الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَخْطِبَ وَلَا يَنْكِحَ وَلَا يَخْطِبَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يُنْكِحَ غَيْرَهُ " رَوَاهُ حَرْبٌ
…
.
وَلِأَنَّ الْخِطْبَةَ مُقَدِّمَةُ النِّكَاحِ وَسَبَبٌ إِلَيْهِ، كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ سَبَبٌ لِلْوَطْءِ، وَالشَّرْعُ قَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، وَلِأَنَّ الْخِطْبَةَ كَلَامٌ فِي النِّكَاحِ وَذِكْرٌ لَهُ وَرُبَّمَا طَالَ فِيهِ الْكَلَامُ، وَحَصَلَ بِهَا أَنْوَاعٌ مِنْ ذِكْرِ النِّسَاءِ، وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلِأَنَّ الْخِطْبَةَ تُوجِبُ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِالْمَخْطُوبَةِ وَاسْتِثْقَالَ الْإِحْرَامِ وَالتَّعَجُّلَ إِلَى انْقِضَائِهِ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْخِطْبَةِ، كَمَا يَقْتَضِي الْعَقْدُ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِالْمَنْكُوحَةِ، وَلِهَذَا مُنِعَتِ الْمُعْتَدَّةُ أَنْ تُخْطَبَ كَمَا مُنِعَتْ أَنْ تُنْكَحَ، وَنُهِيَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْطِبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ كَمَا نُهِيَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَسْأَلَ طَلَاقَ أُخْتِهَا.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَقَدَ سَوَّى كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخِطْبَةِ كَرَاهَةً وَحَظْرًا.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا يُمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ ; لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فَهُوَ كَالْخَاطِبِ
…
، أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُكْرَهُ مُطْلَقًا إِذْ لَا نَصَّ فِيهَا، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
فَأَمَّا تَوْكِيلُ غَيْرِهِ أَوِ التَّوَكُّلُ لَهُ
…
.
[مَسْأَلَةٌ الْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ]
مَسْأَلَةٌ: (الثَّامِنُ: الْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَإِنْ أَنْزَلَ بِهَا فَفِيهَا بَدَنَةٌ، وَإِلَّا فَفِيهَا شَاةٌ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ مَسْأَلَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ لِشَهْوَةٍ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقُبْلَةُ وَالْغَمْزُ وَالْوَطْءُ دُونَ الْفَرْجِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ بَاشَرَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ بَهِيمَةً
…
، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ وَلَا النَّظَرُ لِشَهْوَةٍ.
عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: " أَنَّ عَائِشَةَ سُئِلَتْ مَا يَحِلُّ لِلصَّائِمِ مِنِ امْرَأَتِهِ؟ قَالَتْ: كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الْفَرْجَ، قِيلَ لَهَا: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا؟ قَالَتْ: مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، قِيلَ لَهَا: مَا يَحْرُمُ إِذَا كَانَا مُحْرِمَيْنِ؟ قَالَتْ: كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا كَلَامَهَا " رَوَاهُ أَحْمَدً.
وَمَنْ بَاشَرَ لِشَهْوَةٍ وَلَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ ذَلِكَ إِجْمَاعٌ، لَكِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَأَمَّا قَدْرُهَا فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيهِ رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ شَاةٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ وَسَوَاءٌ بَاشَرَ بِوَطْءٍ دُونَ الْفَرْجِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، نَصَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ فِي الَّذِي يَقْبِضُ عَلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ، قَالَ: يُهَرْيِقُ دَمَ شَاةٍ تَجْزِيهِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِي الَّذِي يُقَبِّلُ لِشَهْوَةٍ: أَكْثَرُ النَّاسِ يَقُولُونَ: فِيهِ دَمٌ، وَذَكَرَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَأَبِي مَعْشَرٍ
وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ: أَنَّهُ عَلَيْهِ دَمًا.
قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا يَعُدْ " وَلَمَ يُحْكَ عَنْ أَحَدٍ أَنَّ عَلَيْهِ بَدَنَةً، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ فِي الْمُحْرِمِ يُقَبِّلُ امْرَأَتَهُ: عَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ أَنْزَلَ فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ ; لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ مُجَرَّدٌ لَا إِنْزَالَ مَعَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ بَدَنَةٌ فِي جَمِيعِ الْمُبَاشَرَاتِ إِذَا كَانَتْ فِي الْحَجِّ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي مُحْرِمٍ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ: فَسَدَ حَجُّهُ، فَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، مِثْلُ الشَّرِيفِ وَأَبِي الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُ مُبَاشَرَةٌ لِشَهْوَةٍ أَوْجَبَ كَفَّارَةً فَكَانَ بَدَنَةً كَالْوَطْءِ، وَهَذَا لِأَنَّ جِنْسَ الْمُبَاشَرَة أَغْلَظُ الْمَحْظُورَاتِ، فَتَعَلَّقَ بِجِنْسِهَا أَرْفَعُ الْكَفَّارَاتِ وَهُوَ الْبَدَنَةُ جَزَاءً لِكُلِّ مَحْظُورٍ بِقَدْرِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْفَرْقُ بِالْإِفْسَادِ ; لِأَنَّ الْإِفْسَادَ يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ.
