الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
49 -
(باب في الرجل)
[103]
إلخ (مِنَ اللَّيْلِ) إِنَّمَا خُصَّ نَوْمُ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ لِلْغَلَبَةِ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ يَقْتَضِي إِلْحَاقَ نَوْمِ النَّهَارِ بِنَوْمِ اللَّيْلِ (يَدَهُ) بِالْإِفْرَادِ
قال الحافظ والمراد باليد ها هنا الْكَفُّ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ فَلَا يَغْمِسْ هُوَ أَبْيَنُ فِي الْمُرَادِ مِنْ رِوَايَةِ الْإِدْخَالِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِدْخَالِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَرَاهَةٌ كَمَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي إِنَاءٍ وَاسِعٍ فَاغْتَرَفَ مِنْهُ بِإِنَاءٍ صَغِيرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُلَامِسَ يَدُهُ الْمَاءَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) هَكَذَا ذَكَرَ لَفْظَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ جَابِرٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
وَأَمَأَ الْأَعْرَجُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَثَابِتٌ فَرَوَوْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدُونِ ذِكْرِ الثَّلَاثِ لَكِنَّ زِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهَا وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ فَلَوْ خَالَفَ وَغَمَسَ الْيَدَ لَمْ يَفْسُدِ الْمَاءُ
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ لَا يُنَجَّسْ إِنْ كَانَ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ بِلَفْظِ فَإِنْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَلْيُرِقْ ذَلِكَ الْمَاءَ لكنه حديث ضعيف أخرجه بن عَدِيٍّ وَقَالَ هَذِهِ زِيَادَةٌ مُنْكَرَةٌ لَا تُحْفَظُ
(فإنه) أي الغامس (باتت يده) زاد بن خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْهُ أَيْ مِنْ جَسَدِهِ أَيْ لَا يَدْرِي تَعْيِينَ الْمَوْضِعِ الَّذِي بَاتَتْ فِيهِ أَيْ هَلْ لَاقَتْ مَكَانًا طَاهِرًا مِنْهُ أَوْ نَجِسًا أَوْ بَثْرَةً أَوْ جُرْحًا أَوْ أَثَرَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ بَعْدَ ابْتِلَالِ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَوْ بِنَحْوِ عَرَقٍ
قَالَ الْحَافِظُ وَمُقْتَضَاهُ إِلْحَاقُ مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ دَرَى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ كَمَنْ لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً مَثَلًا فَاسْتَيْقَظَ وَهِيَ عَلَى حَالِهَا أَنْ لَا كَرَاهَةَ وَإِنْ كَانَ غَسْلُهَا مُسْتَحَبًّا عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْمُسْتَيْقِظِ
وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لِلتَّعَبُّدِ كَمَالِكٍ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ شَاكٍّ وَمُتَيَقِّنٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَعْنَى قَوْلِهِ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ إِنَّ أَهْلَ
الْحِجَازِ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ فَإِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ عَرِقَ فَلَا يَأْمَنُ النَّائِمُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ النَّجِسِ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ قَذِرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[105]
(أَوْ أَيْنَ كَانَتْ) قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرْدِيدٌ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ نَجَّسَتْهُ وَإِنْ قَلَّتْ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَإِنَّهَا تُنَجِّسُهُ لِأَنَّ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالْيَدِ وَلَا يُرَى قَلِيلٌ جِدًّا وَكَانَتْ عَادَتُهُمُ اسْتِعْمَالَ الْأَوَانِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْ قُلَّتَيْنِ بَلْ لَا تُقَارِبُهَا
وَرَدَّ بَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ فِي صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ حَدِيثَ قُلَّتَيْنِ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ
وأجاب عن إِمَامُ عَصْرِهِ وَأُسْتَاذُ دَهْرِهِ الْعَلَّامَةُ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ الْمُفَسِّرُ شَيْخُنَا وَمُعَلِّمُنَا السَّيِّدُ مُحَمَّدُ نَذِير حُسَيْن الدَّهْلَوِيُّ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ بِجَوَابٍ كَافٍ شُفِيَتْ بِهِ صُدُورُ النَّاسِ وَبُهِتَ الْمُعْتَرِضُ
وَمِنْهَا الْفَرْقُ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَوُرُودِهَا عَلَيْهِ وَأَنَّهَا إِذْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَّسَتْهُ وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا أَزَالَهَا وَمِنْهَا أَنَّ الْغَسْلَ سَبْعًا لَيْسَ عَامًّا فِي جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ خَاصَّةً وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِهِ فِي الْمُتَوَهَّمَةِ فَفِي الْمُحَقَّقَةِ أَوْلَى وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الِاحْتِيَاطِ إِلَى حَدِّ الْوَسْوَسَةِ
قاله النووي
[106]
50 باب صفة
إلخ (تَوَضَّأَ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُجْمَلَةٌ عُطِفَتْ عَلَيْهَا بِجُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ لَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ (فَأَفْرَغَ) أَيْ فَصَبَّ الْمَاءَ وَالْفَاءُ فِيهِ لِلْعَطْفِ أَيْ عَطْفُ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُجْمَلِ (يَدَيْهِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَلَى كَفَّيْهِ (ثَلَاثًا) أَيْ إِفْرَاغًا ثَلَاثَ مِرَارٍ (ثُمَّ مَضْمَضَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَمَضْمَضَ أَيْ بِأَنْ أَدَارَ الْمَاءَ فِي فِيهِ
وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ عَدَدِ الْمَضْمَضَةِ وَيَجِيءُ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُلَيْكَةَ ذِكْرُ الْعَدَدِ
قَالَ الْحَافِظُ أَصْلُ الْمَضْمَضَةِ فِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ ثُمَّ اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَتَحْرِيكِهِ وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ فَأَكْمَلُهُ أَنْ يَضَعَ الْمَاءَ فِي الْفَمِ ثُمَّ يُدِيرَهُ ثُمَّ يَمُجَّهُ
انْتَهَى
(وَاسْتَنْثَرَ) قَالَ النَّوَوِيُّ الِاسْتِنْثَارُ هُوَ إِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنَ الْأَنْفِ بَعْدَ الاستنشاق
وقال بن العربي وبن قُتَيْبَةَ الِاسْتِنْثَارُ هُوَ الِاسْتِنْشَاقُ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى اسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ هِيَ الْأَنْفُ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ رَوَى سَلَمَةُ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ نَثَرَ الرَّجُلُ وَاسْتَنْثَرَ إِذَا حَرَّكَ النَّثْرَةَ فِي الطَّهَارَةِ
انْتَهَى
وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا (وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْخِيرِ غَسْلِ الْوَجْهِ عَنِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قُصَاصِ الشَّعْرِ إِلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ طُولًا وَمِنْ شَحْمَةِ الْأُذُنِ عَرْضًا (الْيُمْنَى إِلَى) مَعَ (الْمَرْفِقِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالْعَكْسِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ (مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ ثَلَاثًا إِلَى الْمِرْفَقِ (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) لَمْ يَذْكُرْ عَدَدَ الْمَسْحِ كَغَيْرِهِ فَاقْتَضَى الِاقْتِصَارَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ
قَالَ الْحَافِظُ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ فِي الْمَسْحِ كَمَا فِي الْغَسْلِ وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ (مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ غَسْلَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ مَعَ الْكَعْبَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَاسْتِيعَابِ جَمِيعِهِمَا بِالْغَسْلِ وَانْفَرَدَتِ الرَّافِضَةُ عَنِ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا الْوَاجِبُ فِي الرِّجْلَيْنِ الْمَسْحُ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْهُمْ فَقَدْ تَظَاهَرَتِ النُّصُوصُ بِإِيجَابِ غَسْلِهِمَا وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ كُلُّ من نقل وضوء رسول الله عَلَى أَنَّهُ غَسَلَهُمَا وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَلَوْ شَعْرَةً وَاحِدَةً
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ اسْتِيعَابِهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ الْوَاجِبُ رُبْعُهُ
قُلْتُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ هُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فَقَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَقَتَادَةُ وَرَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إنهما سنتان في الوضوء والغسل
وقال بن أَبِي لَيْلَى وَحَمَّادٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ
رَاهْوَيْهِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلَ لَا يَصِحَّانِ إِلَّا بِهِمَا
قُلْتُ هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَتَجِيءُ دَلَائِلُهُ فِي بَابِ الِاسْتِنْثَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ فِي الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وداود والظاهري وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ إِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَاجِبٌ فِيهِمَا وَالْمَضْمَضَةُ سُنَّةٌ فِيهِمَا
حَكَاهُ النَّوَوِيُّ
وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ الدَّلْكُ وَانْفَرَدَ مَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ بِاشْتِرَاطِهِ وَاتَّفَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْكَعْبَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ وَانْفَرَدَ زُفَرُ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ بِقَوْلِهِمَا لَا يَجِبُ
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَيْنِ الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَفِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ وَشَذَّتْ الرَّافِضَةُ فَقَالَتْ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ
وَحُجَّةُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ نَقْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَوْلُهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَأَثْبَتَ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (ثُمَّ قَالَ) عُثْمَانُ رضي الله عنه (ثُمَّ قَالَ) رسول الله (وُضُوئِي هَذَا) أَيْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيعَابِ وَالْكَمَالِ بِأَنْ لَمْ يَقْصُرْ عَمَّا تَوَضَّأْتُ بِهِ (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ الْوُضُوءِ (لَا يُحَدِّثُ) مِنَ التَّحْدِيثِ (فِيهِمَا) فِي الرَّكْعَتَيْنِ (نَفْسَهُ) مَفْعُولُ لَا يُحَدِّثُ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْمُرَادُ بِهِ لَا يُحَدِّثُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَلَوْ عَرَضَ (لَهُ) حَدِيثٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ لِمُجَرَّدِ عُرُوضِهِ عُفِيَ عَنْ ذَلِكَ وَحَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَقَدْ عُفِيَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَوَاطِرِ الَّتِي تَعْرِضُ وَلَا تَسْتَقِرُّ
وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُرَادُ بِهِ مَا تَسْتَرْسِلُ النَّفْسُ مَعَهُ وَيُمْكِنُ الْمَرْءَ قَطْعُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ يُحَدِّثُ يَقْتَضِي تَكَسُّبًا مِنْهُ فَأَمَّا مَا يَهْجُمُ مِنَ الْخَطَرَاتِ وَالْوَسَاوِسِ وَيَتَعَذَّرُ دَفْعُهُ فَذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ (مِنْ ذَنْبِهِ) مِنَ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنَ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً
فَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي ظَاهِرُهُ يَعُمُّ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ لَكِنْ خَصُّوهُ بِالصَّغَائِرِ لِوُرُودِهِ مُقَيَّدًا بِاسْتِثْنَاءِ الْكَبَائِرِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ كَبَائِرُ وَصَغَائِرُ فَمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الصَّغَائِرُ كَفَّرَتْ عَنْهُ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْكَبَائِرُ خُفِّفَ عَنْهُ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا لِصَاحِبِ الصَّغَائِرِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ صَغَائِرُ وَلَا كَبَائِرُ يُزَادُ فِي حَسَنَاتِهِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ التَّعْلِيمُ بِالْفِعْلِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ وَأَضْبَطَ لِلْمُتَعَلِّمِ وَالتَّرْتِيبُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِلْإِتْيَانِ فِي جَمِيعِهَا بِثُمَّ وَالتَّرْغِيبُ فِي الْإِخْلَاصِ وَتَحْذِيرُ مَنْ لَهَا فِي صَلَاتِهِ بِالتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[107]
