الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالْمُدَّعِي لما علم أَن الْقُرْآن طافح بِهَذِهِ الْأَشْيَاء وَبِهَذَا الإشارات قَالَ هَذِه الْأَشْيَاء دلالتها كالإلغاز
أَو مَا علم الْمَغْرُور أَن أسرار العقائد الَّتِي لَا تحملهَا عقول الْعَوام لَا تَأتي إِلَّا كَذَلِك وَأَيْنَ فِي الْقُرْآن مَا يَنْفِي الجسمية إِلَّا على سَبِيل الإلغاز وَهل تفتخر الأذهان إِلَّا فِي استنباط الخفيات كاستنباط الشَّافِعِي رضي الله عنه الْإِجْمَاع من قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وكاستنباط الْقيَاس من قَوْله تَعَالَى {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار} وكما استنبط الشَّافِعِي خِيَار الْمجْلس من نَهْيه صلى الله عليه وسلم عَن البيع على بيع أَخِيه
وزبدة الْمَسْأَلَة أَن العقائد لم يُكَلف النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْجُمْهُور مِنْهَا إِلَّا بِلَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله كَمَا أجَاب مَالك الشَّافِعِي رضي الله عنهما ووكل الْبَاقِي إِلَى الله وَمَا سمع مِنْهُ وَلَا عَن أَصْحَابه فِيهَا شَيْء إِلَّا كَلِمَات معدودات فَهَذَا الَّذِي يخفى مثله ويلغز فِي إفادته
الْفَصْل الثَّانِي
فِي إبِْطَال مَا موه بِهِ الْمُدَّعِي من أَن الْقُرْآن وَالْخَبَر اشتملا على مَا يُوهم ظَاهره مَا يتنزه الله تَعَالَى عَنهُ على قَول الْمُتَكَلِّمين فَنَقُول
قَالَ الله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ} الْآيَة
دلّت هَذِه الْآيَة على أَن من الْقُرْآن محكما وَمِنْه متشابها والمتشابه قد أَمر العَبْد برد تَأْوِيله إِلَى الله وَإِلَى الراسخين فِي الْعلم فَنَقُول بعد ذَلِك إِنَّمَا لم تأت النُّبُوَّة بِالنَّصِّ ظَاهرا على المتشابهة
لِأَن جلّ مَقْصُود النُّبُوَّة هِدَايَة عُمُوم النَّاس فَلَمَّا كَانَ الْأَكْثَر محكما وألجمت الْعَامَّة عَن الْخَوْض فِي الْمُتَشَابه حصل الْمَقْصُود لَوْلَا أَن يقيض الله تَعَالَى لَهُم شَيْطَانا يستهويهم ويهلكهم وَلَو أظهر الْمُتَشَابه لضعفت عقول الْعَالم عَن إِدْرَاكه
ثمَّ من فَوَائِد الْمُتَشَابه رفْعَة مَرَاتِب الْعلمَاء بَعضهم على بعض كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَفَوق كل ذِي علم عليم} وَتَحْصِيل زِيَادَة الأجور بالسعي فِي تفهمها وتفهيمها وتعلمها وتعليهما
وَأَيْضًا لَو كَانَ وَاضحا جليا مفهوما بِذَاتِهِ لما تعلم النَّاس سَائِر الْعُلُوم بل هجرت بِالْكُلِّيَّةِ ووضح الْكتاب بِذَاتِهِ وَلما احْتِيجَ إِلَى علم من الْعُلُوم الْمعينَة على فهم كَلَامه تَعَالَى ثمَّ خُوطِبَ فِي الْمُتَشَابه بِمَا هُوَ عَظِيم بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَإِن كَانَ الْأَمر أعظم مِنْهُ كَمَا نبه عَلَيْهِ عبد الْعَزِيز الْمَاجشون فِي القبضة وكما قَالَ تَعَالَى فِي نعيم أهل الْجنَّة {فِي سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود وَمَاء مسكوب} الْآيَة
فَهَذَا عَظِيم عِنْدهم وَإِن كَانَ فِي الْجنَّة مَا هُوَ أعظم مِنْهُ كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم حِكَايَة على الله عز وجل (أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر)
نسْأَل الله الْعَظِيم أَن يَجْعَل فِيهَا قرارنا وَأَن ينور بصيرتنا وأبصارنا وَأَن يَجْعَل ذَلِك لوجهه الْكَرِيم بمنه وَكَرمه
وَنحن نَنْتَظِر مَا يرد من تمويهه وفساده لنبين مدارج زيغه وعناده ونجاهد فِي الله حق جهاده وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين