المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(1) - (12) - باب: في ذكر الخوارج - شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه - جـ ٢

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌(11) - (6) - فَضْلُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ رضي الله عنه

- ‌(11) - (7) - فَضْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه

- ‌(11) - (8) - فَضائِلُ الْعَشَرَةِ رضي الله عنهم

- ‌(11) - (9) - فَضْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رضي الله عنه

- ‌(11) - (10) - فَضْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه

- ‌(11) - (11) - فَضْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه

- ‌(11) - (12) - فَضْلُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ابْنَي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهم

- ‌(11) - (13) - فَضْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنهما

- ‌(11) - (14) - فَضْلُ سَلْمَانَ وَأَبِي ذَرٍّ وَالْمِقْدَادِ رضي الله عنهم

- ‌(11) - (15) - فَضْلُ بِلَالٍ رضي الله عنه

- ‌(11) - (16) - فَضَائِلُ خَبَّابٍ رضي الله عنه

- ‌(11) - (17) - فَضْلُ أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم

- ‌(11) - (18) - فَضْلُ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه

- ‌(11) - (19) - فَضْلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه

- ‌(11) - (20) - فَضْلُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ رضي الله عنه

- ‌(11) - (21) - فَضْلُ أَهْلِ بَدْرٍ رضي الله عنهم

- ‌(11) - (22) - فَضْلُ الْأَنْصَارِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ

- ‌(11) - (23) - فَضْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا

- ‌(1) - (12) - بَابٌ: فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ

- ‌(2) - (13) - بَابٌ: فِيمَا أَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ

- ‌(3) - (14) - بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً

- ‌(4) - (15) - بَابُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً قَدْ أُمِيتَتْ

- ‌(5) - (16) - بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ

- ‌(6) - (17) - بَابُ فَضْلِ الْعُلَمَاءِ وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ

- ‌(7) - (18) - بَابُ مَنْ بَلَّغَ عِلْمًا

- ‌(8) - (19) - بَابُ مَنْ كَانَ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ

- ‌(9) - (20) - بَابُ ثَوْابِ مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ

- ‌(10) - (21) - بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُوطَأَ عَقِبَاهُ

- ‌(11) - (22) - بَابُ الْوَصَاةِ بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ

- ‌(12) - (23) - بَابُ الانْتِفَاعِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِ

- ‌(13) - (24) - بَابُ مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ

الفصل: ‌(1) - (12) - باب: في ذكر الخوارج

(1) - (12) - بَابٌ: فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ

(43)

- 165 - (1) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ -وَذَكَرَ

===

(1)

- (12) - (باب: في ذكر الخوارج)

وفي "التهذيب": الخوارج قوم من أهل الأهواء، لهم مقالة على حدة. انتهى؛ وهم الحرورية، والخارجية طائفة منهم، وهم سبع طوائف، سموا به؛ لخروجهم على الناس، أو عن الدين، أو عن الحق، أو عن علي رضي الله عنه بعد صفين، أقوال. انتهى "تاج العروس".

* * *

(43)

- 165 - (1)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم (ابن علية) البصري.

(عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني أبي بكر البصري.

(عن محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي بكر البصري، إمام وقته.

(عن عبيدة) -بفتح العين مكبرًا- ابن عمرو السلماني -بفتح السين وسكون اللام، ويقال: بفتحها- قبيلة من مراد، أبي عمرو الكوفي، تابعي كبير مخضرم فقيه ثبت، مات سنة اثنتين وسبعين (72 هـ) أو بعدها. يروي عنه:(ع).

(عن علي بن أبي طالب) رضي الله عنه.

وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان كوفيان، وواحد مدني، وحكمه: الصحة.

(قال) علي رضي الله عنه (و) الحال أنه قد (ذكر) بالبناء للمفعول أو

ص: 119

الْخَوَارِجَ- فَقَالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، وَلَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا .. لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ

===

الفاعل (الخوارج) نائب فاعل أو مفعول به، (فقال) على تأكيد لقال الأول؛ أي: قال علي، والحال أنه قد ذكر شأن الخوارج عنده:(فيهم) أي: في الخوارج (رجل مخدج اليد) -بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة- اسم مفعول من أخدج الرباعي؛ أي: ناقص اليد وقصيرها، (أو) قال على:(مودن اليد) -بضم أوله وفتح ثالثه- هو كالمخدج لفظًا ومعنًى؛ أي: ناقصها (أو) قال علي: (مثدون اليد) -بفتح الميم وسكون الثاء المثلثة وضم الدال المهملة على زنة مفعول- أي: صغير اليد ومجتمعها، والمثدون: الناقص الخلق.