(فَذَكَرَ) أَيْ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حُمْرَانَ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَبُو سَلَمَةَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا (الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْثَارَ) كَمَا ذَكَرَهَا عَطَاءٌ عَنْ حُمْرَانَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الِاسْتِنْشَاقُ بَدَلَ الِاسْتِنْثَارِ (وَقَالَ) أَبُو سَلَمَةَ (فِيهِ) أَيْ فِي حديثه (ثم قال) عثمان (وقال) النبي (مَنْ تَوَضَّأَ دُونَ هَذَا) بِأَنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَبَعْضَهُ ثَلَاثًا (كَفَاهُ) الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ وَاثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَبُو سَلَمَةَ (أَمْرَ الصَّلَاةِ) أَيْ ذَكَرَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْبِشَارَةَ لَهُ بِالْغُفْرَانِ كَمَا ذَكَرَ عَطَاءٌ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حُمْرَانَ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِهِ
[108]
(الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ) بِالْكَسْرِ وَسُكُونِ السِّينِ وَالنُّونِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بَلَدٌ عَلَى طَرَفِ بَحْرِ المغرب من آخر حد ديار مصر (بن أَبِي مُلَيْكَةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مليكة القرشي التيمي ثقة (فقال) أي بن أَبِي مُلَيْكَةَ (فَأُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِمِيضَأَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ فَهَمْزَةٌ فَهَاءٌ إناء التوضي تسع ماءا قَدْرَ مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ وَهِيَ بِالْقَصْرِ مِفْعَلَةٌ وَبِالْمَدِّ مِفْعَالَةٌ
كَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) فِي الْمِيضَأَةِ (فَأَخَذَ مَاءً) جَدِيدًا (فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ) وَفِيهِ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ مُسِحَ بِهِ الرَّأْسُ (فَغَسَلَ) أَيْ مَسَحَ وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْغَسْلِ عَلَى الْمَسْحِ وَالْفَاءَاتُ الْعَاطِفَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لِلتَّرْتِيبِ الْمَعْنَوِيِّ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا حَاصِلًا بَعْدَ مَا قَبْلَهَا فِي الْوَاقِعِ وَأَمَّا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَغَسَلَ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ وَهُوَ عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ فَهِيَ تُفَصِّلُ مَا أُجْمِلَ فِي مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ
وَتُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ مَسْحِهِمَا (بُطُونَهُمَا أَيْ دَاخِلَ الْأُذُنِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ (وَظُهُورَهُمَا) أَيْ خَارِجَ الْأُذُنَيْنِ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ (مَرَّةً وَاحِدَةً) أَيْ مَسَحَ الرَّأْسَ وَالْأُذُنَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَمْسَحْهُمَا ثَلَاثًا (أَحَادِيثُ عُثْمَانَ) الَّتِي هِيَ (الصِّحَاحُ) أَيْ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا (كُلُّهَا) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ (أَحَادِيثُ)(أَنَّهُ) أَيِ الْمَسْحُ كَانَ (مَرَّةً) وَاحِدَةً دُونَ الثَّلَاثِ (فَإِنَّهُمْ) أَيِ النَّاقِلِينَ لِوُضُوءِ عُثْمَانَ كَعَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ وَكَأَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ عُثْمَانَ (ثَلَاثًا) لِكُلِّ عُضْوٍ (وَقَالُوا) هَؤُلَاءِ (فِيهَا) فِي أَحَادِيثِهِمْ (لَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا) لِمَسْحِ الرَّأْسِ (كَمَا ذَكَرُوا) عَدَدَ الْغَسْلِ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ مَسْحِ الرَّأْسِ كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالرِّجْلَيْنِ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِيهَا التَّثْلِيثَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَسْحَ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه زَادَ عَلَيْهَا لَذَكَرَهُ الرَّاوِي بَلْ ذكر بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ إِنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ عَنْ عُثْمَانَ لَيْسَ فِيهَا عَدَدٌ لِمَسْحِ الرَّأْسِ وَإِنَّهُ أَوْرَدَ العدد من طريقين صحح أحدهما بن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ فَيُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ عَلَى إِرَادَةِ اسْتِثْنَاءِ الطَّرِيقَيْنِ الذين ذَكَرَهُمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ إِلَّا هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ
قُلْتُ كأنه يشير بقوله صحح أحدهما بن خُزَيْمَةَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَرْدَانَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ فَإِنَّ سَنَدَهُ صَحِيحٌ وَفِيهِ تَثْلِيثُ مَسْحِ الرَّأْسِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ
قَالَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْرُ عَدَدِ الْمَسْحِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ فِي الْمَسْحِ كَمَا فِي الْغَسْلِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بظاهر رواية لمسلم أن النبي تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُجْمَلٌ تَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ يُخْتَصُّ بِالْمَغْسُولِ
وَقَالَ بن المنذر إن الثابت عن النبي تَوَضَّأَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَبِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ فَلَا يُقَاسُ عَلَى الْغَسْلِ الْمُرَادِ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِسْبَاغِ وَبِأَنَّ الْعَدَدَ لَوِ اعْتُبِرَ فِي الْمَسْحِ لَصَارَ فِي صُورَةِ الْغَسْلِ إِذْ حَقِيقَةُ الْغَسْلِ جَرَيَانُ الْمَاءِ
وَالدَّلْكُ لَيْسَ بِمُشْتَرَطٍ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَبَالَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ اسْتَحَبَّ تَثْلِيثَ مَسْحِ الرَّأْسِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ
فَقَدْ نقله بن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا الْأَزْرَقُ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الرَّأْسِ ثَلَاثًا يَأْخُذُ لِكُلِّ مَسْحَةٍ مَاءً جَدِيدًا وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَزَاذَانَ وَمَيْسَرَةَ وَكَذَا نَقَلَهُ بن المنذر
وقال بن السَّمْعَانِيِّ فِي الِاصْطِلَامِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ يُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ فَيَكُونُ مَسَحَ تَارَةً مَرَّةً وَتَارَةً ثَلَاثًا فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَسَحَ مَرَّةً حُجَّةٌ عَلَى مَنْعِ التَّعَدُّدِ
قُلْتُ التَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَحَادِيثَ الْمَسْحِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَكْثَرُ وَأَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنْ أَحَادِيثِ تَثْلِيثِ الْمَسْحِ وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ التَّثْلِيثِ أَيْضًا صَحِيحًا مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ لَكِنَّهُ لَا يُسَاوِيهَا فِي الْقُوَّةِ
فَالْمَسْحُ مَرَّةً وَاحِدَةً هُوَ الْمُخْتَارُ وَالتَّثْلِيثُ لَا بَأْسَ بِهِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ غَرِيبَةٍ عَنْ عُثْمَانَ وَفِيهَا مَسْحُ الرَّأْسِ ثَلَاثًا إِلَّا أَنَّهَا مَعَ خِلَافِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَحْتَجُّ بها
ومال بن الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ إِلَى تَصْحِيحِ التَّكْرِيرِ وَقَدْ وَرَدَ التَّكْرَارُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ خَيْرٍ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ أَيْضًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ثَلَاثًا وَمِنْهَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّةَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا وَمِنْهَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَمِنْهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَفِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ
كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
[109]
(إِلَى الْكُوعَيْنِ) الْكُوعُ بِضَمِّ الْكَافِ عَلَى وَزْنِ قُفْلٍ
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ طَرَفُ الْعَظْمِ الَّذِي عَلَى رُسْغِ الْيَدِ الْمُحَاذِي لِلْإِبْهَامِ وَهُمَا عَظْمَانِ مُتَلَاصِقَانِ فِي السَّاعِدِ أَحَدُهُمَا أَدَقُّ مِنَ الآخَرِ وَطَرَفَاهُمَا يَلْتَقِيَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ الْكَفِّ فَالَّذِي يَلِي الْخِنْصَرَ يُقَالُ لَهُ الْكُرْسُوعُ وَالَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ يُقَالُ لَهُ الْكُوعُ وَهُمَا عَظْمَا سَاعِدِ الذِّرَاعِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَالَ) أَيْ أَبُو عَلْقَمَةَ (ثُمَّ مَضْمَضَ) عُثْمَانُ (وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا) أَيْ أَدْخَلَ الْمَاءَ فِي أَنْفِهِ بِأَنْ جَذَبَهُ بِرِيحِ أَنْفِهِ وَمَعْنَى الِاسْتِنْثَارِ إِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنَ الْأَنْفِ بِرِيحِهِ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَوْ بِغَيْرِهَا بَعْدَ إِخْرَاجِ الْأَذَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْقِيَةِ مَجْرَى النَّفَسِ (وَذَكَرَ) أَيْ أَبُو عَلْقَمَةَ (الْوُضُوءَ ثَلَاثًا) يَعْنِي غَسْلَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ فِي الْوُضُوءِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى المرفقين
ثَلَاثًا ثَلَاثًا (قَالَ) أَبُو عَلْقَمَةَ (وَمَسَحَ) عُثْمَانُ (بِرَأْسِهِ) وَهَذَا مُطْلَقٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالثَّلَاثِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا جَاءَتْ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ (ثُمَّ سَاقَ) أَيْ أَبُو عَلْقَمَةَ حَدِيثَهُ هَذَا (نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ وَالتَّبْشِيرِ لِفَاعِلِهَا (وَأَتَمَّ) الْحَدِيثَ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سَاقَ
وَالْحَدِيثُ مَا أَخْرَجَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْخَمْسَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْمَكِّيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ
[110]
(ذِرَاعَيْهِ) الذِّرَاعُ الْيَدُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ لَكِنَّهَا مِنَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْمَرْفِقِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ
كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ (وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا) اخْتَصَرَ الرَّاوِي حَدِيثَهُ فَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مِنْهَا مَسْحُ الرَّأْسِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ تَثْلِيثِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَلِذَا ذَكَرَهُ (رَوَاهُ) أَيِ الْحَدِيثَ (وَكِيعُ) بْنُ الْجَرَّاحِ أَحَدُ الْأَعْلَامِ (قَالَ) وَكِيعٌ بِسَنَدِهِ (قَطْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ بِمَعْنَى حَسْبُ يُقَالُ قَطِي وَقَطْكَ وَقَطْ زَيْدٍ دِرْهَمٌ كَمَا يُقَالُ حَسْبِي وَحَسْبُكَ وَحَسْبُ زَيْدٍ دِرْهَمٌ إِلَّا أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى حَرْفَيْنِ وحسب معربة
قاله الإمام بن هِشَامٍ الْأَنْصَارِيُّ أَيْ أَنَّ وَكِيعًا اقْتَصَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى لَفْظِ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا فَقَطْ عَنْ إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُفَصِّلْ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي رِوَايَتِهِ كَمَا بَيَّنَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ بِقَوْلِهِ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَامِرُ بْنُ شَقِيقِ بْنِ جَمْرَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ
انْتَهَى
[111]
(أَتَانَا) فِي مَنَازِلِنَا وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَتَيْنَا أَيْ نَحْنُ فِي مَنْزِلِهِ (وَقَدْ صَلَّى) صَلَاةَ الْفَجْرِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَقُلْنَا) فِي أَنْفُسِنَا وَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ (مَا يَصْنَعُ) عَلِيٌّ (لِيُعَلِّمَنَا) بِأَنْ يَتَوَضَّأَ وَنَحْنُ نَرَى (وَطَسْتٌ) هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ أَصْلُهُ طَسٌّ أُبْدِلَ أَحَدُ السِّينَيْنِ تَاءً لِلِاسْتِثْقَالِ فَإِذَا جَمَعْتَ أَوْ صَغَّرْتَ رَدَدْتَ السِّينَ لِأَنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَهُمَا بِوَاوٍ أَوْ أَلِفٍ أَوْ يَاءٍ فَقُلْتَ طُسُوسٌ وَطِسَاسٌ وَطَسِيسٌ
وَحُكِيَ طَشْتٌ بِالشِّينِ مِنْ آنِيَةِ الصُّفْرِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِإِنَاءٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِنَاءِ أَيْ أَتَى بِالْمَاءِ فِي قَدَحٍ أَوْ إِبْرِيقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِيَتَوَضَّأَ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي فِيهِ وَأَتَى بِطَسْتٍ لِيَتَسَاقَطَ وَيَجْتَمِعَ فِيهِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ الْمُتَسَاقِطُ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الْقَوِيُّ لِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ بِسَنَدِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلِيٍّ وَفِيهِ فَأُتِيَ بَطَشْتٍ مِنْ ماء (واستنثر ثلاثا) المراد من الاستنثار ها هنا الِاسْتِنْشَاقُ كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا
وَفِي الْمَجْمَعِ عَنْ بَعْضِ شُرُوحِ الشِّفَا الِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ وَاحِدٌ لِحَدِيثِ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ بِدُونِ ذِكْرِ الِاسْتِنْشَاقِ وَقِيلَ غَيْرُهُ
انْتَهَى
(فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ) الْفَاءُ الْعَاطِفَةُ فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِرَارًا أَيْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَلَيْسَتْ هَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَحَذْفُهُمَا أَصْرَحُ (مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ فِيهِ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ الْمَاءَ أَيِ اسْتَنْشَقَ مِنَ الْكَفِّ الْيُمْنَى وَأَمَّا الِاسْتِنْثَارُ فَمِنَ الْيَدِ الْيُسْرَى كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ وَفِيهِ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى فَفَعَلَ هَذَا ثَلَاثًا (وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا) إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ أَيْ غَسَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الآخَرِ فَغَسَلَ الْيَدَ الْيُمْنَى أَوَّلًا ثُمَّ الْيَدَ الْيُسْرَى ثَانِيًا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا كَمَا وَقَعَ بِلَفْظِ ثُمَّ فِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ
فَمَا شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يُدَلِّكُونَ الْيَدَ الْيُمْنَى بِقَلِيلٍ مِنَ الْمَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ يُدَلِّكُونَ الْيَدَ الْيُسْرَى ثَانِيًا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ غَسْلُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْيُمْنَى (مَرَّةً وَاحِدَةً) قَالَ الْحَافِظُ بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُكَرِّرْ مَسْحَ رَأْسِهِ بَلْ كَانَ إِذَا كَرَّرَ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ أَفْرَدَ مَسْحَ الرَّأْسِ هَكَذَا جَاءَ عنه صريحا ولم يصح عنه خِلَافُهُ أَلْبَتَّةَ بَلْ مَا عَدَا هَذَا إِمَّا صَحِيحٌ غَيْرُ صَرِيحٍ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَإِمَّا صَرِيحٌ غَيْرُ صَحِيحٍ
انْتَهَى بِتَلْخِيصٍ
وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ عَلِيٌّ رضي الله عنه (مَنْ سَرَّهُ) مِنَ السُّرُورِ أَيْ فَرَّحَهُ (فَهُوَ هَذَا) أَيْ مِثْلُهُ أَوْ أَطْلَقَهُ عَلَيْهِ مُبَالَغَةً
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَ الترمذي وبن مَاجَهْ طَرَفًا مِنْهُ
انْتَهَى
[112]
(الْغَدَاةَ) أَيْ صَلَاةَ الصُّبْحِ (الرَّحْبَةَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَحَلَّةٌ بِالْكُوفَةِ
كَذَا فِي الْقَامُوسِ (فَأَفْرَغَ) أَيْ صَبَّ
قَوْلُهُ فَأَخَذَ الْإِنَاءَ إِلَى قَوْلِهِ ثَلَاثًا
هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَكَذَا فِي تَلْخِيصِ الْمُنْذِرِيِّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ قَالَ فَأَخَذَ الْإِنَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ أَخَذَ الْإِنَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فَأَخَذَ بِيَمِينِهِ الْإِنَاءَ فَأَكْفَأَهُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى الْإِنَاءَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى الْإِنَاءَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ فعله ثلاث مرات
قال عبدخير كُلُّ ذَلِكَ لَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (ثُمَّ سَاقَ) أَيْ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ (حَدِيثَ أَبِي عَوَانَةَ) الْمَذْكُورَ آنِفًا ثُمَّ قَالَ زَائِدَةُ فِي حَدِيثِهِ (مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ مَرَّةً) أَيْ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَوْلُهُ مُقَدَّمَهُ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ (ثُمَّ سَاقَ) زَائِدَةُ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ (حَدِيثِ) أَبِي عَوَانَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ
[113]
(مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ كَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَلَى وَهْمِ شُعْبَةَ فِي تَسْمِيَةِ شَيْخِهِ بِمَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ وَإِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ
قَالَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ لَيْسَ مَالِكَ بْنِ عُرْفُطَةَ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ فَأَخْطَأَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ عن عبدخير عَنْ عَلِيٍّ وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ مِثْلُ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَالصَّحِيحُ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ
انْتَهَى
وَيَجِيءُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ فِي آخِرِ الْبَابِ (بِكُرْسِيٍّ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هو السرير
(بكوز) بضم الكاف وهو ماله عُرْوَةٌ مِنْ أَوَانِي الشُّرْبِ وَمَا لَا فَهُوَ كوب (بماء واحد) قال الحافظ بن القيم في زاد المعاد وكان النبي يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ تَارَةً بِغَرْفَةٍ وَتَارَةً بِغَرْفَتَيْنِ وَتَارَةً بِثَلَاثٍ وَكَانَ يَصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فَيَأْخُذُ نِصْفَ الْغَرْفَةِ لِفَمِهِ وَنِصْفَهَا لِأَنْفِهِ وَلَا يُمْكِنُ فِي الْغَرْفَةِ إِلَّا هَذَا وَأَمَّا الْغَرْفَتَانِ وَالثَّلَاثُ فَيُمْكِنُ فِيهِمَا الْفَصْلُ وَالْوَصْلُ إِلَّا أَنَّ هَدْيَهُ كَانَ الْوَصْلَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ الله تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَفِي لَفْظٍ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ولم يجيء الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَلْبَتَّةَ
وَيَجِيءُ بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْتَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي مَوْضِعِهِ (وَذَكَرَ) شُعْبَةُ (الْحَدِيثَ) بِتَمَامِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذكر الحافظ المزي في الأطراف ها هنا أَيْ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عِبَارَاتٍ مِنْ قَوْلِ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَتْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ عِنْدِي لَكِنْ رَأَيْنَا إِثْبَاتَهَا لِتَكْمِيلِ الْفَائِدَةِ وَهِيَ هَذِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَمَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ إِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخْطَأَ فِيهِ شُعْبَةُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ أَبُو عَوَانَةَ يَوْمًا حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ عَنْ عبدخير فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو الْأَعْصَفُ رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا عَوَانَةَ هَذَا خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ وَلَكِنَّ شُعْبَةَ مُخْطِئٌ فِيهِ
فَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ هُوَ فِي كِتَابِي خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ وَلَكِنْ قَالَ شُعْبَةُ هُوَ مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَسَمَاعُهُ قَدِيمٌ قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ وَسَمَاعُهُ مُتَأَخِّرٌ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ
انْتَهَى
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مِنْ قَوْلِ أَبِي دَاوُدَ وَمَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ إِلَى قَوْلِهِ رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ
انْتَهَى
[114]
(أَبُو نُعَيْمٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ الْكُوفِيُّ الْحَافِظُ (الْكِنَانِيُّ) بِكَسْرِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ حَدِيث زَرٍّ عَنْ عَلِيٍّ هَذَا فِيهِ الْمِنْهَالُ بْنُ عمرو كان بن حَزْمٍ يَقُول لَا يُقْبَلُ فِي بَاقَة بَقْل
وَمِنْ رِوَايَته حَدِيث الْبَرَاءِ الطَّوِيل فِي عَذَاب الْقَبْر
وَالْمِنْهَالُ قَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وغيره
والذي غر بن حَزْمٍ شَيْئَانِ أَحَدهمَا قَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ
تَرَكَهُ شُعْبَةُ عَلَى عَمْد
وَالثَّانِي أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ دَاره صَوْت
الْكَافِ وَبَعْدَهَا النُّونُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْكِنَانَةِ (زِرِّ) بكسر الزاء الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (حُبَيْشٍ) مُصَغَّرًا (وَسُئِلَ) وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ (فَذَكَرَ) زِرٌّ (وَقَالَ) زِرٌّ فِي حَدِيثِهِ (وَمَسَحَ) عَلِيٌّ (لَمَّا يَقْطُرْ) لَمَّا بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ بِمَعْنَى لَمْ وَهِيَ عَلَى ثلاثة أوجه أحدهما أَنْ يَخْتَصَّ بِالْمُضَارِعِ فَتَجْزِمَهُ وَتَنْفِيَهُ وَتَقْلِبَهُ مَاضِيًا مِثْلَ لَمْ إِلَّا أَنَّهَا تُفَارِقُهَا فِي أُمُورٍ وَثَانِيهَا أَنْ تَخْتَصَّ بِالْمَاضِي فَتَقْتَضِي جُمْلَتَيْنِ وُجِدَتْ ثَانِيَتُهُمَا عِنْدَ وُجُودِ أُولَاهُمَا وَثَالِثُهَا أَنْ تَكُونَ حرف استثناء فتدخل على الجملة الاسمية وههنا لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْ لَمْ يَقْطُرِ الْمَاءُ عَنْ رأسه
قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرِ الْمَاءُ هِيَ بِمَعْنَى لَمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ النَّفْيَ بِلَمْ لَا يَلْزَمُ اتِّصَالُهُ بِالْحَالِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مُنْقَطِعًا نَحْوَ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لم يكن شيئا مذكورا وَقَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْحَالِ نَحْوَ وَلَمْ أَكُنْ بدعائك رب شقيا بِخِلَافِ لَمَّا فَإِنَّهُ يَجِبُ اتِّصَالُ نَفْيِهَا بِالْحَالِ الثَّانِي أَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ لَمَّا يَجُوزُ حَذْفُهُ اخْتِيَارًا وَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ بَعْدَ لَمْ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ الثَّالِثُ أَنَّ لَمْ تُصَاحِبُ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ نَحْوَ إِنْ لَمْ وَلَئِنْ لَمْ يَنْتَهُوا
انتهى كلامه
لكن لصاحب التوسط شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ مَسْلَكٌ آخَرُ فَقَالَ مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرْ فِي لَمَّا تَوَقُّعٌ أَيْ قَطْرُهُ مُتَوَقَّعٌ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَحْقِيقِ الْمَسْحِ وَعَدَمِ الْمُبَالَغَةِ بِحَيْثُ يَقْطُرُ وَعَكَسَ بَعْضٌ فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى التَّغْسِيلِ
قُلْتُ وَيُقَوِّي قَوْلَ صَاحِبِ التَّوَسُّطِ رِوَايَةُ مُعَاوِيَةَ الْآتِيَةُ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ عَنْ أَئِمَّةِ الصِّحَاحِ لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَالْحَدِيثُ أَعَلَّهُ أَبُو زُرْعَةَ إِنَّمَا يُرْوَى عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي حَيَّةَ عَنْ عَلِيٍّ
انتهى
وقال بن القطان لاأعلم لهذا الحديث علة
[115]
(قال رأيت إلخ) في هذا الحديث وفي بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ وَبَعْضِ مَا يَجِيءُ بَيَانُ غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً
وَالْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ سَنَدُهُ صحيح
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
طُنْبُور
وَقَدْ صَرَّحَ شُعْبَةُ بِهَذِهِ الْعِلَّة فَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ عَنْ وُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْت شُعْبَةَ يَقُول أَتَيْت المنهال بْنَ عَمْرٍو فَسَمِعْت عِنْده صَوْت طُنْبُورٍ فَرَجَعْت وَلَمْ أَسْأَلهُ قِيلَ فَهَلَّا سَأَلْته فَعَسَى كَانَ لَا يَعْلَم بِهِ وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ هَذَا مَا يَقْدَح فِيهِ
وَقَالَ بن الْقَطَّانِ وَلَا أَعْلَم لِهَذَا الْحَدِيث عِلَّة
[116]
(عَنْ أَبِي حَيَّةَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ المفتوحة هو بن قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ الْوَدَاعِيُّ
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ لايعرف تَفَرَّدَ عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ
قَالَ أَحْمَدُ أَبُو حية شيخ
وقال بن الْمَدِينِيِّ وَأَبُو الْوَلِيدِ مَجْهُولٌ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لايسمى وصحح خبره بن السَّكَنِ وَغَيْرُهُ وَفِي التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
واعلم أن عبارة الإسناد ها هنا فِي نُسَخِ الْكِتَابِ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا صُحِّحَ عِنْدِي وَتَحَقَّقَ لِي اعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ وَهَكَذَا وَجَدْتُ فِي الْأَطْرَافِ لِلْحَافِظِ الْمِزِّيِّ وَعِبَارَتُهُ هَكَذَا أَبُو حَيَّةَ بْنُ قَيْسٍ الْوَدَاعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ حَدِيثٌ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ أَيْ أَبُو دَاوُدَ فِي الطَّهَارَةِ عَنْ مُسَدَّدٍ وَأَبِي تَوْبَةَ الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ وَعَمْرِو بْنِ عَوْنٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْهُ بِهِ
