المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ترجمة الإمام الفذالإمام محمد بن عبد الوهاب - فتح العلي الحميد في شرح كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

[مدحت آل فراج]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ترجمة الإمام الفذالإمام محمد بن عبد الوهاب

- ‌ فتح المسلمون حريملا عنوة

- ‌(حكم تكفير المعين بين الإفراط والتفريط)

- ‌(المشركون الذين عبدوا مع الله غيره يكفرون بأعيانهم):

- ‌الإسلام يجمع معنيين:

- ‌(العلماء لا يذكرون التعريف عند تكفير المشرك

- ‌(الأدلة الجلية على كفر وقتل من أتى بناقض من أهل القبلة)

- ‌ الشرك الأصغر

- ‌التوحيد الذي جاءت به الرسل

- ‌ النواقض العشرة

- ‌(الكفر يستخدم بعدة اعتبارات)

- ‌اسم المشرك ثبت قبل الرسالة

- ‌ المختار بن أبي عبيد الثقفي

- ‌ الجعد بن درهم

- ‌ هذا لم يسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين

- ‌ تغير الزمان حتى تعبد الأوثان

- ‌باب في وجوب عداوة أعداء اللهمن الكفار والمرتدين والمنافقين

- ‌«موالاة المسلمين لا تصلح إلا بالبراءة من المشركين»

- ‌«موالاة المسلمين، والبراءة من المشركين أصل من أصول الإسلام بالإجماع»

- ‌«موالاة المشركين ردة عن الدين، ومروق من ملة المسلمين»

- ‌(موالاة المشركين من أجل الدنيا كفر مخرج من الملة)

- ‌«حكم الإكراه على موالاة المشركين وحدوده»

- ‌«تحذير السلف من موادة أهل البدع والمعاصي»

- ‌ فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة

- ‌الكتاب في سطور

- ‌فهرس أهم المراجع والمصادر

الفصل: ‌ترجمة الإمام الفذالإمام محمد بن عبد الوهاب

‌ترجمة الإمام الفذ

الإمام محمد بن عبد الوهاب

رحمه الله تعالى

1115هـ- 1206هـ

هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، التميمي.

ولد رحمه الله تعالى سنة خمس عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية في بلدة العيينة، من بلدان نجد.

تلقى في طفولته العلم في بلدته العيينة، فحفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة من عمره، وكان حاد الفهم، وقاد الذهن، سريع الحفظ، فصيحًا فطنًا؛ روى أخوه سليمان أن أباهما كان يتوسم فيه خيرًا كثيرًا، ويتعجب من فهمه وإدراكه مع صغر سنه، وكان يتحدث بذلك ويقول: إنه استفاد من ولده محمد فوائد من الأحكام.

وكتب والده إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأن ابنه محمد، وأثنى فيها عليه، وعلى حفظه وفهمه وإتقانه، ذكر فيها أن ابنه بلغ الاحتلام قبل أن يكمل اثنتي عشرة سنة من عمره، وأنه رآه حينئذ أهلاً للصلاة بالجماعة لمعرفته بالأحكام، فقدمه أبوه ليؤم الناس. وزوجه وهو ابن اثنتي عشرة سنة بعيد بلوغه؛ ثم أذن له بالحج فحج وقصد مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأقام فيها شهرين ثم رجع بعد أن أدى الزيارة.

ص: 16

وكان والده آنذاك قاضي العُيَيْنَة، فقرأ عليه في الفقه على مذهب الإمام أحمد وكان رحمه الله -على صغر سنه- كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام وكان -لسرعة كتابته- يكتب في المجلس الواحد كراسًا من غير أن يتعب فيحار من يراه لسرعة حفظه، وسرعة كتابته.

فشرح الله صدره بمعرفة التوحيد ومعرفة نواقضه التي تضل عن سبيله فأخذ ينكر تلك البدع المستحدثة من الشرك الذي كان قد فشا في نجد، مع أن بعض الناس كان يستحسن ما يقول، غير أنه رأى أن الأمر لن يتم له على ما كان يريد، فرحل في طلب العلم إلى ما يليه من الأمصار، حتى بلغ فيه شأوًا فاق فيه شيوخه.

فبدأ بحج بيت الله الحرام، ثم أقام في المدينة المنورة حينًا أخذ فيه العلم عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني وأجازه من طريقين، وهو والد إبراهيم بن عبد الله مصنف كتاب «العذب الفائض في علم الفرائض» وكذلك أخذ عن الشيخ محمد حياة السندي المدني.

ثم خرج من المدينة إلى نجد، وقصد البصرة في طريقه إلى الشام، وفي البصرة سمع الحديث والفقه من جماعة كثيرين، وقرأ بها النحو وأتقنه، وكتب الكثير من اللغة والحديث. وكان في أثناء مقامه في البصرة ينكر ما يرى ويسمع من الشرك والبدع، ويحث على طريق الهدى والاستقامة، وينشر أعلام التوحيد، ويعلن للناس أن الدعوة كلها لله: يكفر من صرف شيئًا منها إلى سواه؛ وإذا ذكر

أحد بمجلسه شارات الطواغيت والصالحين الذين كانوا

ص: 17

يعبدونهم مع الله نهاه عن ذلك وزجره، وبين له الصواب، وقال له: إن محبة الأولياء والصالحين إنما هي باتباع هديهم وآثارهم، وليست باتخاذهم آلهة من دون الله؛ وكان كثير من أهل البصرة يأتون إليه بشبهات يلقونها عليه فيجيبهم بما يزيل اللبس، ويوضح الحق، ويكرر عليهم دائما أن العبادة كلها لا تصلح إلا لله، وكان بعض الناس يستغربون منه ذلك، ويعجبون لما يظهر لهم من شدة إنكاره لعبادة الصالحين والأولياء والتوسل بهم عند قبورهم، ومشاهدهم، وكانوا يقولون: إن كان ما يقوله هذا الإنسان حقا فالناس ليسوا على شيء.

فلما تكرر منه ذلك آذاه بعض أهل البصرة أشد الأذى، وأخرجوه منها وقت الهجيرة، فاتجه إلى الشام ولكن نفقته التي كانت معه ضاعت منه في الطريق؛ فانثنى عائدًا إلى نجد؛ ومر في طريقه إليها بالأحساء ونزل فيها على الشيخ العالم عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي؛ ثم اتجه منها إلى بلدة حريملا -وكان أبوه عبد الوهاب قد انتقل إليها من العُيَيْنَة سنة تسع وثلاثين ومائة وألف بعد أن توفي حاكمها عبد الله بن معمر، وتولى بعده ابن ابنه محمد بن حمد الملقب خرفاش، فعزل الشيخ عبد الوهاب عن قضاء العيينة لنزاع بينهما.

فأقام الشيخ محمد في حريملا مع أبيه يقرأ عليه سنين، إلى أن توفي أبوه سنة (1153هـ) ثلاث وخمسين ومائة وألف؛ فأعلن دعوته، واشتد في إنكاره مظاهر الشرك والبدع وجد في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبذل النصح للخاص والعام، ونشر شرائع الإسلام، وجدد سنة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يخش في الحق لومة لائم وحذر الناس، والعلماء منهم خاصة تحقق وعيد

ص: 18

الله في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ} [البقرة: 159].

فذاع ذكره في جميع بلدان العارض: في حريملا والعُيَيْنة والدَّرْعية والرياض ومنفوحة؛ وأتى إليه ناس كثيرون، وانتظم حوله جماعة اقتدوا به، واتبعوا طريقه، ولازموه، وقرءوا عليه كتب الحديث والفقه والتفسير، وصنف في تلك السنين «كتاب التوحيد» .

وانقسم الناس فيه فريقين: فريق تابعه وبايعه وعاهده على ما دعا إليه؛ وفريق عاداه وحاربه وأنكر عليه وهم الأكثر.

وكان رؤساء أهل حريملا قبيلتين أصلهما قبيلة واحدة، وكان كل فريق يدعي لنفسه القوة والغلبة والكلمة العليا، ولم يكن لهم رئيس واحد يَزَعُ الجميع؛ وكان في البلد عبيد لإحدى القبيلتين كثر تعديهم وفسقهم، فأراد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يمنعوا عن الفساد ونفذ فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم العبيد أن يفتكوا بالشيخ ويقتلوه سرًا بالليل، فلما تسوروا عليه الجدار علم بهم الناس فصاحوا بهم فهربوا.

فانتقل الشيخ من حريملا إلى العُيَيْنة، ورئيسها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر، فأكرمه وتزوج فيها الجوهرة بنت عبد الله بن معمر.

ولما عرض على عثمان دعوته اتبعه وناصره، وألزم الخاصة والعامة أن يمتثلوا أمره، وكان في العيينة وما حولها كثير من القباب والمساجد والمشاهد المبنية على قبور الصحابة والأولياء، والأشجار التي يعظمونها ويتبركون بها

ص: 19

كقبة قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة، وكشجرة قريوة وأبي دجانة والذيب.

فخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعه عثمان بن معمر وكثير من جماعتهم، إلى تلك الأماكن بالمعاول، فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة وكان الشيخ هو الذي هدم قبة قبر زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع بعض أصحابه، وقطع شجرة قريوة: ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود وأحمد بن سويلم وجماعة سواهم.

وهكذا لم يبق وثن في البلاد التي تحت حكم عثمان، وعلت كلمة الحق، وأحييت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما شاع ذلك واشتهر، وتحدثت به الركبان أنكرته قلوب الذين حقت عليه كلمة العذاب، وقالوا مثلما قال الأولون:{أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] فتجمعوا على رده، والإنكار عليه ومخاصمته ومحاربته، فكتبوا إلى علماء الأحساء والبصرة والحرمين يؤلبونهم عليه، فناصرهم في ذلك أهل الباطل والضلال من علماء تلك البلاد، وصنفوا المصنفات في تبديعه وتضليله وتغييره للشرع والسنة، وجهله وغوايته، وأغروا به الخاصة والعامة، خصوصًا السلاطين والحكام وادعوا أن ليس للشيخ وأصحابه عهد ولا ذمام، لرفضه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وتغييره أحكام الدين، وخوفوا الحكام والولاة منه، وزعموا أنه يملأ قلوب الجهال والطغام بكلامه ويغويهم بطريقته، فيخرجون على حكامهم وولاتهم ويعلنون العصيان.