وعبارة "البذل": ولفظ (أو) في الموضعين للشك من الراوي، ومعنى مخدج ومودن ومثدون: ناقص اليد وقصيرها.

(ولولا أن تبطروا) مثل: تفرحوا وزنًا ومعنىً، والمعنى: ولولا خشية أن تفرحوا فرحًا يؤدي إلى ترك الأعمال وكثرة الطغيان، وعبارة "البذل": ولولا مخافة أن تقعوا في البطر والإعجاب بأنفسكم .. (لحدثتكم) جواب لولا؛ أي: لأخبرتكم (بما وعد الله الذين يقتلونهم) أي: بالأجر الذي وعده الله سبحانه وتعالى لمن قاتلهم وجاهدهم؛ أي: لمن قاتل الخوارج وجاهدهم (على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه بشِّر في قتالهم بشارة عظيمة، فلو بينها لهم وعلموا أنهم هم المصاديق لها حيث قتلوا من أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم .. لكان لهم مظنة الإعجاب والبطر. انتهى.

قال عبيدة: (قلت) لعلي بن أبي طالب: (أنت سمعته) أي: هل أنت

ص: 120

مِنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

(44)

- 166 - (2) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ،

===

سمعت يا علي الوعد المذكور (من محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال) على: (إي) -بكسر الهمزة وسكون الياء- بمعنى نعم؛ أي: نعم، سمعت هذا الوعد من محمد صلى الله عليه وسلم (ورب الكعبة) أي: أقسمت لك برب الكعبة؛ أي: قال علي: نعم ورب الكعبة (ثلاث مرات).

وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم؛ أخرجه في كتاب الزكاة، وأبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب قتال الخوارج.

ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به، والله أعلم.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث علي بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، فقال:

(44)

- 166 - (2)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.

(وعبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم أبو محمد الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (237 هـ). يروي عنه:(م د ق).

(قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش) بن سالم الأسدي مولاهم الكوفي الحناط، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، والصحيح أن اسمه كنيته، ثقة عابد إلا أنه لما كبر .. ساء حفظه، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (194 هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).

ص: 121

عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ النَّاسِ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ،

===

(عن عاصم) بن سليمان الأحول أبي عبد الرحمن البصري التميمي، ثقة، من الرابعة، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن زر) بن حبيش بن حباشة الأسدي أبي مريم الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين، وله مئة وسبع وعشرون سنة. يروي عنه:(ع).

(عن عبد الله بن مسعود) الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من خماسياته؛ رجاله أربعة منهم كوفيون، وواحد بصري، وحكمه: الصحة.

(قال) عبد الله: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج) أي: يظهر (في آخر الزمان) أي: في آخر زمان خلافة النبوة (قوم أحداث الأسنان) أي: صغار الأسنان؛ أي: ضعفاء الأسنان؛ فإن حداثة السن محل للفساد عادة، (سفهاء الأحلام) أي: ضعفاء العقول (يقولون) أي: يتكلمون بألسنتهم (من خير قول الناس) أي: من أحسن ما يتكلم به الناس ومن أعجبه لفظًا؛ أي: يقولون قولًا هو من خير قول الناس؛ أي: ظاهرًا، قيل: أريد بذلك قولهم: لا حكم إلا لله حين التحكيم، ولذلك قال علي رضي الله عنه في حربهم: كلمة حق أريد بها باطل، قيل: ومثله دعاؤهم إلى كتاب الله، وبالجملة: فالمراد أنهم يتكلمون ببعض الأقوال التي هي من خيار قول الناس في الظاهر.

(يقرؤون القرآن) بألسنتهم (لا يجاوز تراقيهم) أي: حلوقهم بالصعود إلى

ص: 122

يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُمْ .. فَلْيَقْتُلْهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ عِنْدَ اللهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ".

