المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة القصص (28) : آية 85] - التحرير والتنوير - جـ ٢٠

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 56 إِلَى 58]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 59]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 63]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 64]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 65 إِلَى 66]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 67 إِلَى 68]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 69]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 70]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 71 إِلَى 72]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 73]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 74]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 75]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 76]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 77]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 78]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 79]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 80]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 81]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 82]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 83 إِلَى 84]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 85]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 86]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 87]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 88]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 89 الى 90]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 91 إِلَى 92]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 93]

- ‌28- سُورَةُ الْقَصَصِ

- ‌أَغْرَاضُهَا

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 2 إِلَى 3]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 5 إِلَى 6]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 18 إِلَى 19]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 20 إِلَى 21]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 23 إِلَى 24]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 26 إِلَى 28]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 30 الى 32]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 36]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 37]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 38]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 39]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 40]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 42]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 43]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 45]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 46]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 47]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 48]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 49 إِلَى 50]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 51]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 52 إِلَى 53]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 54 إِلَى 55]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 56]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 57]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 58]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 59]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 62 إِلَى 63]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 64]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 65 إِلَى 66]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 67]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 68]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 69]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 70]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 71 إِلَى 72]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 73]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 74 إِلَى 75]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 76 الى 77]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 78]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 79]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 80]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 81]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 82]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 83]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 84]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 85]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : الْآيَات 86 الى 87]

- ‌[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 88]

- ‌29- سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ

- ‌أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : الْآيَات 8 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : الْآيَات 14 إِلَى 15]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : الْآيَات 16 إِلَى 17]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 18]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 23]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 24]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : الْآيَات 28 الى 30]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : الْآيَات 31 إِلَى 32]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَةً 36]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 37]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 38]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 39]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 40]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 42]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 43]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 45]

الفصل: ‌[سورة القصص (28) : آية 85]

وَمَنْ حَضَرَ بِالسَّيِّئَةِ يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَى الْحِسَابِ. فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِخَاتِمَةِ الْأَمْرِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُوَافَاةِ. وَأَمَّا اخْتِيَارُ فِعْلِ عَمِلُوا فِي قَوْلِهِ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ فَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُمْ هُوَ عِلَّةُ جَزَائِهِمْ زِيَادَةً فِي التَّنْبِيهِ عَلَى عَدْلِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَمَعْنَى فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أَنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ تَحْتَوِي عَلَى خَيْرٍ لَا مَحَالَةَ يَصِلُ إِلَى نَفْسِ الْمُحْسِنِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ فَلِلْجَائِي بِالْحَسَنَةِ خَيْرٌ أَفْضَلُ مِمَّا فِي حَسَنَتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، أَوْ فَلَهُ مِنَ اللَّهِ إِحْسَانٌ عَلَيْهَا خَيْرٌ مِنَ الْإِحْسَانِ الَّذِي فِي الْحَسَنَةِ قَالَ تَعَالَى فِي آيَاتٍ أُخْرَى فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الْأَنْعَام: 160] أَيْ فَلَهُ مِنَ الْجَزَاءِ حَسَنَاتٌ أَمْثَالُهَا وَهُوَ تَقْدِيرٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ.

وَلَمَّا ذُكِرَ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ أُعْقِبَ بِضِدِّ ذَلِك مَعَ مُقَابَلَةُ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُحْسِنِ بِعَدْلِهِ مَعَ الْمُسِيءِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ مِنْ قَرْنِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ.

ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ مَا صَدَقُهُ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ، والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ الثَّانِي هُوَ عَيْنُ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الْإِضْمَارِ بِأَنْ يُقَالَ: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَوْنَ إِلَخْ وَلَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِأَنَّ فِي التَّصْرِيحِ بِوَصْفِهِمْ بِ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ تَكْرِيرًا لِإِسْنَادِ عَمَلِ السَّيِّئَاتِ إِلَيْهِمْ لِقَصْدِ تَهْجِينِ هَذَا الْعَمَلِ الذَّمِيمِ وَتَبْغِيضِ السَّيِّئَةِ إِلَى قُلُوبِ السَّامِعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ عَنْ فِعْلِ يُجْزَى الْمَنْفِيِّ الْمُفِيدِ بِالنَّفْيِ عُمُومَ أَنْوَاعِ الْجَزَاءِ، وَالْمُسْتَثْنَى تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أَيْ جَزَاءُ شَبَهِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ.