والشيخ رحمه الله صابر على ما يقولون، محتسب أجره عند الله،

ص: 20

يتعزى بما قاساه قبله الموحدون، وما لقيه المؤمنون من أنواع البلاء، وما سعى لهم به أهل الشرك والضلال. وهذه سنة الله تعالى في عباده جارية في جميع الأزمان، يختبر بها المؤمنين ويمتحن بها الصابرين فقد قال تعالى:{الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 - 3].

ولم يزل الشيخ رحمه الله مقيمًا في العيينة: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعلم الناس دينهم، ويزيل ما قدر عليه من البدع ويقيم الحدود، ويأمر الوالي بإقامتها حتى جاءته امرأة من أهل العيينة زنت، فأقرت على نفسها بالزنا، وتكرر ذلك منها أربعًا فأعرض الشيخ عنها، ثم أقرت وعادت إلى الإقرار مرارًا؛ فسأل عن عقلها، فأخبر بتمامه وصحته، فأمهلها أيامًا، رجاء أن ترجع عن الإقرار إلى الإنكار، فلم تزل مستمرة على إقرارها بذلك، فأقرت أربع مرات في أيام متواليات، فأمر الشيخ رحمه الله والوالي برجمها لأنها محصنة: بأن تشد عليها ثيابها وترجم بالحجارة على الوجه المشروع، فخرج الوالي عثمان بن معمر وجماعة من المسلمين فرجموها حتى ماتت وكان أول من رجمها عثمان نفسه؛ فلما ماتت أمر الشيخ أن يغسلوها وأن تكفن ويصلى عليها.

فلما جرت هذه الحادثة كثرت أقاويل أهل البدع والضلال، وطارت قلوبهم خوفًا وفزعًا، وانخلعت ألبابهم رهبًا وجزعًا، وتطاولت ألسنة العلماء عليه ينكرون ما فعل مع أنه لم يعد الحكم بالمشروع بالسنة والإجماع.

ص: 21

فلما أعياهم رد ما أفحمهم به الشيخ من حجج، عدلوا إلى ردها بالمكر والحيلة، فشكوه إلى شيخهم سليمان آل محمد رئيس بني خالد والأحساء، فأغروه به، وصاحوا عنده وقالوا: إن هذا يريد أن يخرجكم من ملككم ويسعى في قطع ما أنتم عليه من الأمور، ويبطل العشور والمكوس.

فلما خوفوه بذلك كتب إلى عثمان بن معمر أمره بقتله أو إجلائه عن بلده، وشدد عليه، وهدده بأنه إن لم يفعل ذلك قطع عنه خراجه الذي عنده في الأحساء -وكان خراجًا كثيرًا- وأوعده باستباحة جميع أمواله لديه.

فلما ورد على عثمان كتاب سليمان استعظم الأمر فآثر الدنيا على الدين وأمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالخروج من العيينة.

فخرج الشيخ سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائة وألف من العُيَيْنَة إلى بلدة الدَّرْعية. فنزل في الليلة الأولى على عبد الله بن سويلم، ثم انتقل في اليوم التالي إلى دار تلميذه الشيخ أحمد بن سويلم.

فلما سمع بذلك الأمير محمد بن سعود، قام من فوره مسرعًا إليه ومعه أخواه: ثنيان ومشاري، فأتاه في بيت أحمد بن سويلم، فسلم عليه وأبدى له غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده.

فأخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دعا إليه، وما كان عليه صحابته رضي الله عنهم من بعده، وما أمروا به وما نهوا عنه، وأن كل بدعة ضلالة وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله وأغناهم به وجعلهم إخوانًا.

ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله وسنة رسوله بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والظلم.

ص: 22

فلما تحقق الأمير محمد بن سعود معرفة التوحيد، وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية، قال له: يا شيخ إن هذا دين الله ورسله الذي لا شك فيه، فأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد؛ ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين:

نحن إذا قمنا في نصرتك، والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترحل عنها وتستبدل بنا غيرنا.

والثانية: أن لي على الدرعية قانونًا (1) آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئًا. فقال الشيخ: أما الأول فابسط يدك: الدم بالدم والهدم بالهدم؛ وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منهم.

فبسط الأمير محمد يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقام الشيخ ودخل معه البلد واستقر عنده. ومن أشهر الذين عاونوه وناصروه من إخوان الأمير ووزرائه وأعوانه من أهل الدرعية: ثنيان بن سعود، ومشاري بن سعود، وفرحان بن سعود، والشيخ أحمد بن سويلم، والشيخ عيسى بن قاسم، ومحمد الحزيمي، وعبد الله بن دغيثر، وسليمان الوشيقري، وحمد بن حسين، وأخوه محمد، وغيرهم.

(1) هو ما يدفعه الضعيف للقوي ليحميه ويدافع عنه، ويسمى: الخفارة والقانون في كلام

أهل نجد.

ص: 23

وقد بقي الشيخ رحمه الله سنتين في الدرعية: يناصح الناس ويهديهم إلى سبيل الحق. وفي خلالهما تسلل إليه شيعته الذين في العُيَيْنَة، منهم: عبد الله بن محسن، وأخواه: زيد وسلطان المعامرة (1)، وعبد الله بن غنَّام، وأخوه موسى؛ وهاجر معهم خلق كثير من رؤساء المعامرة المخالفين لعثمان بن معمر في العُيَيْنَة، ومعهم أناس ممن حولهم من البلاد، حين علموا أن الشيخ استقر في الدَّرعية ومُنع ونصر.

فلما علم عثمان بن معمر بكل ذلك ندم على ما فعل من إخراج الشيخ، وعدم نصرته، وخاف منه أمورًا فركب في عدة رجال من أهل العُيَيْنَة ورؤسائها، وقدم على الشيخ في الدَّرعية، وأراده على الرجوع معه، ووعده النصر والمنعة، فقال الشيخ: ليس هذا إلي، إنما هو إلى محمد بن سعود، فإن أراد أن أذهب معك ذهبت، وإن أراد أن أقيم عنده أقمت، ولا أستبدل برجل تلقاني بالقبول غيره، إلا أن يأذن لي. فأتى عثمان إلى محمد بن سعود، فأبى عليه، ولم يجد إلى ما أتى إليه سبيلاً، فرجع إلى بلده مضمرًا العداوة والشر والغدر، وإن كان يبدي مشايعة الحق ونصرة الشيخ والأمير محمد؛ إلى أن تكرر منه المكر، وظهر نفاقه، وانكشف أمره، فقام بقتله جماعة من أهل التوحيد، بعد أن انقضت صلاة الجمعة في مصلاه بمسجد بالعيينة سنة ثلاثة وستين بعد المائة والألف.

وكاتب الشيخ بدعوته أهل البلدان ورؤساءهم ومدعي العلم فيهم، فمنهم من قبل الحق واتبعه، ومنهم من اتخذه سخريًا واستهزءوا به، ونسبوه إلى الجهل

(1) المعامرة: بنو معمر.

ص: 24

تارة، وإلى السحر تارة أخرى، ورموه بأشياء هو بريء منها جميعًا.

وبقي رحمه الله يدعو إلى سبيل ربه بالحجة الواضحة وبالموعظة الحسنة، فلم يبادر أحدًا بالتكفير، ولم يبدأ أحدًا بالعدوان، بل توقف عن كل ذلك ورعًا منه، وأملاً في أن يهدي الله الضالين؛ إلى أن نهضوا عليه جميعهم بالعدوان، وصاحوا في جميع البلاد بتكفيره هو وجماعته وأباحوا دماءهم، ولم يثبتوا دعواهم الباطلة بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله، ولم يكترثوا بما ارتكبوا بحقه من الزور والبهتان، وما اتبعوه من وسائل لإجلائه وجماعته من البلاد ومطاردتهم بالتعذيب والاضطهاد. أجل لم يأمر رحمه الله بسفك دم ولا قتال على أكثر أهل الضلالة والأهواء حتى بدأوه بالحكم عليه وأصحابه بالقتل والتكفير فأمر الشيخ حينئذ جماعته بالجهاد، وحض أتباعه عليه، فامتثلوا لأمره.

وكان دائمًا يتضرع إلى الله الذي خصه بهذا الفضل أن يشرح للحق صدور قومه، وأن يكفيه بحوله وقوته شرورهم، ويصرف عنه أذاهم. وكان يسير معهم دائمًا بسيرة الصفح، ويشملهم بالعفو، ولم يكن أحب إليه من أن يأتيه أحدهم بالمعذرة فيبادر بالمغفرة؛ ولم يعامل أحدًا بالإساءة بعد أن غلب وظهر، ولو مكنهم الله تعالى منه لقطعوا أوصاله، وأوقعوا به أقبح المثلة والنكال، ولقد كان رحمه الله يعلم ذلك، ولكنه لم ينتصر لنفسه بعد التمكن والظهور حين جاءوا وافدين عليه منقادين قسرًا أو طوعًا إليه، بل أخذته الرحمة بهم، فأعرض عما أتوه بحقه، وكأنه لم يصدر عليه منهم شيء، وأبدى لهم البشاشة والملاطفة، ومنحهم بره ومعروفه وإكرامه؛ وهذا الشأو لا يدركه إلا البررة الكرام، والعلماء

ص: 25

الأعلام ممن جملهم الله تعالى بالتقوى والمعرفة والهداية.

وقد بقي الشيخ بيده الحل والعقد والأخذ والإعطاء، والتقديم والتأخير، ولا يركب جيش ولا يصدر رأي من محمد بن سعود ولا من ابنه عبد العزيز إلا عن قوله ورأيه فلما فتح الله الرياض واتسعت ناحية الإسلام، وأمنت السبل، وانقاد كل صعب من باد وحاضر، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز بن محمد بن سعود وفوض أمور المسلمين وبيت المال إليه، وانسلخ منها، ولزم العبادة وتعليم العلم، ولكن عبد العزيز لم يكن يقطع أمرًا دونه ولا ينفذه إلا بإذنه.