(45)

- 167 - (3) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،

===

محل القبول أو النزول إلى القلوب ليؤثر في قلوبهم، والتراقي جمع ترقوة؛ وهي عظم بين نقرة العاتق والنحر من الجانبين، (يمرقون) كيخرجون وزنًا ومعنىً؛ أي: يخرجون (من الإسلام) أي: من انقياد أحكام الإسلام وطاعة الإمام (كما يمرق) ويخرج (السهم) أي: نصله (من الرمية) أي: من الصيد، والرمية بفتح الراء وتشديد الياء-: الصيد الذي يرميه الرامي ليصيده، فعيلة بمعنى مفعولة؛ كذبيحة بمعنى مذبوحة.

(فمن لقيهم) ورآهم .. (فليقتلهم؛ فإن قتلهم أجر) أي: ذو أجر وثواب مدخر (عند الله) سبحانه وتعالى المن قتلهم) وجاهدهم؛ إعلاء لكلمة الله وذبًّا عن الدين، وحفظًا له عن الشبهات والخرافات.

وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب قتل الخوارج، والترمذي؛ أخرجه في كتاب الفتن، باب في صفة المارقة.

فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث علي بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، فقال:

(45)

- 167 - (3)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.

(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة

ص: 123

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ فِي الْحَرُورِيَّةِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ قَوْمًا يَتَعَبَّدُونَ، يَحْقِرُ

===

متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (206 هـ). يروي عنه:(ع).

(أنبأنا محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي أبو عبد الله المدني.

روى عن: أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويروي عنه:(ع)، ويزيد بن هارون.

وثقه النسائي، وقال في "التقريب": صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (145 هـ).

(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه:(ع).

(قال) أبو سلمة: (قلت لأبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري (الخدري) رضي الله عنه نسبة إلى خدرة، بطن من الأنصار.

وهذا السند من خماسيته؛ رجاله كلهم ثقات، وحكمه: الصحة.

(هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في) شأن (الحرورية شيئًا؟ ) من الكلام، والحرورية -بفتح الحاء وضم الراء الأولى- نسبة إلى حروراء بالمد والقصر؛ وهي قرية بالعراق قريبة من الكوفة؛ أي: هل سمعته يذكر شيئًا في الحرورية؛ أي: الخوارج؛ سموا حرورية؛ لأنهم نزلوا حروراء وتعاقدوا فيها على قتال أهل العدل، وسموا خوارج؛ لخروجهم على الجماعة، وقيل: لخروجهم عن طريق الجماعة، وقيل: لقوله صلى الله عليه وسلم: "يخرج من ضئضئ هذا". انتهى "نووي".

(فقال) أبو سعيد في جواب استفهام أبي سلمة: (سمعته) صلى الله عليه وسلم (يذكر قومًا يتعبدون) أي: يتكلفون ويتعمقون في العبادة، (يحقر) من

ص: 124

أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصَوْمَهُ مَعَ صَوْمِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، أَخَذَ سَهْمَهُ فَنَظَرَ فِي نَصْلِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَنَظَرَ فِي رِصَافِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَنَظَرَ فِي قِدْحِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا،

===

باب ضرب إن كان متعديًا، ومن باب كرم إن كان لازمًا؛ أي: يعد (أحدكم صلاته) حقيرة قليلة (مع صلاتهم) أي: بالنظر إلى صلاتهم، (و) يعد (صومه) حقيرًا قليلًا (مع صومهم) أي: بالنسبة إلى صومهم لكثرة صلاتهم وصيامهم.

(يمرقون) أي: يخرجون سريعًا (من الدين) أي: من دين الإسلام من غير حظ ينالهم منه، وفيه حجة لمن يكفر الخوارج، وإن كان المراد بالدين طاعة الإمام .. فلا حجة فيه، وإليه ذهب الخطابي، وصرح ابن العربي في "شرح الترمذي" بكفرهم محتجًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"يمرقون من الإسلام" أي: يمرقون من الدين سريعًا (كما يمرق السهم من الرمية) أي: مروقًا سريعًا كمروق السهم من الصيد المرمي، والرمية -بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية المفتوحة-: فعيلة بمعنى مفعولة؛ وهي الصيد المرمي، والمروق: سرعة نفوذ السهم من الرمية حتى يخرج من الطرف الآخر، ومنه مرق البرق لخروجه بسرعة، فشبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه، ولشدة سرعة خروجه لقوة ساعد الرامي لا يعلق بالسهم من جسد الصيد شيء.