وَالْأَجْوَدُ إِقْرَارُ نُصُوصِ الْإِمَامِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُبَاشَرَةُ وَطْأً دُونَ الْفَرْجِ فَفِيهَا بَدَنَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ قُبْلَةً أَوْ غَمْزًا فَفِيهَا شَاةٌ، كَمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا فِي التَّعْزِيرِ
…
.
وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي مُحْرِمٍ أَتَى أَهْلَهُ دُونَ الْفَرْجِ: فَسَدَ حَجُّهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى حَاجَتَهُ.
وَلَمْ يَذْكُرْ إِنْزَالًا، لَكِنْ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا أَنْزَلَ الْمَنِيَّ بِالْمُبَاشَرَةِ بِقُبْلَةٍ أَوْ غَمْزٍ أَوْ بِالْوَطْءِ دُونَ الْفَرَجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ؟ عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ:
أَحَدُهَا: يَفْسُدُ حَجُّهُ كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ فِي الْقُبْلَةِ، وَنَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ وَابْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي الْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ ; لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ أَفْسَدَهَا الْوَطْءُ أَفْسَدَهَا الْإِنْزَالُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ كَالصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ لَا سِيَّمَا وَمَنْعُ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ أَشَدُّ مِنْ مَنْعِ الصِّيَامِ، فَإِذَا أَفْسَدَ مَا لَا يَعْظُمُ وَقْعُهُ فِيهِ، فَإِفْسَادُ مَا يَعْظُمُ وَقْعُهُ أَوْلَى.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ مَعَ الْإِنْزَالِ قَدْ يَحْصُلُ بِهَا مِنَ الْمَقْصُودِ وَاللَّذَّةِ أَكْثَرُ مِنَ الْوَطْءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ إِنْزَالٍ ; وَلِهَذَا مَا زَالَ الْإِنْزَالُ مُوجِبًا لِلْغُسْلِ، وَالْوَطْءُ الْمُجَرَّدُ
قَدْ عَرِيَ عَنِ الْغُسْلِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَفْسُدُ، نَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ فِي الْمُبَاشَرَةِ إِذَا أَمْنَى مُطْلَقًا، وَنَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ فِي الْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ إِذَا أَنْزَلَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ
…
; لِأَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْجِمَاعِ.
وَالْمُبَاشَرَةُ دُونَ الْفَرْجِ دُونَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ بِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِفْسَادُ مُعَلَّقًا بِمَا فِي الْجِمَاعِ مِنَ الْخَصَائِصِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ وَبَيْنَ الْقُبْلَةِ وَالْغَمْزِ، فَإِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ فَسَدَ حَجُّهُ، وَإِنْ قَبَّلَ فَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ، وَهَذِهِ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّانِيَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُبَاشَرَةِ خِلَافًا.
فَإِنْ قُلْنَا: قَدْ فَسَدَ حَجُّه، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ بِلَا رَيْبٍ فِي الْحَجِّ، وَإِنْ قُلْنَا: لَمْ يَفْسُدْ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ فِي الْمُبَاشَرَةِ إِذَا أَمْنَى مُطْلَقًا، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْقُبْلَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُبَاشَرَاتِ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ
إِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ وَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَإِنْ قَبَّلَ فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى أَوْ لَمْ يُمْنِ وَلَمْ يُمْذِ أَرْجُو أَنْ يَجْزِيَهُ شَاةٌ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَلَوْ بَاشَرَهَا كَانَ عَلَيْهِ دَمُ شَاةٍ، وَلَوْ قَبَّلَهَا لَزِمَهُ دَمُ شَاةٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي فَسَادِ حَجِّهِ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ أَمْذَى بِالْمُبَاشَرَةِ فَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْمُبَاشَرَةِ الْمُجَرَّدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا، الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: لَا أَثَرَ لَهَا، كَمَا لَا أَثَرَ لَهَا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ لِشَهْوَةٍ، فَإِنْ نَظَرَ لِشَهْوَةٍ فَلَمْ يُنْزِلْ .... قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَإِنْ نَظَرَ فَصَرَفَ بَصَرَهُ فَأَمْنَى فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَإِنْ أَمْذَى فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ أَمْنَى لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهَلْ هُوَ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: عَلَيْهِ بَدَنَةٌ فِي مُطْلَقِ الْإِنْزَالِ، وَالْأُخْرَى: عَلَيْهِ بَدَنَةٌ إِنْ أَمْنَى وَشَاةٌ إِنْ أَمْذَى، وَذَكَرَ أَنَّهَا اخْتِيَارُ شَيْخِهِ، وَهَذَا غَلَطٌ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ قَالَ:" جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَحْرَمْتُ فَأَتَتْنِي فُلَانَةٌ فِي زِينَتِهَا فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ سَبَقَتْنِي شَهْوَتِي، فَضَحِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ رحمه الله حَتَّى اسْتَلْقَى ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَشَبِقٌ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ أَهْرِقْ دَمًا وَقَدْ تَمَّ حَجُّكَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَفِي رِوَايَةِ النَّجَّادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُحْرِمٍ نَظَرَ إِلَى امْرَأَتِهِ حَتَّى أَمْنَى، قَالَ: عَلَيْهِ شَاةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ:" جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِهَذِهِ وَفَعَلَ، إِنَّهَا تَطَيَّبَتْ وَأَتَتْنِي كَلَّمَتْنِي وَحَدَّثَتْنِي حَتَّى سَبَقَتْنِي الشَّهْوَةُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: انْحَرْ بَدَنَةً وَتَمَّ حَجُّكَ ".
