الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(أَرض بهَا الشّرف الرفيع وَغَايَة الْعِزّ
…
المنيع ومسكن الأجواد)
(أوطنتها فَخرجت مِنْهَا عنْوَة
…
بمكائد الْأَعْدَاء والحساد)
وَقَالَ
(يَا منيتي أملي ببابك وَاقِف
…
والجود يَأْبَى أَن يكون مضاعا)
(أَشْكُو إِلَيْك صبَابَة قد أترعت
…
لي كأس وجد فِي الْهوى إتراعا)
(ونزاع شوق لم تزل أَيدي النَّوَى
…
تنمي بِهِ حَتَّى اسْتَحَالَ نزاعا)
(لم يبْق لي أمل سواك فَإِن تفت
…
ودعت أَيَّام الْحَيَاة وداعا)
(لم أستلذ بِغَيْر وَجهك منْظرًا
…
وَسوى حَدِيثك لَا أحب سَمَاعا)
وَقَالَ
(من عذيري من معشر هجروا الْعقل
…
وحادوا عَن طرقه المستقيمه)
(لَا يرَوْنَ الإسنان قد نَالَ حظا
…
من صَلَاح حَتَّى يكون بهيمه)
فصل فِي شَيْء من نثره وَهُوَ كثير
وَله ديوَان خطب مُفْرد مَعْرُوف وَنحن نذْكر هُنَا مَا هُوَ بَالغ فِي الإجادة مِمَّا خرج عَن ديوانه فَمن ذَلِك قَوْله فِي خطْبَة شرح الْإِلْمَام
أما بعد حمد الله فَإِن الْفِقْه فِي الدّين منزلَة لَا يخفى شرفها وعلاؤها
وَلَا تحتجب عَن الْعُقُول طوالعها وأضواؤها وأرفعها بعد فهم كتاب الله الْمنزل الْبَحْث عَن مَعَاني حَدِيث نبيه الْمُرْسل إِذْ بِذَاكَ تثبت الْقَوَاعِد ويستقر الأساس
وَعنهُ يقوم الْإِجْمَاع ويصدر الْقيَاس وَمَا تعين شرعا تعين تَقْدِيمه شروعا وَمَا يكون مَحْمُولا على الرَّأْس لَا يحسن أَن يَجْعَل مَوْضُوعا لَكِن شَرط ذَلِك عندنَا أَن يحفظ هَذَا النظام وَيجْعَل الرَّأْي هُوَ الْمَأْمُوم وَالنَّص هُوَ الإِمَام وَترد الْمذَاهب إِلَيْهِ وَترد الآراء المنتشرة حَتَّى تقف بَين يَدَيْهِ وَأما أَن يَجْعَل الْفَرْع أصلا وَيرد النَّص إِلَيْهِ بالتكلف والتحيل وَيحمل على أبعد المحامل بلطافة الْوَهم وسعة التخيل ويرتكب فِي تَقْرِير الآراء الصعب والذلول وَيحْتَمل من التأويلات مَا تنفر مِنْهُ النُّفُوس وتستنكره الْعُقُول فَلذَلِك عندنَا من أردإ مَذْهَب وأسوإ طَريقَة وَلَا تعتقد أَنه يحصل مَعَه النَّصِيحَة للدّين على الْحَقِيقَة وَكَيف يَقع أَمر مَعَ رُجْحَان منافيه وأنى يَصح الْوَزْن بميزان مَال أحد الْجَانِبَيْنِ فِيهِ وَمَتى ينصف حَاكم ملكته غضبية العصبية وَأَيْنَ يَقع الْحق من خاطر أَخَذته الْعِزَّة بالحمية
ثمَّ أَخذ فِي ذَلِك إِلَى مُنْتَهى الْخطْبَة
وَمن ذَلِك خطْبَة شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب
الْحَمد لله منزل الْكتاب ومفصل الْخطاب وفاتح أَبْوَاب الصَّوَاب ومانح أَسبَاب الثَّوَاب
أَحْمَده وهباته تنزل بِغَيْر حِسَاب وأعبده وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب وأرجوه وأخافه فبيده الثَّوَاب وَالْعِقَاب
