الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسول صلى الله عليه وسلم، وتبرؤوا من الشرك بالقول والفعل، ولم يبق إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه، أو فلتات اللسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة فقل لي.
وإن كنت تزعم: أن الشرك الذي خرج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من هذا فقل لي.
وإن كنت تزعم أن الإنسان إذا أظهر الإسلام لا يكفر، ولو أظهر عبادة الأوثان، وزعم أنها الدين، وأظهر سب دين الأنبياء، وسماه دين أهل العارض، وأفتى بقتل من أخلص لله الدين، وإحراقه، وحل ماله، فهذه مسألتك، وقد قررتها وذكرت: أن من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحدًا، ولم يكفروه من أهل الملة.
(الأدلة الجلية على كفر وقتل من أتى بناقض من أهل القبلة)
أما ذكرت قول الله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأحزاب: 60]-إلى قوله- {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61].
واذكر قوله: {سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} [النساء: 91]، إلى قوله: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ
…
} [النساء: 91].
واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80].
واذكر ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شخص رجلاً معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه، ليقتله ويأخذ ماله (1).
فأي هذين أعظم؟ تزوج امرأة الأب؟ أو سب دين الأنبياء بعد معرفته؟
واذكر أنه قد همَّ بغزو بني المصطلق، لما قيل إنهم منعوا الزكاة، حتى كذب الله من نقل ذلك (2).
واذكر قوله في أعبد هذه الأمة، وأشدهم اجتهادًا:«لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة» (3).
واذكر قتال الصديق وأصحابه مانعي الزكاة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم.
(1) عن يزيد بن البراء عن أبيه قال: «لقيت عمي، ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله» ؛ رواه أبو داود (3865)، واللفظ له والترمذي (1362)، والنسائي (3279)، وابن ماجة (2607)، وأحمد (17867)، وصححه ابن حبان (4112)، والحاكم (2776).
(2)
انظر تفسير الطبري، والقرطبي وابن كثير عند قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] الآية.
(3)
سبق تخريجه.
واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة وكفرهم وردتهم، لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا، والمسألة في صحيح البخاري وشرحه، في الكفالة (1).
واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر رضي الله عنه، على أن
من زعم أن الخمر تحل للخواص، مستدلاً بقوله تعالى: {لَيْسَ
عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا
اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا
(1) صحيح البخاري - كتاب الكفالة/ باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها.
وقال الحافظ -رحمه الله تعالى- معلقًا على هذه الحادثة: «قال جرير أي ابن عبد الله البجلي والأشعث أي ابن قيس الكندي لعبد الله بن مسعود في المرتدين: استتبهم وكفلهم، فتابوا وكفلهم عشائرهم وهذا أيضًا مختصر من قصة أخرجها البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود فلما سلم قام رجل فأخبره: أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة فسمع مؤذن عبد الله بن النواحة يشهد: أن مسيلمة
رسول الله.
فقال عبد الله علي بابن النواحة وأصحابه فجيء بهم، فأمر قرظة بن كعب فضرب عنق ابن النواحة، ثم استشار الناس في أولئك النفر، فأشار عليه عدي بن حاتم بقتلهم، فقام جرير والأشعث فقالا: بل استتبهم وكفلهم عشائرهم، فتابوا وكفلهم عشائرهم، وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس ابن أبي حازم أن عدة المذكورين: كانت مائة وسبعين رجلاً» فتح الباري (4/ 470).
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93]، مع كونه من أهل بدر (1).
وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر، وردتهم وقتلهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهم أحياء، فخالفه ابن عباس في الإحراق، وقال: يقتلون بالسيف، مع كونهم من أهل القرن الأول، أخذوا العلم عن الصحابة.
واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم، على قتل الجعد بن درهم، وأمثاله، قال ابن القيم:
شكر الضحية كل صاحب سنة
…
لله درك من أخي قربان
ولو ذهبنا نعدد من كفره العلماء مع ادعائه الإسلام، وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام، لكن من آخر ما جرى قصة بني عبيد، ملوك مصر وطائفتهم، وهم يعدون أنهم من أهل البيت، ويصلون الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة
(1) قال الإمام ابن أبي العز -رحمه الله تعالى- في شرحه على الطحاوية: «إن قدامة ابن عبد الله شرب الخمر بعد تحريمها، هو وطائفة وتأولوا قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة: 93] الآية فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب، اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة رضي الله عنهم، على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على استحلالها قتلوا، وقال عمر لقدامة: أخطأت استك الحفرة أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر» شرح العقيدة الطحاوية /316.
