الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الضلال واستوجب العقوبة والنكال والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.
مطلب فيما هو معتاد بين السادة الصوفية إلخ
(سئل) فيما هو معتاد بين السادة الصوفية من إلباس الخرقة من الشيخ لمريده كأن يلبسه قباء أو يلف له عمامة بهية مختصة به، أو يلبسه دلقا ويشده ويعطيه العهد، ويلقنه الذكر ويؤدبه ويعلمه طريق الفقراء ونحو ذلك، فهل لذلك دليل؟ وما معرفة جميع ما ذكر مفصلا؟
(أجاب) لا ريب أن التزيي بزي الصالحين مطلوب مرغوب فيه، والذى يظهر أن الغالب على أهل هذا الزمان في لبسهم الخرقة إنما هو للتبرك ممن يلبس منه لحسن اعتقاده فيه؛ ليتسم بوسمة فيكون نظره عليه وخاطره معه لعل أن يحصل له نفحات دعواته وأوقات قربه من الله تعالى، وربما كان الشيخ ممن كان له جاه ووجاهة وكلمة نافذة بين الناس فيتقرب إليه بلبس زيه؛ ليدخل تحت كنفه لأجل مصلحة دنياه، ومنهم من يبلغه ماجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من تشبه بقوم فهو منهم، ولا يحب رجل قوما إلا حشر معهم، ولا يحب الرجل قوما إلا جعله الله تعالى منهم". والتزيي بزي الصالحين وأهل الخير محبوب مطلوب، كما أن التزيي بزي أهل الشر غير محبوب ولا مطلوب.
والأصل في لبس الخرقة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليلة أسري بي أخذني جبريل، وأدخلني قبة من نور، وأخرج لي صندوقا مقفولا ففتحته، وأخرج لي منه زي الفقراء وألبسني إياه". فلما لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبسه لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس ابن مالك، ولم تزل الأولياء والصالحين والصوفية مستمرين على لبسه من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن.
ولأن الخليفة أو النقيب أو التلميذ إذا شم الخرقة وجد فيها نفس شيخه الذي يقدمه لباب الله تعالى، ويتذكر برؤيتها نعم الله تعالى فيذداد شوقا إلى الأحوال الشريفة، ويأخذ في الاجتهاد والجد رغبة في الوصول إلى المقامات السنية، ولبس الخرقة إظهارا للتصوف وارتباطا بين الشيخ والمريد وتحكما من المريد للشيخ في نفسه حكى عن جعفر الخالدي أنه قال: دخلت على بعض شيوخي فأعطاني قلنسوة فجعلتها على رأسي، ثم خرجت عن البلد فجزت على أجمة قصب فخرج علي السباع فكان السباع يقربون مني ويتذللون فتحيرت ورجعت إلى أمري فإذا هم يفعلون ذلك للقلنسوة ويلتمسون بركتها.
وثوب الفقراء أزهى ملمسا وأزكى مغرسا وأشرف جلبابا وأكثر عند الله ثوابا فهو أعظم تاج وضع على الرؤوس وأنفع عوزة دفع به كل بؤس، وقد جعل لها أقوام هم بشروطها قوام ومشايخنا تناقلوها إماما إماما ووارثا وارثا تلقوها عن أب وجد وانتهوا فيها إلى ما حدوا لهم من حدة فرحمة الله تعالى عليهم أجمعين، وذكر بعضهم للبس الخرقة
شروطا؛ منها ستر عورة الكذب بلسان الصدق، وستر عورة الخيانة بثبوت الأمانة، ثم بعد ذلك يتزين بزينة الله تعالى من ملابس الأخلاق المحمودة مثل الصمت عما لا يعنيه، وغض البصر عما لا يحل إليه النظر، وتفقد الجوارح بالورع وترك سوء الظن بالناس، والقناعة بأيسر الرزق وسخاء النفس، والتواضع، ولين الكلام، واحتمال الأذى، والصفح عن المسيء، وحسن الأدب، وإقراء الضيف، وتفقد المحتاجين، وإفشاء السلام، ويتجنب كثرة الكلام والتصنع والتمشتق، وكثرة المجالسة في الأسواق، والمشي فيها، ويكثر من الصيام والقيام، ويغيث اللهفان، ويفرج الكرب عن المكروب، ويكثر من زيارة القبور، وعيادة المرضى، وبذل الصدقات، وصحبة أهل الخير، ودوام الذكر والمراقبة، وخدمة الفقراء والدعاء للمؤمنين بظهر الغيب، ونحو ذلك من الفعل المحمود الذي يرضاه الله تعالى.
أما تعريف الشد فهو قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} الآية. ثم يقرأ الفاتحة وسورة الإخلاص ثلاثا، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويوصي بالتقوى ونحو ذلك. وأما أخذ العهد فحسن محبوب؛ لأن الشيخ يذكر للمريد كل ما يعاهده عليه معناه الرجوع عن المعاصي والدوام على الطاعة، وله أصل أصيل جاءت به الأحاديث: منها ما وري عن عبادة بن الصامت أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفا منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا، ثم ستره الله تعالى فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك".
وأما تلقين الذكر فحسن محبوب روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الطرق أقرب إلى الله تعالى وأسهلها على عباده، وأفضلها عند الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم:"يا علي عليك بمداومة ذكر الله تعالى في الخلوات" فقال رضي الله تعالى عنه: هكذا فضيلة الذكر وكل الناس ذاكرون، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا علي لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله الله فقال علي كرم الله وجهه: كيف أذكر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: اسمع مني ثلاث مرات، ثم قل أنت ثلاث مرات وأنا أسمع فقال صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله ثلاث مرات مغمضا عينيه رافعا صوته وعلي رضي الله عنه يسمع، ثم قال علي رضي الله عنه ثلاث مرات لا إله إلا الله مغمضا عينيه رافعا صوته والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع. وقد ورد في فضل لا إله إلا الله، والملازمة
على الذكر بها عدة أحاديث صحاح وحسان روى الإمام أحمد عن يعلى بن شداد قال: حدثني أبي شداد بن أوس وعبادة بن الصامت حاضر وصدقه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل فيكم غريب يعني أهل الكتاب؟ فقلنا: لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب فقال: ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم قال: اللهم بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال صلى الله عليه وسلم: أبشروا فإن الله عز وجل قد غفر لكم. قال المنذري: إسناده حسن.
وأما الذي يجب على الشيخ في تأديب المريد فهو أن يقبله لله تعالى لا لنفسه فيعاشره بحكم النصيحة ويلاحظه بعين الشفقة، ويلاينه بالرفق فيربيه تربية الوالدة لولدها والوالد الشفيق الحليم لولده وغلامه فيأخذه بالأسهل ولا يحمله ما لا طاقة له به، وإذا رأى شيئا مما يكره في الشرع وعظه في السر وأدبه ونهاه عن المعاودة إلى ذلك.
ومن آداب المريد أن لا يتكلم بين يدي شيخه إلا في حالة الضرورة، وألا يظهر شيئا من مناقب نفسه بين يديه، ويكون متهيئا لخدمة شيخه، ويحذر من مخالفته؛ لأن مخالفة الشيخ سم قاتل فيها مضرة عامة، وعليه الانقياد لالتزام ما يأمره به شيخه من التأديب، فإن وقع منه تقصير في القيام بما أشار إليه شيخه فالواجب عليه تعريف ذلك لشيخه ليرى فيه رأيه، ويدعو له بالتوفيق والتيسير والفلاح.
واعلم أن طريقة الفقراء عشرة أشياء: الأول الذكر، والثاني الطاعة، والثالث الإيثار، والرابع القناعة، والخامس التوحيد، والسادس التوكل، والسابع التسليم، والثامن التأمل، والتاسع الشكر، والعاشر الفكر. فمن اتصف بهذه الصفات يكون فقيرا حقيقة وألا يكون مدعي ذلك زنديقا.
واعلم وفقك الله تعالى أن رأس الفقر كلام رب العالمين، وروح الفقر حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وجسم الفقر إشارة المشايخ العارفين، وقبلة الفقر الحقيقة، وغسل الفقر الطريقة، وصلاة الفقر الشريعة، وأصل الفقر حسن الخلق والمحبة، ومفتاح الفقر الصدق، وثمرة الفقر المعرفة، وكنز الفقر المسكنة، وجوهر الفقر معرفة نفسك، وما من شيء أقرب إليك من نفسك، وإذا ما كنت تعرف القريب فكيف تعرف البعيد.
ثم اعلموا أيها المريدون الصادقون وفقنا الله تعالى وإياكم لمرضاته ورزقنا وإياكم صحبة الصالحين من عباده، وأعاذنا وإياكم من صحبة المنكرين الطاعنين على هذه الطائفة أنه جواد كريم أنه يجب على المريدالصادق أن لا يصخب ولا يلتفت، ولا يصغى إلى المبعودين المطرودين عن الله تعالى الواقعين في أوليائه المستهزئين بهم؛ لئلا يسقط من عين الله تعالى، ويستوجب