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَى الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة مُقَدمَات دلائلها مبينَة الْأَسْبَاب ونتيجة اعتقادها جنَّة مفتحة الْأَبْوَاب
قَالَ اللص لعمري لقد حسنت عبارتك ونمقتها وَحسنت إشارتك وطبقتها وَنَثَرت خيرك على فخ ضيرك وَقد قيل فِي الْمثل السائر على أَلْسِنَة الْعَرَب أنْجز حر مَا وعد أدْرك الْأسد قبل أَن يلتقي على الفريسة لحياه وَلَا يُعْجِبك من عَدو حسن محياه وَأنْشد
(لَا تخدش وَجه الحبيب فَإنَّا
…
قد كشفناه قبل كشفك عَنهُ)
(واطلعنا عَلَيْهِ وَالْمُتوَلِّيّ
…
قطع أذن الْعيار أعير مِنْهُ)
ألم يزْعم القَاضِي أَنه كتب الحَدِيث زَمَانا وَلَقي فِيهِ كهولا وشبانا حَتَّى فَازَ ببكره وعونه وَحَازَ مِنْهُ فقر متونه وعيونه
قَالَ القَاضِي أجل
قَالَ اللص فَأَي شَيْء كتبت فِي هَذَا الْمثل الَّذِي ضربت لَك فِيهِ الْمثل وأعملت الْحِيَل
قَالَ القَاضِي مَا يحضرني فِي هَذَا الْمقَام الْحَرج حَدِيث أسْندهُ وَلَا خبر أوردهُ فقد قطعت هيبتك كَلَامي وصدعت قبضتك عِظَامِي فلساني كليل وجناني عليل وخاطري نافر ولبي طَائِر
قَالَ اللص فليسكن لبك وليطمئن قَلْبك اسْمَع مَا أَقُول وَتَكون بثيابك حَتَّى لَا تذْهب ثِيَابك إِلَّا بالفوائد
قَالَ القَاضِي هَات
قَالَ اللص حَدثنِي أبي عَن جدي عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (يَمِين الْمُكْره لَا تلْزمهُ فَإِن حلف وَحنث فَلَا شَيْء عَلَيْهِ) وَأَنت إِن حَلَفت حَلَفت مكْرها وَإِن حنثت فَلَا شَيْء عَلَيْك انْزعْ ثِيَابك
وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عبد وَرَسُوله أرْسلهُ وَقد طَال زمن الفترة ونسيت الْآدَاب وَبعد عهد النُّبُوَّة فَزَالَ الْحق وانجاب فمنازل الْهدى خراب ومعاهده لَا تعتاد وَلَا تنتاب وَلِلنَّاسِ بالشهوات والشبهات إعجاب حَتَّى أفرد النّظر بالدنيا وادعي تعدد الأرباب فَاخْتَارَ الله مُحَمَّدًا فِي أشرف الْأَنْسَاب وخيرة الأحساب نذيرا بَين يَدي الْعَذَاب وبشيرا لمن أطَاع الْحق وَأجَاب وأيده بمعجزات تدفع عَارض الارتياب وَتكشف أنوار الْيَقِين لَيْسَ دونهَا حجاب وَتَدَع الْقُلُوب مطمئنة لَا ترتاع من جَانب الشُّبُهَات وَلَا ترتاب فصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد صَلَاة وَسلَامًا يدْخل فيهمَا الْآل وَالْأَصْحَاب
أما بعد فَإِن التصنيف فِي علم الْأَحْكَام وتبيين الْحَلَال من الْحَرَام وَإِن كَانَت شدَّة الْحَاجة إِلَيْهِ توجب وقف الهمم عَلَيْهِ ووقوف الْإِمْكَان بَين يَدَيْهِ فَإِن شدَّة خطره وعظيم غرره مِمَّا يُوجب مهابة الشُّرُوع فِي تِلْكَ المشارع والتوقف عَن الحكم على مَقَاصِد الشَّارِع
