: 5/ 73.

(2)

سورة الأحزاب: 33/ 60.

(3)

سورة البقرة: 2/ 36.

(4)

سورة طه: 20/ 55.

ص: 29

صَعْصَعَةَ وَبَنِي مُدْلِجٍ وَالْحَارِثِ وَعَامِرٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَاةَ نِسَائِهِمْ وَرِجَالِهِمْ وَأَنْزَلَنَا قِيلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنَ الِانْحِطَاطِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ فَأَنْزَلَ مَعَ آدَمَ وَحَوَّاءَ شَيْئًا مِنَ اللِّبَاسِ مِثَالًا لغيره ثم توسع بنو هما فِي الصَّنْعَةِ اسْتِنْبَاطًا مِنْ ذَلِكَ الْمِثَالِ أَوْ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ أَصْلَ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ إِهْبَاطِهِمَا أَوْ أَنْزَلَ مَعَهُ الْحَدِيدَ فَاتَّخَذَ مِنْهُ آلَاتِ الصَّنَائِعِ أَوْ أَنْزَلَ الْمَلَكَ فَعَلَّمَ آدَمَ النَّسْجَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَقِيلَ: الْإِنْزَالُ مَجَازٌ مِنْ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى مُسَبِّبِهِ فَأَنْزَلَ الْمَطَرَ وَهُوَ سَبَبُ مَا يَتَهَيَّأُ مِنْهُ اللِّبَاسُ أَوْ بِمَعْنَى خَلَقَ كَقَوْلِهِ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ «1» أَوْ بِمَعْنَى الْهَمِّ، وقال الزمخشري جعل ما فِي الْأَرْضِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّمَاءِ لِأَنَّهُ قُضِيَ ثَمَّ وَكُتِبَ وَمِنْهُ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَنْزَلْنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالتَّدْرِيجِ أَيْ لَمَّا أَنْزَلَ الْمَطَرَ فَكَانَ عَنْهُ جَمِيعُ مَا يُلْبَسُ قَالَ عَنِ اللِّبَاسِ أَنْزَلْنا وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ الشَّاعِرِ يَصِفُ مَطَرًا:

أَقْبَلَ في المسلمين مِنْ سَحَابِهْ

أَسْنِمَةُ الْآبَالِ فِي رَبَابِهْ

أَيْ بِالْمَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ خَلَقْنَا فَجَاءَتِ الْعِبَارَةُ بِأَنْزَلْنَا كَقَوْلِهِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ «2» وَقَوْلِهِ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ وَأَيْضًا فَخَلْقُ اللَّهِ وَأَفْعَالُهُ إِنَّمَا هِيَ مِنْ عُلُوٍّ فِي القدرة وَالْمَنْزِلَةِ انْتَهَى وَاللِّبَاسُ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا يُلْبَسُ وَيَسْتُرُ وَالرِّيشُ عِبَارَةٌ عَنْ سَعَةِ الرِّزْقِ وَرَفَاهِيَةِ الْعَيْشِ وَوُجُودِ اللَّبْسِ وَالتَّمَتُّعِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الرِّيشَ مَا يَسْتُرُ مِنْ لِبَاسٍ أَوْ مَعِيشَةٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: الْإِنَاثُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وَمُجَاهِدٌ: الْمَالُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْجَمَالُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِبَاسُ الزِّينَةِ اسْتُعِيرَ مِنْ رِيشِ الطَّائِرِ لِأَنَّهُ لِبَاسُهُ وَزِينَتُهُ أَيْ أَنْزَلَنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسَيْنِ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَلِبَاسًا يُزَيِّنُكُمْ لِأَنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً ولَكُمْ فِيها جَمالٌ «3» انْتَهَى.

وَعَطْفُ الرِّيشِ عَلَى لِباساً يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَأَنَّهُ قَسِيمٌ لِلِّبَاسٍ لَا قِسْمٌ مِنْهُ، وَقَرَأَ عُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّلَمِيُّ

وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَابْنُهُ زَيْدٌ وَأَبُو رَجَاءٍ وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ وَرِيَاشًا

، فَقِيلَ: هُمَا مَصْدَرَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ رَاشَهُ اللَّهُ يَرِيشُهُ رَيْشًا وَرِيَاشًا أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمْعُ رِيشٍ كَشُعَبٍ وَشِعَابٍ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُمَا اللِّبَاسُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا مَا يَسْتُرُ مِنْ ثِيَابٍ وَمَالٍ كَمَا يُقَالُ لِبْسٌ وَلِبَاسٌ، وَقَالَ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ: الرِّيَاشُ الْمَعَاشُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الرِّيشُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالرِّيَاشُ الْمَالُ الْمُسْتَفَادُ، وَقِيلَ: الرِّيشُ مَا بَطَنَ وَالرِّيَاشُ مَا ظهر.

