الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين: أن أحدًا أنكر شيئًا من ذلك، أو استشكله لأجل ادعائهم الملة، أو لأجل قوة لا إله إلا الله، أو لأجل شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أن هذا هو الشرك، ولكن من فعله، أو حسنه، أو كان مع أهله، أو ذم التوحيد، أو حارب أهله لأجله، أو أبغضهم لأجله أنه لا يكفر لأنه يقول: لا إله إلا الله، أو لأنه يؤدي أركان الإسلام، هذا ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها الإسلام،
هذا لم يسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين
الظالمين، فإن ظفروا بحرف واحد عن أهل العلم، أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه، ولكن الأمر كما قال اليمني (1) في قصيدته.
أقاويل لا تعزى إلى عالم فلا
…
تساوي فلسًا إن رجعت إلى النقد
ولنختم الكلام في هذا النوع بما ذكره البخاري في صحيحه حيث قال:
باب
تغير الزمان حتى تعبد الأوثان
ثم ذكر بإسناده: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» (2) وذو الخلصة صنم لدوس يعبدونه فقال صلى الله عليه وسلم
لجرير بن عبد الله: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» ، فركب إليه
بمن معه فأحرقه وهدمه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره قال: «فبرك
(1) هو الإمام محمد بن الأمير الصنعاني.
(2)
متفق عليه، صحيح البخاري (7116)، وصحيح مسلم (2476).
على خيل أحمس ورجالها خمسًا» (1).
وعادة البخاري رحمه الله إذا لم يكن الحديث على شرطه ذكره في الترجمة، ثم أتى بما يدل على معناه مما هو على شرطه، ولفظ الترجمة وهو قوله:«يتغير الزمان حتى تعبد الأوثان» ، لفظ حديث (2) أخرجه غيره من الأئمة، والله سبحانه وتعالى أعلم (36/ش).
(36/ش) من المهم والمهم جدًا أن يتعلم المؤمن كيف تغير الزمان، وتبدل الدين، وطرأ الشرك على عباد الله الموحدين.
فأوائل هذه الأمة لما قاموا بالتوحيد الصافي -من دخن الشرك- قولاً وعملاً واعتقادًا خرجوا وأخرجوا الناس من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية.
ثم بدأ العلم في الذهاب بقبض العلماء، وأخذ الجهل في الانتشار، وقل الناصحون، وتعاون شياطين الإنس والجن على إفساد الناس، فعملوا على فتح باب الشرك على مصراعيه، عن طريق فتح الباب لذرائعه وأسبابه ووسائله مثل: بناء المشاهد على القبور، والصلاة في المساجد المبنية عليها،
والتوجه إلى الله بالأموات، وكثرة الحلف بغير الله، واتخذت التولة
والتمائم، وغلب على الناس الشرك في الألفاظ والمقاصد والنيات، وقل الأمر
(1) متفق عليه، صحيح البخاري (2857)، وصحيح مسلم (2476).
(2)
بحثت عنه فلم أجده، والحافظ ابن حجر في الفتح لم يذكر حديثًا بهذا اللفظ تحت ترجمة الباب، انظر فتح الباري (13/ 76).
بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثر ثم غلب التشبه بالمشركين، والتسني بسنة أهل الكتاب في كثير من المعتقدات والأعمال والعادات، وموافقتهم في الأعياد، وعادت ثم سادت البدع والمحدثات، ومعلوم أن البدع بريد الكفر والمروق من الملة.
فتغير بذلك الزمان وعادت عبادة الأوثان والأنداد، وغلب على العامة عبادة الأموات، والتحاكم إلى الطواغيت، حتى صارت فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها، وحيرت العقول عن طرق قصدها، نشأ فيه الصغير، وهرم عليها الكبير حتى ظنوها سنة، فإذا جاء من يريد تغييرها قالوا: أراد تغيير السنة!!!
إلا أن الله قد قيض لدينه من يحفظه، وينصره، ويحافظ على شعائره، ويقوم على ثغوره، ويجاهد أعداءه بماله ونفسه وقلبه وبنانه ..
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (1).
وقال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من
(1) سنن أبي داود (4291)، والحاكم في المستدرك (8593)، وصححه وسكت عنه الذهبي، والطبراني في الأوسط (6527)، قال العجلوني: سند الطبراني رجاله ثقات اهـ، كشف الخفاء (1/ 281)، وصححه الألباني في السلسلة، وقال أشار الإمام أحمد إلى تصحيحه. السلسلة الصحيحة (599).
المسلمين يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة» (1).
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة» (2).
قال الإمام الرباني ابن قيم الجوزية في العبر المستفادة من هدم وثن ذي الخلصة: «ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم. فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وغلب الشرك على أكثر
(1) صحيح مسلم (1037)، ومسند أحمد (16331).
(2)
صحيح مسلم (1923)، ومسند أحمد (14193).
النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين» (1).
(1) زاد المعاد (3/ 443).