مَا هِيَ إِلَّا أَعْرَاض تنتهك وأجسام تنتهك وأعمال يتعب لَهَا وَينصب وأموال يثبت ملكهَا ويسلب وَدِمَاء تعصم وتسفح وأبضاع تحرم أَو تنْكح
هَذَا مَعَ تشعب مواقع النّظر وتعارض مسالك العبر وملال يعتري الأذهان وتقصير جبل عَلَيْهِ طبع الْإِنْسَان
فالطريق خَفِي المسارب والغاية مخوفة العواقب وَمَا قل من ذَلِك يتقوى الخاطر الرادع ويتوقى الرَّأْي الخادع وَيخَاف الآمن ويقلق الرادع
وَلَقَد كَانَ سلفنا الصَّالح رضوَان الله عَلَيْهِم لطريق هَذَا الْخَوْف سالكين ولأزمة الْوَرع والخشية مالكين فتدافعوا الْفَتْوَى لشدَّة التَّقْوَى وَأَجَابُوا عَن الْيَسِير عِنْدَمَا سئلوا عَن الْكثير وأجروا الدُّمُوع فرقا وجروا إِلَى غَايَة التَّحَرِّي طلقا
ثمَّ آل الْأَمر إِلَى التسامح والتساهل والغفلة والتغافل فأطلقت أَعِنَّة الأقلام وَأرْسلت بَوَادِر الْكَلَام وطوي بِسَاط التورع راسا وعد التَّوَقُّف جَهَالَة أَو وسواسا وتوهموا التسرع دَلِيلا على كَثْرَة الْحَاصِل والإحجام عَلامَة على قلَّة الْوَاصِل وَأحد الْأَمريْنِ لَازم لَهُم إِمَّا أَن يدعوا أَنهم أعلم مِمَّن سبق أَو يسلمُوا أَنهم مَا طرق قُلُوبهم من مَخَافَة الله مَا ألم بقلوب العارفين وطرق هَذَا مَا يتَعَلَّق بغرور الْأُخْرَى
وَأما فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ يعم كل تصنيف فَإِن الْمَرْء يتعب أفكاره ويكد ليله ونهاره ويقدح زناد القريحة حَتَّى يرى قدحه ويرقب فجر الْحَقَائِق حَتَّى يتبلج صبحه ويروض مصاعب النّظر حَتَّى يصحب جامحها ويستدني شوارد العبر حَتَّى يقرب نازحها فَإِذا ينجلي لَهُ من ذَلِك نادرة أبداها وَتَأمل أَن يودع بالفكر خاتمتها ويتلقى بالشكر مبداها قَامَ الْحَاسِد فقبح تِلْكَ الصُّورَة الْحَسَنَة وشانها وحقر تِلْكَ الْجُمْلَة الجميلة وشانها وَقَالَ بِلِسَان الْحَال أَو الْمقَال لقد دلاك أَيهَا المُصَنّف الْغرُور واستهواك الْغرُور وخاب العنا وصفر الإنا وطاش السهْم وَطَالَ الْوَهم وطاح الْفَهم فالروض هشيم والمرتع وخيم والمورد وشل وَإِن ظن أَنه جميم إِلَى أَمْثَال ذَلِك
من أثر الْحَسَد الَّذِي يدع الخواطر فِي كمد والنفوس فِي مجاهدتها فِي كبد ويكسف البال ويقلص الآمال ويكدر من المشرب العذب الزلَال وَيحرم من الأحالة السحر الْحَلَال ويقبح من الْإِحْسَان أجمل الْجلَال حَتَّى إِن الْكتاب الَّذِي صنفه الإِمَام الْعَلامَة الْأَفْضَل أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن عمر بن أبي بكر الدويني الأَصْل الصعيدي المولد الْمَعْرُوف بِابْن الْحَاجِب رحمه الله وَسَماهُ الْجَامِع بَين