الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْجُدْرَانِ، وَتَتَّخِذُ فِي وَسَطِ تِلْكَ الْخُيُوطِ جَانِبًا أَغْلَظَ وَأَكْثَرَ اتِّصَالَ خُيُوطٍ تَحْتَجِبُ فِيهِ وَتُفَرِّخُ فِيهِ. وَسُمِّيَ بَيْتًا لِشَبَهِهِ بِالْخَيْمَةِ فِي أَنَّهُ مَنْسُوجٌ وَمَشْدُودٌ مِنْ أَطْرَافِهِ فَهُوَ كَبَيْتِ الشِّعْرِ.
وَجُمْلَةُ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ مُعْتَرِضَةٌ مُبِيِّنَةٌ وَجْهَ الشَّبَهِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْمِثْلِ فَيُضْرَبُ لِقِلَّةِ جَدْوَى شَيْءٍ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَدْيَانَ الَّتِي يَعْبُدُ أَهْلُهَا غَيْرَ اللَّهِ هِيَ أَحْقَرُ الدِّيَانَاتِ وَأَبْعَدُهَا عَنِ الْخَيْرِ وَالرُّشْدِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً فِيمَا يَعْرِضُ لِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ مِنَ الضَّلَالَاتِ كَمَا تَتَفَاوَتُ بُيُوتُ الْعَنْكَبُوتِ فِي غِلَظِهَا بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الدُّوَيْبَّاتِ الَّتِي تَنْسِجُهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ.
وَجُمْلَةُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ لَا بِجُمْلَةِ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ. فَتَقْدِيرُ جَوَابِ لَوْ هَكَذَا: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ، أَيْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ انْعِدَامَ غَنَاءِ مَا اتَّخَذُوهُ عَنْهُمْ. وَأَمَّا أَوْهَنِيَّةُ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ فَلَا يجهلها أحد.
[42]
[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 42]
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42)
لَمَّا نَفَى عَنْهُمُ الْعِلْمَ بِمَا تَضَمَّنَهُ التَّمْثِيلُ مِنْ حَقَارَةِ أَصْنَامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَقِلَّةِ جَدْوَاهَا بِقَوْلِهِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 41] الْمُفِيدِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَعْقَبَهُ بِإِعْلَامِهِمْ بِعِلْمِهِ بِدَقَائِقِ أَحْوَالِ تِلْكَ الْأَصْنَامِ عَلَى اخْتِلَافِهَا وَاخْتِلَافِ مُعْتَقَدَاتِ الْقَبَائِلِ الَّتِي عَبَدَتْهَا، وَأَنَّ مِنْ آثَارِ عِلْمِهِ بِهَا ضَرْبَ ذَلِكَ الْمَثَلِ لِحَالِ مَنْ عَبَدُوهَا وَحَالِهَا أَيْضًا دَفْعًا بِهِمْ إِلَى أَنْ يَتَّهِمُوا عُقُولَهُمْ وَأَنَّ عَلَيْهِم النّظر من حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ تَعْرِيضًا بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: 216] ، فَهَذَا تَوْقِيفٌ لَهُمْ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي عِلْمِ حَقَائِقِ الْأُمُورِ الَّتِي عَلِمَهَا اللَّهُ وَأَبْلَغَهُمْ دَلَائِلَهَا النَّظَرِيَّةَ وَنَظَائِرَهَا التَّارِيخِيَّةَ، وَقَرَّبَهَا إِلَيْهِمْ بِالتَّمْثِيلَاتِ الْحِسِّيَّةِ فَعَمُوا وَصَمُّوا عَنْ هَذَا وَذَاكَ.