وكان رحمه الله يحيي غالب الليل قائمًا؛ يصلي ويتهجد ويقرأ القرآن، وكان من دأبه التأني والتثبت في تنفيذ الأحكام، لا يميله الهوى عن الشرع، ولا تصده عداوة عن الحق، بل يحكم بما ترجح له وجه الصواب فيه، فإن وجد نصًا في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم التزمه ولم يعدل عنه، وإلا رجع إلى كتب الأئمة الأربعة، وأخذ نفسه بدقة المراجعة والتحقيق للنص، وشدة البحث والكشف والتنقيب.

ومع ما أفاض الله على بيت المال من الأموال التي كانت تجبى، فقد كان رحمه الله زاهدًا متعففًا، لا يأكل من ذلك المال إلا بالمعروف؛ وكان سمحًا جوادًا لا يرد سائلاً، فلم يخلف رحمه الله شيئًا من المال يوزع بين ورثته، بل كان عليه دين كثير، أوفاه الله عنه.

وقد اختاره الله تعالى إلى جواره في يوم الاثنين آخر شهر شوال سنة ست بعد المائتين والألف، وله من العمر نحو اثنتين وتسعين عامًا، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأدخله جناته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، كفاء

ص: 26

ما أحيا من شرع الله، وجدد من سنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.

(مؤلفاته رحمه الله:

- كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد.

- كتاب الكبائر.

- كتاب كشف الشبهات.

- كتاب السيرة المختصرة.

- كتاب السيرة المطولة.

- كتاب مختصر الهدي النبوي.

- كتاب مجموع الحديث على أبواب الفقه.

- كتاب مختصر الشرح الكبير.

- كتاب مختصر الإنصاف.

وله -غير هذه الكتب- رسائل كثيرة: بعضها مطول، وبعضها مختصر (1).

(1) المصدر: تاريخ نجد/ 81 - 91.

ص: 27

بسم الله الرحمن الرحيم

مما قال الشيخ الإمام، وعلم الهداة الأعلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- لما ارتاب بعض من يدعي العلم من أهل العيينة. لما ارتد أهل حريملا فسئل الشيخ أن يكتب كلامًا ينفعه الله به.

فقال -رحمه الله تعالى-: «بسم الله الرحمن الرحيم، روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا جُرَءَاءُ عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: وما أنت؟ قال: «أنا نبي» قلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله» ، فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء» فقلت له: فمن معك على هذا؟ قال: «حر وعبد» ، قال:«ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن معه» ، فقلت: إني متبعك، قال:«إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني» ، قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله! أتعرفني؟ قال: «نعم، أنت

ص: 28

الذي لقيتني بمكة» قال: قلت بلى، فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله أخبرني عن الصلاة، قال:«صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد له الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح؛ ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار» . وذكر الحديث.

قال أبو العباس -رحمه الله تعالى-: فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت الغروب، معللاً ذلك النهي: بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار.

ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله. وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها. ثم إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسمًا لمادة المشابهة.

ومن هذا الباب: أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى عود أو عمود جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولم يصمد له صمدًا.

ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة، وإن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا ينهى عن السجود لله بين يدي الرجل وإن لم يقصد الساجد ذلك، لما فيه من مشابهة السجود لغير الله انتهى كلامه.

ص: 29

فليتأمل المؤمن الناصح لنفسه ما في هذا الحديث من العبر فإن الله سبحانه وتعالى يقص علينا أخبار الأنبياء وأتباعهم ليكون للمؤمن من المستأخرين عبرة فيقيس حاله بحالهم، وقص قصص الكفار والمنافقين لتجتنب من تلبس بها أيضا، فمما فيه من الاعتبار أن هذا الأعرابي الجاهلي لما ذكر له أن رجلاً بمكة يتكلم في الدين بما يخالف الناس لم يصبر حتى ركب راحلته فقدم عليه وعلم ما عنده لما في قلبه من محبة الدين والخير وهذا فسر به قوله تعالى:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ} [الأنفال: 22].

أي: حرصًا على تعلم الدين «لأسمعهم» أي: لأفهمهم، فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم عدل منه سبحانه لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين.

فتبين أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شر الدواب: هو عدم الحرص على تعلم الدين. فإذا كان هذا الجاهلي يطلب هذا الطلب فما عذر من ادعى اتباع الأنبياء وبلغه عنهم ما بلغه وعنده من يعرض عليه التعليم ولا يرفع بذلك رأسًا فإن حضر أو استمع فكما قال تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2].

وفيه من العبر أيضًا أنه لما قال: «أرسلني الله» قال: بأي شيء أرسلك؟ قال بكذا وكذا.

فتبين أن زبدة الرسالة الإلهية والدعوة النبوية: هي توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له وكسر الأوثان، ومعلوم أن كسرها لا يستقيم إلا بشدة العداوة

ص: 30

وتجريد السيف، فتأمل زبدة الرسالة.

وفيه أيضًا أنه فهم المراد من التوحيد، وفهم أنه أمر كبير غريب ولأجل هذا قال: من معك على هذا؟ قال: «حر وعبد» فأجابه: إن جميع العلماء والعباد والملوك والعامة مخالفون له ولم يتبعه على ذلك إلا من ذكر فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون مع أقل القليل وأن الباطل قد يملأ الأرض.

ولله در الفضيل بن عياض رحمه الله حيث يقول: «لا تستوحش من الحق لقلة السالكين ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين» وأحسن منه قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20].

وفي «الصحيحين» أن بعث النار من كل ألف تسعة وتسعون وتسعمائة، وفي الجنة واحد من كل ألف. ولما بكوا من هذا لما سمعوه قال صلى الله عليه وسلم:«إنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا أكملت من المنافقين» . قال الترمذي حسن صحيح.

فإذا تأمل الإنسان ما في هذا الحديث من صفة بدء الإسلام ومن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم إذ ذاك، ثم ضم إليه الحديث الآخر الذي في «صحيح مسلم» أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قال:«بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» تبين له الأمر وانزاحت عنه الحجة الفرعونية.

{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} [طه: 51].

ص: 31

والحجة القرشية.

{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ} [ص: 7].

وقال أبو العباس -رحمه الله تعالى- في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم في الكلام على قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173].

ظاهره أنه ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه النصراني للحم وقال فيه: باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه: باسم الله.

فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله.

فلو ذبح لغير الله متقربًا به إليه لحرم، وإن قال فيه: باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة. وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبائحهم بحال لكن يجتمع في الذبيحة مانعان.

ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. انتهى كلام الشيخ وهو الذي ينسب إليه بعض أعداء الدين أنه لا يكفر المعين فانظر أرشدك الله إلى تكفيره من ذبح لغير الله من هذه الأمة وتصريحه أن المنافق يصير مرتدًا بذلك، وهذا في المعين إذ لا يتصور أن تحرم إلا ذبيحة معين.

وقال أيضًا في الكتاب المذكور: وكانت الطواغيت الكبار، التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات لأهل الطائف. ذكروا أنه كان في الأصل رجلاً صالحًا يلت

ص: 32

السويق للحجاج فلما مات عكفوا على قبره.

وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبًا من عرفات، وكان هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون، وأما مناة فكانت لأهل المدينة وكانت حذو قديد من ناحية الساحل.

ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادتهم الأوثان ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء.

ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: «الله أكبر إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم» .

فأنكر صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها أسلحتهم فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه؟

إلى أن قال: فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق مثل مسجد يقال له: مسجد الكف فيه تمثال كف يقال: إنه كف علي بن أبي طالب حتى هدم الله ذلك الوثن، وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في البلاد وفي الحجاز منها مواضع ثم ذكر كلامًا طويلاً في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور فقال: العلة لما يفضي إليه ذلك من الشرك، ذكر ذلك الشافعي وغيره وكذلك الأئمة من أصحاب مالك وأحمد كأبي بكر الأثرم وعللوا بهذه العلة وقد قال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ

ص: 33

آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23].

ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. ذكر هذا البخاري في صحيحه، وأهل التفسير كابن جرير وغيره.

ومما يبين صحة هذه العلة: أنه لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا يكون ترابها نجسًا. وقال عن نفسه:«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» ، فعلم أن نهيه عن ذلك، كنهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها سدًا للذريعة، لئلا يصلى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله، لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها، وكلا الأمرين قد وقع، فإن من الناس من يسجد للشمس، وغيرها من الكواكب، ويدعوها بأنواع الأدعية. وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين، حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف بعض المشهورين فيه كتابًا على مذهب المشركين، مثل أبي معشر البلخي، وثابت بن قرة، وأمثالهما، ممن دخل في الشرك وآمن بالطاغوت، والجبت، وهم ينتسبون إلى الكتاب، كما قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51]. انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام الذي ينسب عنه من أزاغ الله قلبه عدم تكفير المعين، كيف ذكر عن مثل الفخر الرازي وهو من أكابر أئمة الشافعية؟

ص: 34

ومثل أبي معشر وهو من أكابر المشهورين من المصنفين وغيرهما أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام والفخر هو الذي ذكره الشيخ في الرد على المتكلمين، لما ذكر تصنيفه الذي ذكر هنا قال: وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين. وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى.

وتأمل أيضًا ما ذكره في اللات والعزى ومناة، وجعله فعل المشركين معها هو بعينه الذي يفعل بدمشق وغيرها، وتأمل قوله على حديث ذات أنواط هذا قوله في مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة، فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه؟

فهل للزائغ بعد هذا متعلق بشيء من كلام هذا الإمام؟ وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيغهم.

قال رحمه الله تعالى: أنا من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى انتهى كلامه.

وهذه صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال، أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة وإذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية.

وصرح رضي الله عنه أيضًا أن كلامه أيضًا في غير المسائل الظاهرة. فقال في الرد

ص: 35

على المتكلمين، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرًا قال: وهذا إن كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل إيجاب الصلوات الخمس وتعظيم شأنها ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر الميسر، ثم تجد كثيرًا من رءوسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في دين المشركين، كما فعل أبو عبد الله الرازي «يعني الفخر الرازي» قال: وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين انتهى كلامه.