وَلَا نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي التَّابِعِينَ، بَلِ الْمَنْقُولُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ " أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا وَحَجُّهُ تَامٌّ ".
وَقَالَ عَطَاءٌ: " عَلَيْهِ نَاقَةٌ يَنْحَرُهَا " وَقَالَ الْحَسَنُ: " عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ ".
وَهَذَا لِأَنَّ تَكْرَارَ النَّظَرِ لِشَهْوَةٍ حَرَامٌ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْإِنْزَالُ تَغَلَّظَ فَأَوْجَبَ الْفِدْيَةَ كَالْمُبَاشَرَةِ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ الْحَجُّ لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ .... ، وَيَتَخَرَّجُ فَسَادُ الْحَجِّ كَالصَّوْمِ.
ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: يَجِبُ بَدَنَةٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ
…
، وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَرَّرَ النَّظَرَ، فَأَمَّا النَّظْرَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا تَعَمَّدَهَا وَلَمْ يُدِمْهَا فَأَمْنَى فَعَلَيْهِ شَاةٌ، هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ: إِذَا كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ بَدَنَةً، قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إِذَا أَمْنَى مِنْ
نَظَرٍ وَكَانَ لِشَهْوَةٍ: فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَإِنْ أَمْذَى فَعَلَيْهِ شَاةٌ. وَإِنْ أَمْنَى، أَوْ أَمْذَى بِفِكْرٍ غَالِبٍ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَدْعَى الْفِكْرَ: فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفِكْرَ كَالنَّظَرِ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَسْتَدِمْهُ: فَفِيهِ دَمٌ، وَإِنِ اسْتَدَامَهُ، فَهَلْ فِيهِ بَدَنَةٌ، أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَلَا يَفْسَدُ الْحَجُّ بِحَالٍ، وَيَتَخَرَّجُ فِي النَّظَرِ وَالتَّفْكِيرِ إِذَا اسْتَدَامَهُمَا أَنْ يَفْسَدَ الْحَجُّ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ فِي التَّفْكِيرِ يَتَحَمَّلُ الْوَجْهَيْنِ، زَعَمَ الْقَاضِي: أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالتَّفْكِيرِ حُكْمٌ، وَزَعَمَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَدْعَى مِنْهُ حُكْمٌ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَأَحْمَدَ بْنِ جَمِيلٍ - فِي مُحْرِمٍ نَظَرَ فَأَمْنَى: فَعَلَيْهِ دَمٌ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ ذَكَرَ شَيْئًا فَأَمْنَى؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ، قِيلَ لَهُ: وَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
فَمِنْ حَيْثُ جَعَلَ فِي الْإِنْزَالِ بِالنَّظَرِ دَمًا، وَلَمْ يَجْعَلْ فِي الْإِنْزَالِ بِالذِّكْرِ شَيْئًا، بَلْ نَهَاهُ عَنْهُ: كَانَ قَوْلُ الْقَاضِي مُتَوَجِّهًا، وَمِنْ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ فِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ مَا يَذْكُرُهُ عَمْدًا: يَتَوَجَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ. إِلَّا أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: اسْتِدْعَاءُ الْفِكْرِ مَكْرُوهٌ، فَيُنْهَى عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ حَيْثُ الْغَالِبُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْكَرَاهَةِ، فَالْفَرْقُ عَادَ إِلَى هَذَا لَا إِلَى وُجُوبِ الدَّمِ.