وَقَالَ أَيْ أَبُو دَاوُدَ أَخْطَأَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَسَدِيُّ قَالَ فِيهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَيَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو حَيَّةَ
انْتَهَى كَلَامُ الْمِزِّيِّ
وَأَمَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَهَكَذَا حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو تَوْبَةَ قَالَا أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ أَنْبَأَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي حَيَّةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(فَذَكَرَ) أَبُو حَيَّةَ (كُلَّهُ) أَيْ غَسْلَ كُلِّ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ
ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ (أَنْ أُرِيكُمْ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ أَرَى يُرِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ
[117]
(دَخَلَ عَلَيَّ) بِالْيَاءِ لِلْمُتَكَلِّمِ (أَهْرَاقَ الْمَاءَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَالْمُضَارِعُ فِيهِ يُهْرِيقُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ هَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الْمُشْكِلَة جِدًّا وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ مَسَالِك النَّاس فِي دَفْع إِشْكَاله فَطَائِفَة ضَعَّفَتْهُ مِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ وَالَّذِي خَالَفَهُ أَكْثَر وَأَثْبَت مِنْهُ
وَأَمَّا الْحَدِيث الْآخَر يَعْنِي هَذَا فَلَيْسَ مِمَّا يُثْبِت أَهْل الْعِلْم بِالْحَدِيثِ لَوْ اِنْفَرَدَ
وَفِي هَذَا الْمَسْلَك نَظَر فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى في صحيحه حديث بن
بِسُكُونِ الْهَاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِاسْطَاعَ يَسْطِيعُ كَأَنَّ الْهَاءَ زِيدَتْ عَنْ حَرَكَةِ الْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَصْلِ وَلِهَذَا لَا نَظِيرَ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ والظاهر أن المراد بالماء ها هنا البول
قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ وَفِيهِ إِطْلَاقُ أَهْرَقْتُ الْمَاءَ وَأَمَّا مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَهْرَقْتُ الْمَاءَ وَلَكِنْ لِيَقُلِ الْبَوْلَ فَفِي إِسْنَادِهِ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَنْبَسَةَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ (بِوَضُوءٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيِ الْمَاءِ (بِتَوْرٍ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ يُشْرَبُ مِنْهُ وَقَدْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُؤْكَلُ مِنْهُ الطَّعَامُ (حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ) الْحَفْنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ أَخْذُ الشَّيْءِ بِرَاحَةِ الْكَفِّ وَضَمِّ الْأَصَابِعِ يُقَالُ حَفَنْتُ لَهُ حَفْنًا مِنْ باب ضرب والحفنة ملأ الْكَفَّيْنِ وَالْجَمْعُ حَفَنَاتٍ مِثْلُ سَجْدَةٍ وَسَجَدَاتٍ (فَضَرَبَ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدَيْهِ فَصَكَّ بِهِمَا وَجْهَهُ (بِهَا) أَيْ بِالْحَفْنَةِ (عَلَى وَجْهِهِ) قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي لطم وجهه بالماء وفي رواية بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فَصَكَّ بِهِ وَجْهَهُ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْبَابُ صَكِّ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ لِلْمُتَوَضِّئِ عِنْدَ إِرَادَتِهِ غَسْلَ وَجْهِهِ
انْتَهَى
وَفِي هَذَا رَدٌّ على العلماء الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الْوُضُوءِ أَنْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِهِ وَالْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ
وَقَالُوا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ لَا لَطْمُهُ لَكِنَّ رِوَايَةَ بن حِبَّانَ تَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ (ثُمَّ أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ) قَالَ فِي التَّوَسُّطِ أَيْ جَعْلَ الْإِبْهَامَيْنِ فِي الْأُذُنَيْنِ كَاللُّقْمَةِ
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دلالة لما كان بن شُرَيْحٍ يَفْعَلُهُ فَإِنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ الْأُذُنَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحُهُمَا أَيْضًا مُنْفَرِدَتَيْنِ عَمَلًا بِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما كَمَا سَيَأْتِي وَقَالَ فِي آخِره ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَة مِنْ مَاء فَرَشَّ بِهَا عَلَى رِجْله الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَة أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا يَعْنِي رِجْله الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأ
الْمَسْلَك الثَّانِي أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام ثم نسخ بأحاديث الغسل
وكان بن عَبَّاسٍ أَوَّلًا يَذْهَب إِلَيْهِ بِدَلِيلِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثْنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن عقيل أن عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ أَرْسَلَهُ إِلَى الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ يَسْأَلهَا عَنْ وُضُوء النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَر الْحَدِيث وَقَالَتْ ثُمَّ غَسَلَ رجليه قالت وقد أتاني بن عم لك تعني بن
تَطْهِيرُهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَمَعَ الرَّأْسِ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ وَأَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ أَيْ جَعَلَ إِبْهَامَيْهِ لِلْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ كَاللُّقْمَةِ لِلْفَمِ تُوضَعُ فِيهِ وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى أَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ مِنَ الْوَجْهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ
وَقَالَ مَالِكٌ مَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَاللِّحْيَةِ لَيْسَ مِنَ الوجه
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يجب على الأمر غسله دون الملتحي
قال بن تَيْمِيَّةَ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ وَفِيهِ أَيْضًا وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَغْسِلَ مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحَ مَا أَدْبَرَ مِنْهُمَا مَعَ الرَّأْسِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّعْبِيُّ وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْوَجْهِ فَيُغْسَلَانِ مَعَهُ وَذَهَبَ مَنْ عَدَاهُمْ إِلَى أَنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ فَيُمْسَحَانِ مَعَهُ
انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ
(ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلَ ذَلِكَ) بِالنَّصْبِ أَيْ فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِثْلَهُ (فَصَبَّهَا عَلَى نَاصِيَتِهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الصَّبَّ عَلَى النَّاصِيَةِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ ثَلَاثًا وَقَبْلَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مَرَّةٌ رَابِعَةٌ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَهَذَا خِلَافُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَيُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَقِيَ مِنْ أَعْلَى الْوَجْهِ شَيْءٌ وَلَمْ يُكْمِلْ فِيهِ الثَّلَاثَ فَأَكْمَلَ بِهَذِهِ الْقَبْضَةِ
قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا صَبَّ الْمَاءَ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ وَقَصَدَ بِذَلِكَ تَحَقُّقَ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ وَإِنَّمَا يَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لَتَحَقُّقِ غَسْلِ الْوَجْهِ
قَالَ السُّيُوطِيُّ وَعِنْدِي وَجْهٌ ثَالِثٌ فِي تَأْوِيلِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَا يُسَنُّ فِعْلُهُ بَعْدَ فَرَاغِ غَسْلِ الْوَجْهِ مِنْ أَخْذِ كَفِّ مَاءٍ وَإِسَالَتِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ أَنْ يَضَعَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ عَلَى جَبْهَتِهِ لِيَتَحَدَّرَ عَلَى وَجْهِهِ
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ رسول الله كان إذا توضأ فضل ماءا حَتَّى يُسِيلَهُ عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ
قُلْتُ مَا قَالَهُ السُّيُوطِيُّ هُوَ حَسَنٌ جِدًّا وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ لَكِنْ بَيْنَ حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَحَدِيثِ الْحَسَنَيْنِ رضي الله عنهما تَغَايُرٌ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ إِسَالَةُ الْمَاءِ عَلَى جَبْهَتِهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَقَبْلَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَفِي حَدِيثِهِمَا إِسَالَتُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ من
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْته فَقَالَ مَا أَجِد فِي الْكِتَاب إلا غسلين ومسحين
ثم رجع بن عَبَّاسٍ عَنْ هَذَا لَمَّا بَلَغَهُ غَسْل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم رِجْلَيْهِ وَأَوْجَبَ الْغَسْل فلعل حديث علي وحديث بن عَبَّاسٍ كَانَا فِي أَوَّل الْأَمْر ثُمَّ نُسِخَ
وَالَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ فِيهِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَيْهِمَا بِدُونِ حَائِل كَمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بن يسار قال قال لنا بن عَبَّاسٍ أَتُحِبُّونَ أَنْ أُحَدِّثكُمْ كَيْف كَانَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأ
الْوُضُوءِ وَلِهَذِهِ الْمُغَايَرَةِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ تَحْتَ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِيهِ اسْتِحْبَابُ إِرْسَالِ غَرْفَةٍ مِنَ الْمَاءِ عَلَى النَّاصِيَةِ لَكِنْ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَا كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ عَقِيبَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ
قُلْتُ نَعَمْ إِنَّمَا يَدُلُّ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ لَكِنْ دَلِيلُ مَا يَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ حَدِيثُ الْحَسَنَيْنِ رضي الله عنهما
(فَتَرَكَهَا) أَيِ الْقَبْضَةَ مِنَ الْمَاءِ (تَسْتَنُّ) أَيْ تَسِيلُ وَتَنْصَبُّ يُقَالُ سَنَنْتُ الْمَاءَ إِذَا جَعَلْتُهُ صَبَّا سَهْلًا وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ثُمَّ أَرْسَلَهَا تَسِيلُ (عَلَى رِجْلِهِ) الْيُمْنَى (وَفِيهَا النَّعْلُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ يَكُونُ الْمَسْحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْغَسْلِ أَخْبَرَنِي الْأَزْهَرِيُّ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ الْمَسْحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَكُونُ غَسْلًا وَيَكُونُ مَسْحًا وَمِنْهُ يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ أَعْضَاءَهُ قَدْ تَمَسَّحَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْحَفْنَةُ مِنَ الْمَاءِ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ وَبَاطِنِهَا وَإِنْ كَانَتِ الرِّجْلُ فِي النَّعْلِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فَغَسَلَهَا بِهَا (فَفَتَلَهَا بِهَا) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا فَغَسَلَهَا بِهَا وَالْفَتْلُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ لَوَى
قَالَ فِي التَّوَسُّطِ أَيْ فَتَلَ رِجْلَهُ بِالْحَفْنَةِ الَّتِي صَبَّهَا عَلَيْهَا وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ الْمَسْحَ وَهُمُ الرَّوَافِضُ وَمَنْ خَيَّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَسْلِ وَلَا حُجَّةَ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَفْنَةَ وَصَلَتْ إِلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ وَبَطْنِهِ لِدَلَائِلَ قَاطِعَةٍ بِالْغَسْلِ وَلِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَقَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ
انْتَهَى
وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(ثُمَّ) ضَرَبَ بِالْحَفْنَةِ عَلَى رِجْلِهِ (الْأُخْرَى) أَيِ الْيُسْرَى (قَالَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ (قُلْتُ) لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما (وَفِي النَّعْلَيْنِ) أَيْ أَضَرَبَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ عَلَى رِجْلَيْهِ وَكَانَتِ الرِّجْلَانِ فِي النَّعْلَيْنِ (قَالَ) بن عَبَّاسٍ نَعَمْ (قَالَ قُلْتُ وَفِي النَّعْلَيْنِ) وَإِنَّمَا كَرَّرَهَا وَسَأَلَهَا ثَلَاثًا لِعَجَبِهِ الَّذِي حَصَلَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ ثُمَّ اِغْتَرَفَ غَرْفَة أُخْرَى فَرَشَّ عَلَى رِجْله وَفِيهَا النَّعْل وَالْيُسْرَى مِثْل ذَلِكَ وَمَسَحَ بِأَسْفَل الْكَعْبَيْنِ وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بن يسار عن بن عَبَّاسٍ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَهُ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ حَفْنَة مِنْ مَاء فَرَشَّ قَدَمَيْهِ وَهُوَ مُنْتَعِل الْمَسْلَك الثَّالِث أن الرواية عن علي وبن عَبَّاسٍ مُخْتَلِفَة فَرُوِيَ عَنْهُمَا هَذَا وَرُوِيَ عَنْهُمَا الْغَسْل كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيح عَنْ عطاء بن يسار عن بن عَبَّاسٍ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره أَخَذَ