(أخذ) الرامي (سهمه) الخارج من الصيد، (فنظر) الرامي (في نصله) أي: في نصل سهمه وحديدته هل أصابه شيء من الدم أم لا؟ (فلم ير) الرامي (شيئًا) من دم الصيد ملصوقًا به لسرعة خروجه، والماضي هنا بمعنى المضارع؛ أي: فيأخذ الرامي سهمه الخارج من الصيد، فينظر في نصله فلم ير فيه شيئًا من الدم، والنصل: الحديدة الصغيرة المركزة في طرف السهم، (فنظر في رصافه) أي: فينظر في رصافه (فلم ير) فيه (شيئًا) من دم الصيد؛

ص: 125

فَنَظَرَ فِي الْقُذَذِ فَتَمَارَى هَلْ يَرَى شَيْئًا أَمْ لَا.

===

أي: فلا يرى فيه شيئًا من دم الصيد، والرصاف -بكسر الراء، قيل: بالضم والصاد المهملة وبالفاء- جمع رصفة -بفتحتين- وهو عصب يلوى ويلف على مدخل النصل في السهم، قال النواوي: والرصاف: مدخل النصل من السهم، والنصل: هو حديدة السهم.

(فنظر في قدحه) أي: فينظر في قدح السهم (فلم ير) أي: فلا يرى (شيئًا) من الدم فيه، والقدح -بكسر القاف وسكون الدال المهملة-: خشب السهم، (فنظر) الرامي؛ أي: فينظر الرامي (في القذذ) -بضم القاف وفتح المعجمة الأولى- هي ريش السهم، واحدها قذة -بالضم- أي: فينظر الرامي في قذذه وريشه، (فتمارى) أي: فيتمارى ويشك (هل يرى) أي: هل رأى (شيئًا) من الدم (أم لا) أي: أم لا يراه؛ أي: أم لم يره؛ أي: فلا يوجد فيه شيء من الدم، ولسرعة نفوذه ومروقه مع أنه سبق الفرث والدم، فلا يظهر أثرهما فيه، بل خرجا بعده، وكذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، وأخرجه أيضا في كتاب الأدب في مواضع كثيرة، ومسلم؛ أخرجه في كتاب الزكاة.

ودرجة هذا الحديث أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث علي بحديث أبي ذر رضي الله عنهما، فقال:

ص: 126

(46)

- 168 - (4) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ،

===

(46)

- 168 - (4)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.

(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي.

(عن سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (165 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن حميد بن هلال) العدوي البصري، ثقة عالم، من الثالثة. يروي عنه:(ع).

(عن عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ثقة، من الثالثة، مات دون المئة. يروي عنه:(م عم).

(عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة المدني رضي الله عنه.

وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان كوفيان، وواحد مدني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

(قال) أبو ذر: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بعدي) أي: إن بعد وفاتي (من أمتي، أو) قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو أبو ذر، والشك من أبي ذر أو ممن دونه:(سيكون بعدي من أمتي قومًا) بالنصب: على أنه اسم إن، وبالرفع: على أنه فاعل يكون، وجملة (يقرؤون القرآن) أي: يجودون قراءته صفة لقوم، (لا يجاوز) القرآن (حلوقهم) جمع حلق؛ وهو مجرى الطعام والنفس؛ يعنى: لا يكون لهم إلا القراءة المجردة ولا تصل معانيه إلى

ص: 127

يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شِرَارُ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ"، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَافِعِ بْنِ عَمْرٍ وأَخِي الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ فَقَالَ: وَأَنَا أَيْضًا قَدْ سمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

===

قلوبهم، (يمرقون) أي: يخرجون (من الدين، كما يمرق السهم من الرمية) أي: من الصيد المرمي بلا أثر دم ولا فرث، (ثم لا يعودون فيه) أي: في الدين.

(هم) أي: أولئك القوم (شرار الخلق والخليقة) أي: أخساء الخلق وأراذلهم، والخلق: الناس، والخليقة: البهائم، وقيل: هما بمعنىً واحد، ويريد بهما جميع الخلق، (قال عبد الله بن الصامت: فذكرت ذلك) الحديث الذي سمعته من أبي ذر (لرافع بن عمرو) الغفاري البصري، وقوله:(أخي الحكم بن عمرو الغفاري) بدل من رافع بن عمرو، أو عطف بيان له، (فقال) عمرو بن نافع:(وأنا أيضًا قد سمعته) أي: قد سمعت هذا الحديث (من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما أخوان صحابيان، غلب عليهما هذا النسب إلى بني غفار وليسا منهم، كما في "أسد الغابة".