والمفتين، وأجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، يجب قتالهم (1) ولو كانوا مكرهين، مبغضين لهم.
واذكر كلامه -أي كلام ابن تيمية- في الإقناع وشرحه في الردة، كيف ذكروا أنواعًا كثيرة موجودة عندكم، ثم قال منصور: وقد عمت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرًا من عقائد أهل التوحيد نسأل الله العفو والعافية، هذا لفظه بحروفه، ثم ذكر قتل الواحد منهم، وحكم ماله.
هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة، إلى زمن منصور، إن هؤلاء: يكفر أنواعهم لا أعيانهم؟
وأما عبارة الشيخ: التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم، فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة.
فإن كان المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه: أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن، مع قول الله:{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25]، وقوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا
(1) قوله: (يجب قتالهم) أي قتال الساكنين في هذه الدار، يؤكده ما بعد.
يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22].
وإذا كان كلام الشيخ ليس في الشرك والردة، بل في مسائل الجزئيات سواء كانت من الأصول أو الفروع، ومعلوم أنهم يذكرون في كتبهم في مسائل الصفات، أو مسألة القرآن، أو مسألة الاستواء، أو غير ذلك مذهب السلف، ويذكرون أنه الذي أمر الله به ورسوله، والذي درج عليه هو وأصحابه، ثم يذكرون مذهب الأشعري أو غيره ويرجحونه، ويسبون من خالفه.
فلو قدرنا أنها لم تقم الحجة على غالبهم، قامت على هذا المعين الذي يحكي المذهبين، مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، ثم يحكي مذهب الأشعري ومن معه، فكلام الشيخ في هذا النوع، يقول: إن السلف كفروا النوع، وأما المعين، فإن عرف الحق وخالف كفر بعينه، وإلا لم يكفر» (1).
وقال الشيخ عبد الله، والشيخ إبراهيم ابنا الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان -رحمهم الله تعالى-:«وقد ذكر شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، في غير موضع: أن نفي التكفير بالمكفرات، قوليها وفعليها فيما يخفى دليله، ولم تقم الحجة على فاعله، وأن النفي يراد به: نفي تكفير الفاعل وعقابه قبل قيام الحجة عليه، وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة» (2).
(1) فتاوى الأئمة النجدية (3/ 290 - 296).
(2)
فتاوى الأئمة النجدية (3/ 66).
وقال الشيخ سليمان بن سحمان: «وشيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم
-رحمهما الله تعالى- قد صرحا في غير موضع أن الخطأ والجهل قد يغفرا لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة، في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته.
وأين التقوى وأين الاجتهاد، الذي يدعيه عباد القبور، والداعون للموتى والغائبين؟!!» (1).
(1) كشف الأوهام والالتباس - لسليمان بن سحمان /48.
(1)
(15/ش) كم أدخل المتكلمون من الشر على المسلمين في أمور دينهم، وذلك بسبب إعراضهم عن دلالات نصوص الوحيين، وتكلفهم طرقًا للوصول إلى الحق -بزعمهم- لم ينزل الله بها سلطانًا، ولذلك شاعت الردة فيهم تارة عن أصل الدين، وتارة عن بعض شرائعه، وقد يظهر هذا بعضهم، ويكتمه آخرون خوفًا من سيف الشرع الحكيم.
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية (18/ 54 - 55)، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (4/ 54،
وما بعده).
وكان هدي السلف معهم متمثلاً في محاصرتهم لكبت شرهم، واستئصال بدعهم، حتى لا يشوشوا على العامة من المسلمين في أمور دينهم.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «في الرد على بعض أئمة أهل الكلام لما تكلموا في المتأخرين من أهل الحديث، وذموهم بقلة الفهم، وأنهم لا يفهمون معاني الحديث، ولا يميزون بين صحيحه من ضعيفه، ويفتخرون عليهم بحذقهم، ودقة علومهم فيها، فقال رحمه الله تعالى: لا ريب أن هذا موجود في بعضهم، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع والأصول، وآثار مفتعلة، وحكايات غير صحيحة، ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، وقد رأيت من هذا عجائب.
لكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل. فكل شر في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر؛ ولك كل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم.
وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها، تكلف هؤلاء من القول بغير علم ما هو أعظم من ذلك وأكثر، وما أحسن قول الإمام أحمد: ضعيف الحديث خير من الرأي.
وقد أمر الشريخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاعه مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا.
مع أن الآمدي لم يكن في وقته أكثر تبحرًا في الفنون الكلامية والفلسفية
منه، وكان من أحسنهم إسلامًا، وأمثلهم اعتقادًا.
ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة سواء كانت حقًا أو باطلاً، إيمانًا أو كفرًا، لا تدرك إلا بذكاء وفطنة فلذلك يستجهلون من لم يشركهم في علمهم، وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم إذا كان منه قصور في الذكاء والبيان.
وهم كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 29، 30] الآيات.
فإذا تقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم يحصل بهذه الطرق القياسية ليس بعلم، وقد لا يحصل لكثير منهم منها ما يستفيد به الإيمان الواجب، فيكون كافرًا زنديقًا منافقًا جاهلاً ضالاً مضلاً ظلومًا كفورًا، ويكون من أكابر أعداء الرسل، ومنافقي الملة، من الذين قال الله فيهم:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} [الفرقان: 31].
وقد يحصل لبعضهم إيمان ونفاق، ويكون مرتدًا، إما عن أصل الدين، أو بعض شرائعه، إما ردة نفاق، وإما ردة كفر.
وهذا كثير غالب، لا سيما في الأعصار والأمصار، التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق. فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقال.
وإذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور
الظاهرة، التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث بها، وكفر من
خالفها.
مثل: أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله، من الملائكة، والنبيين، وغيرهم. فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل معاداة اليهود، والنصارى، والمشركين، ومثل تحريم الفواحش، والربا، والخمر، والميسر ونحو ذلك.
ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين. وإن كانوا قد يتوبون من ذلك، ويعودون كرؤوس القبائل، مثل الأقرع، وعيينة، ونحوهم، ممن ارتد عن الإسلام ثم دخل فيه.
ففيهم من كان يتهم بالنفاق، ومرض القلب، وفيهم من لم يكن كذلك.
فكثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة؛ وتارة يعود إليها، ولكن مع مرض في قلبه ونفاق، وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق، لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة.
وقد ذكر ابن قتيبة عن ذلك طرفًا في أول مختلف الحديث، وقد حكى أهل المقالات بعضهم عن بعض من ذلك طرفًا، كما يذكره أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر بن الباقلاني، وأبو عبد الله الشهرستاني، وغيرهم.
وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين، والردة عن الإسلام، كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب، وأقام الأدلة على حسن ذلك، ومنفعته، ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام.
وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي في النجاة من عذاب الله، فضلاً أن يكون موصلاً لنعيم الآخرة» (1).
(1) مجموع الفتاوى (18/ 52 - 55).
فتأمل هذا، وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة التي يذكرها أعداء الله.
لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا.
على أن الذي نعتقده، وندين لله به، ونرجو أن يثبتنا عليه: أنه لو غلط هو، أو أجل منه في هذه المسألة، وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين، أو يزعم أنه على حق، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر، الذي بينه الله ورسوله، وبينه علماء الأمة، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره، ولو غلط من غلط، فكيف -والحمد لله- ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافًا في هذه المسألة، وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون:{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} [طه: 51]، أو حجة قريش:{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ} [ص: 7].
قال الشيخ رحمه الله في الرسالة السنية لما ذكر حديث
الخوارج (1)، ومروقهم من الدين، وأمره صلى الله عليه وسلم بقتالهم قال: فإذا كان
(1) قال الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السُّنة:«صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه» ، قال ابن تيمية معلقًا عليه:«وقد خرجها مسلم في صحيحه، وخرج البخاري طائفة منها» مجموع الفتاوى (3/ 279)، والأحاديث التي جاءت في ذم الخوارج متواترة. انظر مجموع الفتاوى (4/ 500).
قال إمام المحدثين، الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه:
حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن،
أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو =
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ممن انتسب إلى الإسلام مَنْ مرق منه، مع عبادته العظيمة، حتى أمر صلى الله عليه وسلم بقتاله، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام، أو السنة قد يمرق أيضًا من الإسلام في هذه الأزمنة وذلك
بأسباب:
منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث يقول: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171].