لَهُ مِنْ فِعْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَهُوَ ضَرْبُ الْمَاءِ عَلَى الرِّجْلِ الَّتِي فِيهَا النَّعْلُ
وَقَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي كَشْفِ الْغُمَّةِ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ إِنَّ الْقَائِلَ لِلَّفْظِ قُلْتُ هُوَ بن عباس سأل عليا وهذا لفظه
قال بن عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُ عَلِيًّا رضي الله عنه فَقُلْتُ وَفِي النَّعْلَيْنِ قَالَ وَفِي النَّعْلَيْنِ
الْحَدِيثَ انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَقَالٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ فَضَعَّفَهُ وَقَالَ مَا أَدْرِي مَا هَذَا
انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَفِي التَّلْخِيصِ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا هَكَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْهُ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ وَقَدْ صَرَّحَ بن إسحاق بالسماع فيه وأخرجه بن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ مُخْتَصَرًا
وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ
انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ لَكِنْ فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ اطَّلَعَ عَلَيْهَا الْبُخَارِيُّ وَضَعَّفَهُ لِأَجْلِهَا وَلَعَلَّ العلة الخفية فيه هي ماذكره البزار وأما مظنة التدليس من بن إسحاق فارتفعت من رواية البزار (وحديث بن جُرَيْجٍ) هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ ثِقَةٌ فَاضِلٌ (عَنْ شَيْبَةَ) بْنِ نِصَاحٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ (يُشْبِهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ) فِي بَعْضِ الْمَعَانِي (قَالَ فِيهِ) أَيْ فِي حَدِيثِ شَيْبَةَ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
غَرْفَة مِنْ مَاء فَرَشَّ بِهَا عَلَى رِجْله الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَة أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْله يَعْنِي الْيُسْرَى فَهَذَا صَرِيح فِي الْغَسْل
وَقَالَ أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عن عطاء بن يسار عن بن عَبَّاسٍ بِهِ وَقَالَ ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَة ثُمَّ غَسَلَ رِجْله الْيُمْنَى ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَة فَغَسَلَ رِجْله الْيُسْرَى
وَقَالَ وَرْقَاءُ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ أَلَا أُرِيكُمْ وُضُوء رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِيهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَّة مَرَّة
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ زَيْدٍ وَأَخَذَ حَفْنَة فَغَسَلَ بِهَا رِجْله الْيُمْنَى وَأَخَذَ حَفْنَة فَغَسَلَ رِجْله الْيُسْرَى قَالُوا وَالَّذِي رَوَى أَنَّهُ رَشَّ عَلَيْهِمَا فِي النَّعْل هُوَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ وَلَيْسَ بِالْحَافِظِ فَرِوَايَة الْجَمَاعَة أَوْلَى مِنْ رِوَايَته
عَلَى أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَهِشَامًا أَيْضًا رَوَيَا مَا يُوَافِق الْجَمَاعَة فَرَوَيَا عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يسار قال قال لي بن عَبَّاسٍ أَلَا أُرِيك وُضُوء رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَتَوَضَّأَ مَرَّة مَرَّة ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَعَلَيْهِ نَعْله
وَأَمَّا حَدِيث عَلِيٍّ رضي الله عنه فقال الْبَيْهَقِيُّ رُوِّينَا مِنْ أَوْجُه كَثِيرَة عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوء
ثُمَّ سَاقَ مِنْهَا حَدِيث عَبْد خَيْر عَنْهُ أَنَّهُ دَعَا بِوُضُوءٍ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ ثُمَّ صَبَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثَلَاث مَرَّات عَلَى قَدِمَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ غَسَلَهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ هَذَا طَهُور نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
النَّسَائِيُّ مَوْصُولًا وَلَفْظُهُ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ المقسمي قال حدثنا حجاج قال قال بن جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي شَيْبَةُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَلِيٌّ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ دَعَانِي أَبِي عَلِيٌّ بِوَضُوءٍ فَقَرَّبْتُهُ لَهُ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ (وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً) رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ ثُمَّ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ نَاوِلْنِي فَنَاوَلْتُهُ الْإِنَاءَ الَّذِي فِيهِ فَضْلُ وَضُوئِهِ فَشَرِبَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ قَائِمًا فَعَجِبْتُ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لَا تَعْجَبْ فَإِنِّي رَأَيْتُ أَبَاكَ النبي يصنع مثل ما رأيتني صنعت (وقال بن وَهْبٍ فِيهِ) أَيْ فِي حَدِيثِ شَيْبَةَ
قَالَ البيهقي كذا قال بن وهب عن بن جريج عنه
قاله بن رَسْلَانَ
وَقَدْ وَرَدَ تَكْرَارُ الْمَسْحِ فِي حَدِيثِ علي منها عند الدارقطني من طريق عبدخير وَتَقَدَّمَ بَحْثُ ذَلِكَ مَشْرُوحًا
[118]
(عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ) أَيْ يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ (وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَمِنْهَا حَدِيث زَرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ وُضُوء رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
وَمِنْهَا حَدِيث أَبِي حَيَّةَ عَنْهُ رَأَيْت عَلِيًّا تَوَضَّأَ الْحَدِيث وَفِيهِ وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ قَالَ أَحْبَبْت أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْف كَانَ طَهُور رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم
قَالُوا وَإِذَا اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات عَنْ علي وبن عَبَّاسٍ وَكَانَ مَعَ أَحَدهمَا رِوَايَة الْجَمَاعَة فَهِيَ أَوْلَى
الْمَسْلَك الرَّابِع أَنَّ أَحَادِيث الرَّشّ وَالْمَسْح إِنَّمَا هِيَ وُضُوء تَجْدِيد لِلطَّاهِرِ لَا طَهَارَة رَفْع حَدَث بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ حَدَّثْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْت النَّزَّالَ بْنَ سَبُرَةَ يُحَدِّث عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْر ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِج النَّاس فِي رَحْبَة الْكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاة الْعَصْر ثُمَّ أُتِيَ بِكُوزٍ مِنْ مَاء فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَة وَاحِدَة فَمَسَحَ بِهَا وَجْهه وَيَدَيْهِ وَرَأْسه وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْله وَهُوَ قَائِم ثُمَّ قَالَ إِنَّ أُنَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْب قَائِمًا وَإِنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم صَنَعَ كَمَا صَنَعْت
وَقَالَ هَذَا وُضُوء مَنْ لَمْ يُحْدِث
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيث الثَّابِت دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَنْ
هُوَ يَرْجِعُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ صَاحِبُ الْكَمَالِ وَمَنْ تَبِعَهُ فَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ يحيى أنه بن بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لَكِنْ قَالَ الحافظ الإمام بن حجر هو غلط لأنه ذكر بن سَعْدٍ أَنَّ أُمَّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى هِيَ حُمَيْدَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ أُمُّ النُّعْمَانِ بِنْتُ أَبِي حَيَّةَ
انْتَهَى
فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلرَّجُلِ الْقَائِلِ الثَّابِتِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمَعْنِ بْنِ عِيسَى وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَقَوْلُهُ ها هنا هُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِيهِ تَجَوُّزٌ لِأَنَّهُ عَمُّ أَبِيهِ وَسَمَّاهُ جَدًّا لِكَوْنِهِ فِي مَنْزِلَتِهِ وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَبِي حَسَنٍ فهو جد عمرو حقيقة
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ كَذَا لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَانْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ جد عمرو قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ هَذَا وَهْمٌ قَبِيحٌ مِنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى أَوْ غَيْرِهِ وَأَعْجَبُ مِنْهُ أَنَّ بن وَضَّاحٍ سُئِلَ عَنْهُ وَكَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فَقَالَ هُوَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ وَرَحِمَ اللَّهُ مِنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ وَوَقَفَ دُونَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَكَيْفَ جَازَ هَذَا على بن وَضَّاحٍ
قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كَذَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْح عَلَى الرِّجْلَيْنِ إِنْ صَحَّ فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ وَهُوَ طَاهِر غَيْر مُحْدِث إِلَّا أَنَّ بَعْض الرُّوَاة كَأَنَّهُ اِخْتَصَرَ الْحَدِيث فَلَمْ يَنْقُل قَوْله هَذَا وُضُوء مَنْ لَمْ يُحْدِث وَقَالَ أَحْمَدُ حدثنا بن الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ دَعَا بِكُوزٍ مِنْ مَاء ثُمَّ قَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا فَعَلَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم مَا لَمْ يُحْدِث وَفِي رِوَايَة لِلطَّاهِرِ مَا لَمْ يُحْدِث
قَالَ وَفِي هَذَا دَلَالَة عَلَى أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ فِي وُضُوء مُتَطَوَّع بِهِ لَا فِي وُضُوء وَاجِب عَلَيْهِ مِنْ حَدَث يُوجِب الْوُضُوء أَوْ أَرَادَ غَسْل الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ بَعْض الرُّوَاة مُقَيَّدًا بِالْجَوْرَبَيْنِ وَأَرَادَ بِهِ جَوْرَبَيْنِ مُنْعَلَيْنِ
قُلْت هَذَا هُوَ الْمَسْلَك الْخَامِس أَنَّ مَسْحه رِجْلَيْهِ وَرَشّه عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا كَانَتَا مَسْتُورَتَيْنِ بِالْجَوْرَبَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ مَرَّة مَرَّة وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ
لَكِنْ تَفَرَّدَ بِهِ رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَالثِّقَات رَوَوْهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة
وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ سُفْيَانَ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه أَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَى النَّعْلَيْنِ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث هُشَيْمٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ أَخْبَرَنِي أُوَيْسُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ رَأَيْت رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ فَقَوْله مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ كَقَوْلِهِ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ
وَالنَّعْل لَا تَكُون سَاتِرَة لِمَحَلِّ الْمَسْح إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهَا جَوْرَب فَلَعَلَّهُ مَسَحَ عَلَى نَعْل الْجَوْرَب فَقَالَ مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ
بِتَكْرَارِ مَرَّتَيْنِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَرَّتَيْنِ لِكِلْتَا الْيَدَيْنِ وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ رَأَى النبي تَوَضَّأَ وَفِيهِ وَيَدُهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْأُخْرَى ثَلَاثًا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وُضُوءٌ آخَرُ لِكَوْنِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرَ وَاحِدٍ
قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ الْمَنْقُولُ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْدَادِ وَالْمَصَادِرِ وَالْأَجْنَاسِ إِذَا كُرِّرَتْ كَانَ الْمُرَادُ حُصُولُهَا مُكَرَّرَةً لَا التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ فَإِنَّهُ قَلِيلُ الْفَائِدَةِ لَا يَحْسُنُ حَيْثُ يَكُونُ لِلْكَلَامِ مَحْمَلٌ غَيْرُهُ مِثَالُ ذَلِكَ جَاءَ الْقَوْمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَوْ رَجُلًا رَجُلًا أَيِ اثْنَيْنِ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَرَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ وَهَذَا مِنْهُ أَيْ غَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ بَعْدَ مَرَّتَيْنِ أَيْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْغَسْلِ مَرَّتَيْنِ (إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ) ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى دُخُولِهِمَا فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِأَنَّ إِلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَفْظُ إِلَى يُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا فَأَمَّا دُخُولُهَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْمَسْلَك السَّادِس أَنَّ الرِّجْل لَهَا ثَلَاثَة أَحْوَال حَال تَكُون فِي الْخُفّ فَيَجْزِي مَسْح سَاتِرهَا وَحَال تَكُون حَافِيَة فَيَجِب غَسْلهَا فَهَاتَانِ مَرْتَبَتَانِ وَهُمَا كَشْفهَا وَسَتْرهَا فَفِي حَال كَشْفهَا لَهَا أَعْلَى مَرَاتِب الطَّهَارَة وَهِيَ الْغَسْل التَّامّ وَفِي حَال اِسْتِتَارهَا لَهَا أَدْنَاهَا وَهِيَ الْمَسْح عَلَى الْحَائِل وَلَهَا حَالَة ثَالِثَة وَهِيَ حَالَمَا تَكُون في النعل وهي حالة متوسطة بين كتفها وَبَيْن سَتْرهَا بِالْخُفِّ فَأُعْطِيَتْ حَالَة مُتَوَسِّطَة مِنْ الطَّهَارَة وَهِيَ الرَّشّ فَإِنَّهُ بَيْن الْغَسْل وَالْمَسْح