الْأُمَّهَات أَتَى فِيهِ بالعجب العجاب ودعا قصي الإجادة فَكَانَ المجاب وراض عصي المُرَاد فَزَالَ شماسه وانجاب وَأبْدى مَا حَقه أَن تصرف أَعِنَّة الشُّكْر إِلَيْهِ وتلقى مقاليد الِاسْتِحْسَان بَين يَدَيْهِ وَأَن يُبَالغ فِي استحسانه ويشكر نفحات خاطره ونفثات لِسَانه فَإِنَّهُ رحمه الله تيسرت لَهُ البلاغة فتفيأ ظلها الظليل وتفجرت ينابيع الْحِكْمَة فَكَانَ خاطره بِبَطن المسيل وَقرب المرمى فَخفف الْحمل الثقيل وَقَامَ بوظيفة الإيجاز فناداه لِسَان الْإِنْصَاف مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل
وَمَعَ ذَلِك فَلم يعْدم الذام حسناؤه وَلَا روعي اجْتِهَاده فِي خدمَة الْعلم واعتناؤه بل أنحي على مقاصده فذمت أنحاؤه وَقصد أَن يستكفأ من الإحسانه صَحِيفَته
وإناؤه فَتَارَة يعاب لَفظه بالتعقيد وطورا يُقَال لقد رمى الْمَعْنى من أمد بعيد وَمرَّة ينْسب إِلَى السَّهْو والغلط وَأُخْرَى رجح غير الْمَشْهُور وَذَلِكَ مَعْدُود من السقط وَجعل ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى التنفير عَن كِتَابه والتزهيد فِيهِ والغض مِمَّن يتبع أثر سلوكه ويقتفيه وَهَذَا عندنَا من الْجور الْبَين وَالطَّرِيق الَّذِي سلوك سواهُ والعدول عَنهُ مُتَعَيّن
فَأَما الِاعْتِرَاض بالتعقيد والإغماض فَرُبمَا كَانَ سَببه بعد الْفَهم ويعد الذَّنب هُنَاكَ للطرف لَا للنجم وَإِنَّمَا وضعت هَذِه المختصرات لقرائح غير قرائح وخواطر إِذا اسْتَسْقَيْت كَانَت مواطر وأذهان يتقد أوارها وأفكار إِذا رامت الْغَايَة قصر مضمارها فَرُبمَا أَخذهَا الْقَاصِر ذهنا فَمَا فك لَهَا لفظا وَلَا طرق معنى فَإِن وقف هُنَاكَ وَسلم سلم وَإِن أنف بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّقْصِير فَأطلق لِسَانه أَثم وَهُوَ مُخطئ فِي أول سلوك الطَّرِيق وظالم لنَفسِهِ حَيْثُ حملهَا مَالا تطِيق
وسبيل هَذِه الطَّبَقَة أَن تطلب المبسوطات الَّتِي تفردت فِي إيضاحها وأبرزت مَعَانِيهَا سافرة عَن نقابها مَشْهُورَة بغررها وأوضاحها
والحكيم من يقر الْأُمُور فِي نصابها وَيُعْطِي كل طبقَة مَالا يَلِيق إِلَّا بهَا
وَأما السَّهْو والغلط فَمَا أمكن تَأْوِيله على شَيْء يتَأَوَّل وَمَا وجد سَبِيل وَاضح إِلَى تَوْجِيه حمل على أحسن محمل وَمَا استدت فِيهِ الطّرق الْوَاضِحَة وتؤملت أَسبَاب حسنه أَو صِحَّته فَلم تكن لائحة فلسنا ندعي لغير مَعْصُوم عصمه وَلَا نتكلف تَقْدِير مَا نعتقده غَلطا بِأَن ذَلِك أبهج وصمه فَالْحق أولى مَا رفع علمه وروعيت ذممه ووفيت من الْعِنَايَة قسمه وَأقسم الْمُحَقق أَن لَا يعافه فبر قسمه وعزم النّظر أَن يلْزم موقفه فثبتت قدمه