وعلي بن أبي طالب حرَّق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خُدَّتْ لهم عند باب كندة فقذفهم فيها (1)، واتفق الصحابة على قتلهم لكن
= يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال يا رسول الله: اعدل! فقال صلى الله عليه وسلم: «ويلك ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله: ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال: «دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس» قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته صحيح البخاري (3610)، وصحيح مسلم (1064).
(1)
صحيح البخاري (6922)، وسنن الترمذي (1458)، ومسند أحمد (2420).
ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء.
وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه.
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبها فإن تاب وإلا قُتل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليُعبدَ وحده لا شريك له، ولا يُجعل معه إله آخر.
والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل: المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، إنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون صورهم، ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله رسله تنهى أن يُدعى أحدٌ من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً} [الإسراء: 56].
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة -ثم ذكر رحمه الله تعالى آيات ثم قال-: وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال:«أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده» (1)، ونهى عن الحلف بغير الله وقال:«من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (2)، وقال في مرض موته:«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، يحذر ما صنعوا (3) وقال:«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (4)، وقال:«لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (5).
ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان تعظيم القبور.
ولهذا اتفق العلماء على أنه من سَلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، لأنه إنما يكون ذلك لأركان بيت الله،
(1) سبق تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
متفق عليه، صحيح البخاري (1330)، صحيح مسلم (531).
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
مسند أحمد (8449)، ومسند أبي يعلى (469)، ومصنف عبد الرزاق (6726)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (2/ 97).
فلا يُشبَّه بيت المخلوق ببيت الخالق. كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملاً إلا به ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا}
[النساء: 116].
ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، وأعظم آية في القرآن آية الكرسي:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}
[البقرة: 255].
وقال صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة (17/ش)» (1).
والإله هو: الذي يألهه القلب عبادة له واستعانة به ورجاء له وخشية وإجلالاً. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (2).
(17/ش) المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة» ، أي من كان عالمًا بمعناها وعاملاً بمقتضاها، ثم نطق بها في آخر حياته.
(1) سنن أبي داود (3116)، ومسند أحمد (22180)، والحاكم في المستدرك (1299)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (9280).
(2)
مجموع الفتاوى اختصارًا من (3/ 383 - 400).
فهذا الحديث مطلق، وقد قيدته غيره من النصوص مثل قوله صلى الله عليه وسلم:«من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (1).
قال العالم الرباني، الإمام النووي رحمه الله تعالى: «وأما معنى الحديث، وما أشبهه فقد جمع فيه القاضي عياض رحمه الله كلامًا حسنًا، جمع فيه نفائس فأنا أنقل كلامه مختصرًا، ثم أضم بعده إليه ما حضرني من زيادة.
قال القاضي عياض رحمه الله: اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين. فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان.
وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها.
وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق.
وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له عذب، فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة.
قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره قلنا: محمله على أنه غفر له، أو أخرج من النار بالشفاعة، ثم أدخل الجنة. فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم:«دخل الجنة» أي: دخلها بعد مجازاته بالعذاب. وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض
(1) صحيح مسلم (26)، ومسند أحمد (434).
العصاة، فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «وهو يعلم» إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة: إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه. وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله صلى الله عليه وسلم:«غير شاك فيهما» وهذا يؤكد ما قلناه.
قال القاضي وقد يحتج به أيضًا من يرى: أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين، لاقتصاره على العلم.
ومذهب أهل السنة: أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما، ولا تنجي من النار دون الأخرى، إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه، أو لم تمهله المدة ليقولها، بل اخترمته المنية.
ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ إذ قد ورد مفسرًا في الحديث الآخر: «من قال لا إله إلا الله» ، و «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» .
وقد جاء هذا الحديث، وأمثاله كثيرة في ألفاظها اختلاف، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف.
فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث وفي رواية معاذ عنه صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ، وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم:«من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة» ، وعنه صلى الله عليه وسلم:«ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا حرمه الله على النار» ، ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان
ابن مالك، وزاد في حديث عبادة:«على ما كان من عمل» ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه:«لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة» ، و «إن زنى وإن سرق» وفي حديث أنس رضي الله عنه:«حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى» ، وهذه الأحاديث كلها سردها مسلم رحمه الله في كتابه (1)، فحكى عن جماعة من السلف رحمهم الله، منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي.
وقال بعضهم: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه من قال الكلمة، وأدى حقها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصري.
وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم، والتوبة، ومات على ذلك، وهذا قول البخاري.