فتأمل هذا، وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة التي يذكرها أعداء الله.

لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا.

على أن الذي نعتقده، وندين لله به، ونرجو أن يثبتنا عليه: أنه لو غلط هو، أو أجل منه في هذا المسألة، وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين، أو يزعم أنه على حق، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر، الذي بينه الله ورسوله، وبينه علماء الأمة، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره، ولو غلط من غلط، فكيف -والحمد لله- ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافًا في هذا المسألة، وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون:{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} [طه: 51]- أو حجة قريش: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ} [ص: 7].

ص: 36

قال الشيخ رحمه الله في الرسالة السنية لما ذكر حديث الخوارج، ومروقهم من الدين، وأمره صلى الله عليه وسلم بقتالهم قال: فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، حتى أمر صلى الله عليه وسلم بقتاله، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام، أو السنة قد يمرق أيضًا من الإسلام في هذه الأزمنة وذلك بأسباب:

منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث يقول: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171].

وعلي بن أبي طالب حرق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خُدَّتْ لهم عند باب كندة فقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم لكن ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق وهو قول أكثر العلماء وقصتهم معروفة عند العلماء.

وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في المسيح ونحوه.

فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له، لا يجعل معه إله آخر.

والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل: المسيح، والملائكة، والأصنام لم

ص: 37

يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، إنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون صورهم، ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً} [الإسراء: 56].

قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة -ثم ذكر رحمه الله تعالى آيات ثم قال-: وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]. وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت قال: «أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده» ، ونهى عن الحلف بغير الله وقال:«من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» ، وقال في مرض موته:«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، يحذر ما صنعوا وقال:«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» ، وقال:«لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» .

ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كانت تعظيم

القبور.

ص: 38

ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، لأنه إنما يكون ذلك لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق. كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملاً إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا} [النساء: 116].

ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، وأعظم آية في القرآن آية الكرسي:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255].

وقال صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة» .

والإله هو: الذي تؤلهه القلوب عبادة له، واستعانة به ورجاء له وخشية وإجلالاً انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

فتأمل: أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيًا أو وليًا، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني ونحوه، أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، هل يكون هذا إلا في المعين؟ والله المستعان.

وتأمل كلامه في اللات والعزى ومناة وما ذكر بعده يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرح المنازل في باب التوبة: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًا يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من

ص: 39

محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين.

وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسان «ديدنًا له» إن قام، وإن قعد، وإن عثر، وإن استوحش، وهو لا ينكر ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده، وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر قال الله تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء:

{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].

فهذا حال من اتخذ من دون الله وليًا يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى، وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره.

والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له ثم ذكر الشيخ -يعني ابن القيم رحمه الله فصلاً طويلاً في ذكر هذا الشرك الأكبر.

ولكن تأمل قوله: «وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره» يتبين لك بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد وزعم أن كلام الشيخ في الفصل الثاني يدل عليها، وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. وذكر في آخر

ص: 40

هذا الفصل أعني الفصل الأول في الشرك الأكبر -الآية التي في سورة سبأ: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سبأ: 22]- إلى قوله: {إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23].

وتكلم عليها، ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثًا هذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية» .

هذا لأنه إذا لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجرد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا فالله المستعان.

فصل

وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والحلف بغير الله، وقول: هذا من الله ومنك وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. ثم قال الشيخ -يعني ابن القيم رحمه الله تعالى- بعد ذكر الشرك الأكبر والأصغر:

ص: 41

ومن أنواع هذا الشرك: سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم، ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره وإضافة نعمه إلى غيره.

ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستعانة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلاً لمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه والله لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن.

الميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل الله لهم العافية والمغفرة. فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى تنقص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأولياء المؤمنين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا أو أنهم أمروهم به، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم، ولله در خليله إبراهيم عليه السلام حيث يقول:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 35، 36].

ص: 42

وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد التوحيد لله وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله. انتهى كلامه.

والمراد بهذا: أن بعض الملحدين نسب إلى الشيخ أن هذا شرك أصغر وشبهته أنه ذكره في الفصل الثاني الذي ذكر في أوله الأصغر وأنت رحمك الله تجد الكلام من أوله إلى آخره في الفصل الأول، والثاني صريحًا لا يحتمل التأويل من وجوه كثيرة منها:

أن دعاء الموتى والنذر لهم ليشفعوا له عند الله هو الشرك الأكبر الذي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه، فكفر من لم يتب منه وقاتله وعاداه، وآخر ما صرح به قوله آنفًا: وما نجا من شَرَك هذا الشرك الأكبر، إلى آخره.

فهل بعد هذا البيان بيان إلا العناد، بل الإلحاد.

ولكن تأمل قوله -أرشدك الله- وما نجا من شَرَك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين إلى آخره، وتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك الأكبر، وإن لم يعاده فهو منهم وإن لم يفعله.

وقد ذكر في الإقناع عن الشيخ تقي الدين: أن من دعا علي بن أبي

طالب رضي الله عنه فهو كافر، وأن من شك في كفره فهو كافر.

فإذا كان هذا حال من شك في كفره مع معاداته له، ومقته له فكيف بمن يعتقد أنه مسلم ولم يعاده؟ فكيف بمن أحبه؟ فكيف بمن جادل عنه، وعن طريقته، وتعذر أنا لا نقدر على التجارة وطلب الرزق إلا بذلك؟ وقد قال تعالى:{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص: 57].

ص: 43

فإذا كان هذا قول الله تعالى فيمن تعذر عن التبيين بالعمل بالتوحيد، ومعاداة المشركين بالخوف على أهله وعياله، فكيف بمن اعتذر في ذلك بتحصيل التجارة؟

ولكن الأمر كما تقدم عن عمر رضي الله عنه: إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية لهذا لم يفهم معنى القرآن، وأنه أشر وأفسد من الذين قالوا:{إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص: 57].

ومع هذا فالكلام الذي يظهرونه نفاق، وإلا فهم يعتقدون أن أهل التوحيد ضالون مضلون، وأن عبدة الأوثان أهل الحق والصواب.

كما صرح به إمامهم في الرسالة التي أتتكم قبل هذه، خطه بيده يقول: بيني وبينكم أهل هذه الأقطار، وهم خير أمة أخرجت للناس، وهم كذا وكذا.

فإذا كان يريد التحاكم إليهم، ويصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس فكيف أيضًا يصفهم بشرك ومخالطتهم للحاجة؟ ما أحسن قول أصدق القائلين:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 7 - 9]، {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} [ق: 5].

فرحم الله امرأ نظر لنفسه وتفكر فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، من معاداة من أشرك بالله من قريب أو بعيد، وتكفيرهم، وقتالهم حتى يكون

الدين لله.

وعلم ما حكم به محمد صلى الله عليه وسلم فيمن أشرك بالله مع ادعائه الإسلام، وما حكم به في ذلك الخلفاء الراشدون، كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيرهم لما

ص: 44

حرقهم بالنار، مع أن غيرهم من أهل الأوثان الذين لم يدخلوا في الإسلام لا يقتلون بالتحريق، والله الموفق.

وقال أبو العباس أحمد ابن تيمية في الرد على المتكلمين لما ذكر بعض أحوال أئمتهم، قال: وكل شر في العالم إنما حدث برأي جنسهم، فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له، ومن لم يأمر بالشرك فلم ينه عنه، بل يقر هؤلاء، وإن رجح الموحدين ترجيحًا ما فقد يرجح غيره المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعًا فتدبر هذا فإنه نافع جدًا.

ولهذا كان رءوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون بالشرك، وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد بل يسوغون الشرك، أو يأمرون به، أو لا يوجبون التوحيد. وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الملائكة وعبادة الأنفس المفارقة، أنفس الأنبياء وغيرهم ما هو أصل الشرك.

وهم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله، وعبادته وحده لا شريك له، وهذا شيء لا يعرفونه.

فلو كانوا موحدين بالقول والكلام لكان معهم التوحيد دون العمل وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة، بل لا بد من أن يعبد الله وحده ويتخذ

إلهًا دون ما سواه، وهذا هو معنى قول:«لا إله إلا الله» انتهى

كلام الشيخ.

فتأمل -رحمك الله- هذا الكلام فإنه مثل ما قال الشيخ فيه نافع جدًا،

ص: 45

ومن أكبر ما فيه من الفوائد أنه يبين حال من أقر بهذا الدين وشهد أنه الحق، وأن الشرك هو الباطل، وقال بلسانه ما أريد منه، ولكن لا يدين بذلك، إما بغضًا، أو إيثارًا للدنيا مثل تجارة، أو غيرها فيدخلون في الإسلام، ثم يخرجون منه كما قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} [المنافقون: 3]، وقال تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ} [النحل: 106]، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ} [النحل: 107].

فإذا قال هؤلاء بألسنتهم: نشهد أن هذا دين الله ورسوله، ونشهد أن المخالف به باطل، وأنه الشرك بالله غَرَّ هذا الكلام ضعيف البصيرة.

وأعظم من هذا وأطم أن أهل حريملا، ومن وراءهم يصرحون بمسبة الدين، وأن الحق ما عليه أكثر الناس، يستدلون بالكثرة على حسن ما هم فيه من الدين، ويفعلون، ويقولون ما هو من أكبر الردة وأفحشها.

فإذا قالوا: التوحيد حق، والشرك باطل، وأيضًا لم يحدثوا في بلدهم أوثانًا جادل الملحد عنهم، وقال: إنهم يقرون أن هذا شرك، وأن التوحيد هو الحق ولا يضرهم عنده ما هم عليه من السب لدين الله، وبغي العوج له، ومدح الشرك وذبهم دونه بالمال، واليد واللسان، فالله المستعان.

وقال أبو العباس أيضًا في الكلام على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟

هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنه: والله

ص: 46

لو منعوني عقالاً أو عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة، وهي مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصديق رضي الله عنه عندهم أن ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما يتوقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله، وأما قتل المقرين بنبوة مسيلمة فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم»

انتهى.