وَحَيْثُ أُطْلِقَ لَفْظ الْمَسْح عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْحَال فَالْمُرَاد بِهِ الرَّشّ لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى
وَهَذَا مَذْهَب كَمَا تَرَى لَوْ كَانَ يَعْلَم قَائِل مُعَيَّن
وَلَكِنْ يُحْكَى عَنْ طَائِفَة لَا أَعْلَم مِنْهُمْ مُعَيَّنًا وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خَيْر مِنْ مَسْلَك الشِّيعَة فِي هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ الْمَسْلَك السَّابِع أَنَّهُ دَلِيل عَلَى أَنَّ فَرْض الرِّجْلَيْنِ الْمَسْح وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ الجواري وبن عباس وحكي عن بن جَرِيرٍ أَنَّهُ مُخَيَّر بَيْن الْأَمْرَيْنِ فَأَمَّا حِكَايَته عن بن عباس فقد تقدمت وأما حكايته عن بن جَرِيرٍ فَغَلَط بَيِّن وَهَذِهِ كُتُبه وَتَفْسِيره كُلّه يُكَذِّب هَذَا النَّقْل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الشُّبْهَة لأن بن جَرِيرٍ الْقَائِلَ بِهَذِهِ الْمَقَالَة رَجُل آخَر مِنْ الشِّيعَة يُوَافِقهُ فِي اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ وَقَدْ رَأَيْت لَهُ مُؤَلَّفَات فِي أُصُول مَذْهَب الشِّيعَة وَفُرُوعهمْ
فَهَذِهِ سَبْعَة مَسَالِك لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيث
وَبِالْجُمْلَةِ فَاَلَّذِينَ رَوَوْا وُضُوء النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مِثْل عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شعبة والربيع بنت معوذ والمقدام بن معد يكرب وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَجَدِّ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَغَيْرهمْ رضي الله عنهم لَمْ يَذْكُر أَحَد منهم ما ذكر في حديث علي وبن عَبَّاسٍ مَعَ الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور عَلَيْهِمَا
وَاللَّهُ أَعْلَم
فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهُا فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ دَلِيلُ عَدَمِ دُخُولِهِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ حَفِظْتُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ دَلِيلُ الدُّخُولِ وَقَوْلُهُ تعالى إلى المرافق لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ
قَالَ الحافظ بن حجر ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله
فَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ
وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ قال كان رسول الله إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مَرْفِقَيْهِ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ
وَفِي الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَرْفِقَ
وَفِي الطَّحَاوِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ الْمَاءُ عَلَى مَرْفِقَيْهِ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ إِلَى فِي الْآيَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهَا بِمَعْنَى مَعَ
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إِيجَابِ دُخُولِ الْمَرْفِقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ
انْتَهَى كَلَامُهُ (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) قَدِ اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَوُجِدَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ فَيَذْهَبُ إِلَى الْقَفَا ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ وَهُوَ مُبْتَدَأُ الشَّعْرِ مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهُ أَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ لِأَنَّ ذَهَابَهُ إِلَى جِهَةِ الْقَفَا إِدْبَارٌ وَرُجُوعَهُ إِلَى جِهَةِ الْوَجْهِ إِقْبَالٌ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَالتَّقْدِيرُ أَدْبَرَ وَأَقْبَلَ
وَالثَّانِي أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَيَمُرُّ إِلَى جِهَةِ الْوَجْهِ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمُؤَخَّرِ مُحَافَظَةً عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ فَالْإِقْبَالُ إِلَى مُقَدَّمِ الْوَجْهِ وَالْإِدْبَارُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمُؤَخَّرِ وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَيُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ فِي لَفْظِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَالَاتِ
وَالثَّالِثُ أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّاصِيَةِ وَيَذْهَبَ إِلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ ثُمَّ يَذْهَبَ إِلَى جِهَةِ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ وَهُوَ النَّاصِيَةُ وَلَعَلَّ قَائِلَ هَذَا قَصَدَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى قَوْلِهِ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ لِأَنَّهُ إِذَا بَدَأَ بِالنَّاصِيَةِ صَدَقَ أَنَّهُ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَصَدَقَ أَنَّهُ أَقْبَلَ أَيْضًا فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ وَهُوَ الْقُبُلُ
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلَامِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْعَمَلِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ تَعْمِيمُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ انْتَهَى (بَدَأَ) أَيِ ابْتَدَأَ (بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) بِفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَالتَّخْفِيفُ وَكَذَا مُؤَخَّرُ
قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ (ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ) بِالْقَصْرِ وَحُكِيَ مَدُّهُ وَهُوَ قَلِيلٌ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ وَفِي الْمُحْكَمِ وَرَاءَ الْعُنُقِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) لِيَسْتَوْعِبَ جِهَتَيِ الشَّعْرِ بِالْمَسْحِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ التَّعْمِيمَ أَنَّ الأولى
وَاجِبَةٌ وَالثَّانِيَةَ سُنَّةٌ
وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ بَدَأَ إِلَى آخِرِهِ عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَدْخُلِ الْوَاوُ عَلَى بَدَأَ
قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّهُ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ السُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مُقَدَّمِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ
وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ فَلَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَمَا أَدْبَرَ عَنْهُ وَمَخْرَجُ الطَّرِيقَيْنِ مُتَّحِدٌ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ
وَعَيَّنَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ الْبُدَاءَةَ بِالْمُقَدَّمِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ أَقْبَلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِابْتِدَائِهِ أَيْ بَدَأَ بِقُبُلِ الرَّأْسِ وَقِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ غَيْرُ ذَلِكَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا
[119]
(مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا وَاحِدٍ
وَالْكَفُّ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ
حَكَاهَا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ
قَالَهُ السُّيُوطِيُّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ (يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا) أَيِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (ثُمَّ ذَكَرَ) أَيْ خَالِدٌ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ سَنَدًا وَمَتْنًا وَلَفْظُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةً فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ قال هكذا وضوء رسول الله وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ روى مالك وبن عُيَيْنَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْحَرْفَ أَنَّ النبي مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَخَالِدٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ المضمضة والاستنشاق من كف واحد يجزئ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُفَرِّقُهُمَا أَحَبُّ إِلَيْنَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ جَمَعَهُمَا فِي كَفٍّ وَاحِدٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ فَرَّقَهُمَا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا
انْتَهَى
وَأَخْرَجَ الدارمي وبن حبان والحاكم عن بن عباس أن النبي تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَأَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الصَّرَاحَةِ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنْ عَلِيٍّ وَلَفْظُهُ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ فِيهِ
وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا مَعَ الِاسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ
وَالِاسْتِنْشَاقِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ الْأَصَحُّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ كَمَا فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي الْجَمْعِ فِي كُلِّ غَرْفَةٍ وَالثَّانِي يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلَاثًا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ بن مَاجَهْ
وَالثَّالِثُ يَجْمَعُ أَيْضًا بِغَرْفَةٍ وَلَكِنْ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ عَلَى مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ
وَالرَّابِعُ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَتَيْنِ فَيَتَمَضْمَضُ مِنْ إِحْدَاهُمَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنَ الْأُخْرَى ثَلَاثًا
وَالْخَامِسُ يَفْصِلُ بِسِتِّ غَرَفَاتٍ بِأَنْ يَتَمَضْمَضَ بِثَلَاثٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ
وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِنَّهُ الْأَفْضَلُ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَهُوَ أيضا الأصح عند المالكية بحيث حكى بن رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ الْأَفْضَلُ
قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ
[120]
(أَنَّ حَبَّانَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ (حَدَّثَهُ) أَيْ حَبَّانُ حَدَّثَ عمرو (أَنَّ أَبَاهُ) وَهُوَ وَاسِعٌ (حَدَّثَهُ) أَيِ ابْنَهُ حَبَّانَ (بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ) أَيْ مَسَحَ الرَّأْسَ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لَا بِبَقِيَّةٍ مِنْ مَاءِ يَدَيْهِ أَيْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى بَلَلِ يَدَيْهِ وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِهِ لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لِلرَّأْسِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُهُ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ
وَفِي سُبُلِ السلام وأخذ ماء جديد لِلرَّأْسِ هُوَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ
انْتَهَى (حَتَّى أَنْقَاهُمَا) أَيْ أَزَالَ الْوَسَخَ عَنْهُمَا
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والدارمي والترمذي وقال حسن صحيح
وروى بن لَهِيعَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أن النبي تَوَضَّأَ وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ
وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَبَّانَ أصح لأنه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره أن النبي أخذ لرأسه ماءا جَدِيدًا وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ رأوا أن يأخذ لرأسه ماءا جَدِيدًا
انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ
[121]
(الْحَضْرَمِيُّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى حَضْرَمَوْتٍ (ثم تمضمض
وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا) قَالَ السُّيُوطِيُّ احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ التَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ مِنْ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِثُمَّ
قُلْتُ هَذِهِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ لَا تُعَارِضُ الرِّوَايَةَ الْمَحْفُوظَةَ الَّتِي فِيهَا تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ (ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا) بِالْجَرِّ بَدَلَانِ مِنْ أُذُنَيْهِ وَظَاهِرُهُمَا مَا يَلِي الرَّأْسَ وَبَاطِنُهُمَا مَا يَلِي الْوَجْهَ وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ مَسْحِهِمَا فأخرجها بن حبان في صحيحه من حديث بن عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ دَاخِلَهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ وَخَالَفَ بِإِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ فَمَسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا الْحَدِيثَ وَصَحَّحَهُ بن خزيمة وبن منده ورواه أيضا النسائي وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ وَلَفْظُ بن مَاجَهْ مَسَحَ أُذُنَيْهِ فَأَدْخَلَهُمَا السَّبَّابَتَيْنِ وَخَالَفَ إِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ فَمَسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ وَقَالَ بِالْوُسْطَيَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ فِي بَاطِنِ أُذُنَيْهِ وَالْإِبْهَامَيْنِ مِنْ وَرَاءِ أُذُنَيْهِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ
وَحَدِيثُ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أنه لم يأخذ للأذنين ماءا جَدِيدًا بَلْ مَسَحَ الرَّأْسَ وَالْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ
قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي الْهَدْي النَّبَوِيِّ وَكَانَ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ وَكَانَ يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا وَلَمْ يثبت عنه أنه أخذ لهما ماءا جديدا وإنما صح ذلك عن بن عمر
انتهى
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا
[122]
(لَفْظُهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا لَفْظُهُ وَأَمَّا مَحْمُودٌ فَمَعْنَاهُ
وَقَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ ضَبَطْنَاهُ بِالنَّصْبِ أَيْ حَدَّثَنَا لَفْظَهُ لَا مَعْنَاهُ (فَأَمَرَّهُمَا) مِنَ الْإِمْرَارِ أَيْ أَمْضَاهُمَا إِلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ (الْقَفَا) بِالْقَصْرِ وَحُكِيَ مَدُّهُ وَهُوَ قَلِيلٌ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ
وَفِي الْمُحْكَمِ وَالْقَامُوسِ وَرَاءَ الْعُنُقِ
يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (قَالَ مَحْمُودُ) بْنُ خَالِدٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ إِنَّهُ (قَالَ) أَيِ الْوَلِيدُ (أَخْبَرَنِي حَرِيزٌ) فَصَرَّحَ الْوَلِيدُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَرِيزٍ فِي رِوَايَةِ مَحْمُودٍ فَارْتَفَعَتْ مَظِنَّةُ التَّدْلِيسِ عَنِ الْوَلِيدِ كَمَا كَانَتْ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بِالْعَنْعَنَةِ
[123]
(الْمَعْنَى) أَيْ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْمَعْنَى
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي اللَّفْظِ (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الْمَذْكُورِ (أَصَابِعَهُ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْجَمْعِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ وَالْمُرَادُ السَّبَّابَتَانِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إِصْبَعَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ (فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ الْخَاءُ الْمُعْجَمَةُ الْخَرْقُ الَّذِي فِي الْأُذُنِ الْمُفْضِي إِلَى الدِّمَاغِ وَيُقَالُ فِيهِ السِّمَاخُ أَيْضًا
قَالَ الْحَافِظُ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَهُوَ وَهْمٌ انْتَهَى
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى اسْتِيعَابِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَمَشْرُوعِيَّةِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِدْخَالِ السَّبَّابَتَيْنِ فِي صِمَاخَيِ الْأُذُنَيْنِ
قَالَ المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا
[124]
(مُؤَمَّلٌ) كَمُحَمَّدٍ (لِلنَّاسِ) أَيْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ لِتَعْلِيمِهِمْ (فَلَمَّا بَلَغَ) مُعَاوِيَةُ (غَرْفَةً) بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَصْدَرٌ وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْمَغْرُوفِ أَيْ مَلَأَ الْكَفَّ (فَتَلَقَّاهَا) التَّلَقِّي الْأَخْذُ أَيْ أَخَذَ الْغَرْفَةَ (حَتَّى وَضَعَهَا) أَيِ الْغَرْفَةَ (عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ) بِفَتْحِ السِّينِ لِأَنَّهُ اسْمٌ (مِنْ مُقَدَّمِهِ) أَيْ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَهُوَ النَّاصِيَةُ (إِلَى مُؤَخَّرِهِ) وَهُوَ الْقَفَا (وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ) أَيْ ثُمَّ عَادَ مِنَ الْقَفَا إِلَى النَّاصِيَةِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ أَخْذُ الْمَاءِ بِالْيُسْرَى وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَلَفْظُهُ فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ مَرَّ بِهِمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى بلغ المكان الذي بدء مِنْهُ
(بِهَذَا الْإِسْنَادِ) وَفِي بَعْضِ
النُّسَخِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ إِلَى مُعَاوِيَةَ [125](قَالَ) مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ فِي حَدِيثِهِ (فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) أَيْ تَوَضَّأَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ كَمَا رأى رسول الله يَتَوَضَّأُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لِكُلِّ عُضْوٍ (وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بِغَيْرِ عَدَدٍ) وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ لَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ بَلْ بِالْإِنْقَاءِ وَإِزَالَةِ مَا فِيهِمَا مِنَ الْأَوْسَاخِ
وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ تَامٍّ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أن رسول الله غَسَلَهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَيُحْمَلُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ وَإِنْ لَمْ يحسب الراوي الرائي كونها ثلاثة
وإن سلمنا أنه غَسَلَهُمَا بِغَيْرِ عَدَدٍ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا سُنَّةً وَمُتَقَيِّدًا بِثَلَاثٍ
[126]
(عَنِ الرُّبَيِّعِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ (بِنْتِ مُعَوِّذٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ (فحدثتنا) أي الربيع (أنه) أي النبي (قَالَ اسْكُبِي) بِضَمِّ الْكَافِ مِنْ نَصَرَ يَنْصُرُ أَمْرٌ مِنَ السَّكْبِ أَيْ صُبِّي يُقَالُ سَكَبَ الْمَاءَ سَكْبًا وَسُكُوبًا فَانْصَبَّ وَسَكَبَهُ غَيْرُهُ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى (فَذَكَرَتْ) أَيِ الرُّبَيِّعُ (وَوَضَّأَ وَجْهَهُ) بِتَشْدِيدِ الضَّادِ أَيْ غَسَلَ (مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً) لِبَيَانِ الْجَوَازِ (وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ) بَيَانٌ لِمَرَّتَيْنِ فَلَيْسَتَا مَسْحَتَيْنِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَمْ تَقُلْ وَيَبْدَأُ بِالْوَاوِ ثُمَّ بَدْؤُهُ بِالْمُؤَخَّرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ
قَالَ السُّيُوطِيُّ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ بِمُؤَخَّرِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ ذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الحديث منهم وكيع بن الجراح
وأجاب بن الْعَرَبِيِّ عَنْهُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنَ الرَّاوِي بِسَبَبِ فَهْمِهِ فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ فَصَرَّحَ بِمَا فَهِمَ مِنْهُ وَهُوَ يخطىء فِي فَهْمِهِ
وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَوْ بِأَنَّهُ فَعَلَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ
انْتَهَى
(وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ) أَيْ هَذَا الَّذِي رَوَيْتُهُ عَنْ مُسَدَّدٍ رَوَيْتُهُ بِالْمَعْنَى وَلَا أَتَحَفَّظُ جُمْلَةَ أَلْفَاظِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أصح من هذا وأجود إسنادا وأخرجه بن ماجه
[127]
(حدثنا سفيان) هو بن عُيَيْنَةَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ (بِهَذَا الْحَدِيثِ) الْمَذْكُورِ إِلَّا أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ (يُغَيِّرُ بَعْضَ مَعَانِي بِشْرِ) بن المفضل أي حديث بن عُيَيْنَةَ وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ كِلَاهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا بَعْضَ الْمُغَايَرَةِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى وَصَرَّحَهَا بِقَوْلِهِ (قَالَ) أَيْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ
[128]
[129](عِنْدَهَا) أَيِ الرُّبَيِّعِ (مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ) الْقَرْنُ يُطْلَقُ عَلَى الْخُصْلَةِ مِنَ الشَّعْرِ وَعَلَى جَانِبِ الرَّأْسِ مِنْ أَيْ جِهَةٍ كَانَ وَعَلَى أَعْلَى الرَّأْسِ
قَالَهُ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ
وَفِي التَّوَسُّطِ أَرَادَ بِالْقَرْنِ أَعْلَى الرَّأْسِ إِذْ لَوْ مَسَحَ مِنْ أَسْفَلَ لَزِمَ تَغَيُّرُ الْهَيْئَةِ وَقَدْ قَالَ لَا يُحَرِّكُ
إِلَخْ أَيْ يَبْتَدِئُ الْمَسْحَ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ (كُلَّ نَاحِيَةٍ) أَيْ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ بِحَيْثُ يَسْتَوْعِبُ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ عَرْضًا وَطُولًا (لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكَانُ الَّذِي يَنْحَدِرُ إِلَيْهِ وَهُوَ أَسْفَلُ الرَّأْسِ مَأْخُوذٌ مِنِ انْصِبَابِ الْمَاءِ وَهُوَ انْحِدَارُهُ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ
قَالَهُ السُّيُوطِيُّ
وَاللَّامُ فِي لِمُنْصَبِّ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ أَيِ ابْتَدَأَ مِنَ الْأَعْلَى فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وَانْتَهَى إِلَى آخِرِ مَوْضِعٍ يَنْتَهِي إِلَيْهِ الشَّعْرُ كَذَا فِي التَّوَسُّطِ
قَالَ العراقي والمعنى أنه كان يبتدىء الْمَسْحَ بِأَعْلَى الرَّأْسِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ بِأَسْفَلِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى حِدَتِهَا
انْتَهَى
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ إِنَّهُ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ مَسْحًا مُسْتَقِلًّا وَمُؤَخَّرَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْحَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ شَعْرِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ
انْتَهَى (لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هيئته) التي هو عليها
قال بن رَسْلَانَ وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَنْ لَهُ شَعْرٌ طَوِيلٌ إِذْ لَوْ رَدَّ يَدَهُ عَلَيْهِ لِيَصِلَ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ يَنْتَفِشُ وَيَتَضَرَّرُ صَاحِبُهُ بِانْتِفَاشِهِ وَانْتِشَارِ بَعْضِهِ وَلَا بَأْسَ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ لِلْمُحْرِمِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ بِانْتِشَارِ شَعْرِهِ وَسُقُوطِهِ
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ وَمَنْ لَهُ شَعْرٌ طَوِيلٌ كَشَعْرِهَا فَقَالَ إِنْ شاء
مَسَحَ كَمَا رُوِيَ عَنِ الرُّبَيِّعِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ ثُمَّ جَرَّهَا إِلَى مُقَدَّمِهِ ثُمَّ رَفَعَهَا فَوَضَعَهَا حَيْثُ بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ جَرَّهَا إِلَى مُؤَخَّرِهِ
انْتَهَى
قُلْتُ وَالْقَرْنُ أَيْضًا الرَّوْقُ مِنَ الحيوان وموضعه من أسنا
قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَهُوَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ أَرَادَ بِالْقَرْنِ هَذَا الْمَعْنَى أَيِ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ مُسْتَوْعِبًا جَمِيعَ جَوَانِبِهِ إِلَى مُنْصَبِّ شَعْرِهِ وَهُوَ مُؤَخَّرُ رَأْسِهِ إِذْ لَوْ مَسَحَ مِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ أَوْ مِنْ أَعْلَاهُ وَهُوَ وَسَطُهُ إِلَى أَيَّةِ جِهَةٍ كَانَتْ أَوْ مِنْ يَمِينِهِ إِلَى شِمَالِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ لَزِمَ تَحَرُّكُ الشَّعْرِ عَنْ هَيْئَتِهِ وَقَدْ قَالَ لَا يُحَرِّكُ إِلَخْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(قَالَتْ) أَيِ الرُّبَيِّعُ (وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ) هَذَا عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِقَوْلِهِ فَمَسَحَ رَأْسَهُ أَيْ مَسَحَ مَا أقبل من الرأس مَسَحَ (مَا أَدْبَرَ) مِنَ الرَّأْسِ أَيْ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ثُمَّ رَدَّ يديه من مؤخر الرأس إلى مقدمه مَسَحَ (صُدْغَيْهِ) الصُّدْغُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمَوْضِعُ الَّذِي بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ وَالشَّعْرِ المتدلي على ذلك الموضع مَسَحَ (أُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً) مُتَعَلِّقٌ بِمَسَحَ فَيَكُونُ قَيْدًا فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ وَمَا بَعْدَهُ فَبِاعْتِبَارِ الْإِقْبَالِ يَكُونُ مَرَّةً وَبِاعْتِبَارِ الْإِدْبَارِ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ مَسْحٌ وَاحِدٌ وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ قَرْنَيْنِ وَنَقَلَ الشَّعْرَانِيُّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ لَا خِلَافَ بَيْنَ تَثْلِيثِ الْمَسْحِ وَالْمَسْحَةُ الواحدة لأنه وَضَعَ يَدَهُ عَلَى يَافُوخِهِ أَوَّلًا ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَلَا يَفْصِلُ يَدَهُ مِنْ رَأْسِهِ وَلَا أَخَذَ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَمَنْ نَظَرَ إِلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ قَالَ إِنَّهُ مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمَنْ نَظَرَ إِلَى تَحْرِيكِ يَدِهِ قَالَ إِنَّهُ مَسَحَ ثَلَاثًا
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَقَالَ) حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[130]
(مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ) وَلَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ يَدَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ يَأْتِينَا فَيَتَوَضَّأُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا فَضَلَ فِي يديه ومسح هكذا ووصف بن دَاوُدَ قَالَ بِيَدَيْهِ مِنْ مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ ثُمَّ رَدَّ يَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إلى مؤخره انتهى