وَلَكِن لَا نجْعَل ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى ترك الصَّوَاب الجم وَلَا نستحل أَن نُقِيم فِي حق المُصَنّف شَيْئا إِلَى ارْتِكَاب مركب الذَّم والذنب الْوَاحِد لَا يهجر لَهُ الحبيب وَالرَّوْضَة الْحَسْنَاء لَا تتْرك لموْضِع قبر جديب والحسنات يذْهبن السَّيِّئَات وَترك الْمصَالح الراجحة للمفاسد المرجوحة من أعظم المباآت وَالْكَلَام يحمل بعضه بَعْضًا وَمن أسخطه تَقْصِير يسير فسيقف على إِحْسَان كَبِير فيرضى
وَلَو ذَهَبْنَا نَتْرُك كل كتاب وَقع فِيهِ غلط أَو فرط من مُصَنفه سَهْو أَو سقط لضاق علينا المجال وَقصر السجال وجحدنا فَضَائِل الرِّجَال وفاتنا فَوَائِد تكاثر عديد الْحَصَا وفقدنا عوائد هِيَ أجدى علينا من تفاريق الْعَصَا
وَلَقَد نفع الله الْأمة بكتب طارت كل المطار وَجَازَت أجواز الفلوات وأثباج الْبحار وَمَا فِيهَا إِلَّا مَا وَقع فِيهِ عيب وَعرف مِنْهُ غلط بِغَيْر شكّ وَلَا ريب وَلم يَجعله النَّاس سَببا لرفضها وهجرها وَلَا توقفوا عَن الاستضاءة بأنوار الْهِدَايَة من أفق فجرها
وسلكنا عِنْد الْإِنْصَاف تِلْكَ السَّبِيل وَلَا بدع فِي أَن يعْطى الشَّخْص حكم السغب والتبتيل
(يَا ابْن الأعارب مَا علينا باس
…
لم نأب إِلَّا مَا أَبَاهُ النَّاس)
على أَنه لما طَال الزَّمَان قَلِيلا عَاد جد ذَلِك السغب قَلِيلا فحفظ هَذَا الْكتاب الْحفاظ واعتني مِنْهُ بالمعاني والألفاظ وشدت عَلَيْهِ يَد الضنانة والحفاظ وَقَامَت لَهُ سوق لَا يدعيها ذُو الْمجَاز وَلَا عكاظ فوكلت بِهِ الأسماع والأبصار وَكَثُرت لَهُ الأعوان وَالْأَنْصَار وسكنت الدهماء فَحَمدَ ذَلِك النَّقْع المثار وَأسسَ بِنَاء الْإِنْصَاف على التَّقْوَى فهدم مَسْجِد الضرار فابيضت تِلْكَ اللَّيَالِي السود وَمَات الْحَسَد أَو مَاتَ الْمَحْسُود فَكَانَ كَمَا قلت
(ادأب على جمع الْفَضَائِل جاهدا
…
وأدم لَهَا تَعب القريحة والجسد)
(واقصد بهَا وَجه الْإِلَه ونفع من
…
بلغته مِمَّن جد فِيهَا واجتهد)
(واترك كَلَام الحاسدين وبغيهم
…
هملا فَبعد الْمَوْت يَنْقَطِع الْحَسَد)
فقد آن إِذن وَحقّ أَن نشرح هَذَا الْكتاب شرحا يعين النَّاظر يه على فك لَفظه وَفهم مَعَانِيه على وَجه يسهل للماهر مساغه وذوقه وَيرْفَع القاصد فيلحقه بِدَرَجَة من هُوَ فَوْقه ويسلك سَبِيل مَعْرفَته ذللا وَيدْرك بِهِ ناظره من وضوحه أملا
فاستخرت الله تَعَالَى فِي وضع هَذَا الشَّرْح قَاصِدا فِيهِ لعشرة أُمُور