وهذه التأويلات إنما هي إذا حملت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نزلت منازلها فلا يشكل تأويلها على ما بينه» (2).
ولا أدل على ذلك من حديث أبي طالب عند وفاته، قال إمام المحدثين، الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل
(1) انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي (1/ 218 - 219).
عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لأستغفرن لك ما لم أنه عنه» ، فنزلت:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ونزلت {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}
[القصص: 56]» (1).
فهذا أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية قد فقها في دين الله، ما لم يفقهه أذناب المرجئة، فعلما -لعنة الله عليهما- أن النطق بكلمة التوحيد يعني: الانخلاع والبراءة والرغبة عن ملة الكفر، يعني: الانخلاع من الالتزام بكافة الشرائع المنسوخة والفاسدة إلى الالتزام بشرائع الإسلام وحده.
يعني: التحول من ولاء إلى ولاء، ومن براء إلى براء آخر.
يعني: الشهادة ببطلان كافة الملل والمذاهب الأخرى، والشهادة على أصحابها بالكفر في الدنيا، والخلود في النيران في الآخرة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في تعليقه على حديث أبي طالب: «ولمعرفتهم معنى هذه الكلمة: نهوا أبا طالب، عن أن يقولها عند موته، لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» ،
(1) متفق عليه، صحيح البخاري (3884)، وصحيح مسلم (24).
قال له أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟
علموا أنه لو قالها لترك عبادة غير الله وأنكرها، لمعرفتهم ما دلت عليه من النفي والإثبات؛ قال الله تعالى:{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 35، 36].
وأما: هذه الأمة؛ فلما كثر الشرك فيهم، كما كثر في أولئك، وبنيت المساجد على القبور، وعبدت؛ وبنيت المشاهد على اسم من بنيت باسمه من الصالحين وعبدت، صاروا يقولون: لا إله إلا الله، والشرك قد قام في قلوبهم، واتخذوه دينًا، فأثبتوا ما نفته هذه الكلمة من عبادة غير الله، وأنكروا ما دلت عليه من الإخلاص» (1).
وهنا يبرز سؤال: هب أن طاغوتًا من الطواغيت معلن بالكفر البواح، ثم قبل موته نطق بالشهادتين فهل يحكم له بالإسلام إذا كان منتسبًا لهذا الدين وقت تلبسه بالطغيان؟
والجواب: إن كان قد تبرأ من الكفر الذي كان واقعًا فيه قبل موته، ثم نطق بالشهادتين في آخر حياته فهذا نحكم له بالإسلام في الدنيا، ونرجو له النجاة في الآخرة.
(1) الدرر السنية (2/ 215).
وأما إذا لم يعلن البراءة الواضحة من الكفر والنواقض التي كان متلبسًا بها، فلا نحكم له بالإسلام إذا نطق بالشهادتين قبل موته.
وإذا كان قد تاب في الباطن، ولم يعلنها في الظاهر لسبب يمنعه من هذا فهذا ينفعه عند الله في الآخرة، ولكن في الدنيا تجري عليه أحكام الكفر.
فهاهم مانعو الزكاة قاتلهم أبو بكر الصديق وأصحابه رضي الله عنهم قتال مرتدين، وهم ينطقون بقول:(لا إله إلا الله)، ولم تنفعهم لأنهم قد قاموا بنقضها، فقتلوا وهم ينطقون بها.
وهذه كانت شبهة الفاروق عمر حتى أزالها بفضل الله صديق الأمة الأول أبو بكر رضي الله عنهما.
وقال قولته المشهورة: «والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه»، فجعل المبيح للقتال: مجرد المنع عن أداء الزكاة لا جحد وجوبها، وسوف يأتي ذلك بالتفصيل في أثناء شرح هذه الرسالة المباركة بحول الله وقوته.
فتأمل: أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيًا أو وليًا، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني ونحوه، أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، هل يكون هذا إلا في المعين؟ والله المستعان.
وتأمل كلامه في اللات والعزى ومناة وما ذكر بعده يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرح المنازل في باب التوبة: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًا يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين.
وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسان «ديدنا له» إن قام، وإن قعد، وإن عثر، وإن استوحش، وهو لا ينكر ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده، وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر، قال الله تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء:
{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3](17/ش).
فهذه حال من اتخذ من دون الله وليًا يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى، وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره.
والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم
(17/ش) ما أثقل هذه الآية على المشركين، الذين عبدوا مع الله غيره، ولم يخلصوا دينهم له سبحانه.