وفي "التهذيب": أما رافع بن عمرو الغفاري يكنى أبا جبير .. فهو صحابي عداده في أهل البصرة. روى عن: النبي صلى الله عليه وسلم، ويروي عنه: ابنه عمران، وعبد الله بن الصامت، وأبو جبير مولى أخيه الحكم بن عمرو، له عندهم حديثان؛ أحدهما في الخوارج مقرونًا بأبي ذر عند مسلم وغيره، والآخر عند أبي داوود وغيره في الزجر عن رمي النخل، وفيه:(اللهم؛ أشبع بطنه). انتهى.

وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم؛ أخرجه في كتاب الزكاة، في باب الخوارج شر الخلق والخليقة.

ص: 128

(47)

- 169 - (5) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَمْرُقُونَ

===

ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاسشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث علي بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:

(47)

- 169 - (5)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد) بن سهل الهروي، ثم الحدثاني، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئة (140 هـ). يروي عنه:(م ق).

(قالا: حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن، من السابعة، مات سنة سبع وسبعين ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن سماك) بن حرب بن أوس الذهلي أبي المغيرة الكوفي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (123 هـ). يروي عنه:(م عم).

(عن عكرمة) بن عبد الله مولى ابن عباس أبي عبد الله المكي.

(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.

وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مكيان، وحكمه: الضعف؛ لأن رواية سماك عن عكرمة مضطربة، وعن غيره صحيحة.

(قال) ابن عباس: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله (ليقرأن القرآن) بأحسن القراءة (ناس من أمتي) مجودين لها، ومع ذلك (يمرقون)

ص: 129

مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ".

(48)

- 170 - (6) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ

===

أي: يخرجون (من الإسلام) حتى لا يبقى عليهم أثره مروقًا بسرعة (كما يمرق السهم) بسرعة (من الرمية) أي: من الصيد المرمي بلا أثر دم وفرث عليه.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه بهذا السند، ولكن له شاهد في "الصحيحين"، و"أبي داوود" من رواية غير ابن عباس.

قلت: فالحديث صحيح لغيره، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث علي بحديث جابر رضي الله عنهما، فقال:

(48)

- 170 - (6)(حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان بن أبي سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (240 هـ). يروي عنه:(د ق).

قال: (أنبأنا سفيان بن عيينة) الكوفي، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (198 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي المكي.

(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني رضي الله عنهما.

وهذا السند من رباعياته؛ رجاله واحد منهم مدني، وواحد مكي، وواحد كوفي، وواحد جرجرائي، وحكمه: الصحة.

ص: 130

قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْجِعِرَّانَةِ وَهُوَ يَقْسِمُ التِّبْرَ وَالْغَنَائِمَ وَهُوَ فِي حِجْرِ بِلَالٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ:"وَيْلَكَ؛ وَمَنْ يَعْدِلُ بَعْدِي إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ ! "،

===

(قال) جابر: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة) -بالجيم المكسورة وسكون العين المهملة وتخفيف الراء المفتوحة- موضع بقرب مكة على طريق الطائف؛ أي: كان نازلًا بالجعرانة بعد رجوعهم من غزوة حنين، (وهو) أي: والحال أنه صلى الله عليه وسلم (يقسم) ويوزع (التبر) -بكسر المثناة الفوقية وسكون الموحدة- وهو القطع من الذهب والفضة قبل أن يصاغ ويصفى من التراب، (والغنائم) من المواشي وغيرها، وهو من ذكر العام بعد الخاص، وهو جمع غنيمة؛ وهو المال الراجع من الكفار الحربيين إلى المسلمين عنوة.