الأول التَّعَرُّض لبسط أَلْفَاظه المقفلة وإيضاح مَعَانِيه المشكلة وَإِظْهَار مضمراته الْمُهْملَة فأذكر الْمسَائِل أَو المسئلة أبسط الْعبارَة فِيهَا وأقتصر على ذَلِك إِن رَأَيْت أَنه يكفيها وَإِلَّا رجعت إِلَى تَنْزِيل أَلْفَاظ الْكتاب على ذَلِك الَّذِي بسطته موضعا موضعا لأجمع بَين الْبَيَان الإجمالي والتفصيلي مَعًا اللَّهُمَّ إِلَّا مَوَاضِع يسيرَة أَخذ الْإِشْكَال بخنقها ورامت الأذهان الرائقة سلوكها فَالْتبسَ عَلَيْهَا جَمِيع طرقها فَإنَّا نطوي تِلْكَ على غرها ونربأ بِأَنْفُسِنَا عَن ركُوب مراكب العسف مستعيذين بِاللَّه من شَرها والعاقل يخْتَار السُّكُوت على التَّخْلِيط وَإِذا لم يكن بُد من أحد الحملين فجيء هَذَا بالبسيط
على أَنِّي لَا أَجْزم بِالصِّحَّةِ لتِلْك الْمَوَاضِع وَلَا أعتقد الْعِصْمَة إِلَّا لمن يشْهد لَهُ بهَا القواطع وَلَقَد سَمِعت أبي رحمه الله يَحْكِي مَا مَعْنَاهُ أَو قريب مِنْهُ أَن المُصَنّف سُئِلَ عَن شَيْء من هَذَا الْكتاب فَلم يَأْتِ مِنْهُ بِجَوَاب وَذكر أَنه إِنَّمَا وَضعه على الصِّحَّة
الثَّانِي تَفْسِير أَلْفَاظه الغريبة واللغوية وَكَيْفِيَّة النُّطْق بهَا على مُقْتَضى الْعَرَبيَّة وَذكر شَيْء من الاشتقاقات الأدبية والتحرز مِمَّا يعد من لحن الْعَوام والتحفظ من التَّصْحِيف الَّذِي هُوَ إِحْدَى القوام وَلَقَد بلي بذلك من ضعفة الْفُقَهَاء من
صفر من الْأَدَب مزاده وَقل فِي طَرِيق الْعَرَبيَّة زَاده وَخفت عَن تِلْكَ اللطائف طباعه وتناءت عَن تِلْكَ المناهل رباعه
الثَّالِث أنسب الْأَقْوَال الْمُهْملَة إِلَى أَرْبَابهَا إِذا أطلقت وأميز أَقْوَال الإِمَام من أَقْوَال الصَّحَابَة إِذا علمت الْمُخَالفَة بَينهم تحققت وَأبين الْأَصَح من الْقَوْلَيْنِ إِذا لم يبين وأعين الْأَشْهر من الْخلاف إِذا لم يعين كل ذَلِك بِحَسب مَا انْتهى علمي إِلَيْهِ ووقف بحثي بِحَسب الْحَال الْحَاضِر عَلَيْهِ
الرَّابِع أراعي فِي الْمسَائِل المذهبية التَّوْجِيه وَالتَّعْلِيل وَلَا أدعها تَتَرَدَّد بَين أنحاء التَّعْلِيل فَمَا قويت فِي الِاعْتِبَار منته ومبانيه ورجحت عِنْد النظار رتبته ودرايته أوضحت الطَّرِيق إِلَيْهِ أَي إِيضَاح وجلوت الْحق هُنَالك كَالْقَمَرِ اللياح وَمَا ضعفت من الْقَوَاعِد مادته وخفيت على التَّحْقِيق جادته اكتفيت فِيهِ بالميسور من التَّعْلِيل أَو أخذت على غَيْرِي فحكيت مَا قيل فَمَا كل مسك يصلح وعَاء للمسك وَلَا كل ضَعِيف يوسم بسمة التّرْك
الْخَامِس أحكم من صناعَة الحَدِيث مَا أوردهُ وأتقن مَا أنص فِيهِ وأسرده فَإِن حكمت بِصِحَّة حَدِيث بِإِسْنَاد ذَلِك إِلَيّ فَبعد أَن أنزع رِدَاء التعصب عَن مَنْكِبي وأؤدي حق النَّصِيحَة للسّنة كَمَا يتَعَيَّن وأحترز من الْميل إِلَى نصر مَذْهَب معِين فَإِن وجد الْمُسْتَدلّ مَطْلُوبه بنى على أوثق أساس وَإِلَّا فليعدل إِلَى غير النَّص من أَنْوَاع الِاسْتِدْلَال وَالْقِيَاس