(1) سورة سورة الزمر: 39/ 6.

(2)

سورة الحديد: 57/ 25.

(3)

سورة النحل: 16/ 6.

ص: 30

وَقَرَأَ الصَّاحِبَانِ وَالْكِسَائِيُّ: وَلِباسُ التَّقْوى بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْصُوبِ قَبْلَهُ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، فَقِيلَ هُوَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى قاله الزّجاج وذلِكَ خَيْرٌ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ وَلِباسُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ وَلِبَاسُ التّقوى ساتر عوارتكم، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالظَّاهِرُ أنه مبتدأ ثان وخَيْرٌ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ وَلِباسُ التَّقْوى وَالرَّابِطُ اسْمُ الْإِشَارَةِ وَهُوَ أَحَدُ الرَّوَابِطِ الْخَمْسِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فِي رَبْطِ الجملة الواقعة خبرا للمبتدأ إِذَا لَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ، وَقِيلَ: ذَلِكَ بَدَلٌ مِنْ لِبَاسٍ، وَقِيلَ: عَطْفُ بَيَانٍ، وَقِيلَ: صِفَةٌ وَخَبَرُ وَلِباسُ هُوَ خَيْرٌ، وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: وَأَنَا أَرَى أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ نَعْتًا لِلِبَاسِ التَّقْوَى لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُبْهَمَةَ أَعْرَفُ مِمَّا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَمَا أُضِيفَ إِلَى الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَسَبِيلُ النَّعْتِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمَنْعُوتِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ تَعْرِيفًا فَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَحَدٍ بِهِ فَهُوَ سَهْوٌ وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَصْلًا لَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ وَيَكُونُ خَيْرٌ خَبَرًا لِقَوْلِهِ وَلِباسُ التَّقْوى فَجُعِلَ اسْمُ الْإِشَارَةِ فَصْلًا كَالْمُضْمَرِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَحَدٍ بِهِ فَهُوَ سَهْوٌ فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَقَالَ: هُوَ أَنْبَلُ الْأَقْوَالِ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْحُجَّةِ انْتَهَى وَأَجَازَهُ أَيْضًا أَبُو الْبَقَاءِ وَمَا ذَكَرَهُ الْحَوْفِيُّ هُوَ الصَّوَابُ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ فِي تَرْتِيبِ الْمَعَارِفِ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ وَأُبَيٌّ وَلِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ بِإِسْقَاطِ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى اللِّبَاسِ حَقِيقَةً، فَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ هُوَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهَذَا فِيهِ تَكْرَارٌ لِأَنَّهُ قَدْ قال لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الدِّرْعُ وَالْمِغْفَرُ وَالسَّاعِدَانِ لِأَنَّهُ يُتَّقَى بِهَا فِي الْحَرْبِ. وَقِيلَ: الصُّوفُ وَلُبْسُ الْخَشِنِ، وَرُوِيَ اخْشَوْشِنُوا وَكُلُوا الطَّعَامَ الْخَشِنَ، وَقِيلَ مَا يَقِي مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ: لِبَاسُ الْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ لِبَاسُ التَّقْوَى مَجَازٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:

الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَقَالَ أَيْضًا: الْعِفَّةُ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: السَّمْتُ الْحَسَنُ فِي الْوَجْهِ، وَقَالَ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ: الْحَيَاءُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْوَرَعُ وَالسَّمْتُ الْحَسَنُ، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: خَشْيَةُ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْإِيمَانُ، وَقِيلَ مَا يَظْهَرُ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْإِخْبَاتِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: الْخُشُوعُ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ عَامًّا فَكُلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقَاءُ الْمَشْرُوعُ فَهُوَ مِنْ لِبَاسِ التَّقْوَى وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ إلى ما تقدم من إِنْزَالِ اللِّبَاسِ وَالرِّيَاشِ وَلِبَاسِ التَّقْوَى وَالْمَعْنَى مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَقِيلَ: مِنْ مُوجِبِ آيَاتِ اللَّهِ، وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ إِلَى لِباسُ التَّقْوى أَيْ هُوَ فِي الْعِبَرِ

ص: 31

آيَةٌ أَيْ عَلَامَةٌ وَأَمَارَةٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ وَرَحِمَهُ لَعَلَّهُمْ يَذْكُرُونَ هَذِهِ النِّعَمَ فَيَشْكُرُونَ الله عليها.