فتأمل كلامه رحمه الله في تكفير المعين، والشهادة عليه إذا قتل بالنار وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة.

فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين عدم تكفير المعين.

قال رحمه الله بعد ذلك: «وكفر هؤلاء وإدخالهم في الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة» .

ومن أعظم ما يحل الإشكال في مسألة التكفير والقتال، عمن قصد اتباع الحق: إجماع الصحابة على قتل مانعي الزكاة، وإدخالهم في أهل الردة، وسبي ذراريهم، وفعلهم فيهم ما صح عنهم وهو أول قتال وقع في الإسلام على من ادعى أنه من المسلمين.

فهذه أول وقعة وقعت في الإسلام على هذا النوع؛ أعني المدعين للإسلام، وهي أوضح الوقعات التي وقعت من العلماء عليهم من عصر

ص: 47

الصحابة رضي الله عنهم إلى وقتنا هذا.

وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرك إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى انتهى كلامه.

والمراد منه قوله: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع.

وقال أيضًا في كتاب الفنون: «لقد عظم الله الحيوان لا سيما ابن آدم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه، فمن قدم حرمة نفسك على حرمته حتى أباحك أن تتوقى عن نفسك بذكره بما لا ينبغي له سبحانه، لحقيق أن تعظم شعائره وتوقر أوامره وزواجره، وعصم عرضك بإيجاب الحد بقذفك، وعصم مالك بقطع يد مسلم في سرقته، وأسقط شطر الصلاة في السفر لأجل مشقتك، وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل إشفاقًا عليك من مشقة الخلع واللبس وأباحك الميتة سدًا لرمقك وحفظًا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل ووعيد آجل وخرق العوائد لأجلك، وأنزل الكتب إليك.

أيحسن لك مع هذا الإكرام أن يراك على ما نهاك عنه منهمكًا ولما أمرك تاركًا؟ وعلى ما زجرك مرتكبًا؟ وعن داعيه معرضًا، ولداعي عدوه فيك

مطيعًا؟

ص: 48

يعظمك وهو هو، وتهمل أمره وأنت أنت، هو حط رتبة عباده لأجلك وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجدها لأبيك.

هل عاديت خادمًا طالت خدمته لك لترك صلاة؟ هل نفيته من دارك للإخلال بفرض أو لارتكاب نهي؟

فإن لم تعترف اعتراف العبد «للمولى» فلا أقل أن تقتضي نفسك إلى الحق سبحانه اقتضاء المساوي المكافي.

ما أفحش ما تلاعب الشيطان بالإنسان!! بينما هو بحضرة الحق سبحانه، وملائكة السماء سجود له، ترامى به الأحوال والجهات إلى أن يوجد ساجدًا لصورة في حجر، أو لشجرة من الشجر، أو لشمس أو لقمر، أو لصورة ثور خار، أو لطائر صفر.

ما أوحش زوال النعم، وتغير الأحوال والحور بعد الكور، لا يليق بهذا الحي الكريم الفاضل على جميع الحيوانات أن يرى إلا عابدًا لله في دار التكليف، أو مجاورًا لله في دار الجزاء والتشريف، وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير موضعها». انتهى كلامه.

والمراد منه أنه جعل أقبح حال وأفحشها من أحوال الإنسان أن يشرك بالله، ومثله بأنواع.

منها: السجود للشمس أو للقمر، ومنها: السجود للصورة، كما في الصور التي في القباب على القبور، والسجود قد يكون بالجبهة على الأرض، وقد يكون بالانحناء من غير وصول إلى الأرض، كما فسر به قوله تعالى: {وَادْخُلُوا

ص: 49

الْبَابَ سُجَّدًا} [النساء: 154].

قال ابن عباس: أي ركعًا.

وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان في إنكار تعظيم القبور: «وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا سماه: مناسك المشاهد، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عباد الأصنام» انتهى.

وهذا الذي ذكره ابن القيم رجل من المصنفين يقال له ابن المفيد، فقد رأيت ما قال فيه بعينه فكيف ينكر تكفير المعين؟

وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير فذكر منه قليلاً من كثير.

أما كلام الحنفية فكلامهم في هذا الباب من أغلظ الكلام، حتى إنهم يكفرون المعين إذا قال: مصيحف أو مسيجد، وصلى صلاة بلا وضوء، ونحو ذلك وقال في النهر الفائق: واعلم أن الشيخ قاسمًا قال في شرح درر البحار: إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً يا سيدي فلان إن رد غائبي، أو عوفي مريضي فلك من الذهب، أو الفضة، أو الشمع، أو الزيت كذا باطل إجماعًا لوجوه -إلى أن قال-: وقد ابتلي الناس بذلك لا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي انتهى كلامه.

فانظر إلى تصريحه أن هذا كفر مع قوله: إنه يقع من أكثر العوام، وأن أهل العلم قد ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته.

ص: 50

وقال القرطبي: رحمه الله لما ذكر سماع الفقر أو صورته قال: هذا حرام بالإجماع، وقد رأيت فتوى شيخ الإسلام جمال الملة أن مستحل هذا كافر، ولما علم أن حرمته بالإجماع لزم أن يكفر مستحله.

فقد رأيت كلام القرطبي، وكلام الشيخ الذي نقل عنه في كفر من استحل السماع والرقص، مع كونه دون ما نحن فيه بالإجماع بكثير.

وقال أبو العباس رحمه الله: حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: كان كافرًا ذكيًّا.

فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخارى جملة كفر ابن سينا، وهو رجل معين مصنف يتظاهر بالإسلام.

وأما كلام المالكية في هذا فهو أكثر من أن يحصر، وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى، والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس، وقد ذكره القاضي عياض في آخر كتاب الشفاء من ذلك طرفًا، ومما ذكر أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر، وكل هذا دون ما نحن فيه بما لا نسبة بينه وبينه.

وأما كلام الشافعية فقال صاحب الروضة رحمه الله: إن المسلم إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر.

وقال أيضًا: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر، وكل هذا دون ما نحن فيه.

ص: 51

وقال ابن حجر في شرح الأربعين على حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا سألت فاسأل الله» ما معناه: أن من دعا غير الله فهو كافر، وصنف في هذا النوع كتابًا مستقلاً سماه: الإعلام بقواطع الإسلام، ذكر فيه أنواعًا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام ويكفر به المعين، وغالبه لا يساوي عشير معشار ما نحن فيه.

وتمام الكلام في هذا أن يقال الكلام هنا في مسألتين:

الأولى: أن يقال: هذا الذي يفعله كثير من العوام عند قبور الصالحين، ومع كثير من الأحياء والأموات، والجن، من التوجه إليهم، ودعائهم لكشف الضر، والنذر لهم لأجل ذلك، هل هو الشرك الأكبر، الذي فعله قوم نوح، ومن بعدهم إلى أن انتهى الأمر إلى قوم خاتم الرسل قريش وغيرهم، فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب ينكر عليه ذلك، ويكفرهم، ويأمر بقتالهم حتى يكون الدين كله لله، أم هذا شرك أصغر، وشرك المتقدمين نوع غير هذا؟

فاعلم أن الكلام في هذه المسألة سهل على من يسره الله عليه، بسبب أن علماء المشركين اليوم يقرون أنه الشرك الأكبر ولا ينكرونه إلا ما كان من مسيلمة الكذاب وأصحابه، كابن إسماعيل وابن خالد، مع تناقضهم في ذلك واضطرابهم، فأكثر أحوالهم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولكن يعتذرون بأن أهله لم تبلغهم الدعوة.

وتارة يقولون: لا يكفر إلا من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

وتارة يقولون: إنه شرك أصغر، وينسبونه لابن القيم رحمه الله في

ص: 52

المدارج كما تقدم.

وتارة لا يذكرون شيئًا من ذلك، بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب رد الأمر عند التنازع إليهم، وغير ذلك من الأقاويل المضطربة.

وجواب هؤلاء كثير من الكتاب والسنة والإجماع؛ ومن أصرح ما يجاوبون به إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر، وأيضًا إقرار غيرهم من علماء الأقطار، مع أن أكثرهم قد دخل في الشرك وجاهد أهل التوحيد، لكن لم يجدوا بدًا من الإقرار به لوضوحه.

المسألة الثانية: الإقرار بأن هذا هو الشرك الأكبر، ولكن لا يكفر به، إلا من أنكر الإسلام جملة، وكذب الرسول، والقرآن واتبع يهودية أو نصرانية، أو غيرها.

وإلا فالمسألة الأولى، قل الجدال فيها، ولله الحمد لما وقع إقرار علماء

الشرك بها.

فاعلم: أن تصور هذا المسألة تصورًا حسنًا يكفي في إبطالها من غير دليل خاص لوجهين.

الأول: أن مقتضى قولهم أن الشرك بالله وعبادة الأصنام لا تأثير لها من التكفير، لأن الإنسان إن انتقل عن الملة إلى غيرها، وكذب الرسول والقرآن فهو كافر، وإن لم يعبد الأوثان كاليهود، فإذا كان من انتسب إلى الإسلام لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر لأنه مسلم يقول: لا إله إلا الله، ويصلي ويفعل

ص: 53

كذا وكذا لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير، بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة، أو العمى، أو العرج، فإن كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم، وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر، وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول

الفظيع.

الوجه الثاني: أن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم في الشرك، وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم كفر صريح بالفطر والعقول والعلوم الضرورية، فلا يتصور أنك تقول لرجل، ولو من أجهل الناس وأبلدهم: ما تقول فيمن عصى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك مع أنه يدعي أنه مسلم متبع؟ إلا ويبادر بالفطرة الضرورية إلى القول أن هذا كافر من غير نظر في الأدلة، أو سؤال أحد من العلماء، ولكن لغلبة الجهل، وغربة العلم، وكثرة من يتكلم بهذه المسألة من الملحدين اشتبه الأمر فيها على بعض العوام من المسلمين الذين يحبون الحق، فلا تحقرها، وأمعن النظر في الأدلة التفصيلية لعل الله أن يمن عليك بالإيمان الثابت ويجعلك أيضًا من الأئمة الذي يهدون بأمره».

فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها، ويزيد المؤمن يقينًا ما جرى من

النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم، والعلماء بعدهم رحمهم الله فيمن انتسب إلى الإسلام كما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم بعث البراء رضي الله عنه، ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله؛ ومثل همه بغزو بني المصطلق، لما قيل: إنهم

منعوا الزكاة.

ومثل قتال الصديق وأصحابه رضي الله عنهم لمانعي الزكاة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، وتسميتهم مرتدين، ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر رضي الله عنه على

ص: 54

تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا، لما فهموا من قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا} [المائدة: 93]. حل الخمر لبعض الخواص، ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان رضي الله عنه على تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة مع أنهم لم يتبعوه، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم.

ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لما غلوا فيه، ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن اتبعه، مع أنه يدعي أنه يطالب بدم الحسين وأهل البيت.

ومثل إجماع التابعين، ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم، وهو مشهور بالعلم والدين، وهلم جرا من وقائع لا تعد ولا تحصى.

ولم يقل أحد من الأولين والآخرين لأبي بكر الصديق وغيره: كيف تقاتل بني حنيفة وهم يقولون: لا إله إلا الله، ويصلون ويزكون؟

وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه لو لم يتوبوا، وهلم جرا إلى زمن بني عبيد القداح، الذين ملكوا المغرب ومصر والشام وغيرهما، ومع تظاهرهم بالإسلام، وصلاة الجمعة، والجماعة، ونصب القضاة، والمفتين لما أظهروا الأقوال والأفعال ما أظهروا، لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم، ولم يتوقفوا فيه، وهم في زمن ابن الجوزي والموفق، وصنف ابن الجوزي كتابًا لما أخذت مصر منهم سماه: النصر على مصر.

ص: 55

ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين: أن أحدًا أنكر شيئًا من ذلك، أو استشكله لأجل ادعائهم الملة، أو لأجل قول لا إله إلا الله، أو لأجل شيء من أركان الإسلام، إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أن هذا هو الشرك ولكن من فعله، أو حسنه، أو كان مع أهله، أو ذم التوحيد، أو حارب أهله لأجله، أو أبغضهم لأجله أنه لا يكفر لأنه يقول: لا إله إلا الله، أو لأنه يؤدي أركان الإسلام، هذا ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها الإسلام هذا لم يسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين، فإن ظفروا بحرف واحد عن أهل العلم، أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه، ولكن الأمر كما قال اليمني في قصيدته:

أقاويل لا تُعزى إلى عالم فلا

تساوي فلسًا إن رجعت إلى النقد

ولنختم الكلام في هذا النوع بما ذكره البخاري في صحيحه حيث قال:

باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان

ثم ذكر بإسناده قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» وذو الخلصة صنم لدوس يعبدونه فقال صلى الله عليه وسلم لجرير بن عبد الله: «ألا تريحني من ذي الخلصة» ؟ فركب إليه بمن معه فأحرقه وهدمه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره قال: «فبرَّك على خيل أحمس ورجالها خمسًا» .

وعادة البخاري رحمه الله إذا لم يكن الحديث على شرطه ذكره في الترجمة، ثم أتى بما يدل على معناه مما هو على شرطه، ولفظ الترجمة وهو قوله:«يتغير الزمان حتى تعبد الأوثان» لفظ حديث أخرجه غيره من الأئمة،

ص: 56

والله سبحانه وتعالى أعلم ولنذكر من كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام أئمة العلم جُملاً في جهاد القلب واللسان ومعاداة أعداء الله وموالاة أوليائه، وأن الدِّين لا يصح ولا يدخل الإنسان فيه إلا بذلك فنقول:

باب في وجوب عداوة أعداء الله

من الكفار والمرتدين والمنافقين

وقول الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140]. وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] إلى قوله: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]. وقوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].

وقال الإمام الحافظ محمد بن وضاح: أخبرني غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: اعلم أخي أن ما حملني على الكتابة إليك ما ذكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس، وحسن حالك مما أظهرت من السُّنَّة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشدَّ بك ظهر أهل السنَّة، وقواك عليهم بإظهارهم عيبهم، والطعن عليهم، فأذلهم الله بيدك، وصاروا ببدعتهم مستترين فأبشر يا أخي بثواب ذلك، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج

ص: 57

والجهاد، وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله تعالى وإحياء سُّنَّة

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من أحيا شيئًا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين» ، وضم بين أصبعيه، وقال:«أيّما داع إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة» فمتى يدرك أجر هذا بشيء من علمه؟ وذكر أيضًا أن لله عند كل بدعة كِيدَ بها الإسلام وليًا لله، يذبُّ عنها وينطق بعلاماتها، فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه:«لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من كذا وكذا» وأعْظَمَ القولَ فيه، فاغتنم ذلك وادعُ إلى السُّنَّة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة، يقومون مقامك إن حدث بك حدث فيكونون أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة ونية وحسبة، فيردُّ الله بك المبتدع المفتون الزائغ الحائر، فتكون خلفًا من نبيك صلى الله عليه وسلم، فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه، وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب، فإنه جاء في الأثر «من جالس صاحب بدعة نُزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة، مشى في هدم الإسلام» وجاء: «ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى» .

وقد وقعت اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل البدع، وأن الله لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلاً ولا فريضة ولا تطوعًا وكلما ازدادوا اجتهادًا وصومًا وصلاةً ازدادوا من الله بعدًا فارفض مجالسهم، وأذلهم وأبعدهم، كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى بعده انتهى كلام أسد – رحمه الله تعالى -.

ص: 58

واعلم – رحمك الله – أن كلامه، وما يأتي من كلام أمثاله من السلف في معاداة أهل البدع والضلالة في ضلالة لا تخرج عن الملّة، لكنهم شددوا في ذلك وحذروا منه لأمرين.

الأول: غلظ البدعة في الدين في نفسها، فهي عندهم أجلُّ من الكبائر، ويعاملون أهلها بأغلظ ما يعاملون به أهل الكبائر، كما تجد في قلوب الناس: أن الرافضي عندهم ولو كان عالمًا عابدًا أبغض وأشد ذنبًا من السنِّي المجاهر بالكبائر.

الثاني: أن البدع تجر إلى الرِّدة الصريحة، كما وجُد من كثير من أهل البدع.

فمثال البدع التي شددوا فيها: مثل تشديد النبي صلى الله عليه وسلم فيمن عبدالله عند قبر رجل صالح، خوفًا مما وقع من الشرك الصريح، الذي يصير به المسلم مرتدًا، فمن فهم، فهم الفرق بين البدع، وبين ما نحن فيه من الكلام في الردة، ومجاهدة أهلها، أو النفاق الأكبر ومجاهدة أهله، وهذا هو الذي نزلت فيه الآيات المحكمات مثل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73]، {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة:74].

وقال ابن وضَّاح: «في كتاب البدع والحوادث» بعد حديث ذكره: أنه سيقع في هذه الأمة فتنة الكفر وفتنة الضلالة.

ص: 59

قال رحمه الله: إن فتنة الكفر هي الردة، يحلُّ فيها السبي والأموال. وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي ولا الأموال، وقال رحمه الله أيضًا: أخبرنا أسد أخبرنا رجل، عن ابن المبارك: قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا من أوليائه يذب عنه وينطق بعلاماتها فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله. قال ابن المبارك: وكفى بالله وكيلا، ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف، قال: لأن أردَّ رجلاً عن رأي سيءٍ أحب إلي من اعتكاف شهر.

أخبرنا أسد، عن أبي إسحاق الحذاء، عن الأوزاعي قال: كان بعض أهل العلم يقولون: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة، ولا صدقة، ولا صيامًا، ولا جهادًا، ولا حجًا، ولا صرفًا، ولا عدلاً، وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم، قال: ولو كانوا مُستَتِرينَ ببدعتهم دون الناس ما كان لأحد أن يهتك عنهم سترًا، ولا يظهر منهم عورة، الله أولى بالأخذ بها أو بالتوبة عليها، فأما إذا جاهروا به، فنشر العلم حياة، والبلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة، يعتصم بها على مصرٍّ ملحد.

ثم روى بإسناده قال: جاء رجل إلى حذيفة، وأبي موسى الأشعري قاعد فقال: أرأيت رجلاً ضرب بسيفه غضبًا لله حتى قُتل أفي الجنة أم في النار؟

فقال أبو موسى: في الجنة فقال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما كان في الثالثة قال: والله لا

أستفهمه، فدعا به حذيفة فقال: رويدك، وما يدريك أن صاحبك

لو ضرب بسيفه حتى ينقطع فأصاب الحق

ص: 60

حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يُصب الحق ولم يوفِّقُهُ الله للحق فهو في النار، ثم قال: والذي نفسي بيده ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا»، ثم ذكر بإسناده عن الحسن قال، لا تجالس صاحب بدعة فإنه يُمرض قلبك.

ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث:

إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار، وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموه وإني واثق بنفسي. فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه، ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة ليوقِّره فقد أعان على هدم الإسلام.

أخبرنا أسَدٌ قال: حدثنا كثير أبو سعيد قال: من جلس إلى صاحب بدعة نُزِعَتْ منه العصمة، ووكِلَ إلى نفسه. أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب قال: قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون، قال أيوب – وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب.

أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا زيد، عن محمد بن طلحة قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أصحاب البدع ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترتد قلوبكم، أخبرنا أسد بالإسناد، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدُكم مَنْ يخالل» . أخبرنا أسد، أخبرنا مؤمل

ص: 61

ابن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: دخل على محمد بن سيرين يومًا رجل فقال: يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد على أن أقرأها ثم أخرج، فوضع أصبعيه في أذنيه ثم قال: أُحَرِّجُ عليك إن كنت مسلمًا لما خرجت من بيتي. قال: فقال: يا أبا بكر إني لا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج. قال: قال: فقام بإزاره يشده عليه، وتهيأ للقيام، فأقبلنا على الرجل فقلنا: قد حَرَّج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلاً من بيته؟ قال: فخرج فقلنا: يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج. قال: إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكنني خفت أن يلقي في قلبي شيئًا، أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع.