وَإِن حكيت الصِّحَّة عَن غَيْرِي فَعَن حق لَا تمتد يَد الشَّك إِلَى لبسه وَقد قيل من أحَال على غَيره فقد احتاط لنَفسِهِ وَمَا عزوته إِلَى الْكتب الْمَشْهُورَة فَهُوَ فِيهَا عِنْد الْمُرَاجَعَة مَوْجُود فَإِن وجد فِي مظنته وَإِلَّا فَعِنْدَ التتبع يحصد الْمَقْصُود
وَقد وَقع لجَماعَة من الْفُقَهَاء وَغَيرهم فِي ذَلِك خلل وأقدم بَعضهم على أَمر ليته عَنهُ نكل
وَقد حكيت فِي هَذَا الْكتاب من غرائب الْأَخْبَار وشوارد الْآثَار مَا يعز وجوده عِنْد الْفُقَهَاء الَّذين خصوا الْفِقْه بالعناية وحصوا جنَاح الْمسير إِلَى الرِّوَايَة
السَّادِس مَا جزمت بنقله عَن أَئِمَّة الِاجْتِهَاد تحريت فِيهِ ومنحته من طَرِيق الِاحْتِيَاط مَا يَكْفِيهِ فَإِن كَانَ من أحد الْمذَاهب الْأَرْبَعَة نقلته من كتب أَصْحَاب وأخذته عَن الْمَتْن فَأتيت الْأَمر من بَابه وَلم أعتبر حِكَايَة الْغَيْر عَنْهُم فَإِنَّهُ طَرِيق وَقع فِيهِ الْخلَل وتعدد من جمَاعَة من النقلَة فِيهِ الزلل وَحكى المخالفون للمذاهب عَنْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا
وَمَا كَانَ من الْأَقْوَال للْمُتَقَدِّمين للصاحبة وَمن شَذَّ عَمَّن ذَكرْنَاهُ من الْمُخَالفين فاعتمادي فِيهِ على كتاب الإشراف لِلْحَافِظِ أبي بكر بن الْمُنْذر رحمه الله فبأنواره اهتديت وبطريقه
إِلَى تِلْكَ الْغَايَة اقتديت فَإِن لم يكن فِيهِ ذَلِك النَّقْل وَلم أره فِيهِ نقلت من غَيره بِعِبَارَة ملخصة فَقلت وَحكي عَن فلَان كَذَا أَو عَن فلَان كَذَا إِلَّا مَا جزمت بِصِحَّتِهِ فَإِنِّي أقطع القَوْل بنسبته إِلَيْهِ
وَلما كنت لَا أرى لأحد قولا إِلَّا مَا نَص عَلَيْهِ وَتعذر عَليّ فِي كثير من الْمسَائِل معرفَة نَص صَاحبه الْمَذْهَب لكَون المسئلة مُتَّفقا عَلَيْهَا عِنْد ناقلته رَأَيْت أَن أَقُول فِي مثل ذَلِك قَالَت الْحَنَفِيَّة أَو الشَّافِعِيَّة أَو الحنبلية أَو قَالَ الْحَنَفِيّ أَو الْحَنْبَلِيّ وَمَا قلت قد نقل عَن فلَان أَو اشْتهر عَنهُ فَلَا ألزم نَقله عَن كتب أَصْحَاب ذَلِك الإِمَام لصدق اللَّفْظ الْمَذْكُور وَإِن لم ينْقل من كتبهمْ
السَّابِع أذكر فِي الْمسَائِل الخلافية الْمَعْرُوفَة بمسائل الطَّرِيقَة مواد أصل الِاجْتِهَاد فَإِن تعدّدت اخْتَرْت الأمتن وقصدت الْأَحْسَن لَا على وَجه الإطالة الْمُوجبَة للملالة وَلَا على طَريقَة الْإِجْمَال المفضي إِلَى الْإِخْلَال
ثمَّ إِن لأهل عصرنا وَمَا واتاه نكتا رشيقة وطرقا روضاتها أنيقة أخذُوا فِيهَا مَأْخَذ الْإِعْرَاب وأبدوا عرائسها كالكواكب الأتراب وأملوا الإبداع فأدركوا التأميل وظفروا فِيهِ بالمعلى لما أرْسلُوا أقداح المجيل إِلَّا أَن أَكْثَرهم أولع