وَمَا مِنْ قَوْلِهِ مَا تَدْعُونَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً مُعَلِّقَةً فِعْلَ يَعْلَمُ عَنِ الْعَمَلِ،
وَتَكُونَ مِنْ زَائِدَةً لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ، وَمَجْرُورُهَا مَفْعُولٌ فِي الْمَعْنى لتدعون
ظَهَرَتْ عَلَيْهِ حَرَكَةُ حَرْفِ الْجَرِّ الزَّائِدِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ مَوْجُودًا وَلَكِنَّكُمْ تَدْعُونَ أُمُورًا عَدَمِيَّةً، فَفِيهِ تَحْقِيرٌ لِأَصْنَامِهِمْ بِجَعْلِهَا كَالْعَدَمِ لِأَنَّهَا خُلُوٌّ عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِالْإِلَهِيَّةِ. فَهِيَ فِي بَابِهَا كَالْعَدَمِ فَلَمَّا شَابَهَتِ الْمَعْدُومَاتِ فِي انْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ الْمَزْعُومَةِ لَهَا اسْتُعْمِلَ لَهَا التَّرْكِيبُ الدَّالُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُودِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ. وَلَا يَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ دَعَوْا أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ سَابِقَهُ وَلَاحِقَهُ يَأْبَاهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [113] ، ولَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [68] ،
وَكَقَوْلِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْكُهَّانِ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ،
أَيْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ فِيمَا يَدَّعُونَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْغَيْبِ.
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ مِنْ عِلْمِهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا مَوْجُودَاتٌ كَالْعَدَمِ ضَرَبَ لَهَا مَثَلًا بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ وَلِعَبَدَتِهَا مَثَلًا بِالْعَنْكَبُوتِ الَّذِي اتَّخَذَهَا، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَالْكَلَامُ صَرِيحٌ فِي إِبْطَالِ إِلَهِيَّةِ الْأَصْنَامِ وَفِي أَنَّهَا كَالْعَدَمِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً مُعَلِّقَةً فِعْلَ يَعْلَمُ عَنِ الْعَمَلِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ:
عَلِمْتُ هَلْ زِيدٌ قَائِمٌ، أَيْ عَلِمْتُ جَوَابَهُ. ومِنْ بَيَانِيَّةٌ لِمَا فِي مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ مِنَ الْإِبْهَامِ، أَيْ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَدْعُوَّاتِ الْعَدِيدَةِ فِي الْأُمَمِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَعْلَمُونَ جَوَابَ سُؤَالِ السَّائِلِ «مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» ، أَيْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَمِنْ عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ ضَرَبَ لَهُمُ الْمَثَلَ بِالْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، وَلِلْمَعْبُودَاتِ مَثَلًا بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، وَأَنْتُمْ لَوْ سُئِلْتُمْ: مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لَتَلَعْثَمْتُمْ وَلَمْ تُحِيرُوا جَوَابًا فَإِنَّ شَأْنَ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ وَالْأَفْهَامِ السَّقِيمَةِ أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ صَاحِبُهَا بَيَانَهَا بِالْقَوْلِ وَشَرْحَهَا، لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَتَأَلَّفُ مِنْ تَصْدِيقَاتٍ غَيْرِ مُتَلَائِمَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ صَاحِبُهَا تَقْرِيرَهَا فَلَا يَلْبَثُ قَلِيلًا حَتَّى يَفْتَضِحَ فَاسِدُ مُعْتَقَدِهِ مِنْ تَعَذُّرِ إِفْصَاحِهِ عَنْهُ.
وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ يَعْلَمُ هُنَا مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ بِمَعْنَى (يَعْرِفُ) وَجَعَلَ مَا مَوْصُولَة مفعول يَدْعُونَ والعائذ مَحْذُوفًا، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ إِسْنَادَ الْعِلْمِ بِمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ إِلَى الله يؤول إِلَى إِسْنَادِ فِعْلِ الْمَعْرِفَةِ إِلَى اللَّهِ بِنَاءً عَلَى إِثْبَاتِ الْفَرْقِ بَيْنَ فِعْلِ (عَلِمَ) وَفِعْلِ (عَرَفَ) عِنْدَ مَنْ