قلت بن عَقِيلٍ هَذَا قَدِ اخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيد
أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نوضأ وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ من رواية بن لَهِيعَةَ عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ أصح لأنه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره أن النبي أخذ لرأسه ماءا جديدا
انتهى وحديث بن عقيل هذا في متنه اضطراب لأن بن مَاجَهْ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قالت أتيت النبي بِمِيضَأَةٍ فَقَالَ اسْكُبِي فَسَكَبْتُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وأخذ ماءا جَدِيدًا فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ تَأَوَّلَهُ الحافظ البيهقي على أنه أخذ ماءا جَدِيدًا وَصَبَّ نِصْفَهُ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ يَدَيْهِ لِيُوَافِقَ مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمُؤَلِّفُ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الرُّبَيِّعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ دَهْثَمٍ عَنْ نِمْرَانَ بْنِ جَارِيَةَ بْنِ ظَفَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فال خذوا للرأس ماءا جَدِيدًا وَالْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ لِحَالِ دَهْثَمٍ وَجَهَالَةِ نِمْرَانَ
قَالَهُ الذَّهَبِيُّ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ دَهْثَمُ بْنُ قُرَّانَ عَنْ نِمْرَانَ بْنِ جَارِيَةَ عَنْ أَبِيهِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ دَهْثَمٍ وَدَهْثَمٌ ضَعِيفٌ جِدًّا
[131]
(إِصْبَعَيْهِ) أَيِ السَّبَّابَتَيْنِ (فِي جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ تَثْنِيَةُ جُحْرٍ وَهُوَ الثُّقْبَةُ وَالْخَرْقُ
وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ هِشَامٍ وَفِيهَا وَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ في صماخ أذنيه
قال المنذري وأخرجه بن ماجه
[132]
(عن ليث) هو بن سُلَيْمٍ الْقُرَشِيُّ الْكُوفِيُّ رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرٌ
قَالَ أَحْمَدُ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ لَيْثٌ أَعْلَمُ أهل الكوفة
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الشَّيْخ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ عثمان ين سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُول قُلْت لِسُفْيَانَ إِنَّ لَيْثًا رَوَى عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ فَأَنْكَرَ سُفْيَانُ ذَلِكَ وَعَجِبَ أَنْ يَكُون جَدَّ طَلْحَةَ لَقِيَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم
قَالَ عَلِيٌّ سَأَلْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ عَنْ اِسْم جَدِّ طَلْحَةَ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ
بِالْمَنَاسِكِ
كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ
وَقَالَ الْحَافِظُ قَالَ بن حِبَّانَ يَقْلِبُ الْأَسَانِيدَ وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ وَيَأْتِي عَنِ الثِّقَاتِ بِمَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِمْ تَرَكَهُ يَحْيَى القطان وبن مهدي وبن مَعِينٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ضَعْفِهِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ قال بن الْقَطَّانِ مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو وَالِدُ طَلْحَةَ مَجْهُولٌ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَمِثْلُهُ فِي التَّقْرِيبِ (الْقَذَالَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ كَسَحَابٍ هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ وَجَمْعُهُ قُذُلٌ كَكُتُبٍ وَأَقْذِلَةٌ كَأَغْلِمَةٍ
وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ الله يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ وَمَا يَلِيهِ من مقدم العنق ولفظ بن سَعْدٍ وَجَرَّ يَدَيْهِ إِلَى قَفَاهُ (وَهُوَ) أَيِ الْقَذَالُ (أَوَّلُ الْقَفَا) وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ
وَالْقَفَا بِفَتْحِ الْقَافِ مَقْصُورٌ هُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ
كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ
وَفِي الْمُحْكَمِ وَرَاءَ الْعُنُقِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ
وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ مِنْ مُقَدَّمِ عُنُقِهِ
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْقَذَالَ هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ وَأَوَّلُ الْقَفَا هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَفَا بِغَيْرِ إِضَافَةِ لَفْظِ أَوَّلُ هُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ فَابْتِدَاءُ العنق هو مؤخر الرأس
فالمعنى أنه مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُنْتَهَاهُ (وَقَالَ مُسَدَّدٌ) فِي رِوَايَتِهِ (مَسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ) وَجَانِبُ الْأُذُنِ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ الْمُعَبَّرُ بِظَاهِرِ الْأُذُنِ هُوَ تَحْتُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَانِبِ الْأُذُنِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ الْمُعَبَّرُ بِبَاطِنِ الْأُذُنِ
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَسَحَ إِلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ حَتَّى مَرَّتْ يَدَاهُ عَلَى ظَاهِرِ الْأُذُنَيْنِ وَمَا انْفَصَلَتَا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَّا بَعْدَ مُرُورِهِمَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا
قُلْتُ وَالْحَدِيثُ مَعَ ضَعْفِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الرَّقَبَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَسْحَ الرَّأْسِ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ أَوْ إِلَى مُؤَخَّرِ الْعُنُقِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ كَلَامٌ إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ الْمُعْتَادِ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَمْسَحُونَ الرَّقَبَةَ بِظُهُورِ الْأَصَابِعِ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ لَا مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَلَا مِنَ الْحَسَنِ بَلْ مَا رُوِيَ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ كُلُّهَا ضِعَافٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا
وما نقل الشيخ بن الْهُمَامِ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صفة وضوء رسول الله ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
كَعْبٍ أَوْ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَة
وَقَالَ عَبَّاسٌ الدَّوْرِيُّ قُلْت لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَأَى جَدُّهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَحْيَى الْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ قَدْ رَآهُ
وَأَهْل بَيْت طَلْحَةَ يَقُولُونَ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَة
وَظَاهِرِ أُذُنَيْهِ ثَلَاثًا وَظَاهِرِ رَقَبَتِهِ الْحَدِيثَ
وَنَسَبَهُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ فَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي التِّرْمِذِيِّ (فَحَدَّثْتُ بِهِ) أَيْ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (يَحْيَى) بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ (فَأَنْكَرَهُ) أَيِ الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ جَهَالَةِ مُصَرِّفٍ أَوْ أَنْ يَكُونَ لِجَدِّ طَلْحَةَ صُحْبَةٌ وَلِذَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ هُوَ إِسْنَادٌ لَا أَعْرِفُهُ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ تَابِعِيٌّ احْتَجَّ بِهِ السِّتَّةُ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ لَا يُعْرَفَانِ
قَالَهُ السُّيُوطِيُّ لَكِنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي رِوَايَةِ الدوري وعبد الرحمن بن مهدي وبن أَبِي حَاتِمٍ وَأَبَا دَاوُدَ أَثْبَتُوا صُحْبَةً لِعَمْرِو بْنِ كَعْبٍ جَدِّ طَلْحَةَ (زَعَمُوا) أَيْ قَالُوا أَيْ قَالَ النَّاسُ (أَنَّهُ) أَيْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (كَانَ يُنْكِرُهُ) أَيِ الْحَدِيثَ
وَالْعِبَارَةُ فِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَيْ يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ زعم الناس أن بن عُيَيْنَةَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ (وَيَقُولُ) سُفْيَانُ (أَيْشِ هَذَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ أَيُّ شَيْءٍ هَذَا وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ أَيْ لَا شَيْءَ هَذَا الْحَدِيثُ
وَفِي الْمِصْبَاحِ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ خُفِّفَتِ الْيَاءُ وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا وَجُعِلَا كَلِمَةً وَاحِدَةً فَقَالُوا أَيْشِ
قَالَهُ الْفَارَابِيُّ
انْتَهَى كَلَامُهُ (طَلْحَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) هَذَا تَعْلِيلٌ لِلْإِنْكَارِ أَيْ لَا شيء هذا الحديث إنما يروى طلحة من مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ وَلَمْ يَثْبُتْ لِعَمْرٍو صُحْبَةٌ
[133]
(فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) أَيْ فَذَكَرَ الرَّاوِي مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ مِنَ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ كُلِّهَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا أَيْ ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ الله غَسَلَ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا
(قَالَ) أَيِ بن عباس (يمسح المأقين) وتثنية مَأْقٍ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ أَيْ يُدَلِّكُهُمَا
فِي الْقَامُوسِ مُوقُ الْعَيْنِ مَجْرَى الدَّمْعِ مِنْهَا أَوْ مُقَدَّمُهَا أَوْ مُؤَخَّرُهَا
انْتَهَى
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْمُوقَ وَالْمَاقَ مُؤَخَّرُ الْعَيْنِ الَّذِي يَلِي الْأَنْفَ
انْتَهَى
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ الْمَاقُ طَرْفُ الْعَيْنِ الَّذِي يَلِي الْأَنْفَ وَالْأُذُنَ وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ مُوقٌ
قَالَ الطِّيبِيُّ إِنَّمَا مَسَحَهُمَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ مُبَالَغَةً فِي الْإِسْبَاغِ لِأَنَّ الْعَيْنَ قَلَّمَا تَخْلُوُ مِنْ كُحْلٍ وَغَيْرِهِ أَوْ رَمَصٍ فَيَسِيلُ فَيَنْعَقِدُ عَلَى طَرْفِ الْعَيْنِ (قَالَ) شَهْرٌ (وَقَالَ) أَيْ أَبُو أُمَامَةَ (الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ) يَعْنِي يَجُوزُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ مَعَ مَسْحِ الرَّأْسِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنهم
كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ حَاشِيَةِ الْمَصَابِيحِ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ وَبِهِ يقول سفيان الثوري وبن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ماأقبل من الأذنين فمن الوجه وماأدبر فَمِنَ الرَّأْسِ
وَقَالَ إِسْحَاقُ أَخْتَارُ أَنْ يَمْسَحَ مُقَدَّمَهُمَا مَعَ وَجْهِهِ وَمُؤَخَّرَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ
انْتَهَى (يَقُولُهَا) أَيْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ (أَبُو أُمَامَةَ) الْبَاهِلِيُّ أَيْ قَائِلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَبُو أُمَامَةَ وَمَا هِيَ مِنْ قول النبي قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يَرْوِيهِ عَنْ حَمَّادٍ وَيَقُولُ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ بَدَّلَ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي أُمَامَةَ فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ بَدَّلَ أَوْ كَلِمَةٌ قَالَهَا سُلَيْمَانُ أَيْ أَخْطَأَ
[134]
(يَعْنِي قِصَّةَ الْأُذُنَيْنِ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنَ الْمُؤَلِّفِ وَقَدْ كَانَ فِي قَوْلِ حَمَّادٍ إِبْهَامٌ فَأَرْجَعَ الضَّمِيرَ الْمَرْفُوعَ فِي قَوْلِ حَمَّادٍ لَا أَدْرِي هُوَ إِلَى قَوْلِهِ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ (قَالَ قُتَيْبَةُ) فِي رِوَايَتِهِ (عَنْ سِنَانٍ أَبِي رَبِيعَةَ) وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ سِنَانُ بن ربيعة (وهو) أي سنان (بن رَبِيعَةَ كُنْيَتُهُ أَبُو رَبِيعَةَ) فَلَا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ قُتَيْبَةَ أَخْطَأَ فِيهِ لِأَنَّ كُنْيَةَ سِنَانٍ أَبُو رَبِيعَةَ وَاسْمُ وَالِدِهِ رَبِيعَةُ فَاتَّفَقَ الْقَوْلَانِ
وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ رَوَاهُ ثَمَانِيَةُ أَنْفُسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ رَوَاهُ أَبُو داود والترمذي وبن مَاجَهْ وَالْقَزْوِينِيُّ وَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّهُ مُدْرَجٌ فِي كِتَابِي تَقْرِيبِ الْمَنْهَجِ بِتَرْتِيبِ الْمُدْرَجِ فِي ذَلِكَ
الثَّانِي حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَوَّاهُ المنذري وبن دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَدْ بَيَّنْتُ أَيْضًا أَنَّهُ مُدْرَجٌ
الثالث حديث بن عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالِاضْطِرَابِ
وَقَالَ إنه وهم
والصواب رواية بن جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى