الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لعقول العارفين فانظر يا أخي في أي مرتبة كان اللعين فيها، وانظر إلى أي حالة أصبح اليوم عليها نعوذ بالله تعالى من ذلك ومن السلوك في المهالك، وفيها موعظة لمن قدمه ملك من الملوك على جنوده وجعله أميرا على جموعه وعبيده أن لا يأمن عاقبة الأمور، وأن يكون على حذر من المقدور قبل أن لا يتعد الغرور والله تعالى أعلم.
مطلب فيما يفعله السحرة إلخ
(سئل) فيما يفعله السحرة من زرع البذر في أرض وطلوعه ونموه بالثمر في ساعة واحدة ونقل المتاع من محل إلى محل ونحو ذلك، فهل هو تخييل للناظر أو فعل حقيقة؟
(أجاب) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تأثير السحر وفي حقيقته على قولين قيل: إنه لا يغير حقيقة وإنما هو تخييل لقوله تعالى: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} وحكى الأوزاعي أن يهوديا
صحبه في سفر فأخذ ضفدعا وسحره خنزيرا، وباعه لنصارى، فلما ساروا به إلى قريتهم وجدوه ضفدعا فلحقوا اليهودي فلما قربوا منه رأوا رأسه قد سقط عن جثته ففزعوا وولوا هاربين وبقي الرأس يقول للأوزاعي: هل غابوا إلى أن بعدوا عنه فصار الرأس في الجسد، وأما طلوع الزروع في الحال ونقل الأمتعة والقتل على الفور والعمى والصمم وتعلم الغيب فلا يقع بالسحر؛ لأنه قد وقع القتل في السحرة ولم يبلغ أحد منهم هذا المبلغ ولم تستطع سحرة فرعون الدفع عن أنفسهم، وجوز بعضهم أن يسترق جسم الساحر حتى يلج في كوة ويجري على خيط مسترق ويطير في الهواء ويقتل غيره ويغير الخلق، وينقل الإنسان إلى صور البهائم لكن قال بعضهم: الأصح خلاف ذلك؛ لأنه لم يقع ولا سمع عن عاقل من آدم عليه السلام إلى وقتنا أن ساحرا غير خلق الرحمن عز وجل عن صورة إنسان إلى صورة حيوان من حمار أو فرس أو سرحان.
والحكايات في مثل ذلك خرافات تتحدث بها العجائز والبنيات لا تروى بأحاديث صحيحة وهي على المتحدث بها أعظم فضيحة، ومما يؤيد هذا أنهم لو قدروا على تحقيق الحقائق لقلبوا الأحجار ذهبا والصخور إبلا أم شاءو استغنوا عن سؤال الناس، وذلك منتف والله تعالى أعلم.
مطلب في أبوي المصطفى صلى الله عليه وسلم مؤمنان إلخ
(سئل) في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم هل هما في الجنة لكونهما من أهل الفترة وماتا فيها ولم تبلغهما الدعوى أو أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لهما ويدخلان الجنة بشفاعته صلى الله عليه وسلم، أو إن الله تعالى أحياهما له وآمنا به صلى الله عليه وسلم وما يستحق من العقوبة من قال: إنهما في النار؟
(أجاب) لا ريب ولا شك أن أبويه صلى الله عليه وسلم في الجنة، ومن قال بخلاف ذلك فقد باء بغضب من الله تعالى. وقد صنف العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رسائل جمة منهم العلامة الجلال السيوطي رحمه الله تعالى ألف في ذلك رسائل منها السبل الجلية في الآباء العليه، وسأذكر منها ما هو المقصود
بالاختصار السبيل الأول أنهما لم تبلغهما الدعوة؛ لأنهما كانا في زمن الجاهلية التي عم فيها الجهل طبق الأرض وفقد فيها من يبلغ الدعوة على وجهها خصوصا وقد ماتا في حداثة السن، فإن والده صلى الله عليه وسلم عاش من العمر نحو ثمانية عشر سنة ووالدته ماتت في حدود العشرين تقريبا ومثل هذا العمر لا يسع الفحص عن المطلوب في مثل ذلك الزمان، وحكم من لم تبلغه الدعوة أنه يموت ناجيا ولا يعذب ويدخل الجنة هذا مذهبنا لا خلاف فيه بين أئمتنا ومصداق ذلك قوله تعالى:{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} السبيل الثاني: أنهما من أهل الفترة وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار ولا شك أن الله تعالى يوفقهما عند الامتحان للإجابة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال: من رضى محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهله النار.
السبيل الثالث: أن الله تعالى أحياهما له حتى آمنا به، ثم أماتهما والله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه صلى الله عليه وسلم أهل أن يختصه بما شاء من فضله وينعم عليه بما شاء من كرامته.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته فيكون هذا مما فضله الله تعالى وأكرمه به وقال: وليس إحياؤهما وإيمانهما به بممتنع عقلا ولا شرعا فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم قال، وإذا ثبت هذا فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائمها زيادة في كرامته وفضيلته صلى الله عليه وسلم.
السبيل الرابع: أنهما كانا على الحنفية دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن آباءه صلى الله عليه وسلم كلهم إلى آدم كانوا على التوحيد لقوله تعالى: {وتقلبك في الساجدين} قيل: معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد لساجد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات.
وقد سئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية عن رجل قال إن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار فأجاب بأنه ملعون؛ لأن الله تعالى يقول: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة} الآية. قال: ولا أدري أذية أعظم من أن يقال عن أبيه أنه في النار، ولقوله صلى الله عليه وسلم: لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات والله سبحانه وتعالى أعلم.
(سئل)