وَالْمُرَادُ الْمُشَابَهَةُ وَالْمُمَاثَلَةُ فِي عُرْفِ الدِّينِ، أَيْ جَزَاءً وِفَاقًا لِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَجَارِيًا عَلَى مِقْدَارِهِ لَا حَيْفَ فِيهِ وَذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى الْعلم الإلهي.

[85]

[سُورَة الْقَصَص (28) : آيَة 85]

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85)

ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَتَثْبِيتِ فُؤَادِهِ وَوَعْدِهِ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّ إِنْكَارَ أَهْلِ الضَّلَالِ رِسَالَتَهُ لَا يَضِيرُهُ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِأَنَّهُ عَلَى

ص: 191

هُدًى وَأَنَّهُمْ عَلَى ضَلَالٍ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ لِذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ رِسَالَةِ مُوسَى عليه السلام مَا فِيهِ عِبْرَةٌ بِالْمُقَارَنَةِ بَيْنَ حَالَيِ الرَّسُولَيْنِ وَمَا لَقِيَاهُ مِنَ الْمُعْرِضِينِ.

وَافْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ. وَجِيءَ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ دُونَ اسْمِهِ تَعَالَى الْعَلَمِ لِمَا فِي الصِّلَةِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ. وَأَنَّهُ خَبَرُ الْكَرَامَةِ وَالتَّأْيِيدِ أَيْ أَنَّ الَّذِي أَعْطَاكَ الْقُرْآنَ مَا كَانَ إِلَّا مُقَدِّرًا نَصْرَكَ وَكَرَامَتَكَ لِأَنَّ إِعْطَاءَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ عِنَايَةِ اللَّهِ بِالْمُعْطَى. قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

مَهْلًا هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْ

قُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ

وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَعْظِيمِ شَأْنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم.

وَمَعْنَى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ اخْتَارَهُ لَكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ كَذَا، إِذَا عَيَّنَ لَهُ فَرْضًا، أَيْ نَصِيبًا. وَلَمَّا ضُمِّنَ فَرَضَ مَعْنَى (أَنْزَلَ) لِأَنَّ فَرْضَ الْقُرْآنِ هُوَ إِنْزَالُهُ، عُدِّيَ فَرَضَ بِحَرْفِ (عَلَى) .

وَالرَّدُّ: إِرْجَاعُ شَيْءٍ إِلَى حَالِهِ أَوْ مَكَانِهِ. وَالْمَعَادُ: اسْمُ مَكَانِ الْعَوْدِ، أَيِ الْأَوْلِ كَمَا يَقْتَضِيهُ حَرْفُ الِانْتِهَاءِ. وَالتَّنْكِيرُ فِي مَعادٍ لِلتَّعْظِيمِ كَمَا يَقْتَضِيهُ مَقَامُ الْوَعْدِ وَالْبِشَارَةِ، وَمَوْقِعُهُمَا بَعْدَ قَوْلِهِ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها (1) [الْقَصَص: 84] ، أَيْ إِلَى مَعَادٍ أَيِّ مَعَادٍ.

وَالْمَعَادُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى آخِرِ أَحْوَالِ الشَّيْءِ وَقَرَارِهِ الَّذِي لَا انْتِقَالَ مِنْهُ تَشْبِيهًا بِالْمَكَانِ الْعَائِدِ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ صَدَرَ مِنْهُ أَوْ كِنَايَةً عَنِ الْأَخَارَةِ فَيَكُونُ مُرَادًا بِهِ الْحَيَاةُ الْآخِرَةُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدِ اشْتَهَرَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِالْمَعَادِ لِأَنَّهُ مَعَادُ الْكُلِّ اه. أَيْ فَأَبْشِرْ بِمَا تَلْقَى فِي مَعَادِكَ مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي لَا تُعَادِلُهَا كَرَامَةٌ وَالَّتِي لَا تُعْطَى لِأَحَدٍ غَيْرِكَ. فَتَنْكِيرُ مَعادٍ أَفَادَ أَنَّهُ عَظِيمُ الشَّأْنِ، وَتَرَتُّبُهُ عَلَى الصِّلَةِ أَفَادَ أَنَّهُ لَا يُعْطَى لِغَيْرِهِ مِثْلُهُ كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُفْرَضْ عَلَى أَحَدٍ مِثْلِهِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَعَادِ مَعْنَاهُ الْمَشْهُودُ الْقَرِيبُ مِنَ الْحَقِيقَةِ. وَهُوَ مَا يَعُودُ إِلَيْهِ الْمَرْءُ إِنْ غَابَ عَنْهُ، فيراد بِهِ هُنَا بَلَدُهُ الَّذِي كَانَ بِهِ وَهُوَ مَكَّةُ. وَهَذَا الْوَجْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ خُرُوجِهِ مِنْهُ ثُمَّ عَوْدِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّ الرَّدَّ يَسْتَلْزِمُ الْمُفَارَقَةَ. وَإِذْ قَدْ كَانَتِ السُّورَةُ

(1) فِي المطبوعة (عشر أَمْثَالهَا) .

ص: 192

مَكِّيَّةً وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَكَّةَ فَالْوَعْدُ بِالرَّدِّ كِنَايَةٌ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم أُرِيَ فِي النَّوْمِ أَنَّهُ يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ ابْن نَوْفَلَ: يَا لَيْتَنِي أَكُونُ مَعَكَ إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، فَمَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِيَغِيبَ عَنْ عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْجُحْفَةِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْهِجْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فَوُعِدَ بِالرَّدِّ عَلَيْهَا وَهُوَ دُخُولُهُ إِلَيْهَا فَاتِحًا لَهَا وَمُتَمَكِّنًا مِنْهَا. فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُ الْمَعَادِ بِذَلِكَ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ.

ثُمَّ تَكُونُ جُمْلَةُ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ التَّفْرِيعِ عَلَى جُمْلَةِ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ، أَيْ رَادُّكَ إِلَى يَوْمِ الْمَعَادِ فَمُظْهِرٌ الْمُهْتَدِيَ وَالضَّالِّينَ، فَيَكُونُ عِلْمُ اللَّهِ بِالْمُهْتَدِي وَالضَّالِّ مُكَنًّى بِهِ عَنِ اتِّضَاحِ الْأَمْرِ بِلَا رَيْبٍ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَعْتَرِيهِ تَلْبِيسٌ وَتَكُونُ هَذِهِ الْكِنَايَةُ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمُ الضَّالُّونَ. وَأَنَّ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْمُهْتَدِي.

وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَبَّرَ عَنْ جَانِبِ الْمُهْتَدِي بِفِعْلِ مَنْ جاءَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُهْتَدِيَ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهَدْيٍ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا مِنْ قَبْلُ كَمَا يَقْتَضِيهِ: جَاءَ بِكَذَا. وَعَبَّرَ عَنْ جَانِبِ الضَّالِّينَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ ثَبَاتَ الضَّلَالِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّ الضَّلَالَ هُوَ أَمْرُهُمُ الْقَدِيمُ الرَّاسِخُ فِيهِمْ مَعَ مَا أَفَادَهُ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ مِنِ انْغِمَاسِهِمْ فِي الضَّلَالِ وَإِحَاطَتِهِ بِهِمْ. وَيَكُونُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: 24] لِظُهُورِ أَنَّ الْمُبَلِّغَ لِهَذَا الْكَلَامِ لَا يُفْرَضُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الشِّقَّ الضَّالَّ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الضَّالَّ مَنْ خَالَفَهُ.

وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُوَادَعَةِ وَالْمُتَارَكَةِ وَقَطْعِ الْمُجَادَلَةِ. فَالْمَعْنَى:

عُدْ عَنْ إِثْبَاتِ هُدَاكَ وَضَلَالِهِمْ وَكِلْهُمْ إِلَى يَوْمِ رَدِّكَ إِلَى مَعَادِكَ يَوْمِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ اللَّهَ نَصَرَكَ وَخَذَلَهُمْ. وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَجُمْلَةُ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ يُثِيرُهُ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ.

ص: 193