يا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما. أَيْ لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ وَيَغْلِبْ عَلَيْكُمْ وَهُوَ نَهْيٌ لِلشَّيْطَانِ وَالْمَعْنَى نَهْيُهُمْ أَنْفُسَهُمْ عَنِ الْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ وَالطَّوَاعِيَةِ لِأَمْرِهِ كَمَا قَالُوا لَا أَرَيَنَّكَ هُنَا وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنِ الْإِقَامَةِ بِحَيْثُ يَرَاهُ، وَكَمَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ فِتْنَةٍ مِثْلِ فِتْنَةِ إِخْرَاجِ أَبَوَيْكُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا يُخْرِجَنَّكُمْ عَنِ الدِّينِ بِفِتْنَتِهِ إِخْرَاجًا مِثْلَ إِخْرَاجِهِ أَبَوَيْكُمْ، وَقَرَأَ يَحْيَى وَإِبْرَاهِيمُ:

لَا يَفْتِنَنَّكُمُ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَفْتَنَ، وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَا يَفْتِنْكُمْ بِغَيْرِ نُونِ تَوْكِيدٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ لِبَاسَهُمَا هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وسَوْآتِهِما هُوَ مَا يَسُوءُهُمَا مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَيَنْزِعُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَخْرَجَ أَوْ مِنْ أَبَوَيْكُمْ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ فِيهَا ضَمِيرُ الشَّيْطَانِ وَضَمِيرُ الْأَبَوَيْنِ فَلَوْ كَانَ بَدَلُ يَنْزِعُ نَازِعًا تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ لَوْ جَوَّزَ الثَّانِي لَكَانَ وَصْفًا جَرَى عَلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ فَكَانَ يَجِبُ إِبْرَازُ الضَّمِيرِ وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ وَيَنْزِعُ حِكَايَةُ أَمْرٍ قَدْ وَقَعَ لِأَنَّ نَزْعَ اللِّبَاسِ عَنْهُمَا كَانَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ وَنَسَبَ النَّزْعَ إِلَى الشَّيْطَانِ لَمَّا كَانَ مُتَسَبِّبًا فِيهِ.

إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ أَيْ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَهُوَ إِبْلِيسُ يُبْصِرُكُمْ هُوَ وَجُنُودُهُ وَنَوْعُهُ وَذُرِّيَّتُهُ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي لَا تُبْصِرُونَهُ مِنْهَا وَهُمْ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مَعْلُومٌ مِنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وُجُودُهُمْ، كَمَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَيْضًا مَعْلُومٌ وُجُودُهُمْ مِنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَلَا يُسْتَنْكَرُ وُجُودُ أَجْسَامٍ لَطِيفَةٍ جِدًّا لَا نَرَاهَا نَحْنُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْهَوَاءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ لَا نُدْرِكُهُ نَحْنُ وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ الْقَاطِعُ عَلَى وُجُودِهِ وَقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُهُمْ فِي الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ وَرُؤْيَةُ بَنِي آدَمَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْأَجْسَامِ كَالشَّيْطَانِ الَّذِي رَآهُ أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَ جَعَلَ يَحْفَظُ تَمْرَ الصَّدَقَةِ وَالْعِفْرِيتِ الَّذِي رَآهُ الرَّسُولُ

وَقَالَ فِيهِ: «لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَرَبَطْتُهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ»

، وَكَحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حِينَ سُيِّرَ لِكَسْرِ ذِي الْخَلَصَةِ، وَكَحَدِيثِ سَوَادِ بْنِ قَارِبٍ مَعَ رَئِيِّهِ مِنَ الْجِنِّ إِلَّا أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ فِي الصُّوَرِ نَادِرَةٌ كَمَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَبْدُو فِي صُوَرٍ كَحَدِيثِ جِبْرِيلَ وَحَدِيثِ الْمَلَكِ الَّذِي أَتَى الْأَعْمَى وَالْأَقْرَعَ وَالْأَبْرَصَ وَهَذَا أَمْرٌ قَدِ اسْتَفَاضَ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ أَعْنِي تَصَوُّرَهُمْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فِي الصُّوَرِ الْكَثِيفَةِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ لَا يُرَوْنَ وَلَا يَظْهَرُونَ لِلْإِنْسِ وَأَنَّ إِظْهَارَهُمْ أَنْفُسَهُمْ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ وَأَنَّ زَعْمَ مَنْ يَدَّعِي رُؤْيَتَهُمْ زُورٌ وَمَخْرَفَةٌ انْتَهَى، وَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَنَا مِنْ جِهَةٍ لَا نَرَاهُمْ نَحْنُ فِيهَا وَهِيَ الْجِهَةُ الَّتِي يَكُونُونَ فِيهَا

ص: 32