فالله جل في علاه أعلمنا وأنبأنا: أن التوحيد دينه الصحيح المتقبل، وأن الشرك دين باطل مردود، ولو كان صاحبه يزعم أنه يتقرب به إلى الله زلفى، ويبتغي به عنده منزلة. فهذه حجة كفار قريش وأتباعهم لو كان المشركون يفقهون.
قال الإمام ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- في بيان معنى الآية: «قوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} ، يعني: الخالص من الشرك، وما سواه ليس بدين الله الذي أمر به. وقيل: المعنى لا يستحق الدين الخالص إلا لله.؟
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} يعني: آلهة. ويدخل في هؤلاء اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى لقوله: المسيح ابن الله، وجميع عُباد
الأصنام» (1).
(1) زاد المسير في علم التفسير (7/ 161).
عند الله، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له» (1) ثم ذكر الشيخ -يعني ابن القيم رحمه الله فصلاً طويلاً في ذكر هذا الشرك الأكبر.
ولكن تأمل قوله: «وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره» يتبين لك بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد (2) وزعم أن كلام الشيخ في الفصل الثاني يدل عليها، وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. وذكر في آخر هذا الفصل أعني الفصل الأول في الشرك الأكبر -الآية التي في سورة سبأ:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سبأ: 22]- إلى قوله: {إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23](18/ش).
(18/ش) لو فقه الناس دلالة هذه الآية العظيمة لعلموا بطلان الشرك، ولقطعت مواده وأسبابه وأصوله من قلوبهم، ومن على جوارحهم.
فجميع المخلوقات من إنس وجن وملائكة وغيرهم، لا يملكون مثقال ذرة في هذا الكون العظيم، ولا يوجد لأحد منهم شرك فيه، فعلام إذًَا يدعون من دون الله؟!!
فقد يقول أحد المشركين أرجو شفاعتهم؟
فالجواب: أنه لا يستطيع أحد مهما -علت مرتبته- أن يشفع في أحد إلا من بعد إذن الله.
(1) مدارج السالكين (1/ 339 - 340).
(2)
سوف يأتي بمشيئة الله ذكره واسمه من الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه فيما بعد.
والله -جل في علاه- لا يأذن إلا لموحد مؤمن أن يشفع في موحد عاص فكفى بنور هذه الآية تجريدًا للتوحيد، واجتثاثًا لأصول الشرك ومواده
لمن عقلها.
قال إمامنا، الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 22، 23]، فبين سبحانه أن من دعي من دون الله من جميع المخلوقات، من الملائكة والبشر وغيرهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه، وأنه ليس له شريك في ملكه، بل هو سبحانه له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأنه ليس له عون يعاونه كما يكون للملك أعوان وظهراء، وأن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا لمن ارتضى.
فنفى بذلك وجوه الشرك، وذلك أن من يدعون من دونه إما أن يكون مالكًا، وإما أن لا يكون مالكًا؛ وإذا لم يكن مالكًا، فإما أن يكون شريكًا، وإما أن لا يكون شريكًا.
وإذا لم يكن شريكًا، فإما أن يكون معاونًا، وإما أن يكون سائلاً طالبًا، فالأقسام الأول الثلاثة وهي الملك والشركة والمعاونة منتفية.
وأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه. كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ
عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]» (1).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع؛ والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع:
إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده.
فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا متنقلاً من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه.
فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها» (2).
(1) زيادة القبور والاستنجاد بالمقبور لابن تيمية /5 - 6.
(2)
مدارج السالكين (1/ 342 - 343).
(20/ش) يا أهل البصيرة، ويا أصحاب القلوب الحية علموا أبناء الإسلام الجاهلية ليتقوها، عرفوهم الشرك ليستقيموا على التوحيد، بينوا لهم الكفر ليعتصموا بالإيمان، أخبروهم بالمعصية ليعضوا على الطاعة.
دلوهم على المجاهدين في سبيل الله لينصروهم ويوالوهم، وعلى أئمة الكفر والزندقة ليكفروا بهم ويتبرأوا منهم.
بينوا سبيل المجرمين والطواغيت ليجتمع أهل الإسلام على النكاية بهم وحربهم
…
إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عظيم.
وإن تتولوا عن البيان العظيم، فسوف يستبدل الله بكم غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم. قال الله تعالى متوعدًا المدبرين عن دينه، الموالين لأعدائه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54].