(وهو) أي: والحال أن ذلك التبر مجموع (في حجر بلال) مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحجر -بتقديم الحاء المهملة المفتوحة أو المكسورة على الجيم الساكنة قيل هذا الصواب - وهو مقدم الثوب، (فقال رجل) من الحاضرين، قيل: اسمه حرقوص بن زهير ذو الخويصرة: (اعدل) أي: افعل العدل والحق (يا محمد) في قسمك هذا المال؛ (فإنك) يا محمد (لم تعدل) أي: لم تفعل العدل، (فقال) له رسول الله صلى الله عليه وسلم (ويلك) أي: ألزمك الله الويل والهلاك، (ومن يعدل بعدي) أي: من يفعل بعدي العدل (إذا لم أعدل) أنا؟ ! والاستفهام إنكاري؛ أي: لا يوجد من يفعل العدل إن لم أفعل أنا العدل؛ لأن الناس مقتدون بي، فإذا أنا جُرت .. فالناس تبع لي في الجور، فلا يوجد من يفعل العدل بعدي، والمعنى: فإنهم أمروا باتباعه صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يعدل هو .. يتبعونه فيه؛ فمن يعدل؟ !

ص: 131

فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ هَذَا فِي أَصْحَابٍ أَوْ أُصَيْحَابٍ لَهُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرِّمِيِّةِ".

===

(فقال عمر) بن الخطاب: (دعني) أي: اتركني (يا رسول الله حتى أضرب) أي: لكي أضرب (عنق هذا المنافق) المسيء بك الأدب، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا) الرجل (في أصحاب) وجماعة له، (أو) قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو جابر في (أصيحاب) كائنين (له) أي: لهذا الرجل بالتصغير، والشك من جابر، أو ممن دونه (يقرؤون القرآن) قراءة عجيبة، حالة كون القرآن (لا يجاوز تراقيهم) أي: لا يتعدى من ألسنتهم إلى قلوبهم فيؤثر فيها، والتراقي جمع ترقوة -بفتح المثناة الفوقية وسكون الراء وضم القاف بوزن فعلوة- قال في "القاموس": ولا تضم تاؤه؛ العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق؛ يعني: أن قراءتهم لا يرفعها الله تعالى ولا يقبلها؛ لعلمه باعتقادهم، أو أنهم لا يعلمون بها، فلا يثابون عليها، أو ليس لهم فيه حظ إلا مروره على ألسنتهم، فلا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب منه تعقله وتدبره ليقع في القلب. انتهى "قسطلاني".

والمعنى: أن الرجل ليس بمنفرد حتى يندفع شره بقتله، بل مع أصحاب وأمثال له (يمرقون من الدين) أي: من دين الإسلام (كما يمرق السهم من الرمية) أي: من الصيد المرمي.

وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ولكن له شواهد من الأحاديث السابقة واللاحقة.

ص: 132

(49)

- 171 - (7) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى

===

فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سادسًا لحديث علي بحديث ابن أبي أوفى رضي الله عنهم، فقال:

(49)

- 171 - (7)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.

قال: (حدثنا إسحاق) بن يوسف بن يعقوب بن مرداس المخزومي أبو محمد (الأزرق) الواسطي أحد الأئمة الأعلام. روى عن: الأعمش، والثوري، وابن عون، وخلق.

قال في "التقريب": ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (195 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي.

(عن) عبد الله (بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي أبي إبراهيم الكوفي الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما، شهد بيعة الرضوان، له خمسة وتسعون حديثًا؛ اتفقا على عشرة، وانفرد (خ) بخمسة، و (م) بواحد.

وهذا السند من رباعياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد واسطي، وفي "الزوائد": أن رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا؛ فإن الأعمش لم يسمع من ابن أبي أوفى، قاله غير واحد، فعلى هذا حكم هذا السند: الضعف؛ لأن فيه انقطاعًا، وقال الذهبي: قيل: حديث الأعمش عن ابن أبي أوفى مرسل، وقد سمع الأعمش ممن مات قبله من الصحابة، فما المانع من أن يكون سمع منه، وقد عمِّر ابن أبي أوفى بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ مات سنة سبع

ص: 133

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ".

(50)

- 172 - (8) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ،

===

وثمانين (87 هـ)، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، فعلى ما قاله الذهبي: فحكم السند الصحة؛ لكونه متصلًا.

قلت: حكم هذا السند الحسن؛ لكونه مختلفًا في انقطاعه ووصله، والله أعلم.

(قال) ابن أبي أوفى: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخوارج كلاب النار") أي: كلاب أهل النار، وهذا صريح في أن الخوارج كفرة، ويؤيده قوله في الآخر:"يمرقون من الدين"، والجمهور على عدم تكفيرهم، ويؤول الخروج من الدين بالخروج من كماله.

وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سابعًا لحديث علي بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:

(50)

- 172 - (8)(حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي.