من تَعْبِير الْمُبين وَبَالغ فِي إغلاقها حَتَّى لَا تكَاد تبين إِنَّمَا هُوَ جِدَال كالجلاد وخيال تزخرفه الْأَلْسِنَة الْحداد فَلم أر إخلاء هَذَا الْكتاب عَن شَيْء مِنْهَا وَلَا استحسنت مَعَ ظرافها أَن أعرض بِالْكُلِّيَّةِ عَنْهَا فكسوت بعض الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة ذَلِك الوشي المرقوم وأنفت أَن يُضحي صَاحب هَذِه الصَّنْعَة بأثر من رزقها محروم وَلم أبالغ فِي الإغلاق والإبهام وَلَا أكثرت من هَذَا النَّوْع فَإِنَّهُ خُرُوج عَن المصطلح فِي كتب الْأَحْكَام
الثَّامِن مَا أسلكه من الطّرق فِي الْحجَّاج لَا أروغ فِيهِ روغان الثعالب وَلَا أرجح من جَانب مَا ضعفته فِي جَانب وَلَا ألتزم فَسَاد الذَّم عِنْد الْمُخَالفَة بِمثلِهِ وَلَا أَضَع شخصا تقدم مني ذكر فَضله وَلَا أسلك طَرِيق الْيمن فَإِن رضيت مدحت وَإِن سخطت قدحت وَلَا أتهافت فَإِن فعلت فَمَا أنصفت نَفسِي وَلَا نصحت فَلَقَد فعل ذَلِك قوم أوجبوا السَّبِيل إِلَى ذمهم فأقروا عِنْد ذكر الْعُيُوب عين خصمهم فَأطَال عَلَيْهِم فِي التشنيع وبدد بِسوء ذَلِك الصَّنِيع وَنسب إِلَيْهِم مجاولة تغليط النَّاظر وتوهم فيهم أَن الْمَقْصُود المغالبة فِي الْوَقْت الْحَاضِر وَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك وَلَا حَاجَة إِلَى سلوك هَذِه المسالك
التَّاسِع لست بالراغب فِي جلب زَوَائِد الْفُرُوع المسطورة وَحصر شوارد الْمسَائِل الْمَذْكُورَة مَا لم يتضمنه هَذَا الْمَجْمُوع وَلَا رفع ذكر هَذَا الْمَوْضُوع فَإِن الْمَقْصُود إِنَّمَا هُوَ الشَّرْح فليتوقف الْغَرَض عَلَيْهِ ولتتوجه الدَّوَاعِي والهمم إِلَيْهِ واللائق بذلك الْغَرَض كتب الْمسَائِل الَّتِي قصد إِلَى جمعهَا واستقل أَصْحَاب التصانيف بوضعها وَلكُل غَايَة طَرِيق قَاصد يُنَاسِبهَا وَلكُل عَزمَة مَأْخَذ من نَحْو مَا يصاحبها
فَأَما الْأَقْوَال الْمُتَّصِلَة بِمَا وَضعه المُصَنّف وَذكره وَالْفُرُوع الْمُقَارنَة لما نظمه وسطره فَإِنِّي أمنحها طرفا من الْعِنَايَة وأوليها جَانب الْولَايَة
الْعَاشِر أذكر الاستشكالات فِي مبَاحث أنبه فِيهَا فهم الباحث وأرسلها إرْسَالًا وَلَا أدعها تسير أَرْسَالًا وأوسع للنَّاظِر فِيهِ مجالا حَتَّى إِذا خرج من السعَة للضيق وتبارز فِي ميدان التسابق فرسَان التَّحْقِيق وأخرجت أَحْكَام النُّفُوس من السّير وَكَانَ الطَّرِيق ميتاء ينفذها الْبَصَر ويستسير فِيهَا العير وسلمت الممادح من القوادح وَوَقع الْإِنْصَاف فَرُبمَا فضل الْجذع على القارح فهناك تنكشف الأستار عَن الْحَقَائِق وَتبين الْفَضِيلَة لسيل الْوَجِيه وَلَا حق