الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَقَالَةَ بَعْضِهِمْ مِنَ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ النَّصْرِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ [الْبَقَرَة: 214] .
وَكَقَوْلِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ»
. وَالْإِيمَاءُ بِوَصْفِ الْعَلِيمُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنِ اسْتِعْجَالِ النَّصْرِ وَلَوْ
كَانَ الْمُرَادُ مِنْ أَجَلَ اللَّهِ الْمَوْتَ لَمَا كَانَ وَجْهٌ لِلْإِعْلَامِ بِإِتْيَانِهِ بَلْهَ تَأْكِيدَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْبَعْثَ لَكَانَ قَوْلُهُ مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ كَافِيًا، فَهَذَا وَجْهُ مَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْآيَاتُ بِالْمَنْطُوقِ وَالِاقْتِضَاءِ، وَالْعُدُولُ بِهَا عَنْ هَذَا الْمَهْيَعِ وَإِلَى مَا فِي «الْكَشَّافِ» وَ «مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ» أَخْذًا مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ تَحْوِيلٌ لَهَا عَنْ مجْراهَا وَصرف كلمة الرَّجَاءِ عَنْ مَعْنَاهَا وَتَفْكِيكٌ لِنَظْمِ الْكَلَامِ عَنْ أَنْ يَكُونَ آخِذًا بَعْضُهُ بِحُجَزِ بَعْضٍ.
وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي جُمْلَةِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ مَعَ كَوْنِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ الْإِضْمَارَ لِتَقَدُّمِ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي جُمْلَةِ الشَّرْطِ مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ مُعَادُ الضَّمِيرِ بِأَنْ يُعَادَ إِلَى مَنْ إِذِ الْمَقْصُودُ الْإِعْلَامُ بِأَجَلٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ وَقْتُ النَّصْرِ الْمَوْعُودِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ [سبأ: 29، 30] .
وَعَبَّرَ بِفِعْلِ الرَّجَاءِ عَنْ تَرَقُّبِ الْبَعْثِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ مِمَّنْ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ يَتَرَقَّبُونَ الْبَعْثَ لِمَا يَأْمُلُونَ مِنَ الْخَيْرَاتِ فِيهِ. قَالَ بِلَالٌ رضي الله عنه حِينَ احْتِضَارِهِ مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ بَعْضِ الْأَشْعَرِيِّينَ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم:
غَدًا أَلْقَى الْأَحِبَّهْ
…
مُحَمَّدًا وَصَحبه
[6]
[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 6]
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6)
أَيْ وَمَنْ جَاهَدَ مِمَّنْ يَرْجُونَ لِقَاءَ اللَّهِ، فَلَيْسَتِ الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ، وَلَيْسَ مَنْ
جاهَدَ بِقَسِيمٍ لِمَنْ كَانُوا يَرْجُونَ لِقَاءَ اللَّهِ بَلِ الْجِهَادُ مِنْ عَوَارِضِ مَنْ كَانُوا يَرْجُونَ لِقَاءَ اللَّهِ.
وَالْجِهَادُ: مُبَالَغَةٌ فِي الْجَهْدِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ جَهَدَ كَمَنَعَ، إِذَا جَدَّ فِي عَمَلِهِ وَتَكَلَّفَ فِيهِ تَعَبًا، وَلِذَلِكَ شَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْقِتَالِ فِي نَصْرِ الْإِسْلَامِ. وَهُوَ هُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّبْرَ عَلَى الْمَشَاقِّ وَالْأَذَى اللَّاحِقَةِ بِالْمُسْلِمِينَ لِأَجْلِ دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ وَنَبْذِ دِينِ الشِّرْكِ حَيْثُ تَصَدَّى الْمُشْرِكُونَ لِأَذَاهُمْ. فَإِطْلَاقُ الْجِهَادِ هُنَا هُوَ مِثْلُ إِطْلَاقِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي [العنكبوت: 8] ، وَمِثْلُ إِطْلَاقِهِ
فِي قَوْلِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ قَفَلَ من إِحْدَى غزاوته «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»
. وَهَذَا الْمَحَلُّ هُوَ الْمُتَبَادِرُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا كُلُّهَا مَكِّيَّةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جِهَادُ الْقِتَالِ فِي مَكَّةَ.
وَمَعْنَى فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ عَلَى هَذَا الْمَحْمِلِ أَنَّ مَا يُلَاقِيهِ مِنَ الْمَشَاقِّ لِفَائِدَةِ نَفْسِهِ لِيَتَأَتَّى لَهُ الثَّبَاتُ عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي بِهِ يَنْجُو مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْجِهَادِ الْمَعْنَى الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ فِي اصْطِلَاحِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ قِتَالُ الْكُفَّارِ لِأَجْلِ نَصْرِ الْإِسْلَامِ وَالذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ، وَيَكُونُ ذكره هُنَا لإعداد نُفُوسِ الْمُسلمين لما سيلجأون إِلَيْهِ مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ يَضْطَرُّوا إِلَيْهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الْفَتْح: 16] ومناسبة التَّعَرُّض لَهُ عَلَى هَذَا الْمَحْمِلِ هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت: 5] تَضَمَّنَ تَرَقُّبًا لِوَعْدِ نَصْرِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ جِهَادٍ شَدِيدٍ وَهُوَ مَا وَقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَمَعْنَى فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ عَلَى هَذَا الْمَحْمِلِ هُوَ مَعْنَاهُ فِي الْمَحْمِلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجِهَادَ يُدَافِعُ صَدَّ الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ الدَّوَامُ عَلَى الْإِسْلَامِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَزِيَادَةُ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْجِهَادَ وَإِنْ كَانَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ دِفَاعًا عَنْ دِينِ اللَّهِ فَهُوَ أَيْضًا بِهِ نَصْرُهُمْ وَسَلَامَةُ حَيَاةِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَأَهْلِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَأَسَاسُ سُلْطَانِهِمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