قال: (حدثنا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي.

وثقه ابن معين ودحيم ورماه بالقدر، وقال في "التقريب": ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (183 هـ). يروي عنه:(ع).

قال: (حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الشامي الإمام العلم

ص: 134

عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَنْشَأُ نَشْءٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ .. قُطِعَ"، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ أَكْثَرَ

===

الفقيه، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا كثير الحديث والعلم والفقه، وقال في "التقريب": ثقة جليل، من السابعة، مات في الحمام سنة سبع وخمسين ومئة (157 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن نافع) مولى ابن عمر العدوي أبي عبد الله المدني.

(عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب المكي رضي الله تعالى عنهما.

وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم شاميون، وواحد مكي، وواحد مدني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وقد احتج بهم البخاري.

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينشأ نشء) أي: يخلق خلق ويوجد قرن وشباب، والنشء -بفتح النون وسكون الشين المعجمة - جمع ناشئ -بهمزة في آخره- كصحب وصاحب، ويجمع على نشوة -بالتحريك- كطلبة وطالب، والناشئ: الغلام والجارية جاوزا حد الصغر؛ أي: يوجد أقوام (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) أي: حلوقهم فضلًا عن قلوبهم، (كلما خرج) وظهر (قرن) أي: طائفة منهم .. (قطع) واستؤصل من الأرض بقتلهم؛ أي: استحقوا أن يقطعوا ويقتلوا لخروجهم عن الدين واعتدائهم على المسلمين وكثيرًا ما قطعوا كالحرورية، قطعهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(قال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلما خرج) وظهر (قرن) وطائفة منهم .. (قطع) واستؤصل بالقتل، وقوله:(أكثر) صفة

ص: 135

مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً حَتَّى يَخْرُجَ فِي عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ".

(51)

- 173 - (9) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،

===

لمصدر محذوف منصوب بالقول؛ أي: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول قولًا أكثر (من عشرين مرة)، وقوله:(حتى يخرج) غاية لقطع؛ أي: كلما ظهر قرن منهم .. استؤصل حتى يخرج (في عراضهم) أي: في جمعهم وجيشهم (الدجال) أي: الكذاب الذي يدعي الألوهية، وفي "السندي": قوله: "في عراضهم" أي: في خداعهم؛ أي: أن آخرهم يقابلهم ويناظرهم الدجال، وفي بعض النسخ:(في أعراضهم) وهو جمع عرض -بفتح فسكون- بمعنى الجيش العظيم؛ وهو مستعار من العرض بمعنى ناحية الجبل، أو بمعنى السحاب الذي يسد الأفق، وهذه النسخة أظهر في المعنى.

وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثامنًا لحديث علي بحديث أنس بن مالك رضي الله عنهما، فقال:

(51)

- 173 - (9)(حدثنا بكر بن خلف) البصري (أبو بشر) ختن أبي عبد الرحمن المقرئ. روى عن: عبد الرزاق، وابن عيينة، وأبي عاصم، وجماعة، ويروي عنه (د ق)، وعبد الله بن أحمد.

قال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين.

(حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري أبو بكر الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (211 هـ). يروي عنه:(ع).

ص: 136

عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَوْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ أَوْ حُلُوقَهُمْ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ أَوْ

===

(عن معمر) بن راشد الأزدي أبو عروة البصري، ثقة ثبت فاضل، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (154 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه، ثقة، من الرابعة مات سنة سبع عشرة ومئة (117 هـ)، وقيل: سنة ثماني عشرة. يروي عنه: (ع).

(عن أنس بن مالك) بن النضر خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم بصريون، إلا عبد الرزاق؛ فإنه صنعاني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.

(قال) أنس: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج) أي: يظهر (قوم) من الخوارج (في آخر الزمان) أي: في آخر زمان النبوة (أو) قال النبي أو أنس: (في هذه الأمة) المحمدية، والشك من أنس، أو ممن دونه (يقرؤون القرآن لا يجاوز) القرآن (تراقيهم) أي: منها إلى قلوبهم، (أو) قال النبي أو أنس: لا يجاوز (حلوقهم) جمع حلق؛ مجرى الطعام والنفس، (سيماهم) أي: علامتهم التي يعرفون بها (التحليق) أي: المبالغة في حلق الرأس واستئصال شعره.

قال النووي: السيما العلامة، والأفصح فيها القصر، وبه جاء القرآن، والمد لغة فيه، والمراد بالتحليق: حلق الرأس، ولا دلالة فيه على كراهة حلق الرأس؛ فإن كون الشيء علامة لهم لا ينافي الإباحة، (إذا رأيتموهم أو) قال النبي

ص: 137

إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ .. فَاقْتُلُوهُمْ".

(52)

- 174 - (10) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ،

===

صلى الله عليه وسلم أو أنس: (إذا لقيتموهم .. فاقتلوهم) قتل استئصال.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب قتل الخوارج.

ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى تاسعًا لحديث علي بحديث أبي أمامة رضي الله عنهما، فقال:

(52)

- 174 - (10)(حدثنا سهل بن أبي سهل) اسمه زنجلة الرازي أبو عمرو الحناط الأشتر الحافظ، والحناط: من يبيع الحنطة، والأشتر: من كانت شفته السفلى منشقة، مؤنثه شتراء، والجمع شتر على وزان حمر. روى عن: حفص بن غياث، وابن عيينة، وأبي أسامة، ويروي عنه:(ق)، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، وغيرهم.

قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (240 هـ).

(حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (198 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن أبي غالب) صاحب أبي أمامة، اسمه حزور -بفتحتين ثم زاي ثم واو مشددة مفتوحة ثم آخره راء- وقيل: اسمه سعيد بن الحزور، وقيل: غير ذلك،

ص: 138

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ يَقُولُ: شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَخَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوا، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ،

===

البصري الباهلي مولاهم. روى عن: أبي أمامة الباهلي، وأنس بن مالك، وأم الدرداء. وروى عنه:(د ت ق)، وسفيان بن عيينة، والأعمش، وغيرهم.

قال ابن معين: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: ثقة، وقال ابن عدي: لم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به، وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها، ووثقه موسى بن هارون، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من الخامسة.

(عن أبي أمامة) الباهلي المدني صدي بن عجلان بن وهب الصحابي الجليل رضي الله عنه. روى عن: النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ويروي عنه:(ع)، وأبو غالب، وغيرهم. له مائتا حديث وخمسون حديثًا، مات بحمص سنة إحدى وثمانين (81 هـ)، وقيل: سنة ست وثمانين.

وهذا السند من رباعياته؛ رجاله واحد مدني، وواحد بصري، وواحد كوفي، وواحد رازي، وحكمه: الحسن؛ لأن في رجاله راويًا مختلفًا فيه؛ وهو أبو غالب.

أي: قال أبو غالب: سمعت أبا أمامة حالة كونه (يقول) حين رأى رؤوس الخوارج: هم (شر قتلى) جمع قتيل؛ كمرضى جمع مريض، وجملة (قتلوا) بالبناء للمفعول صفة لقتلى (تحت أديم السماء) أي: عنان السماء، وأديم السماء: ما يظهر من جلده وسقفه، (وخير قتيل) قتل تحت أديم السماء (من قتلو) بالبناء للفاعل، وضمير الفاعل عائد للخوارج، والعائد على الموصول محذوف؛ أي: خير قتيل من قتله الخوارج؛ فإنه شهيد، هم؛ أي: الخوارج (كلاب أهل النار) فهو خبر لمبتدأ محذوف أو خبر ثان للمبتدأ المقدر أولًا،

ص: 139

قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ فَصَارُوا كُفَّارًا، قُلْتُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ؛ هَذَا شَيْءٌ تَقُولُهُ قَالَ: بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

===

(قد كان هؤلاء) القتلى (مسلمين، فصاروا كفارًا) بخروجهم عن المسلمين واستباحتهم دماءهم، وهذا صريح في أن الخوارج كفرة، كما مر.

قال أبو غالب: (قلت) لأبي أمامة: (يا أبا أمامة؛ هذا) الكلام (شيء تقوله) من عند نفسك ورأيك، أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (قال) أبو أمامة: ليس من عند نفسي، (بل) هو حديث (سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في كتاب التفسير، باب ومن سورة آل عمران.

ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، كما مر، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: عشرة أحاديث:

الأول للاستدلال، والباقي للاستشهاد.

وكلها صحيحة متنًا وسندًا إلا الخامس منها؛ فإنه ضعيف السند، صحيح المتن.

والله سبحانه وتعالى أعلم

ص: 140