أخبرنا أسد قال: أخبرنا ضمرة، عن سودة قال: سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول: ما كان عبد على هوى فتركه إلا آل إلى ما هو شر منه قال: فذكرت هذا الحديث لبعض أصحابنا فقال: تصديقه في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ثم لا يرجعون حتى يرجع السهم إلى فوقه» .

أخبرنا أسد قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن زيد، عن أيوب قال: كان رجل يرى رأيًا فرجع عنه، فأتيت محمدًا فرحًا بذلك أخبره، فقلت: أشعرت أنَّ فلانًا ترك رأيه الذي كان يرى؟ فقال: انظروا إلى ما يتحوَّل، إن آخر الحديث أشدُّ عليهم من أوله (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه) ثم روى بإسناده عن حذيفة أنه أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفِّه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة، ثم أخذ كفًا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيده ليجيئن

ص: 62

أقوام يدفنون الدِّين كما دفنت هذه الحصاة.

أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده، عن أبي الدرداء قال: لو خرج

رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم إليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة، قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم. قال عيسى - يعني الراوي عن الأوزاعي - فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان.

أخبرنا محمد بن سليمان بإسناده، عن علي أنه قال تعلموا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعدكم زمان يُنكر الحق فيه تسعة أعشارهم.

أخبرنا يحيى بن يحيى بإسناده، عن أبي سهل بن مالك، عن أبيه أنه قال: ما أعرف منكم شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة.

حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده، عن أنس قال: أعرف منكم شيئًا مما أدركت عليه الناس إلَاّ النداء بالصلاة.

حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده، عن أنس قال ما أعرف منكم شيئًا كنت أعهده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس قولكم: لا إله إلا الله.

أخبرنا محمد بن سعيد قال: نا أسد بإسناده، عن الحسن قال: لو أن رجلاً أدرك السلف الأول، ثم بُعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًًا قال: ووضع يده على خدِّه، ثم قال: إلا هذه الصلاة؛ ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرا - ولم يدرك هذا السلف الصالح - فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحنُّ إلى ذكر

ص: 63

صاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحنُّ إلى ذكر هذا السلف الصالح، يسأل عن سبيلهم، ويقتصُّ آثارهم، ويتبع سبيلهم ليعوَّض أجرًا عظيمًا، فكذلك فكونوا إن شاء الله تعالى.

حدثني عبد الله بن محمد بإسناده، عن ميمون بن مهران قال: لو أن رجلاً نُشِرَ فيكم من السلف ما عرف فيكم غير هذه القبلة.

أخبرنا محمد بن قدامة الهاشمي بإسناده، عن أم الدرداء قالت: دخل عليَّ أبو الدرداء مغضبَا فقلت له: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر

محمد صلى الله عليه وسلم شيئًا إلَاّ أنهم يصلون جميعًا، وفي لفظ: لو أن رجلاً تعلم الإسلام وأهمه ثم تفقده ما عرف منه شيئًا.

حدثني إبراهيم بإسناده، عن عبد الله بن عمرو قال: لو رجلين من أوائل هذه الأمة خليًا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم، ولا يعرفان شيئًا مما كانا عليه.

قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة رضي الله عنه تلا: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1، 2].

فقال: والذي نفسي بيده إن الله ليخرجون اليوم من دينهم أفواجًا كما دخلوا فيه أفواجًا.

قف تأمل رحمك الله: إذا كان هذا في زمن التابعين بحضرة أواخر الصحابة. فكيف يغتر المسلم بالكثرة، أو تشكل عليه، أو يستدل بها على الباطل.

ص: 64

ثم روى ابن وضاح بإسناده عن أبي أمية قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة، كيف تصنع في هذه الآية قال: أية آية؟ قال قول الله تعالى: {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105].

قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مطاعًا، وهوى مُتَّبَعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودَعْ عنك أمر العوام. فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهنَّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، قيل: يا رسول الله أجر خمسين منهم، قال: أجر خمسين منكم» ثم روى بإسناده عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى للغرباء ثلاثًا، قالوا: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل في أناس سوء كثير، من يبغضهم أكثر ممن يحبهم» .

أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده عن المعافري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «طوبى للغرباء الذين يتمسكون بكتاب الله حين ينكر، ويعملون بالسُّنَّة حين تُطفأ» .

أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا أسد بإسناده عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«بدأ الإسلام غريبًا، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء حين يفسد الناس ثم طوبى للغرباء حين يفسد الناس» ، نا محمد بن يحيى، نا أسد بإسناده عن عبد الرحمن، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» هذا آخر ما نقلته من كتاب

ص: 65

البدع والحوادث للإمام الحافظ محمد بن وضاح – رحمه الله:

فتأمل رحمك الله أحاديث الغربة وبعضها في الصحيح مع كثرتها وشهرتها، وتأمل إجماع العلماء كلهم أن هذا قد وقع من زمن طويل حتى قال ابن القيم – رحمه الله – الإسلام في زماننا أغرب منه في أول ظهوره، فتأمل هذا تأملاً جيدًا لعلك أن تسلم من هذه الهُوَّة الكبيرة، التي هلك فيها أكثر الناس، وهي الاقتداء بالكثرة والسواد الأكبر، والنفرة من الأقل، فما أقل من سلم منها، ما أقله ما أقله!!

ولنختم ذلك بالحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في «صحيحه» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسُّنته ويقتدون بأمره – وفي رواية – يهتدون بهديه ويستنون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» انتهى ما نقلته والحمد لله رب العالمين.

وقد رأيت للشيخ تقي الدين رسالة كتبها وهو في السجن إلى بعض إخوانه، لما أرسلوا إليه يشيرون عليه بالرفق بخصومه ليتخلَّص من السجن: أحببت أن أنقل أولها لعظم منفعتها، قال – رحمه الله تعالى – الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا

ص: 66

الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فقد وصلت الورقة التي فيها. رسالة الشيخين الناسكين القدوتين، أيدهما الله وسائر الإخوان بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان وأدخلهم مدخل صدق، وأخرجهم مخرج صدق، وجعلهم ممن ينصر به السلطان، سلطان العلم والحجة بالبيان والبرهان، وسلطان القدرة والنصرة باللسان والأعوان، وجعلهم من أوليائه المتقين، وحزبه الغالبين لمن ناوأهم من الأقران، ومن الأئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والإيقان، والله محقق ذلك، ومنجز وعده في السر والإعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن، لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته، من الابتلاء والامتحان، الذي يميز الله به أهل الصدق والإيمان من النفاق والبهتان، إذ قد دل كتابه على أنه لا بد من الفتنة لكن من ادعى الإيمان، والعقوبة لذوي السيئات والطغيان، فقال تعالى:{الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 1 – 4].

فأنكر سبحانه على من ظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب الغالب، وأن مدعي الإيمان يتركون بلا فتنة تميِّز بين الصادق والكاذب، وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله.

ص: 67

فقال تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 14 – 15].

وأخبر سبحانه وتعالى بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة الذي يعبد الله فيها على حرف، وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر من هو عليه، بل لا يثبت على الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا فقال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11] وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31].

وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين فلا بد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54].

وهؤلاء هم الشاكرون لنعمة الإيمان، الصابرون على الامتحان، كما قال تعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]، إلى قوله:{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

[آل عمران: 148].

فإذا أنعم الله على الإنسان بالصبر والشكر كان جميع مع يقضي له من

ص: 68

القضاء خيرًا له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان

خيرًا له».

والصبار الشكور هو المؤمن، الذي ذكر الله في غير موضع من كتابه، ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشرِّ حال، وكل واحد من السراء والضراء في حقه يقضي به إلى قبيح المآل، فكيف إذا كان ذلك من الأمور العظيمة، التي هي محن الأنبياء والصديقين، وفيها تثبيت أصول الدين، وحفظ الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان، فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، كما يحبُ ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والله المسؤول: أن يثبتكم وسائر المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم نعمه عليكم الظاهرة والباطنة، وينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين على الكافرين والمنافقين، الذين أمرنا بجهادهم، والإغلاظ عليهم في كتابه المبين، انتهى ما نقلته من كلام أبي العباس – رحمه الله – في الرسالة المذكورة

وهي طويلة.

ومن جواب له – رحمه الله – لما سئل عن الحشيشة ما يجب على من يدعي أن أكلها جائز.

فقال: أكل هذه الحشيشة حرام، وهي من أخبث الخبائث المحرمة، سواء أكل منها كثيرًا أو قليلاً، لكن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحلَّ ذلك فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا مرتدًالا يُغسل، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن بين المسلمين.

ص: 69

وحكم المرتد أشر من حكم اليهودي والنصراني، وسواء اعتقد أن ذلك يحل للعامة، أو للخاصة الذين يزعمون أنها لقمة الذكر والفكر، وأنها تحرك العزم الساكن وتنفع في الطريق، وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر يباح للخاصة، متأولاً قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} الآية: [المائدة: 93].

فاتفق عمر وعليّ وغيرهما من علماء الصحابة رضي الله عنهم على أنهم إن أقروا بالتحريم جُلِدُوا، وإن أصرُّوا على الاستحلال قُتلوا، انتهى ما نقلته من كلام الشيخ - رحمه الله تعالى -.

فتأمل كلام هذا الذي ينسب إليه عدم تكفير المعيَّن إذا جاهر بسبِّ دين الأنبياء، وصار مع أهل الشرك، ويزعم أنهم على الحق، ويأمر بالمصير معهم، وينكر على من لا يسب التوحيد، ويدخل مع المشركين لأجل انتسابه إلى الإسلام، انظر كيف كفَّر المعيَّنَ، ولو كان عابدًا باستحلال الحشيشة، ولو زعم حلَّها للخاصة الذين تعينهم على الفكرة، واستدل بإجماع الصحابة على تكفير قُدامة وأصحابه إن لم يتوبوا، وكلامه في المعين، وكلام الصحابة في المعين، فكيف بما نحن فيه، مما لا يساوي استحلال الحشيشة جزءًا من ألف جزء منه. والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا

ص: 70

(1/ش) انظر رحمك الله إلى قوله: «بعض من يدعي العلم» وأمعن فيه النظر تجد أن هذه الصفة متطابقة تمامًا على أهل الإرجاء الخبيث، الذين يريدون أن يغلقوا باب الردة ونواقض الإسلام، حتى لا يقوموا المقام الذي أمرهم الله به تجاه الردة والمرتدين، من البراءة منهم، وجهادهم حتى يرجعوا إلى الإسلام، أو يقتلوا حسمًا لمادة شرهم.

(2/ش) بعد ما منّ الله على إمام الدعوة، الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - بفهم قضية التوحيد قولاً وعملاً واعتقادًا، وبعد ما تيقن أنها زبدة دعوة الرسل أجمعين، وبعد ما أدرك أن نصوص القرآن في الأمر بالتوحيد، وفي النهي عن الشرك، وأن نصوص القرآن في محاربة الشرك والمشركين شيعة الطواغيت، لم تكن في قوم قد خلوا، ولم يعقبوا وارثًا ولم تكن في قوم كانوا فبانوا

بعد هذا بدأ الإمام في دعوة قومه إلى التوحيد بإفراد الله بالعبادة، مع البراءة من المشركين وشركهم، ولم يظهر وقتئذ العداوة والجهر بالتكفير، وأحكامه لمن وقع في الشرك، حتى غلب على ظنه أن الدعوة قد بلغت، وأن

ص: 71

الحجة قد ماتت، وبذلك يستحق المخالف أن يقتل ويعاقب ويعذب امتثالاً لقول الله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].

وهذا كان دأبه في بداية دعوته، مراعاة لأحوال الناس وتقديرًا لغربة الإسلام، وانتظارا للفيئة وللنقلة المذهلة المرادة لقومه من الشرك إلى التوحيد.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسالة بعث بها إلى عبد الله بن عيسى: «ولولا أن الناس إلى الآن ما عرفوا دين الرسول، وأنهم يستنكرون الأمر الذي لم يألفوه، لكان شأن آخر، بل والله الذي لا إله إلا هو، لو يعرف الناس الأمر على وجهه، لأفتيت بحل دم ابن سحيم وأمثاله، ووجوب قتلهم، كما أجمع على ذلك أهل العلم كلهم، لا أجد في نفسي حرجًا، ولكن إن أراد الله أن يتم هذا الأمر، تبين أشياء لم تخطر لكم على بال» (1).

ولقد سلّ الله لإمام الدعوة سيف الأمير محمد بن سعود - رحمه الله تعالى - لغزو الشرك وهدم حصونه وقلاعه، فسار المسلمون تحت راية التوحيد يقاتلون المعاندين من الكفار والمشركين، وكانوا كلما فتحوا قرية أقاموا فيها التوحيد، ودعوا أهلها إليه، وأمروا عليهم من يقيم حكم القرآن وشريعة الإسلام، والتي من أهم شرائعها: قتال الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

(1) الدرر السنية (8/ 54).

ص: 72

قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] فإذا استقر التوحيد وأحكامه في تلك القرية قاتلوا بها من بعدها

ولا شك أن قتال المرتدين عن التوحيد، أو الشرائع، أو الشعائر من أهم وأظهر خصائص هذا الدين، قال الله تعالى متوعدًا المرتدين:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54].

والآن نفسح المجال للإمام الشيخ حسين بن غنام -رحمه الله تعالى- في كتابه الرائع «تاريخ نجد» المسمى «روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام» ليبين لنا سبب ردة أهل «حريملا» وعلة قتالهم، ولكن قبل الشروع في المقصود لا بد أن نشير إلى أن الشيخ ابن غنام كان معاصرًا لإمام الدعوة، بل وكان من أتباعه المقربين إليه، وقد كتب هذا المرجع الذهبي الهام بطلب من الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبهذا أصبح هذا الكتاب الفريد في بابه أصح واصدق ما كتب عن تاريخ الدعوة المباركة، وكل من كتبوا بعده حول هذا الموضوع فهم عيال على الشيخ حسين بن غنام، ولذلك فلقد تعين النصح بوجوب الاهتمام بهذا الكتاب، من قبل الذين يريدون فهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومراحلها التي مرت بها.

ص: 73

قال الشيخ حسين بن غنام -رحمه الله تعالى- في كتابه النفيس: «وفي شوال من هذه السنة (1165 هـ) ارتد أهل «حريملا» - وكان قاضيها سليمان ابن عبد الوهاب، أخا الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وكان الشيخ حين علم أن أخاه يسعى في الفتنة، ويُلقي على الناس الشبهات قد أرسل إليه كتبًا ينصحه فيها، ويؤنِّبه على ما كان يصنع، ويحذَّره العاقبة، فأرسل سليمان إلى الشيخ رسالة زخرف فيها القول، وأكد فيها العهد، وذكر له أن لن يقيم في حريملا يومًا واحدًا إن ظهر من أهلها ارتداد».

ولكنه لم يلبث أن كشف عن غدره، ومكره، وحسده لأخيه، وغيرته منه، فنقض العهد. وتألّب أهل حريملا على من فيها من أهل التوحيد والإيمان فحاربوهم، وعزلوا والي البلدة وأميرها محمد بن عبد الله بن مبارك، بعد أن أصابه، منهم رجل اسمه ابن وحشان، ثم أخرجوه من البلد مع أولاده، وفرَّ معه غيره من أهل الدين، منهم: عزوان بن مبارك، وابنه مبارك بن عدوان، وعثمان ابن عبد الله أخو الأمير، وعلي بن حسن، وناصر بن جديع، وغيرهم.

فأتوا إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والأمير محمد بن سعود فأخبروهما بما حدث، وشرحوا لهما الأمر.

وبعد ذلك بأيام أرسلت قبيلة محمد بن عبد الله بن مبارك -وهم آل حمد الذين في حريملا- إليه أن يعود، وتعهدوا بنصرته والقيام معه، فاستشار الشيخ والأمير ابن سعود، فلم يستحسنا عودته، وقال له الأمير: إن كنت لا بدَّ

ص: 74

فاعلاً فخذ معك مددًا مني يعينونك إن تكشَّف لك الغدر.

ولكن محمد بن عبد الله بن مبارك أبي ذلك وعاد بمن معه، وكان دخوله حريملا ليلاً، فلما تبيَّن أهل البلد في الصباح عودته، اجتمعت عليه القبيلة الأخرى في البلد المعروفة بآل راشد، ومعهم أهل حريملا وحصروهم في البيت؛ ثم قتلوا الأمير، وقتلوا معه ثمانية آخرين، وهرب منهم مبارك بن عدوان إلى الدرعية.

ثم جدَّ أهل حريملا بعد ذلك في الاستعداد للحرب، ولم يكن لهم همٌّ بعد إتيانهم ذلك المنكر إلا البناء حول البلد وتسويرها، مخافة الهجوم عليهم، وتدمير البلد. ثم أرسلوا إلى مشاري بن معمر ليدخل معهم في هذا الأمر، فأبى، وأنكر عليهم مسعاهم.

وبقوا على تلك الحال بقية العام، ثم عادوا في سنة 1166هـ على أهل الدرعية فلم يفوزوا بشيء، وغزاهم المسلمون عدة مرات

(ثم تحدث الشيخ عن ردة أهل منفوحة، وما حلّ بهم جراء مفارقتهم لدينهم إلى أن قال - رحمه الله تعالى) وحين رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب تظاهر بعض أهل البلاد بالضلال، وارتداد من ارتدَّ منهم عن التوحيد، جمع في هذه السنة (1167 هـ) أهل الإسلام من بلادهم، ووعظم وبيَّن لهم سُنَّة الله فيما يجري على أهل التوحيد من أهل الفجور والشرك وكشف

لهم معاني الآيات الواردة في القرآن بذلك، وبشَّرهم بالنصر والظفر إن

ص: 75

استقاموا على الدين وثبتوا عليه، وأمرهم بالرجوع إلى الله، والتوبة، وصدق النيَّة. فتصدقوا بصدقات كثيرة، وسألوا الله النصر.

ثم إن السيايرة في بلدة ضرمي، وهم المعروفون بآل سيف، صقر وإخوته غرتهم قوتهم بعد أن قتلوا إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن وأبناءه، فخاضوا في الباطل، وهمُّوا بقتل أميرهم، فأخبره بذلك النذير، واحتقروا أهل الدين، فكثرت فيهم الظنون، وذكروا عنهم أنهم يتعاونون مع الأعداء، وأنهم غير مأمونين. فرفعوا أمرهم إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والأمير محمد بن سعود فقالا: نحن نجهل حالهم، فإن كنتم تحققتم منهم شيئًا فامضوا فيهم بعلمكم، فبادر إليهم أمير ضرمى وجماعته فقتلوهم صبرًا.

وفي هذه السنة أيضًا قُتل سليمان بن خويطر، وسبب ذلك أنه قدم بلدة حريملا خفية - وهم إذ ذاك بلد حرب - فكتب معه قاضي البلدة سليمان بن عبد الوهاب - أخو الشيخ - كتابًا إلى أهل العيينة، ذكر فيه شبهًا مريبة، وأقاويل محرَّفة، وأحاديث مُضلَّة، وأمره أن يقرأه في المحافل والبيوت. فألقى بذلك في قلوب بعض أهل العيينة شبهات غيرت قلوب مَنْ لم يتحقق الإيمان، ومن لم يعرف مصادر الكلام، فأمر الشيخ به أن يقتل فقُتل.

وفي هذه السنة ارتد رجلٌ اسمه «الغفيلي» في قصر من قصور بلدة ضرمى، وأرسل إلى إبراهيم بن سليمان رئيس ثرمداء يخبره بذلك ويستنجد به، فأرسل إليه إبراهيم جيشًا وخيلاً لتطمئن نفسه. فلما علم بذلك محمد بن

ص: 76